يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي

«الشرق الأوسط» ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي

طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)
طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)
TT

يوميات الحرب الليبية (2): «إخوان» ليبيا أسسوا جهاز مخابرات في طبرق.. وسعوا لاغتيال نواب من البرلمان الجديد ترصد خط النار بين مصراتة وبنغازي

طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)
طفل ليبي يقف على جانب شارع الحرية في مدينة طبرق ويبدو متأثرا بأجواء الحرب التي تشهدها البلاد، حيث يصوب بعصا كأنها بندقية، وأحد أقرانه يراقب حركته (تصوير: «الشرق الأوسط»)

تواصل «الشرق الأوسط» في هذه الحلقة الثانية اجتياز خطوط النار ورصد يوميات الحرب الليبية التي تنحصر حتى الآن بين قادة جماعة الإخوان المتشددين، خصوصا من أولئك الذين ينتمون إلى مدينة مصراتة التجارية والواقعة على البحر المتوسط، والجيش الوطني الليبي الذي تتركز قواته حتى الآن على مشارف بنغازي وهو يحاول أن يقلم أظافر أتباع الجماعة من الميليشيات المتشددة، خصوصا في كل من مدينة درنة التي أعلنت نفسها كإمارة تابعة لتنظيم داعش، وبنغازي الموالية لتنظيم القاعدة.
وبينما يبدو الجيش مصمما على خوض المعركة إلى النهاية، بدأت الميليشيات المتطرفة تشعر بالخطر. فبعد أن خسرت جماعة الإخوان وحلفاؤها انتخابات البرلمان منتصف هذا العام، اختارت السلاح لغة وحيدة حتى الآن للسيطرة على السلطة، ومحاربة جيش الدولة الوليد، ورفض الاعتراف بالبرلمان الجديد الذي اضطر إلى عقد جلساته في مدينة طبرق الواقعة على بعد نحو 1500 كيلومتر شرق العاصمة، لكن الشيخ محمود المنفي، وهو أحد القيادات الشعبية في طبرق، يقول إن المدينة ذات الطابع القبلي ترفض نهج المتطرفين في الحكم، وتتولى مع أبناء قبيلتي «العبيدات» و«القطعان» حماية مقر البرلمان إلى جانب قوات الجيش والشرطة.
هذا يبدو لك من الوهلة الأولى على السطح، لكن في الجلسات المغلقة تستمع إلى حديث من نوع مختلف، ومثير للقلق، عن الخلايا الإخوانية النائمة في المدينة التي يبلغ عدد سكانها نحو 140 ألف نسمة، وتعيش فيها الكثير من الجنسيات من مصريين وفلسطينيين وسوريين وسودانيين، وغيرهم. ويبدو مصطلح «الخلايا الإخوانية النائمة» مصطلحا موجزا عن التنظيمات المتطرفة التي تنتشر في ليبيا، وتتخذ من جماعة الإخوان غطاء سياسيا، رغم نفي الجماعة التهمة عن نفسها، وقولها إن ما تقوم به من عمليات قتالية تهدف إلى الحفاظ على ثورة 17 فبراير 2011 ممن يريدون الانقلاب عليها، في إشارة إلى «البرلمان الجديد» و«الجيش الوطني».
ويقول الشيخ عبد الله سعيد، وهو خطيب وإمام لمسجد المركز الطبي، أحد أكبر مساجد المدينة، إنه تلقى تهديدات من تنظيم داعش الذي يستوطن في مدينة درنة لواقعة على بعد نحو 150 كيلومترا إلى الغرب من طبرق، بعد أن هاجم الشيخ سعيد في خطبه المتطرفين الذين يرفعون السلاح في وجه الجيش والبرلمان. وبالإضافة إلى المسجد الذي يغص بألوف المصلين في صلاة الجمعة، يضم مقر المركز الطبي أيضا أماكن للعلاج، ونافذة حكومية لتخليص إجراءات سفر جرحى الحرب الذين يأتون من بنغازي وسبها، وتستدعي إصاباتهم العلاج في الخارج في دول كمصر وتونس والأردن.
ويعكس تاريخ المركز الطبي، في السنوات الأخيرة، رغبة الليبيين في فرض الاستقرار في البلاد، والتخلص من حالة الفوضى التي أعقبت انتهاء نظام القذافي. ففي أثناء «الثورة» ضد القذافي، اضطر عشرات الأطباء والممرضين الأجانب إلى ترك شققهم السكنية المخصصة لهم داخل المركز الطبي، والعودة إلى بلادهم. وعندها قام بعض المواطنين باحتلال تلك الشقق، واتخاذها مساكن لهم، إلا أن أهالي طبرق وقادتها تمكنوا من إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، وأعادوا الشقق لتكون تحت أمر المركز وأطبائه وممرضيه.
وبينما تقف عدة سيارات لقوات الأمن حول مسجد المركز لحراسة ألوف المصلين، تحدث الشيخ سعيد، في خطبة صلاة الجمعة، ومن فوق منبر المسجد، عن تهديدات «داعش» له ولأبناء طبرق، وأبدى تحديا للمتطرفين في عموم البلاد، خصوصا بنغازي ودرنة.
ويبدو المزاج العام في طبرق رافضا للإخوان ومن معهم من متشددين، ويتسم أهالي المدينة بشكل عام بالتدين لكن بشكل معتدل ووسطي. ولهذا يكشف ضابط في الاستخبارات الليبية برتبة مقدم، يدعى محمود، عن فشل الإخوان في إثارة القلاقل في طبرق حتى الآن «بسبب التماسك القبلي بالنسبة لأهالي المدينة، ورغبة العاملين الأجانب والأقليات الأخرى التي تعيش في المدينة في استمرار حالة الاستقرار بعيدا عن باقي المدن التي تشهد قتالا عنيفا بين المتطرفين والجيش الوطني».
ومع حالة الترقب واليقظة التي تتسم بها المدينة، سواء على الصعيد الأمني أو الشعبي، بدأت الكثير من القطاعات التجارية والخدمية في محاولة الاستفادة من انتقال البرلمان إلى طبرق. جميع فنادق المدينة أصبحت تغص بنواب البرلمان وذويهم ومساعديهم، بداية من فندق «دار السلام» ذي الخمس نجوم، حتى الفنادق الصغيرة المنتشرة في وسط المدينة وضواحيها، من أمثال فندق القافلة والزين والجبل. ونشطت المطاعم والمقاهي ومحال الاتصالات ودكاكين السلع الأساسية وسيارات الأجرة.
وقامت بعض المقاهي الواقعة على البحر التي كانت مهجورة منذ عهد القذافي،، الذي قتل أثناء الانتفاضة المسلحة أواخر عام 2011، بفتح أبوابها مجددا لكنها لم تقم بأي ترميمات تذكر للتخلص من آثار الحرائق والكتابات الثورية، في انتظار حسم معارك الجيش ضد المتطرفين، وهي معارك بدأت أخبارها تطغى على الحياة اليومية لليبيين في المدن الهادئة مثل «طبرق» و«البيضاء» و«شحات»، وغيرها، وتأثر بها حتى الأطفال الذين عادوا للتصويب تجاه بعضهم بعضا بالعصي كأنها أسلحة.
