يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي

«الشرق الأوسط» ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي

طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)
طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي

طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)
طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)

تواصل «الشرق الأوسط» في هذه الحلقة الثانية اجتياز خطوط النار ورصد يوميات الحرب الليبية التي تنحصر حتى الآن بين قادة جماعة الإخوان المتشددين، خصوصا من أولئك الذين ينتمون إلى مدينة مصراتة التجارية والواقعة على البحر المتوسط، والجيش الوطني الليبي الذي تتركز قواته حتى الآن على مشارف بنغازي وهو يحاول أن يقلم أظافر أتباع الجماعة من الميليشيات المتشددة، خصوصا في كل من مدينة درنة التي أعلنت نفسها كإمارة تابعة لتنظيم داعش، وبنغازي الموالية لتنظيم القاعدة.
وبينما يبدو الجيش مصمما على خوض المعركة إلى النهاية، بدأت الميليشيات المتطرفة تشعر بالخطر. فبعد أن خسرت جماعة الإخوان وحلفاؤها انتخابات البرلمان منتصف هذا العام، اختارت السلاح لغة وحيدة حتى الآن للسيطرة على السلطة، ومحاربة جيش الدولة الوليد، ورفض الاعتراف بالبرلمان الجديد الذي اضطر إلى عقد جلساته في مدينة طبرق الواقعة على بعد نحو 1500 كيلومتر شرق العاصمة، لكن الشيخ محمود المنفي، وهو أحد القيادات الشعبية في طبرق، يقول إن المدينة ذات الطابع القبلي ترفض نهج المتطرفين في الحكم، وتتولى مع أبناء قبيلتي «العبيدات» و«القطعان» حماية مقر البرلمان إلى جانب قوات الجيش والشرطة.
هذا يبدو لك من الوهلة الأولى على السطح، لكن في الجلسات المغلقة تستمع إلى حديث من نوع مختلف، ومثير للقلق، عن الخلايا الإخوانية النائمة في المدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 140 ألف نسمة، وتعيش فيها الكثير من الجنسيات من مصريين وفلسطينيين وسوريين وسودانيين، وغيرهم. ويبدو مصطلح «الخلايا الإخوانية النائمة» مصطلحا موجزا عن التنظيمات المتطرفة التي تنتشر في ليبيا، وتتخذ من جماعة الإخوان غطاء سياسيا، رغم نفي الجماعة التهمة عن نفسها، وقولها إن ما تقوم به من عمليات قتالية تهدف إلى الحفاظ على ثورة 17 فبراير 2011 ممن يريدون الانقلاب عليها، في إشارة إلى «البرلمان الجديد» و«الجيش الوطني».
ويقول الشيخ عبد الله سعيد، وهو خطيب وإمام لمسجد المركز الطبي، أحد أكبر مساجد المدينة، إنه تلقى تهديدات من تنظيم داعش الذي يستوطن في مدينة درنة لواقعة على بعد نحو 150 كيلومترا إلى الغرب من طبرق، بعد أن هاجم الشيخ سعيد في خطبه المتطرفين الذين يرفعون السلاح في وجه الجيش والبرلمان. وبالإضافة إلى المسجد الذي يغص بألوف المصلين في صلاة الجمعة، يضم مقر المركز الطبي أيضا أماكن للعلاج، ونافذة حكومية لتخليص إجراءات سفر جرحى الحرب الذين يأتون من بنغازي وسبها، وتستدعي إصاباتهم العلاج في الخارج في دول كمصر وتونس والأردن.
ويعكس تاريخ المركز الطبي، في السنوات الأخيرة، رغبة الليبيين في فرض الاستقرار في البلاد، والتخلص من حالة الفوضى التي أعقبت انتهاء نظام القذافي. ففي أثناء «الثورة» ضد القذافي، اضطر عشرات الأطباء والممرضين الأجانب إلى ترك شققهم السكنية المخصصة لهم داخل المركز الطبي، والعودة إلى بلادهم. وعندها قام بعض المواطنين باحتلال تلك الشقق، واتخاذها مساكن لهم، إلا أن أهالي طبرق وقادتها تمكنوا من إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، وأعادوا الشقق لتكون تحت أمر المركز وأطبائه وممرضيه.
