يوميات الحرب الليبية (الحلقة الرابعة): مقتل قيادات مهمة في أنصار الشريعة بينهم جزائريون ومصريون في معركة «جسر بنينة الأول»

الجيش يحقق انتصارات غير متوقعة على تحالف المتشددين في بنغازي رغم تواضع إمكانيات العتاد والإسناد

الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)
الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الرابعة): مقتل قيادات مهمة في أنصار الشريعة بينهم جزائريون ومصريون في معركة «جسر بنينة الأول»

الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)
الجيش الليبي نشر العديد من نقاط التفتيش لمحاصرة المتطرفين والقبض عليهم ({الشرق الأوسط»)

يوجد حول مدينة بنغازي، مثل غالبية المدن الليبية الأخرى، آلاف المزارع التي لا تشبه المزارع المتعارف عليها في دول العالم. هي ليست نشاطا اقتصاديا، ولكنها مجرد ملكيات خاصة إضافية تُتخذ أماكن لتزجية الوقت وقضاء نهاية الأسبوع بعيدا عن البيت وصخب المدينة، ويكون ذلك بصحبة الأسرة أحيانا، ومع الأصدقاء والخلان في معظم الأحيان. وحين ضرب الجيش الليبي بقيادة اللواء المتقاعد خليفة حفتر، معسكرات المتطرفين في بنغازي، فروا بأسلحتهم وآلياتهم، واستولوا على مئات المزارع من أصحابها، وحولوها إلى مراكز ومواقع لاستهداف قوات الجيش والشرطة.. واستهداف كل من لا يخضع لحكم ما يسمى «مجلس شورى الثوار» المكون من خليط من جماعات مسلحة وميليشيات بالمدينة، منها جماعة الإخوان وأنصار الشريعة والدروع وتنظيم داعش الليبي.

تمتلك كل أسرة تقريبا من أسر الطبقة المتوسطة والطبقة الثرية، مزرعة في ضواحي المدينة، تتراوح مساحة الواحدة منها بين ألف متر مربع و10 آلاف متر مربع. وكل مزرعة محاطة بسور لا يقل ارتفاعه عن مترين، ولكل منها بوابة ضخمة من الحديد تحفظها من السرقة. وانتشرت ظاهرة تأسيس المزارع في ليبيا منذ ثمانينات القرن الماضي، وبدأت أولا في أوساط المشتغلين في الدولة من قيادات أجهزة الأمن والوزارات والإدارات المحلية، وزادت بين سكان المدن الكبيرة خاصة بعد التوسع في تصدير النفط في العقود التالية. ويوجد في كل مزرعة غرفة أو غرفتان على الأقل، ويزيد بعض الموسرين من الغرف التي تتحول أحيانا إلى ما يشبه المبنى السكني المتكامل. وكل مزرعة مزودة بمصدر للمياه والكهرباء.
ويحرص كل صاحب مزرعة على زراعتها بأشجار الزينة والأشجار المثمرة وكذا الورد والنعناع وغيرها مما يحب، ويتفنن في الاعتناء بالمكان وجلسات الضيوف وركن الشواء والسهر. وتظل غالبية هذا النوع من المزارع مهجورة، وهي مصفوفة جوار بعضها بعضا على مساحات واسعة، وتتحول إلى ما يشبه مساكن للأشباح، ولا تدب فيها الحياة والحركة إلا في نهاية كل أسبوع أو في الإجازات الدينية والرسمية.
وتبعد بعض هذه المزارع عن قلب مدينة بنغازي بنحو 20 كيلومترا أو 30 كيلومترا. وبعضها يشرف على طريق المطار والبعض الآخر على الطريق الدائري المار من جنوب شرقي المدينة ويصل حتى أقصى الغرب حيث توجد منطقة قار يونس، وهي منطقة كانت تغص بمعسكرات شهيرة يسيطر عليها المتطرفون الذين رفضوا إلقاء السلاح بعد انتهاء الثورة ضد القذافي. وقامت قوات الجيش، في صيف هذا العام، بتوجيه ضربات موجعة لمعسكرات «17 فبراير» و«رأف الله السحاتي» و«أنصار الشريعة»، ما اضطر عناصر المتطرفين للهجوم على المزارع المنتشرة حول المدينة، واحتلالها وتحويلها إلى مناطق للتجمع والإيواء وتخزين الأسلحة، واحتجازهم الخصوم وتعذيبهم أيضا.