وعلى أحد هذه المقاهي الملقب بالنادي البحري، يوضح المقدم محمود قائلا إن الإخوان حين هيمنوا على السلطة منذ عام 2012 حتى انتخاب البرلمان الجديد، الصيف الماضي، أهملوا جهاز المخابرات الليبي، ضمن توجه عام لتهميش كل مكونات الدولة وعلى رأسها الجيش والشرطة.
ويضيف المقدم محمود أن جماعة الإخوان الليبية جماعة صغيرة ومحدودة الإمكانات، لكنها تلقت تعزيزات كبيرة من الجماعات المتطرفة الأخرى، ومنها «الجماعة الليبية المقاتلة»، الأقرب إلى تنظيم القاعدة، حيث تأسست الجماعة الأخيرة أصلا في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، لمقاتلة نظام القذافي، ومنها أيضا جماعة «أنصار الشريعة» التي أعلنت تأييدها لتنظيم القاعدة، بعد أن انشقت عن ميليشيات وكتائب متطرفة أخرى، خصوصا في بنغازي، مثل كتيبة «17 فبراير»، وكتيبة «راف الله السحاتي»، مشيرا إلى أن كل هذه الكتائب والميليشيات أصبحت تأتمر بأوامر جماعة الإخوان، وكانت تتلقى أموالا ضخمة من خزانة الدولة أثناء حكم الإخوان، الذين قاموا بتكليفها بحماية المؤسسات العامة والحدود، على حساب بناء الجيش والشرطة والأجهزة الأمنية الضرورية للدولة ومن بينها جهاز المخابرات العامة الليبية المعرف باسم «جهاز الأمن الخارجي».
وبعد أن أسقط الليبيون جماعة الإخوان والجماعات المتطرفة المتحالفة معها في انتخابات البرلمان التي جرت منتصف هذا العام، لجأت تلك الجماعات إلى حمل السلاح للإبقاء على نفوذها في الدولة بالقوة، وأفشلت مساعي البرلمان الجديد لعقد جلساته في مدينة بنغازي كما ينص الإعلان الدستوري، ما اضطر البرلمان إلى الانتقال إلى طبرق، وتسيير جلساته فيها بشكل مؤقت.
هكذا يتحدث المقدم محمود وهو جالس أمام بحر طبرق في «النادي البحري» حيث تبدو أضواء ناقلات النفط والبضائع تلمع من بعيد على صفحة البحر في الظلام. ويضيف وهو يتناول كوب عصير الليمون من النادل المصري، أن المخابرات التي ما زالت تعمل بإمكانات ضعيفة اكتشفت محاولة قام بها الإخوان للتجسس على برلمان طبرق وعلى الأمن المصري قرب الحدود، إضافة إلى محاولة أخرى لتأسيس فرع في طبرق لتنظيم خاص بالجماعة يعمل على إثارة القلاقل وتنفيذ عمليات تفجير للبرلمان واغتيالات ضد النواب أيضا.. و«هذه الأعمال اليائسة لإسقاط السلطة الشرعية في الدولة».
وتعد طبرق أقرب المدن إلى معقل «داعش» في درنة، بينما تبعد عن معقل «أنصار الشريعة» في بنغازي نحو 450 كيلومترا، ولهذا يقول المقدم محمود إنه كلما زاد الضغط والحصار على الإرهابيين كان هناك توقع بأن يلجأوا للتسلل إلى طبرق للاختباء فيها، ومن ثم تنفيذ عمليات إرهابية، أو محاولة التوغل شرقا ناحية مصر، للانضمام إلى المتطرفين هناك، خصوصا في سيناء والمناطق الحدودية الأخرى.
لكن المقدم محمود يضيف قائلا إن السلطات الأمنية تدرك هذا، وتراقب تحركات المتطرفين، بالتعاون مع أبناء القبائل وبعض السلفيين الذين فروا من درنة وبنغازي، مشيرا إلى أن التنظيمات المتطرفة أصبحت تتهم هؤلاء السلفيين الليبيين بـ«الكفر» لأنهم انحازوا إلى السلطة الشرعية في البلاد الممثلة في البرلمان الجديد والحكومة، مشيرا إلى أن عددا من أبناء المدينة تمكنوا من القبض على 3 ينتمون إلى أنصار الشريعة كانوا قادمين، قبل أسبوعين، لتنفيذ عمليات تخريبية ضد البرلمان، بعد أن تلقى التنظيم ضربات موجعة لمعاقله في بنغازي.
وتمتد مدينة طبرق القديمة على لسان عريض من اليابسة داخل البحر، ويكوِّن منها شبه جزيرة تنتشر على سواحلها الموانئ التجارية والنفطية، كما توجد سواحل أخرى على مقدمة اللسان البحري محاطة بأسوار طويلة كانت ستتحول إلى قرى سياحية أيام نظام القذافي. وكانت تلك الأسوار، وبعض بواباتها المهدمة الآن، تمنع مواطني المدينة من الاقتراب من هذه الشواطئ، لكن اليوم كان من السهل أن ترى عائلات من أهل طبرق تمضي الوقت وهي تلهو أمام الموج على الرمال البيضاء، على خلفية تبدو فيها أسراب للطيور ومراكب للصيد.
ويقع مبنى البرلمان على المدخل الخارجي للمدينة من ناحية الشرق، أي أن ظهره بالكامل لليابسة، بينما وجهه يطل على خليج بحري صغير، وفي الضفة الأخرى من هذا الخليج يقع الميناء، وفيه عدة سفن عملاقة، ومن خلف الميناء تمتد باقي مدينة طبرق وهي تلتف على سواحل البحر من الجهات الثلاث.
وهنا حاولت جماعة الإخوان تأسيس مكتب سري للقيام بعدة مهام منها تنفيذ عمليات تخريبية في المدينة بما فيها مبنى البرلمان، ومنها أيضا زرع عملاء للتردد على الجانب الآخر من الحدود لمراقبة تحركات الأمن المصري هناك، وما إذا كان يستعد للدخول بنفسه لمساعدة الجيش الليبي في حربه ضد المتطرفين أم لا.
ويكشف اثنان على علاقة بهذه القصة عن جانب من هذه المعلومات، وهما مسؤول في الجيش الوطني الليبي بالمنقطة الشرقية، اسمه حسين، وقائد سابق للثوار من طبرق، يكنى بـ«جبريل». ويقول الضابط حسين، الذي طلب الاكتفاء بذكر اسمه الأول، إن جماعة الإخوان، خلال الشهرين الماضيين، خصوصا أثناء هجوم الميليشيات المسلحة التي كانت تقودها الجماعة على مطار طرابلس، سعت إلى فتح مكتب لها في طبرق كفرع لجهاز أمني خاص بها.
ويضيف أن الجماعة كانت قد استحدثت هذا الجهاز عقب سقوط حكم الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، في منتصف العام الماضي، للتجسس على خصوم الجماعة السياسيين في الداخل الليبي، حين شعرت أن مكانتها كانت تتراجع في الشارع الليبي أيضا، ثم تطور هذا الجهاز بعد ذلك وأسست له مكاتب في مصراتة وفي طرابلس وفي بنغازي، وأصبحت الجماعة تعول عليه بشكل كبير في حربها المسلحة من أجل حكم ليبيا بالقوة، عقب خسارتها للانتخابات هذا العام.