وبينما تقف عدة سيارات لقوات الأمن حول مسجد المركز لحراسة ألوف المصلين، تحدث الشيخ سعيد، في خطبة صلاة الجمعة، ومن فوق منبر المسجد، عن تهديدات «داعش» له ولأبناء طبرق، وأبدى تحديا للمتطرفين في عموم البلاد، خصوصا بنغازي ودرنة.
ويبدو المزاج العام في طبرق رافضا للإخوان ومن معهم من متشددين، ويتسم أهالي المدينة بشكل عام بالتدين لكن بشكل معتدل ووسطي. ولهذا يكشف ضابط في الاستخبارات الليبية برتبة مقدم، يدعى محمود، عن فشل الإخوان في إثارة القلاقل في طبرق حتى الآن «بسبب التماسك القبلي بالنسبة لأهالي المدينة، ورغبة العاملين الأجانب والأقليات الأخرى التي تعيش في المدينة في استمرار حالة الاستقرار بعيدا عن باقي المدن التي تشهد قتالا عنيفا بين المتطرفين والجيش الوطني».
ومع حالة الترقب واليقظة التي تتسم بها المدينة، سواء على الصعيد الأمني أو الشعبي، بدأت الكثير من القطاعات التجارية والخدمية في محاولة الاستفادة من انتقال البرلمان إلى طبرق. جميع فنادق المدينة أصبحت تغص بنواب البرلمان وذويهم ومساعديهم، بداية من فندق «دار السلام» ذي الخمس نجوم، حتى الفنادق الصغيرة المنتشرة في وسط المدينة وضواحيها، من أمثال فندق القافلة والزين والجبل. ونشطت المطاعم والمقاهي ومحال الاتصالات ودكاكين السلع الأساسية وسيارات الأجرة.
وقامت بعض المقاهي الواقعة على البحر التي كانت مهجورة منذ عهد القذافي،، الذي قتل أثناء الانتفاضة المسلحة أواخر عام 2011، بفتح أبوابها مجددا لكنها لم تقم بأي ترميمات تذكر للتخلص من آثار الحرائق والكتابات الثورية، في انتظار حسم معارك الجيش ضد المتطرفين، وهي معارك بدأت أخبارها تطغى على الحياة اليومية لليبيين في المدن الهادئة مثل «طبرق» و«البيضاء» و«شحات»، وغيرها، وتأثر بها حتى الأطفال الذين عادوا للتصويب تجاه بعضهم بعضا بالعصي كأنها أسلحة.
وعلى أحد هذه المقاهي الملقب بالنادي البحري، يوضح المقدم محمود قائلا إن الإخوان حين هيمنوا على السلطة منذ عام 2012 حتى انتخاب البرلمان الجديد، الصيف الماضي، أهملوا جهاز المخابرات الليبي، ضمن توجه عام لتهميش كل مكونات الدولة وعلى رأسها الجيش والشرطة.
ويضيف المقدم محمود أن جماعة الإخوان الليبية جماعة صغيرة ومحدودة الإمكانات، لكنها تلقت تعزيزات كبيرة من الجماعات المتطرفة الأخرى، ومنها «الجماعة الليبية المقاتلة»، الأقرب إلى تنظيم القاعدة، حيث تأسست الجماعة الأخيرة أصلا في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، لمقاتلة نظام القذافي، ومنها أيضا جماعة «أنصار الشريعة» التي أعلنت تأييدها لتنظيم القاعدة، بعد أن انشقت عن ميليشيات وكتائب متطرفة أخرى، خصوصا في بنغازي، مثل كتيبة «17 فبراير»، وكتيبة «راف الله السحاتي»، مشيرا إلى أن كل هذه الكتائب والميليشيات أصبحت تأتمر بأوامر جماعة الإخوان، وكانت تتلقى أموالا ضخمة من خزانة الدولة أثناء حكم الإخوان، الذين قاموا بتكليفها بحماية المؤسسات العامة والحدود، على حساب بناء الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية الضرورية للدولة ومن بينها جهاز المخابرات العامة الليبية المعرف باسم «جهاز الأمن الخارجي».