وبينما بدأت قوات الجيش في التقدم على الأرض لطرد باقي المتشددين من قلب بنغازي، التي يبلغ عدد سكانها أقل قليلا من مليون نسمة، يبدو أن هذه القوات تجد صعوبة كبيرة في تحديد المزارع التي يتمركز فيها المتطرفون، خاصة في المناطق القريبة من معسكر الصاعقة التابع للجيش في ضاحية «بوعطني» شرقا وعلى طريق الطليحة الرئيس، وفقا للمعلومات المتوفرة لدى الاستخبارات الليبية الجديدة. ومن داخل معسكر عمر المختار في شرق البلاد يتابع قادة الجيش الكبار في رئاسة الأركان مجريات الحرب. وتوجد في مدخل المعسكر دبابات روسية الصنع تعود لعهد الستينيات والسبعينات. وتبدو التطورات في بنغازي كافية لرفع معنويات القادة والجنود الذين يرابطون في شرق المدينة، بينما كان المقدم مراد، مدير مكتب رئيس الأركان، يتلقى الاتصالات عن العمليات وهواتفه لا تتوقف عن الرنين.
وفي اليوم التالي، وبينما يتزايد عدد أسر النازحين عن المدينة هربا من القتال، بدأ الجيش يفرض مزيدا من الضغط على قوات المتشددين في شرق بنغازي، وأغلقت 4 مدرعات وسيارة إسعاف وسيارتان دفع رباعي ونحو 10 جنود، الطرق المؤدية إلى «مزرعة الإصلاح» التي يتحصن فيها مجموعة من أنصار الشريعة، وتقع المزرعة بين عدد من المخازن التجارية المغلقة في ضاحية السلام. وانطلقت قذيفة «آر بي جي» من وراء السور، وانفجرت في واجهة مخزن وطيرت أبوابه. كانت محاولة من المتحصنين لإخافة طليعة الجيش. وتقدم 5 من الجنود عدة خطوات، فأطلق المتطرفون قذيفة أخرى، ودوى صوت الانفجار وارتفعت ألسنة اللهب وانهارت واجهة مخزن الرخام المجاور. وبعد قليل بدأ وابل من الرصاص ينهال من داخل المزرعة بشكل عشوائي.
وانحنى الجنود الـ5 وهم يقتربون من السور، لكن رصاصة أصابت ساق أحدهم، فوقع على الأرض وبدأ الدم ينزف من تحت سرواله العسكري المبرقش، فزحف وهو يتقهقر ويحتمي بجذوع أشجار وقوالب إسمنتية على جانب الطريق الترابي، إلى أن تمكنت مدرعة في الخلفية من التقاطه وتسليمه إلى سيارة الإسعاف. وتقدم 3 جنود آخرون لدعم باقي المجموعة.. وأخيرا تمكنوا من إجبار المسلحين المتحصنين بالداخل على الفرار. يبدو أنهم كانوا 3 لأن مواقع فوارغ الذخيرة كانت مبعثرة في 3 أماكن داخل سور المزرعة. وعثر الجنود على جثتين لشابين ليبيين كانا محتجزين قبل أن يطلق عليهما المسلحون الرصاص تحت شجرة أكاسيا، ويختفوا.
وبعد الضحى تمكنت مجموعة أخرى من الجنود من فتح ثغرة إلى داخل الطريق المعروف باسم طريق دريانة، وبينما لحق بهم نحو 9 من زملائهم وهم يتلقون تعليمات «الآمر» عبر جهاز اللاسلكي، لتمشيط المنطقة بحثا عن مسلحين جدد، بدأت بقية القوات تتحرك إلى الأمام بعد إسكات نيران المتطرفين ومطاردتهم. إنها حرب مُدن بكل معنى الكلمة. وتواجه الجيوش النظامية في حروب المدن عادة مشكلة في تحريك الآليات والجنود. وخلال ذلك برزت وجوه لنساء وأطفال من فوق أسطح المباني المطلة على الشارع، ورفعت امرأة منديلا ملونا ولوحت به وهي تحيي مع جيرانها قوات الجيش المصممة على تحرير المدينة، وانطلقت من فوق الأسطح الزغاريد والأغاني ووزع بعضهم زجاجات مياه مثلجة على الجنود.