وتابع قائلا إن الجماعة قررت فتح فرع للجهاز في طبرق عقب انتقال البرلمان إلى هذه المدينة الهادئة، وأجرت اتصالا بـ«جبريل» الذي كان من قادة الثورة ضد القذافي، ولا ينتمي إلى الجماعة، وأنه أقرب إلى التيار السلفي، وعرضت عليه تولي مسؤولية المكتب المزمع افتتاحه في طبرق، مشيرا إلى أن هيمنة جماعة الإخوان على الحكم في ليبيا خلال الأعوام الثلاثة الماضية شهدت إهمالا كبيرا لجهاز المخابرات الرسمي، ضمن سياسة عامة للقضاء على أجهزة الدولة من جيش وشرطة وأجهزة أمنية، مقابل استحداث مؤسسات لدولة الإخوان تتكون من ميليشيات تحل محل الجيش والشرطة وأجهزة أمن سرية تعمل كأجهزة مخابرات داخلية وخارجية تابعة للجماعة.
ورتب الضابط حسين لقاء لـ«الشرق الأوسط» مع جبريل، وهو شاب في بداية الثلاثينات من العمر، ومن أبناء طبرق، وطلب عدم نشر اسمه الحقيقي أو اسم قبيلته، وأفاد بأنه في البداية لم يكن يعلم أن المكتب يخص الإخوان ولكن يخص جهاز الأمن الخارجي (المخابرات الليبية)، إلا أنه بدأ يدرك أن العملية برمتها تخص جماعة الإخوان حين نظم له رجل إخواني يدعى يوسف ويتولى المسؤولية في مكتب الإخوان في بنغازي، زيارة لمكتب الجهاز الخاص في كل من بنغازي وطرابلس.
ويقول جبريل إن القيادي الإخواني يوسف أخبره، حين كان معه في مكتب بنغازي، أن الجهاز الأمني لا يتبع المخابرات الليبية الرسمية، رغم أن القائد الأعلى لهذا الجهاز ويدعى سالم هو نفسه رجل مخابرات عينه الإخوان في الموقع حين هيمنوا على السلطة في البلاد عقب مقتل القذافي، مشيرا إلى أن سالم ينتمي أصلا إلى مدينة شحات في وسط ليبيا، وكان في السابق لاجئا في الولايات المتحدة الأميركية، ويقيم في الوقت الحالي في مدينة مصراتة الواقعة على بعد نحو 200 كيلومتر شرق العاصمة، ويدير منها شؤون المكتب الإخواني رغم أن مقره الرئيس يقع في طرابلس.
ويضيف جبريل أن يوسف أخبره أن الجهاز اسمه «الأمن الخاص»، يشبه جهاز المخابرات، وأنه لاحظ أن مكتب بنغازي ومكتب طرابلس مجهزان بأحدث أنواع الأثاث وأحدث التقنيات، بما فيها أجهزة اعتراض المكالمات الهاتفية والتنصت على الهواتف المحمولة والأرضية، إضافة إلى وحدة خاصة للدخول على البريد الإلكتروني للشخصيات المطلوب تتبعها. ويقول إن هذه التجهيزات لا تحظى بها مكاتب جهاز المخابرات الرسمي التي ما زال أغلبها يفتقر إلى أبسط الإمكانات، ولا توجد في الكثير منها حتى أجهزة الاتصالات العادية، مثل اللاسلكي والهواتف الأرضية والمحمولة، كما أن الأثاث فيها ما زال محطما أو محترقا كما هو منذ ثورة الليبيين على القذافي.
ويقع منزل جبريل في منطقة مشهورة بأنها كانت محل سكن للكثير من القيادات الليبية التاريخية، على لسان بحري تتراص عليه الفيلات والمعسكرات، وتقع على شاطئية أيضا مبان عامة ومؤسسات، منها مقر القوات البحرية في المدينة وفرع لهيئة النفط ومركز للميناء، وغيرها.
وكان يسكن في هذه المنطقة أحمد قذاف الدم، ابن عم العقيد الراحل، حين كان مسؤولا في المنطقة العسكرية الليبية الشرقية، وكذا كان يقيم هنا اللواء المتقاعد خليفة حفتر قبل أن يقود القوات البرية في الحرب على تشاد في ثمانينات القرن الماضي، والذي يقود في الوقت الحالي عملية الكرامة العسكرية ضد المتطرفين في البلاد. ويوجد أيضا منزل الضابط والشاعر الشهير إدريس الشهيبي، الذي كان يخطط للانقلاب على القذافي إلى أن وشى به أحد أصدقائه عند القذافي، ففر باتجاه مصر إلى الصحراء إلى أن مات فيها وحيدا.
ويجلس جبريل فوق سطح بيته المكون من طابق واحد، ويشرف على المنطقة بالكامل، ويتحدث وهو يشير إلى ذكريات المباني المحيطة به ومن عاشوا فيها وما آل إليه مصير كل منهم.
ويواصل موضحا أن عددا من قادة جماعة الإخوان وكوادرها كانوا يحاربون مع الشبان الليبيين العاديين المتطوعين على الجبهة ضد قوات القذافي، لكن بعد انتهاء نظام العقيد الراحل بدأ هؤلاء القادة من الإخوان ومن معهم من متطرفين، يتقوقعون على أنفسهم، وينتظمون في قيادة ميليشيات وكتائب.. «بينما كنا نحن الشباب العادي نسلم أسلحتنا لمعسكرات الجيش، ونرجع إلى بيوتنا ووظائفنا السابقة.. الحرب بالنسبة إلينا كانت قد انتهت، لكن بالنسبة إلى جماعة الإخوان كانت قد بدأت، وللأسف لم ندرك ذلك إلا متأخرا جدا».
ويتابع جبريل قائلا إن يوسف الذي أصبح في ما بعد المسؤول في الجهاز الإخواني الخاص في بنغازي كان من ضمن المقاتلين على الجبهة ضد قوات القذافي، إلا أن علاقته به انتهت بعد خطاب مصطفى عبد الجليل، رئيس المجلس الانتقالي السابق، الذي أعلن فيه، في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2011، بداية مرحلة جديدة في ليبيا بمقتل القذافي. ويضيف أنه ومن معه من شباب الثورة من أبناء مدينة طبرق سلموا أسلحتهم لمعسكر الجيش الذي كان يقع في منطقة بنينة جنوب بنغازي، ورجع إلى أسرته وعمله، إلى أن اتصل به يوسف، في شهر أغسطس (آب) الماضي، وطلب منه زيارته في بنغازي، وهو ما حدث، حيث.. «دخلت المكتب لأول مرة، وكان يقع في فيلا قرب مقر القنصلية المصرية في المدينة».
واعتقد جبريل في البداية أن جهاز المخابرات الليبي بدأ يستعيد نفسه وعمله، وأنه لهذا السبب جرى اختياره للالتحاق بالعمل فيه.. «لأنني كنت مكلفا أيام الثورة بجمع معلومات عن المقاتلين الليبيين العائدين من الخارج، ممن يحملون جنسيات أجنبية، كالأميركية والبريطانية والفرنسية، بحكم ولادتهم هناك لآباء كانوا منفيين أيام حكم القذافي». ويضيف: «قلت في نفسي إن جهاز المخابرات يريد أن يوظفني، وفرحت، خصوصا أن يوسف لم يذكر لي أن هذه المكاتب تتبع جماعة الإخوان إلا بعد زيارة الفرع الثاني الذي يقع في البرج السكني الرئيس في سوق الجمعة في طرابلس».