وبعد أن أسقط الليبيون جماعة الإخوان والجماعات المتطرفة المتحالفة معها في انتخابات البرلمان التي جرت منتصف هذا العام، لجأت تلك الجماعات إلى حمل السلاح للإبقاء على نفوذها في الدولة بالقوة، وأفشلت مساعي البرلمان الجديد لعقد جلساته في مدينة بنغازي كما ينص الإعلان الدستوري، ما اضطر البرلمان إلى الانتقال إلى طبرق، وتسيير جلساته فيها بشكل مؤقت.
هكذا يتحدث المقدم محمود وهو جالس أمام بحر طبرق في «النادي البحري» حيث تبدو أضواء ناقلات النفط والبضائع تلمع من بعيد على صفحة البحر في الظلام. ويضيف وهو يتناول كوب عصير الليمون من النادل المصري، أن المخابرات التي ما زالت تعمل بإمكانات ضعيفة اكتشفت محاولة قام بها الإخوان للتجسس على برلمان طبرق وعلى الأمن المصري قرب الحدود، إضافة إلى محاولة أخرى لتأسيس فرع في طبرق لتنظيم خاص بالجماعة يعمل على إثارة القلاقل وتنفيذ عمليات تفجير للبرلمان واغتيالات ضد النواب أيضا.. و«هذه الأعمال اليائسة لإسقاط السلطة الشرعية في الدولة».
وتعد طبرق أقرب المدن إلى معقل «داعش» في درنة، بينما تبعد عن معقل «أنصار الشريعة» في بنغازي نحو 450 كيلومترا، ولهذا يقول المقدم محمود إنه كلما زاد الضغط والحصار على الإرهابيين كان هناك توقع بأن يلجأوا للتسلل إلى طبرق للاختباء فيها، ومن ثم تنفيذ عمليات إرهابية، أو محاولة التوغل شرقا ناحية مصر، للانضمام إلى المتطرفين هناك، خصوصا في سيناء والمناطق الحدودية الأخرى.
لكن المقدم محمود يضيف قائلا إن السلطات الأمنية تدرك هذا، وتراقب تحركات المتطرفين، بالتعاون مع أبناء القبائل وبعض السلفيين الذين فروا من درنة وبنغازي، مشيرا إلى أن التنظيمات المتطرفة أصبحت تتهم هؤلاء السلفيين الليبيين بـ«الكفر» لأنهم انحازوا إلى السلطة الشرعية في البلاد الممثلة في البرلمان الجديد والحكومة، مشيرا إلى أن عددا من أبناء المدينة تمكنوا من القبض على 3 ينتمون إلى أنصار الشريعة كانوا قادمين، قبل أسبوعين، لتنفيذ عمليات تخريبية ضد البرلمان، بعد أن تلقى التنظيم ضربات موجعة لمعاقله في بنغازي.
وتمتد مدينة طبرق القديمة على لسان عريض من اليابسة داخل البحر، ويكوِّن منها شبه جزيرة تنتشر على سواحلها الموانئ التجارية والنفطية، كما توجد سواحل أخرى على مقدمة اللسان البحري محاطة بأسوار طويلة كانت ستتحول إلى قرى سياحية أيام نظام القذافي. وكانت تلك الأسوار، وبعض بواباتها المهدمة الآن، تمنع مواطني المدينة من الاقتراب من هذه الشواطئ، لكن اليوم كان من السهل أن ترى عائلات من أهل طبرق تمضي الوقت وهي تلهو أمام الموج على الرمال البيضاء، على خلفية تبدو فيها أسراب للطيور ومراكب للصيد.
ويقع مبنى البرلمان على المدخل الخارجي للمدينة من ناحية الشرق، أي أن ظهره بالكامل لليابسة، بينما وجهه يطل على خليج بحري صغير، وفي الضفة الأخرى من هذا الخليج يقع الميناء، وفيه عدة سفن عملاقة، ومن خلف الميناء تمتد باقي مدينة طبرق وهي تلتف على سواحل البحر من الجهات الثلاث.
وهنا حاولت جماعة الإخوان تأسيس مكتب سري للقيام بعدة مهام منها تنفيذ عمليات تخريبية في المدينة بما فيها مبنى البرلمان، ومنها أيضا زرع عملاء للتردد على الجانب الآخر من الحدود لمراقبة تحركات الأمن المصري هناك، وما إذا كان يستعد للدخول بنفسه لمساعدة الجيش الليبي في حربه ضد المتطرفين أم لا.
