الحلقة (2) قذاف الدم يتذكر: الحسن الثاني وضع مبارك والقذافي في غرفة وأغلق عليهما الباب لتسوية خلافاتهما

أحمد قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} مسيرة نصف قرن مع معمر القذافي

العقيد القذافي وقذاف الدم،  قذاف الدم والملك الحسن الثاني، مبارك وقذاف الدم
العقيد القذافي وقذاف الدم، قذاف الدم والملك الحسن الثاني، مبارك وقذاف الدم
TT

الحلقة (2) قذاف الدم يتذكر: الحسن الثاني وضع مبارك والقذافي في غرفة وأغلق عليهما الباب لتسوية خلافاتهما

العقيد القذافي وقذاف الدم،  قذاف الدم والملك الحسن الثاني، مبارك وقذاف الدم
العقيد القذافي وقذاف الدم، قذاف الدم والملك الحسن الثاني، مبارك وقذاف الدم

لم تكن معرفة أحمد قذاف الدم بالرئيس المصري الأسبق حسني مبارك معرفة عابرة، بل يمكن أن تقول إنها كانت مزيجا من العلاقات العسكرية والسياسية والأسرية أيضا، امتدت من جبهات القتال والتدريب سواء في مصر أو في ليبيا، رغم فارق السن بين الرجلين والذي يبلغ نحو ربع قرن، أو من خلال اللقاءات في ثكنات الجيش في الصحارى إلى جانب مقابلات قصور الحكم أو الفنادق في أوروبا وغيرها، بالإضافة إلى خيمة القذافي نفسه بطبيعة الحال. ومع ذلك لا يخفي قذاف الدم، وهو يتحدث لـ«الشرق الأوسط» أن العلاقة بين مبارك والعقيد معمر، كانت في كثير من الأحيان تبدو كأنها تسير إلى الهاوية، إلا أن الظروف تتدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لكي تستمر العجلة في الدوران.. فقد كانت ليبيا تحتاج إلى مصر في أزماتها الكثيرة مع العالم الخارجي، وكانت مصر تحتاج إلى ليبيا بسبب نحو مليوني عامل مصري يعملون في ذلك البلد النفطي المهم. ويلخص قذاف الدم مجمل ذكرياته عن مبارك، قائلا عنه إن شخصيته تختلف عن شخصية السادات.. ويقول: زرت مبارك كثيرا، وفي أكثر من مكان.. مبارك كان يعمل بمثابرة.. أحيانا كنت أطلب موعدا فيعطيني موعدا في الساعة السابعة صباحا بسبب كثرة الاجتماعات التي عليه أن يرأسها أو يشارك فيها، سواء محلية أو تخص قضايا إقليمية أو دولية. كان يعمل من الصباح الباكر حتى التاسعة مساء.. هو إجمالا رجل بسيط في بيته ومأكله وحياته الخاصة.. وليس بتلك الصورة التي صورتها عنه وسائل الإعلام بعد تخليه عن الحكم. كان رجل جيش منضبطا في مواعيده والتزاماته.

يرفع مبارك القبعة العسكرية ويمسح العرق عن جبينه، ويمر على جنوده وطياريه تحت الشمس الحارقة.. كان ذلك في قاعدة طبرق داخل الأراضي الليبية في شهور الصيف في أوائل السبعينات.. ومن جانبه كان الرئيس السادات يبحث عن أي مدد يمكن أن يزيد من جرأته على خوض الحرب واجتياز المانع المائي وخط بارليف. كان يريد إخافة الإسرائيليين والأميركيين، لكن لم يكن لديه السلاح الغربي اللازم لاستكمال هذه العملية بالطمأنينة المطلوبة. وكان الضابط أحمد قذاف الدم وعدد من زملائه الليبيين، يترددون على الوحدات العسكرية الليبية والمصرية، سواء على جانبي الحدود، أو بعيدا حيث يحرس قذاف الدم مع واحدة من كتائب الدبابات المدخل الشرقي للقاهرة، بقيادة الفريق كمال حسن علي، الذي كان وقتها قد تدرج في عدة مواقع منها منصب مدير سلاح المدرعات وقائدا للفرقة 21 العسكرية المسؤولة عن إمداد الجيش المصري بالدبابات، وغيرها، حتى أصبح، فيما بعد، وزير خارجية مصر.