وبعد أن أمضى في المكتب يوما كاملا، يقول جبريل إنه تمكن من التعرف على وجوه إخوانية، من بينهم قيادات سابقة في البرلمان، وآخرون ينتمون إلى جماعات مثل الجماعة الليبية المقتلة وأنصار الشريعة.. ويضيف أنه بدأ يشعر بالخطر، وأنه لا يمكنه أن يعلن رفضه العمل مع الجهاز الإخواني الخاص وهو بين أيدي الجماعة وميليشياتها في طرابلس.
وخلال وجوده في مكتب العاصمة تلقى جبريل أول تكليف بمهمتي عمل داخل مصر، الأولى تتعلق بمراقبة تحركات عدد من رموز نظام القذافي في القاهرة، لتحديد أماكن إقامتهم والأنشطة التي يقومون بها، والثانية بالتوجه من القاهرة إلى صحراء مصر الغربية التي توجد فيها مقار أمنية، للتأكد من معلومات استقتها الجماعة من عملاء لها، عن نقل مصر لمعدات وآليات قتالية جديدة قرب الحدود مع ليبيا.
وأبلغه يوسف ومن معه من قادة الإخوان في مقر طرابلس أن الجماعة قررت تأسيس مكتب لها في طبرق يدير عملياته بشكل سري، وأنها اختارته لرئاسته بعد أن ينتهي من مهمة السفر إلى مصر.. «طلب مني يوسف التفرغ لرئاسة المكتب في طبرق تحت اسم مكتب تجاري عام، مقابل تخصيص نفقات مالية كبيرة من بينها راتب يبلغ 6 آلاف دولار في الشهر».
وتظاهر جبريل في البداية بالموافقة إلى أن تمكن من العودة إلى طبرق، وعليه أخذ يتهرب من اتصالات يوسف، وتحجج بأن لديه التزامات أسرية ولا يستطيع أن يسافر إلى القاهرة، أو أن يتولى مسؤولية فرع الجهاز الأمني المزمع فتحه في طبرق. وانضم جبريل، في المقابل، إلى جهاز أمني يديره الجيش الوطني الليبي لجمع المعلومات عن الإخوان والمتطرفين، وكانت أولى مهامه تقديم التفاصيل الكاملة عن الجهاز الإخواني الخاص.
وقبل مغادرة منزل جبريل، حذر في لهجة جادة من «الخلايا النائمة في المدينة»، قائلا إن «هذه الخلايا موجودة في الكثير من المواقع في طبرق، وتضم عناصر تتحرك بأوامر من الإخوان، ومن (داعش)، ومن (أنصار الشريعة)، وكلها تنظيمات تحارب بالجيش وتتحين الفرص للقيام بأعمال تخريبية وإثارة القلاقل في المدن الهادئة في شرق البلاد، وعلى رأسها طبرق»، التي شهدت تفجيرا في مديرية الأمن نفذه مجهولون، لكن الله سلم، ولم يسقط فيه أي ضحايا.
وتبدو طبرق مثل كل شيء في ليبيا.. مدينة تقبض على الجمر في انتظار وجود نظام ووجود دولة. وكأن الزمن توقف عند مقتل القذافي في أواخر عام 2011. لا جديد.. معهد البترول، الذي كان من أكبر المعاهد في هذا المجال في أفريقيا، ما زال أطلالا لا حياة فيه، والشوارع التي كان النظام السابق يعمل على إعادة رصفها، تركت دون غطاء أسفلتي طيلة السنوات التي أعقبت «الثورة» ولم ترصف بعد، مثل شارع الحرية، وهو شارع جديد مزدوج وواسع ويخترق قلب المدينة تقريبا، لكنه ما زال مغطى بالتراب والحفر، كما أن أعمال التجديد في شارع فلسطين، أقدم شوارع المدينة، متوقفة.
وأمام المقر الذي يعقد فيه البرلمان جلساته تصطدم بمشكلة طفح الصرف الصحي المستمرة منذ عهد القذافي حتى الآن، حيث تغطي مياه المجاري الشارع الذي يعد أيضا المدخل الشرقي للمدينة، ويؤدي كذلك إلى مبنى مجلس النواب. ولا تخلو جلسات الليبيين من أحاديث تعكس وجود إدراك للأزمة التي تمر البلاد، خصوصا في المدن التي تحولت إلى أوكار للمتطرفين، بمؤازرة «الإخوان».
وفي لقاء عقده مشايخ لقبائل المدينة في ساحة «سوق المصطبة»، وهي منطقة دائبة الحركة بسبب كثافة العمالة المصرية فيها، يقول الشيخ أبو حسين، أحد قادة القبائل، إن الشعب كره حكم جماعة الإخوان ولفِظها بعد أن جربها عقب سقوط نظام القذافي، واكتشف أنها كانت تعمل لنفسها وليس للصالح العام ولا لجموع الليبيين، و«النتيجة أن كل شيء ما زال ينتظر انتهاء الحرب لكي نتفرغ لبناء الدولة».
ويقول زعماء القبائل في طبرق إن الغالبية العظمى من شباب «العبيدات» و«المنفة» و«القطعان» وغيرها في المدينة وضواحيها يؤيدون الجيش الوطني والبرلمان الجديد، ويتعاملون مع النواب باعتبارهم ضيوفا لديهم، ولن يسمحوا بأي أذى أو اعتداء عليهم أو على مقر البرلمان الذي يتخذ من فندق «دار السلام» مقرا له.
ولهذا يبدو أن نواب البرلمان ومن معهم من مرافقين بدأوا يشعرون بأمان أكثر رغم التهديدات، ففي بداية انعقاد أعمال البرلمان، استأجر مجلس النواب مركبا عائما ليكون بمثابة مقر إقامة للنواب، كإجراء تأميني إضافي، رغم الكلفة العالية لهذا الإجراء، إذ كانت المركب أو الفندق العائم للنواب يتكلف 76 ألف دولار في الشهر.
ومع ذلك ما زال موظفو البرلمان يقومون بمنع التصوير داخله خوفا من نشر صور مساعدي النواب على صفحات «فيسبوك» الأكثر استخداما بين الليبيين، وبالتالي، كما يقول المسؤول الملقب بـ«العبيدي»، وهو رجل طويل وممتلئ، ويشرف على الأمن بالمجلس: «توجد خشية من أن يصبح مساعدو النواب عرضة للاغتيالات، ليس هذا فقط، بل يتخوف مساعدو النواب القادمون من المدن الملتهبة، مثل بنغازي وطرابلس ومدن الجنوب أيضا، من استهداف المتطرفين لبيوتهم وأسرهم وعائلاتهم انتقاما منهم لأنهم يعملون مع نواب البرلمان. كما أنه، وبسبب العمليات القتالية الجارية بين قوات الجيش الوطني والمتطرفين في بنغازي ومدن أخرى، انتقل غالبية نواب تلك المدن للإقامة بأسرهم في طبرق».
ويوجد في البرلمان الكثير من الموظفين الأمنيين من قبيلة العبيدي أيضا، وهي نفس القبيلة التي ينتمي إليها رئيس البرلمان، عقيلة صالح، وهم يسعون بين جنبات المبنى لمراقبة كل شيء، وللحفاظ على النظام على أكمل وجه، بغض النظر عن أي شيء آخر. ويقول العبيدي إن «هذه أخلاق القبائل الليبية التي أصبحت عرضة للتآكل في بعض المناطق بسبب المتطرفين وبسبب سيطرة قيادات متسترة باسم الدين ولا تضع أي اعتبار للقيم والأخلاق واحترام الآخرين». ويضيف أن «ما نقوم به هو تطبيق للأخلاق العربية التي تعكس حالة الكرم والضيافة.. نحن نستقبل النواب، وهم ضيوفنا إلى أن ينتقل البرلمان إلى بنغازي بسلام بعد انتصار الجيش على المتطرفين».