ورفع العقيد فرج البرعصي، آمر المجموعة العسكرية المتقدمة هنا، يده وهزَّ سلاحه من ماركة «إيه كيه 47» محييا المواطنين الذين كانوا قد ذاقوا الأمرين طيلة أكثر من سنتين على أيدي جماعات المتطرفين. ورفع علامة النصر، بينما كان عدة مئات من جنوده قد توغلوا، بحلول الظهر، داخل المحور الشرقي للمدينة الذي كان المتشددون يسيطرون عليه وينصبون فيه الحواجز قبل أيام.
ويقول الرائد حسين، أحد المشاركين في العملية، وهو يتابع تحركات الجنود بجهاز اللاسلكي إنه جرى القبض على 13 من عناصر أنصار الشريعة منذ بداية عمليات اليوم، وجاري تنظيف الضواحي الشرقية بالمدينة من بقايا المتطرفين.
وبالإضافة إلى معارك مزرعة الإصلاح ومنطقة دريانة والشارع المسمى باسمها، شملت أعمال التمشيط أيضا منطقة الكويفية في عمق المدينة وهذا أمر لم يكن متوقعا. كما جرى القبض على 6 آخرين على الأقل من أنصار الشريعة، كانوا يختبئون في منزل هجره سكانه منذ بداية العمليات في منطقة «سيدي خليفة»، بعد أن نفدت منهم الذخيرة. وقادهم 3 من الجنود إلى داخل شاحنه عسكرية. وسارت عملية الزحف العسكري في هذا النهار الممطر بالتزامن مع عمليات أخرى لاصطياد المتطرفين المتمركزين في عدد من المزارع، خاصة في منطقة الغوط.
وفي اليوم الثالث بدأت معارك من نوع جديد. وقبل شروق الشمس بقليل وصلت 50 آلية عسكرية غالبيتها من سيارات الدفع الرباعي المدنية المجهزة بالرشاشات والمصدَّات الحديدية الإضافية، ومن فوقها تظهر رؤوس الجنود المتحفزين. وتمركزت على مشارف «جسر بنينة الأول» على طريق مطار بنينة وهو مطار مدني وعسكري كانت قوات المتطرفين تسعى طيلة أشهر للسيطرة عليه دون جدوى، رغم استخدامها للصواريخ والمدفعية ضد قوات تأمين المطار.
وفجأة ارتفعت صيحات التكبير بين الجنود والضباط. فقد وصل حالا خبر اقتحام قوات الجيش في الجانب الآخر من بنغازي لمعقل أحد أخطر قيادات التطرف، والذي يلقبه أهالي المدينة باسم «بوكا»، بينما اسمه الحقيقي هو محمد العريبي. وجاءت الأخبار عبر جهاز اللاسلكي. القوات الآن في منزل «بوكا» نفسه، لكنه هرب على عجل وترك خلفه متعلقات مهمة من بينها حاسوب ومعلومات عن أسماء مساعديه وأرقام هواتف عدد منهم.
وتعالت صيحات التكبير مرة أخرى. وجرى تسوية مبنى «بوكا» بالأرض على أيدي مواطني المدينة المتعطشين للانتقام من قادة المتشددين، الذين جلبوا المقاتلين الأجانب من دول العالم لقتال الليبيين وكانوا يعطون أوامر بصلب المخالفين وشنقهم وقطع رؤوسهم جهارا نهارا - كما يقول الأهالي - في ساحات المدينة التي كانت مهد الثورة ضد القذافي.
ومن المعروف أن جماعة أنصار الشريعة الموالية لتنظيم القاعدة والمدعومة من جماعة الإخوان، كانت قد استولت على عدد من معسكرات الجيش في بنغازي في أواخر شهر رمضان الماضي، إلا أن الجيش قال: إنه هو الذي بادر بالانسحاب التكتيكي تمهيدا للعودة لاحقا لتطهير المدينة من المتطرفين، لكن أنصار الشريعة حاولت بعد ذلك أن تعزز من سيطرتها على بنغازي وتزيل كل مظاهر الدولة، بما فيها القيام بتفجير مبنى مديرية الأمن، واحتلال معسكرات للجيش وقوات الصاعقة والقوات الخاصة، والإعلان عن رفضها للانتخابات والبرلمان والأحزاب، قائلة إنها «ثقافة غربية كافرة»، ما أدى إلى إصابة أهالي المدينة بالذهول، قائلين إن الثورة التي قاموا بها في 2011 كانت من أجل الديمقراطية والحرية والكرامة.