ويكشف اثنان على علاقة بهذه القصة عن جانب من هذه المعلومات، وهما مسؤول في الجيش الوطني الليبي بالمنقطة الشرقية، اسمه حسين، وقائد سابق للثوار من طبرق، يكنى بـ«جبريل». ويقول الضابط حسين، الذي طلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول، إن جماعة الإخوان، خلال الشهرين الماضيين، خصوصا أثناء هجوم الميليشيات المسلحة التي كانت تقودها الجماعة على مطار طرابلس، سعت إلى فتح مكتب لها في طبرق كفرع لجهاز أمني خاص بها.
ويضيف أن الجماعة كانت قد استحدثت هذا الجهاز عقب سقوط حكم الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، في منتصف العام الماضي، للتجسس على خصوم الجماعة السياسيين في الداخل الليبي، حين شعرت أن مكانتها كانت تتراجع في الشارع الليبي أيضا، ثم تطور هذا الجهاز بعد ذلك وأسست له مكاتب في مصراتة وفي طرابلس وفي بنغازي، وأصبحت الجماعة تعول عليه بشكل كبير في حربها المسلحة من أجل حكم ليبيا بالقوة، عقب خسارتها للانتخابات هذا العام.
وتابع قائلا إن الجماعة قررت فتح فرع للجهاز في طبرق عقب انتقال البرلمان إلى هذه المدينة الهادئة، وأجرت اتصالا بـ«جبريل» الذي كان من قادة الثورة ضد القذافي، ولا ينتمي إلى الجماعة، وأنه أقرب إلى التيار السلفي، وعرضت عليه تولي مسؤولية المكتب المزمع افتتاحه في طبرق، مشيرا إلى أن هيمنة جماعة الإخوان على الحكم في ليبيا خلال الأعوام الثلاثة الماضية شهدت إهمالا كبيرا لجهاز المخابرات الرسمي، ضمن سياسة عامة للقضاء على أجهزة الدولة من جيش وشرطة وأجهزة أمنية، مقابل استحداث مؤسسات لدولة الإخوان تتكون من ميليشيات تحل محل الجيش والشرطة وأجهزة أمن سرية تعمل كأجهزة مخابرات داخلية وخارجية تابعة للجماعة.
ورتب الضابط حسين لقاء لـ«الشرق الأوسط» مع جبريل، وهو شاب في بداية الثلاثينات من العمر، ومن أبناء طبرق، وطلب عدم نشر اسمه الحقيقي أو اسم قبيلته، وأفاد بأنه في البداية لم يكن يعلم أن المكتب يخص الإخوان ولكن يخص جهاز الأمن الخارجي (المخابرات الليبية)، إلا أنه بدأ يدرك أن العملية برمتها تخص جماعة الإخوان حين نظم له رجل إخواني يدعى يوسف ويتولى المسؤولية في مكتب الإخوان في بنغازي، زيارة لمكتب الجهاز الخاص في كل من بنغازي وطرابلس.
ويقول جبريل إن القيادي الإخواني يوسف أخبره، حين كان معه في مكتب بنغازي، أن الجهاز الأمني لا يتبع المخابرات الليبية الرسمية، رغم أن القائد الأعلى لهذا الجهاز ويدعى سالم هو نفسه رجل مخابرات عينه الإخوان في الموقع حين هيمنوا على السلطة في البلاد عقب مقتل القذافي، مشيرا إلى أن سالم ينتمي أصلا إلى مدينة شحات في وسط ليبيا، وكان في السابق لاجئا في الولايات المتحدة الأميركية، ويقيم في الوقت الحالي في مدينة مصراتة الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر شرق العاصمة، ويدير منها شؤون المكتب الإخواني رغم أن مقره الرئيس يقع في طرابلس.