يوميات الحرب الليبية (الحلقة الأولى): عناصر الأمن أكثر من المسافرين على حدود ليبيا.. وتحذير من «بوابات» للمتطرفين


محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
TT

محللون: «باب المندب» يختبر حدود المصالحة السعودية - الإيرانية

بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)
بكين أمام وضع صعب لضمان تنفيذ طهران تعهداتها في الاتفاق مع السعودية وفقاً للمحللين (واس)

بعد أكثر من ثلاثة أعوام على توقيع الاتفاق السعودي-الإيراني برعاية صينية، تقف المصالحة بين الرياض وطهران أمام أحد أصعب اختباراتها، مع تصاعد الاتهامات لإيران بدعم أذرع مسلحة في اليمن والعراق استهدفت السعودية، وتحرك الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب، بما يحمله ذلك من تهديد لأمن المملكة والملاحة في البحر الأحمر.

تحرك إيران عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثّل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني» حسب محللين (واس)

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدرين عسكريين تابعين للحوثيين، أن خبراء من «الحرس الثوري» الإيراني زاروا منطقة باب المندب وميناء ومطار المخا ومعسكر جبل النار شرق المدينة، وأشرفوا على أعمال حفر أنفاق في التلال الجبلية المطلة على المخا ومضيق باب المندب، وبحثوا تركيب رادارات قرب المخا وداخل جزيرة زقر في جنوب البحر الأحمر.

ويرى محللون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» أن التطورات الأخيرة لا تختبر التزام طهران بتعهداتها فحسب، وإنما تضع صدقية الدور الصيني على المحك أيضاً؛ إذ لم تعد المسألة متعلقة باستمرار العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران، بل بقدرة الاتفاق على كبح مصادر التهديد غير المباشر، ومنع توظيف الجماعات المسلحة للضغط على دول المنطقة.