وشهدت تلك السنوات أكبر عملية تنسيق وتعاون بين الجيشين الليبي والمصري.. وفي تلك الأيام قابل قذاف الدم مبارك في قاعدة طبرق، وهي القاعدة المعروفة أيضا باسم «قاعدة ناصر».. كان مبارك يتفقد بين حين وآخر هذه القاعدة مع قادة عسكريين آخرين من أجل تنفيذ العديد من المهام التدريبية استعدادا للحرب في سيناء، بعد احتلالها من جانب إسرائيل عام 1967. وترقى مبارك بعد ذلك، أي في عام 1972 ليكون قائدا للقوات الجوية.
ويقول قذاف الدم: «قبل ذلك الوقت بنحو ثلاث سنوات كنت قد انتهيت من الدراسة في الكلية الحربية بمصر، والتحقت بالقوات المسلحة الليبية، وبالتحديد في إحدى كتائب الدبابات في لواء ناصر، في ضواحي طرابلس. ثم بعدها جرى تكليفي مع ضباط آخرين بالعديد من المهام السرية من أجل مساعدة مصر في الإعداد للحرب.. انتقلنا، كعسكريين ليبيين، إلى مصر، بالبحر عبر سفينة تابعة للقوات البحرية الليبية، توجهنا بها إلى الإسكندرية ليلا.. وكنا قد غادرنا بالسفينة ميناء طرابلس ثم بعد الاستراحة في ميناء بنغازي، واصلنا الإبحار شرقا.. كنا نتحرك كمتسللين حتى لا ترصدنا أجهزة المخابرات وتخطر إسرائيل حيث كان يمكن استهدافنا وضربنا في عرض البحر. كانت كل حركتنا بالسفينة ليلا.. وكان لا بد أن نصل إلى ميناء الإسكندرية في الليل أيضا، ومن هناك انتقلنا إلى القاهرة برا»..
ويضيف: «كنا قد بدأنا العمل مع القوات المسلحة المصرية منذ ما قبل حرب 1973.. كنا ضباطا وفي الوقت نفسه كانت لدينا مهام أخرى نقوم بها. وكان عبد الناصر قد مات مبكرا.. وبدأ الرئيس السادات في قيادة الدولة المصرية وفي الإعداد للحرب. وكانت هناك مهام وقت الاتحاد الثلاثي بين مصر وليبيا وسوريا.. وكان القذافي يقوم بزيارات في بعض الدول العربية للحشد للمساعدة في الإعداد للحرب التي كان مقررا لها عام 1971، كان متحمسا.. وكنا في سباق مع الزمن، من أجل جلب بعض الأسلحة الغربية التي لم تستطع مصر في ذلك الوقت أن تحضرها من الكتلة الغربية، وكانت ليبيا ما زال لديها علاقات مع الدول الغربية خاصة في أوروبا».
ويضيف أن التكليف بالمهام السرية كان يقوم بها في ذلك الوقت أحيانا قيادات مصرية أيضا، مشيرا إلى أن «ليبيا هي أول دولة عربية تفتح سوق السلاح الفرنسي أمام العرب، من خلال شراء أسلحة من فرنسا لمصر بطريق مستتر، أيام الرئيس الفرنسي جورج بومبيدو (حكم من سنة 1969 حتى وفاته في 1974) واشترت ليبيا 100 طائرة ميراج، وأسلحة أخرى، ومنظومة دفاع جوي متحرك، وكانت كل طلبات مصر من الأسلحة الغربية يجري تلبيتها انطلاقا من ليبيا. وكانت ليبيا تتولاها من الغرب ومن روسيا أيضا مثل الزوارق المطاطية، وجسور العبور، والخراطيم التي تنسف خط بارليف، إضافة لاستيراد جرافات أميركية جرى استخدامها في إقامة سواتر ترابية للدبابات المصرية.
ومن ضمن المهام «التي قمنا بها»، كما يقول قذاف الدم.. «أننا جئنا في ذلك الوقت بالكلية الحربية المصرية إلى منطقة سوسة في ليبيا، في منطقة الجبل الأخضر في شمال وسط ليبيا، نقلناها بطلبتها وأساتذتها ومعداتها إلى هناك حتى تكون في مأمن أثناء الحرب. بينما تحولت قاعدة طبرق العسكرية لمركز أساسي لتدريب الطيارين المصريين».