ويضيف جبريل أن يوسف أخبره أن الجهاز اسمه «الأمن الخاص»، يشبه جهاز المخابرات، وأنه لاحظ أن مكتب بنغازي ومكتب طرابلس مجهزان بأحدث أنواع الأثاث وأحدث التقنيات، بما فيها أجهزة اعتراض المكالمات الهاتفية والتنصت على الهواتف المحمولة والأرضية، إضافة إلى وحدة خاصة للدخول على البريد الإلكتروني للشخصيات المطلوب تتبعها. ويقول إن هذه التجهيزات لا تحظى بها مكاتب جهاز المخابرات الرسمي التي ما زال أغلبها يفتقر إلى أبسط الإمكانات، ولا توجد في الكثير منها حتى أجهزة الاتصالات العادية، مثل اللاسلكي والهواتف الأرضية والمحمولة، كما أن الأثاث فيها ما زال محطما أو محترقا كما هو منذ ثورة الليبيين على القذافي.
ويقع منزل جبريل في منطقة مشهورة بأنها كانت محل سكن للكثير من القيادات الليبية التاريخية، على لسان بحري تتراص عليه الفيلات والمعسكرات، وتقع على شاطئية أيضا مبان عامة ومؤسسات، منها مقر القوات البحرية في المدينة وفرع لهيئة النفط ومركز للميناء، وغيرها.
وكان يسكن في هذه المنطقة أحمد قذاف الدم، ابن عم العقيد الراحل، حين كان مسؤولا في المنطقة العسكرية الليبية الشرقية، وكذا كان يقيم هنا اللواء المتقاعد خليفة حفتر قبل أن يقود القوات البرية في الحرب على تشاد في ثمانينات القرن الماضي، والذي يقود في الوقت الحالي عملية الكرامة العسكرية ضد المتطرفين في البلاد. ويوجد أيضا منزل الضابط والشاعر الشهير إدريس الشهيبي، الذي كان يخطط للانقلاب على القذافي إلى أن وشى به أحد أصدقائه عند القذافي، ففر باتجاه مصر إلى الصحراء إلى أن مات فيها وحيدا.
ويجلس جبريل فوق سطح بيته المكون من طابق واحد، ويشرف على المنطقة بالكامل، ويتحدث وهو يشير إلى ذكريات المباني المحيطة به ومن عاشوا فيها وما آل إليه مصير كل منهم.
ويواصل موضحا أن عددا من قادة جماعة الإخوان وكوادرها كانوا يحاربون مع الشبان الليبيين العاديين المتطوعين على الجبهة ضد قوات القذافي، لكن بعد انتهاء نظام العقيد الراحل بدأ هؤلاء القادة من الإخوان ومن معهم من متطرفين، يتقوقعون على أنفسهم، وينتظمون في قيادة ميليشيات وكتائب.. «بينما كنا نحن الشباب العادي نسلم أسلحتنا لمعسكرات الجيش، ونرجع إلى بيوتنا ووظائفنا السابقة.. الحرب بالنسبة إلينا كانت قد انتهت، لكن بالنسبة إلى جماعة الإخوان كانت قد بدأت، وللأسف لم ندرك ذلك إلا متأخرا جدا».
ويتابع جبريل قائلا إن يوسف الذي أصبح في ما بعد المسؤول في الجهاز الإخواني الخاص في بنغازي كان من ضمن المقاتلين على الجبهة ضد قوات القذافي، إلا أن علاقته به انتهت بعد خطاب مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الانتقالي السابق، الذي أعلن فيه، في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2011، بداية مرحلة جديدة في ليبيا بمقتل القذافي. ويضيف أنه ومن معه من شباب الثورة من أبناء مدينة طبرق سلموا أسلحتهم لمعسكر الجيش الذي كان يقع في منطقة بنينة جنوب بنغازي، ورجع إلى أسرته وعمله، إلى أن اتصل به يوسف، في شهر أغسطس (آب) الماضي، وطلب منه زيارته في بنغازي، وهو ما حدث، حيث.. «دخلت المكتب لأول مرة، وكان يقع في فيلا قرب مقر القنصلية المصرية في المدينة».