وكانت الرياض وطهران قد وقّعتا اتفاقاً في بكين برعاية صينية لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بعد قطيعة نحو سبع سنوات.

«باب المندب».. اختبار جدي للاتفاق

يوضح رئيس مركز الخليج للأبحاث، الدكتور عبد العزيز بن صقر، أن اتفاق بكين الموقع في مارس (آذار) 2023 قام على ثلاثة مكونات رئيسية: استعادة العلاقات الدبلوماسية بعد سبع سنوات من القطيعة، وإعادة تفعيل اتفاقيات التعاون الثنائي، ثم احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، وهو المكون «الأهم والأكثر حساسية».

إحدى الناقلات التجارية في أثناء مرورها بمضيق باب المندب الاستراتيجي قبالة السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

ويقول بن صقر، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إن التحرك الإيراني عبر الحوثيين قرب مضيق باب المندب «يمثل اختباراً جدياً للاتفاق السعودي-الإيراني؛ لكونه يخالف نصوصه وروحه التي قامت على بناء الثقة»، مضيفاً أن التعهدات لا ينبغي أن تقتصر على الممارسات الإيرانية المباشرة، وإنما تشمل كذلك سلوك الجماعات المرتبطة بـ«الحرس الثوري».

ويتابع: «لا معنى لأي اتفاق مع إيران لا يشمل ممارسات أذرعها الإقليمية المهددة للأمن الإقليمي والدولي»، معتبراً أن دعم الحوثيين أو تحريضهم على تهديد أمن المملكة «خرق فاضح» للتعهد باحترام السيادة وعدم التدخل.

بينما يرى الباحث والمستشار في الشؤون الصينية والآسيوية، عبد العزيز الشعباني، أن التحركات الإيرانية قرب مضيق باب المندب تختبر اتفاق بكين، لكنها لا تعني انهياره؛ إذ صُمم أساساً لإعادة العلاقات وفتح قنوات الحوار، لا لإنهاء التنافس بين الرياض وطهران أو إقامة شراكة استراتيجية بينهما.

سياسة الوكلاء

بدوره، يرى المحلل السياسي السعودي، الدكتور خالد الهباس، أن سياسة الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي، وأن «الحرس الثوري» يتولى دعم هذه الجماعات وتدريبها وتنظيمها، بما يمكّنها من أداء أدوار تخدم الأهداف الإيرانية عند الحاجة.

ويضع الهبّاس التحركات الحوثية الأخيرة، وقبلها نشاط الفصائل الموالية لإيران في العراق، ضمن سياق الضغوط العسكرية والاقتصادية المتزايدة على طهران، ومحاولتها فتح ساحات ضغط بديلة. ويشير إلى أن التحرك باتجاه مضيق باب المندب قد يتيح تهديد الملاحة ورفع أسعار الطاقة وإرباك سلاسل الإمداد.

الميليشيات تمثل إحدى أهم أدوات طهران لتوسيع نفوذها الإقليمي (إ.ب.أ)

ويحذّر الدكتور خالد من التعويل على تعهدات الحوثيين بعدم استهداف السفن، قائلاً إن تجارب البحر الأحمر منذ أواخر 2023 أثبتت عكس ذلك، ومشدداً على أن حماية الملاحة «مسؤولية دولية لا تقع على عاتق المملكة وحدها»، نظراً إلى الأهمية العالمية لهذا الممر.

وحسب الهبّاس، فإن السعودية، رغم تمسكها بحل الخلافات سلمياً وإبقاء نافذة الدبلوماسية مفتوحة، تملك حق الدفاع عن نفسها وفق المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة، كما يحق لها «مطالبة إيران بالالتزام ببنود الاتفاق، ومراجعته في ضوء مدى وفائها بتعهداتها».

هل انتهى زمن الاختبار؟

أما أستاذ القانون والعلاقات الدولية في جامعة إسطنبول، الدكتور سمير صالحة، فيذهب إلى موقف أكثر تشدداً، قائلاً: «لقد تجاوزنا مسألة اختبار التفاهمات؛ فمن الواضح أن الجانب الإيراني خرج عن روحها، وبدأ سياسة إقليمية مغايرة لما تعهد به».

ويضيف أن السؤال الجوهري لم يعد متعلقاً فقط بما إذا كانت طهران ملتزمة أم لا، بل بمن يسلّح الحوثيين ويدربهم ويوجه عملياتهم. ويتابع: «التهديدات تبدو حوثية في العلن، لكنها في صلب الموضوع إيرانية»، معتبراً أن تحريك الأذرع في اليمن والعراق ولبنان يعكس أولوية إيرانية لم تتغير رغم استعادة العلاقات مع الرياض.

وفي تقدير صالحة، فإن السعودية لن تبني خياراتها على انتظار تحرك صيني وحده، بل ستواصل البحث في بدائل استراتيجية تضمن أمنها، بالتوازي مع إبقاء المسار الدبلوماسي قائماً، وهو ما بدأت به فعلاً خلال الأشهر الأخيرة، على حد تعبيره.

بكين.. فتح الطريق لا يكفي!

يجمع المحللون على أن الصين تملك أدوات تأثير واسعة على إيران، بحكم ثقل علاقاتهما الاقتصادية والسياسية والعسكرية، لكنها مطالبة بالانتقال من موقع الراعي الرمزي للاتفاق إلى دور أكثر حسماً في مراقبة تنفيذه.

ويقول بن صقر إن بكين «قادرة على التحقق من السلوكيات الإيرانية المخالفة للاتفاق»، لكنها تميل إلى الغموض وعدم الحسم عندما لا تمس الأزمات أمنها القومي مباشرة، لذلك فإن المطلوب اليوم آلية واضحة للتحقق من التزام طهران وكبح أذرعها.

أما صالحة فيرى أن الصين تواجه اختياراً دقيقاً بين الاكتفاء بحماية علاقتها مع إيران، أو الدفاع عن مصالحها الأوسع مع دول الخليج وعن طرق التجارة التي تمر عبر البحر الأحمر، مضيفاً: «هذا اختبار لإيران في الدرجة الأولى، لكنه اختبار لبكين في الدرجة الثانية».

وأضاف «بكين أمام وضع صعب وحرج ودقيق، هناك مؤشرات إيجابية في مواقفها ورسائل سياسية تجاه إيران في الآونة الأخيرة، لكن المراهنة على أن طهران ستقبل وتُصغي لما تقوله بكين مسألة صعبة».