وجاء نهار جديد لمعركة بنغازي.. وبدأت أشعة الشمس تلقي بضوئها على حواف «جسر بنينة الأول»، وعلى الحواجز التي نصبها أفراد الجيش. وجرى تفتيش السيارات الخاصة القادمة من وسط المدينة، وتوجيهها إلى مسالك أخرى بعيدا عن مسرح العمليات الملتهب. وكانت المعلومات التي جعلت قوات الجيش تحاصر منطقة الجسر تقول إن المتطرفين يتخذون من عدة مزارع مجاورة أوكارا لهم، ويقومون من داخلها بإطلاق صواريخ من نوع غراد على الآليات العسكرية التي كانت قد بدأت تنتشر قبل يومين لفرض الأمن في المنطقة. كان الجميع يترقب. متى ستنطلق الطلقة الأولى ومن أين.
ونزل النقيب عبد الله، أحد قادة المجموعة العسكرية في «جسر بنينة»، من سيارته، وبدأ يستعرض خريطة للتحرك مع عدد من الجنود لتحرير مزارع الجسر. والسيارة التي يقودها عبد الله لها معزة خاصة لديه، وهي دفع رباعي سوداء مكتوب عليها كلمة «شرطة». ويقول إن المتطرفين كانوا قد استولوا عليها حين هاجموا مقر مديرية أمن بنغازي وفجروه في الأيام الماضية، وتمكن النقيب من خوض معركة في طريق المطار، بمفرده، لاستعادتها، ونجح في ذلك وألقى أيضا القبض على الشبان الـ3 الذين كانوا يستخدمونها في اصطياد خصومهم بالمدينة.
وتعود أصول النقيب الأسمر لقبيلة التبو الليبية التي يتركز وجودها في كل من إقليم فزان في الجنوب وفي منطقة الكفرة في الشرق. ويضيف قائلا إن غالبية الليبيين «لديهم دائما مخاوف من الإسلاميين، ويرفضون أفكارهم، وغير مقتنعين بهم.. ليبيا دين وسطي مثل مصر. كل هذا التطرف جديد علينا.. جديد على ليبيا.. كان الإسلاميون المتطرفون، خلال السنوات الـ3 الماضية، يسيطرون على الدولة؛ جماعة الإخوان، والجماعة المقاتلة، وأنصار الشريعة والتكفيريون.. كلهم كانوا مسجونين في سجن أبو سليم بطرابلس (في عهد القذافي)، واليوم يكفِّرون المجتمع، وسهلوا دخول متطرفين آخرين من دول عربية وأجنبية لليبيا، ويقولون: إن من يذبح جنديا من الجيش الليبي يدخل الجنة، ولهذا قُتل أكثر من 500 جندي وضابط خلال العامين الأخيرين».وفجأة أزَّ الرصاص فوق الرؤوس. واتخذ الجنود مواقعهم، وبدأت عملية الاستعداد للرد. واستمرت المعارك هناك مدة يومين إلى أن جرى تطهير المنطقة من المسلحين. وتقول مصادر عسكرية إنه يعتقد أن زعيم تنظيم أنصار الشريعة في بنغازي، محمد الزهاوي، قتل في هذه المعركة التي خسر فيها الجيش 3 جنود، بينما لا توجد تأكيدات رسمية وقاطعة عن مصير الزهاوي، أو باقي قيادات المتطرفين مثل وسيم بن حميد و«بوكا».
ويعتقد أيضا أن الزهاوي تعرض لإصابات مباشرة بالرصاص وقتل في معركة بنينة عند جسر بنينة الأول على طريق المطار، لأن محادثات المقاتلين المتطرفين في أجهزة اللاسلكي والتي جرى التنصت عليها أثناء الاشتباكات، كانت تتضمن كلاما عن أن الزهاوي لقي مصرعه. ويتابع المصدر العسكري قائلا إن محادثات المتطرفين في اللاسلكي قالت بالنص: «الأمير استشهد.. استشهد الشيخ»، في إشارة على ما يبدو للزهاوي. كما جرى الحديث فيما بعد عن تعيين خليفة له، لكن لم يعرف اسمه بعد. إلا أن معلومات من مصادر أخرى رجحت أن يكون الزهاوي قد تعرض فقط لإصابات ونقل للعلاج في تركيا، قائلة إن «الزهاوي، بشكل عام، قليل الظهور، ولهذا لا يمكن تفسير اختفائه بعد معركة بنينة بأنه قد قتل فيها».