ويضيف: «حين عقدنا صفقة طائرات الميراج الفرنسية، خصيصا لصالح مصر، كان لا بد أن يتدرب الطيارون المصريون عليها في فرنسا.. فأخذنا طيارين مصريين واستخرجنا لهم جوازات سفر ليبية، وأرسلناهم لفرنسا، وتدربوا هناك.. وكان ذلك في عام 1973، أي قبيل موعد الحرب بعدة أشهر. كانت هذه آخر صفقة مع الفرنسيين قبل الحرب. وأيضا كانت هناك وحدات عسكرية ليبية قرب مرسى مطروح غرب مصر من اللواء التاسع الليبي، وكذلك كتيبة من كتائب الصاعقة الليبية. وكان الوقود يأتي من ليبيا لمصر مجانا لتموين القوات المسلحة، بالإضافة إلى التبغ وكل المواد التي يحتاجها الجيش.. كنت أثق في النصر وأحلم بما هو أكبر مما تحقق بكثير. كنا نعتقد أننا سنسترجع سيناء بضربة واحدة».
وكان المعسكر الذي عمل فيه قذاف الدم في مصر أثناء حرب 1973 يقع على طريق الإسماعيلية، في شرق العاصمة المصرية، قائلا: «نحن لم نشارك في العبور، ولكن زملاءنا شاركوا، لأن مهمتنا كانت الدفاع عن القاهرة من الناحية الشرقية».
ووقعت بعد ذلك الخلافات الشهيرة في وجهات النظر حول توقف الحرب والمفاوضات مع إسرائيل، وعليه وقعت القطيعة بين ليبيا ومصر لسنوات، لكن زيارات قذاف الدم لمصر لم تتوقف، بما في ذلك ما تبقى من سنوات حكم السادات. ويقول إنه في فترة مبارك، الذي تولى الحكم منذ عام 1981 «استفدنا من أخطاء كثيرة حدثت في عهد السادات». لكن العلاقات لم تعد بين البلدين إلا في أواخر الثمانينات.. «وعليه قررنا أن نفصل بين الاختلاف السياسي ومصالح الناس، وأصبح لدينا أكثر من مليوني مصري يعملون في ليبيا. ووقعنا الاتفاقيات العشر، ومنها حرية الحركة والإقامة والتنقل دون قيد أو شرط.. وأصبح التنقل بين البلدين في بعض الفترات ببطاقة الهوية الشخصية (المحلية). والحقيقة مبارك أعاد العلاقة بين مصر والعرب». وجاء أول لقاء مباشر بين القذافي ومبارك، على هامش مؤتمر للقمة العربية في المغرب سنة 1989. ويقول قذاف الدم عن الترتيبات الخاصة بهذا اللقاء: «طبعا كان بيني وبين الرئيس مبارك لقاءات كثيرة في مصر أو خارج مصر وعبر الهاتف أيضا.. كنا نتواصل معه، وكنا نمتص كل المشاكل التي تحدث والفتن والدسائس. وفي الحقيقة عندما كنا ذاهبين، كوفد ليبي رسمي برئاسة القذافي، للقمة في المغرب، قام الملك الحسن الثاني، رحمه الله، بترتيب اللقاء مع الرئيس المصري، بعد أن كنت قد تناقشت مع الملك حول تجنب أي مشاكل قد تقع بين الأخ معمر والرئيس مبارك داخل اجتماع القمة.. واقترحت على جلالة الملك أن يلتقي مبارك والقذافي قبل الاجتماع، وذلك في غرفة مغلقة مع بعضهما البعض.. وبالفعل، وصل الأخ معمر، وبعده دخل الرئيس مبارك.. تصافحا، وهنا قام جلالة الملك بالدخول بهما داخل الغرفة، ثم تركهما وخرج، وأغلق الباب عليهما.. ووقفنا ننتظر ونترقب وننصت».
وفي الغرفة بدأ صوت كل من مبارك والقذافي يصل عبر الباب، وينقل كل طرف منهما للآخر كلمات فيها نوع من العتاب واللوم والمواجهة.. ويقول قذاف الدم: «طبعا أنا كنت قد أبلغت الأخ معمر بشخصية الرئيس مبارك وطريقته في التعامل وبساطته ووضوحه، ونحن كنا نعتبر أن الرئيس مبارك ورث وضعا يمكن تصنيفه كوضع يقع ما بين حالة عبد الناصر وحالة السادات، بالإضافة إلى ما ورثه من تداعيات الحروب والقطيعة مع العرب والوضع الاقتصادي في مصر.. وأشرت للأخ معمر أن مصر تحتاج إلى الوقوف معها ودعمها، وأن مصر القوية هي التي يجب أن تنهض ويجب دعم الرئيس مبارك والوقوف معه في هذه المرحلة. كما أن الأخ معمر جاء بهذه الروح.. ولذلك، بعد قليل، ونحن وقوف أمام باب تلك الغرفة التي فيها مبارك والقذافي، بدأنا نستمع إلى ضحكات تنبعث من داخلها. وهنا عاد الملك الحسن الثاني واصطحبهما إلى القاعة التي فيها الرؤساء، وانطلقت الاجتماعات.