ولفت الدكتور سمير إلى أن «بكين نجحت في فتح الطريق أمام اختبار جديد في العلاقات السعودية-الإيرانية، لكن عليها أن تذهب اليوم إلى أبعد من ذلك إذا كانت راغبة في حماية مصالحها وعلاقاتها مع دول الخليج».

من جانبه، يعتقد الشعباني أن بكين تميل إلى الدبلوماسية وعدم التدخل المباشر، ولا يُتوقع أن تنحاز إلى طرف بصورة حاسمة. وخلص إلى أن مستقبل الاتفاق يتوقف على قدرة الصين على إبقاء الحوار مفتوحاً واحتواء الأزمات، مع احتفاظ السعودية بحقها في حماية أمنها ومصالحها عبر قدراتها وشراكاتها الإقليمية.


استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
TT

استماتة حوثية تتكسر على جبال غرب تعز وشرق باب المندب

جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)
جندي من القوات المسلحة اليمنية خلال المواجهة مع الحوثيين (إعلام عسكري)

تواجه الجماعة الحوثية مقاومة ضارية في الجبهات الممتدة بين غربي محافظة تعز وشمال محافظة لحج، حيث تدور معارك عنيفة على المرتفعات المطلة على باب المندب، بالتزامن مع استمرار المواجهات في جنوب مأرب، وسط تقارير ميدانية عن خسائر كبيرة في صفوف الجماعة المتحالفة مع إيران خلال محاولات التقدم الأخيرة.

وتتركز المعارك الأشد في جبهتي الوازعية، وكهبوب، والمناطق المتصلة بمديرية المضاربة ورأس العارة، في وقت أعلنت فيه القوات الحكومية صد هجمات حوثية، واستعادة مواقع جبلية، بينما تحدثت مصادر ميدانية عن سقوط عشرات المهاجمين خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية.

وأعلنت قوات العمالقة الجنوبية، الاثنين، تدمير خمس مركبات تابعة للحوثيين في جبهة كهبوب المحاذية لمضيق باب المندب، وقالت إن جميع من كانوا على متنها قتلوا. وأوضحت أن بين المركبات المستهدفة سيارة كانت تقل قيادياً حوثياً، وأخرى تحمل سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

ونشر المركز الإعلامي لألوية العمالقة مقطع فيديو قال إنه يوثق استهداف المركبات، واشتعال النيران فيها.

وفي الجبهة نفسها، أعلنت قوات درع الوطن أن اللواء الثالث في الفرقة الأولى تصدى لهجوم حوثي على مواقعه، مشيرة إلى وقوع خسائر في صفوف المهاجمين، والعتاد، وإسقاط طائرة مسيرة انتحارية أثناء محاولتها استهداف مواقع القوات.

كما أعلنت دائرة الإعلام في قوات درع الوطن إسقاط مسيرة حوثية أخرى خلال تحليقها في أجواء كهبوب، بالتزامن مع استمرار انتشار القوات، ورفع جاهزيتها في المنطقة.

وتكتسب كهبوب أهمية عسكرية بسبب موقعها المحاذي لباب المندب، فيما تشير المعلومات الميدانية إلى أن المواجهات تتركز على سلسلة من المرتفعات، والمواقع الواقعة بين جنوب شرقي الوازعية، وشمال المضاربة ورأس العارة، وبمشاركة قوات العمالقة، ودرع الوطن، ومقاتلين من قبائل الصبيحة.

غرب تعز

في غربي تعز تدور معارك مستمرة، حيث يضغط الحوثيون للتوغل من الوازعية شرقاً باتجاه مديرية الشمايتين وسط أنباء عن كانت تحدثت، الأحد، بتقدمهم باتجاه مديرية الشمايتين، وسيطرتهم على قرية شريرة، مع توغل باتجاه جبل المرزام قرب منطقة الغيل، وباتجاه قرية بني عمر.

وفي المقابل، قالت المصادر إن القوات الحوثية تراجعت من جبل العجرم بعد محاولتها السيطرة عليه، كما أخفقت في الوصول إلى جبل جرداد إثر التصدي لمحاولات التسلل، بينما أفادت معلومات أخرى بسيطرة القوات الحكومية على جبل نعمان.

مواكب تشييع حوثية بشكل يومي لقتلى الجماعة في الجبهات (أ.ف.ب)

وتحدثت مصادر ميدانية، فجر الاثنين، عن استمرار المواجهات، مشيرة إلى إحباط هجمات حوثية، وإحراق مدرعات وآليات تابعة للجماعة. كما تحدثت المصادر عن سقوط أعداد كبيرة من الحوثيين بين قتيل وجريح.

وفي حين لم تصدر على الفور أي تعليقات رسمية من قبل القوات الحكومية عن تفاصيل المواجهات، ومسرح العمليات الدائرة، انطلقت في مدينة التربة، الاثنين، قافلة دعم وإسناد للجبهات الحكومية في جرداد، وراسن، والعلقمة في الوازعية، في مؤشر على استمرار التعبئة المحلية لمساندة القوات التي تخوض المعارك في ريف تعز الغربي.

جبهة مأرب

بالتوازي مع معارك تعز ولحج، شهد جنوب مأرب اشتباكات وقصفاً مدفعياً متبادلاً بين القوات الحكومية والحوثيين، خصوصاً في حريب، وعقبة ملعاء، ومحيط أم ريش، من دون تسجيل تغيير مستقر في خطوط السيطرة، وفق المعلومات المتاحة.

وقالت القوات الحكومية إنها استهدفت تجمعات وتعزيزات وتحصينات حوثية في ملعاء، وأم ريش، ودمرت مرابض مدفعية باستخدام راجمات الصواريخ، بينما شاركت مدفعية محور بيحان في قصف مواقع للجماعة، وأعطبت سلاحاً مضاداً للطيران عيار 23 مليمتراً.

كما أعلنت القوات الحكومية تنفيذ ضربات جوية ومسيرة ضد عناصر وآليات وتحصينات حوثية في عدد من الجبهات، بما في ذلك محافظتا مأرب، والبيضاء.

قائد المنطقة العسكرية الثالثة في الجيش اليمني منصور ثوابة (إعلام عسكري)

وقال قائد المنطقة العسكرية الثالثة، اللواء الركن منصور بن عبد الله ثوابة، إن القوات الحكومية تصدت لهجمات حوثية سابقة جنوب مأرب، متحدثاً عن سقوط عشرات من عناصر الجماعة بين قتيل وجريح وأسير. كما قال إن أعداداً من جثث المقاتلين بقيت في مناطق المواجهات.