واعتقد جبريل في البداية أن جهاز المخابرات الليبي بدأ يستعيد نفسه وعمله، وأنه لهذا السبب جرى اختياره للالتحاق بالعمل فيه.. «لأنني كنت مكلفا أيام الثورة بجمع معلومات عن المقاتلين الليبيين العائدين من الخارج، ممن يحملون جنسيات أجنبية، كالأميركية والبريطانية والفرنسية، بحكم ولادتهم هناك لآباء كانوا منفيين أيام حكم القذافي». ويضيف: «قلت في نفسي إن جهاز المخابرات يريد أن يوظفني، وفرحت، خصوصا أن يوسف لم يذكر لي أن هذه المكاتب تتبع جماعة الإخوان إلا بعد زيارة الفرع الثاني الذي يقع في البرج السكني الرئيس في سوق الجمعة في طرابلس».
وبعد أن أمضى في المكتب يوما كاملا، يقول جبريل إنه تمكن من التعرف على وجوه إخوانية، من بينهم قيادات سابقة في البرلمان، وآخرون ينتمون إلى جماعات مثل الجماعة الليبية المقتلة وأنصار الشريعة.. ويضيف أنه بدأ يشعر بالخطر، وأنه لا يمكنه أن يعلن رفضه العمل مع الجهاز الإخواني الخاص وهو بين أيدي الجماعة وميليشياتها في طرابلس.
وخلال وجوده في مكتب العاصمة تلقى جبريل أول تكليف بمهمتي عمل داخل مصر، الأولى تتعلق بمراقبة تحركات عدد من رموز نظام القذافي في القاهرة، لتحديد أماكن إقامتهم والأنشطة التي يقومون بها، والثانية بالتوجه من القاهرة إلى صحراء مصر الغربية التي توجد فيها مقار أمنية، للتأكد من معلومات استقتها الجماعة من عملاء لها، عن نقل مصر لمعدات وآليات قتالية جديدة قرب الحدود مع ليبيا.
وأبلغه يوسف ومن معه من قادة الإخوان في مقر طرابلس أن الجماعة قررت تأسيس مكتب لها في طبرق يدير عملياته بشكل سري، وأنها اختارته لرئاسته بعد أن ينتهي من مهمة السفر إلى مصر.. «طلب مني يوسف التفرغ لرئاسة المكتب في طبرق تحت اسم مكتب تجاري عام، مقابل تخصيص نفقات مالية كبيرة من بينها راتب يبلغ 6 آلاف دولار في الشهر».
وتظاهر جبريل في البداية بالموافقة إلى أن تمكن من العودة إلى طبرق، وعليه أخذ يتهرب من اتصالات يوسف، وتحجج بأن لديه التزامات أسرية ولا يستطيع أن يسافر إلى القاهرة، أو أن يتولى مسؤولية فرع الجهاز الأمني المزمع فتحه في طبرق. وانضم جبريل، في المقابل، إلى جهاز أمني يديره الجيش الوطني الليبي لجمع المعلومات عن الإخوان والمتطرفين، وكانت أولى مهامه تقديم التفاصيل الكاملة عن الجهاز الإخواني الخاص.
وقبل مغادرة منزل جبريل، حذر في لهجة جادة من «الخلايا النائمة في المدينة»، قائلا إن «هذه الخلايا موجودة في الكثير من المواقع في طبرق، وتضم عناصر تتحرك بأوامر من الإخوان، ومن (داعش)، ومن (أنصار الشريعة)، وكلها تنظيمات تحارب بالجيش وتتحين الفرص للقيام بأعمال تخريبية وإثارة القلاقل في المدن الهادئة في شرق البلاد، وعلى رأسها طبرق»، التي شهدت تفجيرا في مديرية الأمن نفذه مجهولون، لكن الله سلم، ولم يسقط فيه أي ضحايا.
وتبدو طبرق مثل كل شيء في ليبيا.. مدينة تقبض على الجمر في انتظار وجود نظام ووجود دولة. وكأن الزمن توقف عند مقتل القذافي في أواخر عام 2011. لا جديد.. معهد البترول، الذي كان من أكبر المعاهد في هذا المجال في أفريقيا، ما زال أطلالا لا حياة فيه، والشوارع التي كان النظام السابق يعمل على إعادة رصفها، تركت دون غطاء أسفلتي طيلة السنوات التي أعقبت «الثورة» ولم ترصف بعد، مثل شارع الحرية، وهو شارع جديد مزدوج وواسع ويخترق قلب المدينة تقريبا، لكنه ما زال مغطى بالتراب والحفر، كما أن أعمال التجديد في شارع فلسطين، أقدم شوارع المدينة، متوقفة.