وبعدها - كما يقول قذاف الدم - «وفي نفس الليلة، استدعاني الرئيس مبارك.. ذهبت إليه لآخذ انطباعه عن هذا اللقاء، وكان انطباعا إيجابيا، وقال لي: لقد اتفقت مع الأخ معمر على كل الأشياء، وفي اليوم التالي دعانا الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، على الغداء؛ الرئيس مبارك والأخ معمر.. وجلسا مطولا في نقاش لبعض التفاهمات، ثم عدنا من المغرب. وفي اليوم الذي يليه رتبنا قمتين بين مصر وليبيا على جانبي الحدود عقدت الأولى في مدينة مرسى مطروح والثانية في مدينة طبرق. وبعد ذلك بأيام قليلة جئت للقاهرة وحملت رسالة من الأخ معمر وأعلنا عودة العلاقات رسميا وفتح السفارات، واستمرت العلاقات منذ ذلك الوقت بزخم كبير. لكن الأساس في نجاحها هو أننا اتفقنا على الفصل بين العلاقات الثنائية وبين خلافاتنا فيما يتعلق بالعدو الصهيوني أو بعض الأمور التي تخص مصر في علاقاتها مع الدول وفيما يخصنا نحن أيضا.. وشهدت العلاقة في عهد حسني مبارك ازدهارا كبيرا وتعاونا في كافة المجالات».
لكن الخلافات اشتعلت فجأة، بين مصر وليبيا، مجددا، لكن هذه المرة ليس بسبب السلام مع إسرائيل، وإنما بسبب نيران الغزو العراقي للكويت سنة 1990 والتي كادت أن تحرق ملفات العلاقة الوليدة بين البلدين وذلك أثناء القمة العربية التي عقدت في القاهرة على عجل بشأن الموقف من الغزو. ويقول قذاف الدم: «في الحقيقة لم يكن أي من القاهرة وطرابلس على علم بعملية الغزو إلا بعد الاتصال الذي أجريته مع القذافي ومبارك، وذلك عقب علمي بالموضوع بمحض الصدفة، حين أخبرني أحد أصدقائي ممن يديرون سلسلة فنادق عالمية، بدخول الجيش العراقي الكويت».
يوضح قذاف الدم: «كنت في بيتي بالقاهرة عندما تلقيت ذلك الاتصال. وقال لي صديقي إن الجيش العراقي يقف أمام الفندق في الكويت الآن. وأجريت اتصالات حتى تأكدت. بل تحدثت مع مدير الفندق في الكويت، وقال لي إنه يمكنه أن ينادي على أحد الضباط العراقيين الذين أصبحوا يتمركزون أمام الفندق لأتحدث معه. وهنا اتصلت بأصدقائي في القاهرة، فلم يكن لديهم علم، ثم اتصلت بالأخ معمر، ولم يكن لديه علم أيضا، لكنني أكدت له صحة المعلومات بشأن وقوع الغزو.. ومنذ تلك الليلة بدأت التداعيات، وقال لي الأخ معمر إنه سيبدأ في الدعوة لقمة عربية طارئة وطلب مني أن أتصل بالرئيس مبارك، لكن الوقت كان متأخرا، وكان الرئيس نائما، فتركت خبرا للرئاسة حيث اتصلوا بي في نحو الساعة السادسة صباحا وطلبوا مني الحضور لمقابلة مبارك، ورويت له ما حدث، فاتصل بالأخ معمر، وكان الوقت ما زال مبكرا في ليبيا، بسبب فرق التوقيت، وقال لي مازحا: (كنتم تريدون إيقاظي في منتصف الليل.. حسنا سوف أوقظ معمر من نومه الآن). لكن حين طلبه وجده مستيقظا، وقال له إنه لم ينم منذ أمس، وأن العديد من الزعماء وافقوا على حضور القمة، وأنه سيتوجه للقاهرة حالا ليكون أول الحاضرين..