ووفقا لروايات ضباط وجنود، فقد قتل العشرات من أنصار الشريعة في معركة بنينة. ومن بين القيادات الأخرى في هذه الجماعة، والتي توجد تكهنات بمقتل بعضهم أيضا، هناك محمود الوحيشي، وهو من المقاتلين الليبيين السابقين في العراق، وله علاقات قوية مع كبار الزعماء المتطرفين في درنة ومصراتة، ويتردد أن لديه مزرعة من تلك المزارع مكدسة بترسانة من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، بما فيها صواريخ غراد. كما سقط في مواجهات بنينة مقاتلون من جنسيات أجنبية غالبيتهم جزائريون ومصريون وتونسيون. وبعد أيام من الكر والفر تمكن الجيش من إغلاق جميع مداخل ومخارج بنغازي، وتنفيذ أول عملية من نوعها للتوغل في الداخل، لكن المشكلة تظل في المزارع المنتشرة في ضواحي المدينة وما حولها.
الآن تمضي ساعات من التجول على الطرقات التي تربط ضواحي بنغازي.. كانت الأجواء هادئة قليلا، وكان يمكن أن تعثر على كوب ماء وسيجارة ومقعد على الرصيف. ويراقب المئات من الجنود مداخل ومخارج المزارع التي يختبئ فيها باقي المتطرفين بما جمعوه من أسلحة، وذلك في مناطق القوارشة وبوعطني. ومعروف أن هذه المزارع الشاسعة والمجهزة والثرية كانت أساسا مملوكة لأنصار القذافي، لكن غالبية أصحابها فروا إلى خارج البلاد بعد سقوط نظام العقيد. وبعد قليل حلقت طائرة حربية، وقصفت مزرعة في الجوار، وتركت وراءها أعمدة دخان واختفت، في لمح البصر، في الأفق.
ويتفق قادة الدولة الليبية الجديدة، أي رئيس البرلمان، عقيلة صالح، ورئيس الأركان، اللواء عبد الرزاق الناظوري، على أنه لو جرى الحسم في بنغازي فسيتم حسم باقي الأمور في البلاد. ويقول عقيلة: أعتقد أنه بمجرد استقرار الأمور في بنغازي فإن باقي المشاكل ستنتهي. بينما يقول عيسى عبد المجيد، مستشار عقيلة، إن أكثر من 70 في المائة من بنغازي أصبحت تحت سيطرة الجيش والشرطة، وإنه خلال الأيام المقبلة ستكون السيطرة على المدينة بنسبة مائة في المائة.
وعقب نجاح الجيش في دخول شرق بنغازي يوضح الناظوري قائلا من خلف مكتبه في قاعدته العسكرية: نحن لدينا أجهزة أمنية تعمل داخل المدينة، ونعرف كل مطلوب من المطلوبين أين يسكن وأين يقيم.. كما نعرف المساجد التي يستغلها هؤلاء المتطرفون سواء لتجمعاتهم أو لتخزين الذخائر بداخلها، ونعرف المزارع التي طرد هؤلاء المتطرفون أصحابها منها وأصبحوا يتمركزون فيها كمعسكرات لهم. كل شيء عنهم معروف لدينا ومدروس.
وتعوِّل قيادات الدولة على عمليات تجفيف المنابع المالية للمتطرفين والتي يمكن أن تؤدي إلى انخفاض عدد من يقاتلون معهم مقابل أجر. ووفقا لمعلومات جمعتها الاستخبارات فإن قادة التطرف فيما يعرف بـ«مجلس شورى ثوار بنغازي» أغرى مئات الصِبية الذين تقل أعمارهم عن 18 عاما بالاشتراك في معارك بنينة ضد القوات المسلحة والشرطة، وأنه وعدهم بأنه، في حالة طرد قوات الجيش من المنطقة، سيصرف لكل صبي 40 ألف دينار (الدولار يساوي نحو 1.3 دينار). ويقول أحد قادة الأمن: «هذه الأموال استولى عليها المتطرفون بعد ثورة فبراير، وهي حصيلة لما جرى نهبه من الدولة الليبية ومن السرقات والسطو على الأموال العامة».