وأمام المقر الذي يعقد فيه البرلمان جلساته تصطدم بمشكلة طفح الصرف الصحي المستمرة منذ عهد القذافي حتى الآن، حيث تغطي مياه المجاري الشارع الذي يعد أيضا المدخل الشرقي للمدينة، ويؤدي كذلك إلى مبنى مجلس النواب. ولا تخلو جلسات الليبيين من أحاديث تعكس وجود إدراك للأزمة التي تمر البلاد، خصوصا في المدن التي تحولت إلى أوكار للمتطرفين، بمؤازرة «الإخوان».
وفي لقاء عقده مشايخ لقبائل المدينة في ساحة «سوق المصطبة»، وهي منطقة دائبة الحركة بسبب كثافة العمالة المصرية فيها، يقول الشيخ أبو حسين، أحد قادة القبائل، إن الشعب كره حكم جماعة الإخوان ولفِظها بعد أن جربها عقب سقوط نظام القذافي، واكتشف أنها كانت تعمل لنفسها وليس للصالح العام ولا لجموع الليبيين، و«النتيجة أن كل شيء ما زال ينتظر انتهاء الحرب لكي نتفرغ لبناء الدولة».
ويقول زعماء القبائل في طبرق إن الغالبية العظمى من شباب «العبيدات» و«المنفة» و«القطعان» وغيرها في المدينة وضواحيها يؤيدون الجيش الوطني والبرلمان الجديد، ويتعاملون مع النواب باعتبارهم ضيوفا لديهم، ولن يسمحوا بأي أذى أو اعتداء عليهم أو على مقر البرلمان الذي يتخذ من فندق «دار السلام» مقرا له.
ولهذا يبدو أن نواب البرلمان ومن معهم من مرافقين بدأوا يشعرون بأمان أكثر رغم التهديدات، ففي بداية انعقاد أعمال البرلمان، استأجر مجلس النواب مركبا عائما ليكون بمثابة مقر إقامة للنواب، كإجراء تأميني إضافي، رغم الكلفة العالية لهذا الإجراء، إذ كانت المركب أو الفندق العائم للنواب يتكلف 76 ألف دولار في الشهر.
ومع ذلك ما زال موظفو البرلمان يقومون بمنع التصوير داخله خوفا من نشر صور مساعدي النواب على صفحات «فيسبوك» الأكثر استخداما بين الليبيين، وبالتالي، كما يقول المسؤول الملقب بـ«العبيدي»، وهو رجل طويل وممتلئ، ويشرف على الأمن بالمجلس: «توجد خشية من أن يصبح مساعدو النواب عرضة للاغتيالات، ليس هذا فقط، بل يتخوف مساعدو النواب القادمون من المدن الملتهبة، مثل بنغازي وطرابلس ومدن الجنوب أيضا، من استهداف المتطرفين لبيوتهم وأسرهم وعائلاتهم انتقاما منهم لأنهم يعملون مع نواب البرلمان. كما أنه، وبسبب العمليات القتالية الجارية بين قوات الجيش الوطني والمتطرفين في بنغازي ومدن أخرى، انتقل غالبية نواب تلك المدن للإقامة بأسرهم في طبرق».
ويوجد في البرلمان الكثير من الموظفين الأمنيين من قبيلة العبيدي أيضا، وهي نفس القبيلة التي ينتمي إليها رئيس البرلمان، عقيلة صالح، وهم يسعون بين جنبات المبنى لمراقبة كل شيء، وللحفاظ على النظام على أكمل وجه، بغض النظر عن أي شيء آخر. ويقول العبيدي إن «هذه أخلاق القبائل الليبية التي أصبحت عرضة للتآكل في بعض المناطق بسبب المتطرفين وبسبب سيطرة قيادات متسترة باسم الدين ولا تضع أي اعتبار للقيم والأخلاق واحترام الآخرين». ويضيف أن «ما نقوم به هو تطبيق للأخلاق العربية التي تعكس حالة الكرم والضيافة.. نحن نستقبل النواب، وهم ضيوفنا إلى أن ينتقل البرلمان إلى بنغازي بسلام بعد انتصار الجيش على المتطرفين».

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.