وأضاف ثوابة أن القوات الحكومية تعمل ضمن غرفة عمليات مشتركة، وبقيادة موحدة، مشيداً بالتنسيق بين القوات البرية والجوية، وبالدعم الذي يقدمه التحالف الداعم لليمن بقيادة السعودية.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه المخاوف اليمنية من انعكاسات سيطرة الحوثيين على مناطق ومواقع استراتيجية واسعة في الساحل الغربي، وفي باب المندب. وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، خلال اتصال مرئي مع السفيرة البريطانية لدى اليمن عبدة شريف، إن التطورات العسكرية الأخيرة تمثل تهديداً لأمن الملاحة الدولية، وأمن المنطقة.


فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
TT

فتور شعبي يعرقل حملات التجنيد الحوثية

عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)
عائلات في محافظة ريف صنعاء تشكو تجنيد الحوثيين صغارها (غيتي)

تواجه الجماعة الحوثية صعوبات متزايدة في استقطاب مقاتلين جدد بمحافظتي صنعاء وريمة، وسط تراجع التجاوب الشعبي والقبلي مع حملات التعبئة التي كثفتها الجماعة خلال الأيام الأخيرة، في محاولة لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وقالت مصادر محلية وقبلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة دفعت بمشرفين ومسؤولين ووجهاء قبليين لتنفيذ حملات تجنيد في قرى ومناطق متفرقة بمحافظتي صنعاء وريمة، مستهدفة الشبان والمدنيين، وصولاً إلى طلاب المدارس، بهدف رفد صفوفها بعناصر جديدة.

وشملت التحركات قرى وعزلاً في مديريتي خولان الطيال ونهم بريف صنعاء، إلى جانب مديريات الجبين ومزهر وكسمة وبلاد الطعام في ريمة، غير أن هذه الحملات واجهت، وفق المصادر، إحجاماً شعبياً حدّ من قدرتها على تحقيق أهدافها.

قيادي حوثي يزور إحدى المدارس في ريمة لتجنيد الطلبة (فيسبوك)

وتأتي هذه التحركات، بحسب المصادر، في إطار توجيهات صادرة عن زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، ضمن مساعٍ لتوسيع عمليات الاستقطاب والتجنيد في مناطق سيطرتها، وتعويض الخسائر التي لحقت بمقاتليها في عدد من جبهات القتال، بينها تعز والجوف والبيضاء ومأرب والضالع.

إحجام قبلي

في ريف صنعاء، كشفت مصادر قبلية عن تعثر مساعٍٍ حوثية لتجنيد العشرات من أبناء مديريتي خولان الطيال ونهم، بعد أن دفعت الجماعة بوجهاء قبليين للمشاركة في عمليات التحشيد واستقطاب مقاتلين وإلحاقهم بجبهاتها.

وأوضحت المصادر أن تلك المساعي قوبلت بإحجام وتجاهل من جانب عدد كبير من الأسر، مشيرة إلى شكاوى من لجوء بعض المشرفين الميدانيين إلى اقتياد شبان من المدارس والطرقات وإلحاقهم بمعسكرات تدريب، تمهيداً لإرسالهم إلى الجبهات من دون علم أسرهم.

وفي محافظة ريمة، وتحديداً في مديرية الجبين، مركز المحافظة، تحدثت مصادر محلية عن تعثر حملات حوثية لحشد مجندين جدد في عدد من الأحياء والمناطق، مشيرة إلى امتداد حالة الرفض إلى قرى وعزل في مديريات أخرى.

قيادات حوثية في ريمة أثناء نزولهم الميداني لغرض الحشد والتعبئة إلى الجبهات (فيسبوك)

ومع تعثر عمليات التعبئة في أوساط السكان، اتجهت الجماعة، وفق المصادر، إلى استهداف المدارس الحكومية في محاولة لاستقطاب طلاب وتجنيدهم.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن القيادي هشام الشرفي، المكنى «أبو علي البكالي»، والمعين مسؤولاً للتعبئة في مديرية الزاهر بالمحافظة، نفذ عدداً من الزيارات الميدانية إلى مدارس بهدف حشد الطلاب واستقطابهم.

وأضافت أن هذه التحركات قوبلت برفض من جانب عدد من الطلاب وأسرهم ومعلميهم، وسط مخاوف من تحويل المؤسسات التعليمية إلى ساحات للتعبئة العسكرية.

استقطاب الطلاب

يقول عاملون في القطاع التربوي في ريمة إن تكثيف أنشطة التجنيد الحوثية داخل المدارس أثار مخاوف متزايدة بين المعلمين وأولياء الأمور، معتبرين أن هذه الممارسات تتجاوز الدور التعليمي للمؤسسات التعليمية وتمتد إلى استقطاب الطلاب وإلحاقهم بجبهات القتال.

وأضاف العاملون أن سكان المحافظة، إلى جانب سكان مناطق أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين، يسعون إلى توفير بيئة آمنة وتعليم مستقر لأبنائهم، ولا يرغبون في الزج بهم في الأعمال القتالية.

وفي سياق متصل، أفاد مصدر محلي مطلع بأن جماعة الحوثيين استدعت، قبل فترة، أكثر من 30 شخصاً من أبناء مديرية كسمة في ريمة لحضور اجتماع وصفته بأنه «مهم» في باحة إحدى المؤسسات الحكومية، قبل أن تبقي عليهم في مكان غير معلوم.

صور حوثيين من ريمة أعلنت الجماعة مقتلهم (فيسبوك)

وبحسب المصدر، لا يزال مصير هؤلاء الأشخاص مجهولاً حتى الآن، مرجحاً أن تكون الجماعة قد اقتادتهم قسراً إلى جبهات القتال من دون إبلاغ أسرهم.

وتُعد محافظتا ريف صنعاء وريمة من المناطق التي تعتمد عليها جماعة الحوثيين في عمليات التعبئة والحشد، غير أن المصادر المحلية تشير إلى تراجع ملحوظ في تجاوب السكان مع حملات التجنيد الأخيرة، في ظل رفض اجتماعي متزايد لمحاولات استقطاب أبنائهم وإلحاقهم بجبهات القتال.)