ورغم أن نحو 60 في المائة من أفراد الجيش الليبي لا يحصلون على رواتب منذ نحو 3 أشهر، فإن الدافع الرئيس للعمل والقتال في صفوف القوات المسلحة ليس الحصول على أجور فقط.. «ولكن من أجل التخلص من كابوس المتطرفين والإرهابيين الذين وصلوا لحكم ليبيا، وأثاروا فيها الفوضى بشكل جعل الدولة تتفسخ وتتفتت بين كتائب وميليشيات»، كما يقول الرائد في الجيش الليبي، حسين جمال، الذي انضم لعملية الكرامة بقيادة حفتر، ويضيف: كنت أخدم داخل رئاسة أركان الجيش (السابقة) التابعة للمؤتمر الوطني (البرلمان السابق) الموالي للإسلاميين، وذلك قبل انتهاء ولايته وانتخاب البرلمان الجديد.. «عملت تحت رئاسة المنقوش وهو من مدينة مصراتة، ومحسوب على الإسلاميين، ثم عملت مع جاد الله، وهذا الأخير لم يكن من الإسلاميين لكنه بات من المتشددين وأصبح مواليا لهم».
ويتحدث الرائد جمال عن أنه لاحظ أثناء عمله في رئاسة الأركان السابقة أنه كان هناك تعمد واضح من قيادات المتطرفين من جماعة الإخوان وغيرها، بعدم السماح بوجود جيش وطني.. ومن مظاهر هذا التعمد بناء جسم آخر مواز للجيش مثل كتائب الدروع ومشروع الحرس الوطني الذي لم يتحقق.. ومن مظاهر هذا التعمد أيضا، كما يذكر الرائد جمال، تخصيص القيادات الإخوانية، وهي في الحكم، ملايين الدولارات كرواتب للميليشيات بمقدار أعلى من رواتب ضباط الجيش.
ويقول إنه على سبيل المثال كان راتب المقدم في الجيش نحو 850 دينارا، بينما عنصر الميليشيا يحصل على 925 دينارا، على الأقل، و.. «لهذا تركت الخدمة في رئاسة الأركان بسبب الاهتمام بالمتطرفين على حساب الجيش، وانتقلتُ إلى العمل مع الجيش الوطني ومع عملية الكرامة تحت رئاسة البرلمان الجديد».
ورغم معاناته من نقص المعدات والأسلحة فإن الجيش الذي تعرض للتدمير أثناء قصف حلف الناتو لمعسكراته في 2011. تمكن من لملمة شتات نفسه أخيرا، ونجح في تغيير الدفة في الصراع الذي يقول إنه قد فُرض عليه من قادة التنظيمات المتطرفة. فبعد أن كان يتعرض للهجوم من المتشددين، أخذت الكفة تميل لصالح الجيش، وهو من يقوم بالمبادرة وباقتحام الأوكار ومطاردة فلول المسلحين بمؤازرة شباب الضواحي والمواطنين في بنغازي. ومع ذلك لا يخفي القادة غضبهم من تجاهل المجتمع الدولي و«تباطؤ الأصدقاء» في تقديم الدعم اللازم للحرب على الإرهاب.
لكن الرائد جمال يتوقع أن يردَّ المتشددون اليائسون بهجمات انتحارية وسيارات مفخخة ليس في بنغازي فقط، ولكن في كل مكان يمكن أن تطاله أيديهم. ويضيف: «أتباع الزهاوي فقدوا البوصلة.. لا يأتون للمواجهة كما كانوا يفعلون في السابق. وبعد دخول الجيش والتفاف الناس حول الجنود والضباط، لجأوا للتفجيرات ولذلك فإن الخوف من الخلايا النائمة للمتطرفين في المدن خاصة في بنغازي ومزارعها الكثيرة. وهذه سبب رئيس للقلق».
وفي اليوم السابع بدأت قوات الجيش تنقض على وسط بنغازي من عدة جبهات، لتخليصها من آخر معاقل أنصار الشريعة، بعد أن وضعت حواجز قوية من قوات الشرطة العسكرية والمتطوعين المدنيين للتصدي لأي محاولات من جانب المتطرفين المتمركزين في مزارع الضواحي الخارجية، حيث توافرت معلومات لدى الجيش عن أن المتحصنين في المزارع يسعون للقيام بهجوم مضاد والتفافي، أي من الأطراف، على القوات التي تزحف إلى قلب المدينة. وكان اليوم السابع شديد الصعوبة، حيث سبقته تحذيرات واثقة من الجيش للمتشددين «إما الاستسلام، أو القتل».
كانت الساعة قد تجاوزت العاشرة صباحا بقليل. وكانت القوات تقترب من مقر مصرف المدينة ومن شارع البحر المؤدي إلى الميناء. ومن هنا تهب النسائم المالحة والباردة والمنعشة، إلا أنها سريعا ما أصبحت معبقة برائحة البارود ودخان الحرائق، بعد أن تحولت المناوشات بطلقات الرصاص إلى حرب بالقذائف الصاروخية بشكل سريع، واندفعت آليات الجيش للأمام. كانت عبارة عن 3 دبابات روسية قديمة، ومن خلفها 3 مدرعات أميركية الصنع و7 سيارات يابانية دفع رباعي، ونحو 50 من الجنود والضباط. وفجأة انفجرت شاحنة مفخخة كانت متوقفة أمام «محل اتصالات الشهداء» على بعد نحو مائتي متر. ارتفعت الشاحنة وسط شعلة من اللهب وارتطمت بالأرض محدثة دويا أصم على جانب الطريق وتحول لونها من الأحمر إلى الأسود في طرفة عين.. كانت هذه محاولة يائسة لعرقلة تقدم الجيش.
ومن وراء الدخان بدت مجموعة من المسلحين من أنصار الشريعة صغار السن، نحو 7 أو 8، يهرولون إلى الضفة الأخرى من الشارع، واستتروا بجدار وأمطروا آليات الجيش بالرصاص، بينما اختبأ الجنود خلف الدبابات والمباني المجاورة. ومن طريق جانبي آخر بدا أن هناك مجموعة من المتطرفين قادمة للدعم وتمكنت بالفعل من إطلاق قذيفتي «آر بي جي»، أصابت إحداهما مدرعة وشطرتها نصفين، بينما انفجرت القذيفة الأخرى في الشارع، ونثرت الحجارة والقار، وتركت فيه حفرة. وتوقفت الدبابة التي في المقدمة، وحركت ماسورتها حركتين صغيرتين يمينا ويسارا، ثم أطلقت قذيفة. وبعدها اندفعت اثنتان من سيارات الدفع الرباعي المحملة بالجنود والبنادق ومدافع عيار 14.5، واختفت في الشارع الجانبي لتتعالى بعدها أصوات الطلقات من كل مكان.
وفي الاتجاه الآخر، أي في اتجاه منطقة «السيمفارو» التي تشرف على طريق الصابري، كانت معارك أخرى قد اشتعلت فجأة بسبب العثور على مجموعة متطرفين مسلحين يحاولون حصار القوات التي تشتبك مع زملائهم في بداية شارع البحر. جثث 3 أطفال قرب مفرق السيمافرو؛ بنت وولدين وأمهم تنوح جوارهم، وتهيل التراب على رأسها. كانت تحاول الفرار بهم إلى الجانب الآخر من المدينة، لكنهم قتلوا. والآن تقف في الوسط والرصاص يئز من حولها. وبعد قليل دوت انفجارات جديدة ثم حل الصمت. نظرة أخيرة.. كانت النيران وسحب الدخان والتراب قد وارت جسد المرأة النائحة، وأسكتت صوتها.
وفي الشارع المقابل كانت آثار الدماء على الأرصفة وفي تقاطعات الطريق.. شرفات المباني متهاوية وجدرانها مثقوبة بالقذائف وعليها آلاف النقر من آثار طلقات الرصاص.. هنا، بجوار ركام مبنى، توجد جثة لرجل في الـ30 من العمر. يرتدي سروالا عسكريا وسترة مدنية. ذراعه اليمنى مفصولة عن جسده. يبتسم نصف ابتسامه وعيناه شاخصتان للسماء. ومن الخلف هدر محرك آلية من آليات الحرب. وزعق صوت: اضرب هناااااك... وانطلقت قذيفة ثم زخَّات من رشاش. وصاح آخر: الله أكبر..

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الثالثة): زعيم «إمارة درنة» يتحصن بضاحية «لميس التركية» ويستخدم طيور الكناري لمراقبة هجمات الجيش
يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي
يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين


التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.