وكان صدام حسين بعث بكلمته للقمة مكتوبة وجرى توزيعها عن طريق الوفد العراقي على الأعضاء، وكانت عبارة عن ألغام وهجوم على القادة العرب، وتسببت في انقسامات حادة في مواقف الدول العربية، بشكل كان يهدد بالفشل في اتخاذ قرار يترقبه الملايين في منطقة الشرق الأوسط على الأقل. ولجأ مبارك، الذي كان يدير الجلسة، إلى غلق باب النقاش لأنه كان يستغرق وقتا طويلا من جانب كل متحدث دون جديد. وقرر طرح قرارات القمة للتصويت عليها، وهو أمر رفضه القذافي». ويقول قذاف الدم الذي حضر هذه الوقائع: «أخطر نقطة مرت علينا، في العلاقات المصرية الليبية أيام مبارك، كانت في القمة العربية الخاصة بغزو العراق للكويت».
ويضيف: بدأت مجريات القمة، ووقعت مشادة كبيرة.. فالرئيس صدام (الذي لم يحضر وحضر وفد عراقي نيابة عنه) بعث خطابا يحمل كلمته، وجرى توزيعه على الرؤساء داخل القاعة، مما تسبب في رفع درجة الحرارة، لأنه كان يتضمن هجوما على بعض الرؤساء وعلى الرئيس مبارك نفسه. وبعد ذلك الرئيس مبارك استُفز، وأسرع بغلق النقاش، واحتج معمر على ذلك في القاعة، وبدأت مشكلة كبيرة ورفع مبارك الجلسة، إلا أن معمر بقي داخل القاعة غاضبا وكان معه الرئيس عرفات ومجموعة من الرؤساء.. الحقيقة أنا خرجت مسرعا، ولحقت بالرئيس مبارك، وكان قد اقترب من ركوب سيارته أمام قاعة المؤتمرات، فتحدثت معه وكان منفعلا أيضا، وقلت له إن الأخ معمر زعلان وجالس في القاعة، ولا ينبغي ذلك، ولا يصح تركه هكذا، لأنه في النهاية هو ضيفك. ولم يكن مبارك وحده الذي يشعر بالضيق والانفعال من مجريات القمة ومن تداعيات الغزو العراقي، بل كان غالبية الحضور يرون أن الحدث جلل، ويمكن أن يجر على المنطقة ويلات لا يعلم مداها إلا الله، ويبدو أن مبارك تحدث عن هذه المخاوف مع عدد من الزعماء في ردهات القمة قبيل انعقادها. كما أن البرقيات التي كانت ترد للزعماء لحظة بلحظة عن التطورات، لا تبشر بخير. وكان الحمل ثقيلا على الجميع. وتوقف مبارك على صوت قذاف الدم، ولم يركب السيارة، وظل يستمع إليه واقفا، وبعد أن هدأ قليلا اتخذ قراره بالعودة في محاولة لتطييب خاطر القذافي. ويقول قذاف الدم: «في الحقيقة استجاب الرئيس مبارك، وعدنا سويا إلى القاعة.. وبينما نحن في الطريق، قابلنا الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد، وكان نحيفا ذا شعر يميل للبياض ونظرة عسكرية ثاقبة، فلاحظ وجود جدل بيني وبين الرئيس مبارك وأنا أمسك بذراعه، فسأل: ما لكم؟ ما الذي يجري؟ فقلت له إن الأخ معمر زعلان وما زال هناك لا يريد أن يغادر القاعة، فقال لي: لا.. لا.. لا يجب أن نترك أخانا. فدخلنا نحن الثلاثة.. وكان الموقف محتدا وصعبا، وكان معمر ما زال غاضبا.. وبدا أن غضبه ازداد عن ذي قبل، لكن بدخول مبارك وبن جديد إلى القاعة والتوجه إليه، بدأت أساريره تنفرج، ثم قاموا بتجاذب أطراف الحديث معه عن مجريات القمة وما كان يجب وما لا يجب، وهدأ ذلك من غضب القذافي. وأنا كنت أخشى، لو عدنا إلى ليبيا بعد القمة مباشرة، ودون لقاء مبارك والقذافي، أن تنتهي العلاقات بين البلدين من جديد وهي ما زالت في المهد.
لكن ثورة القذافي كانت تستعر في داخله، على عكس ما كان يبدو للجميع من رضا، وكان قد حزم أمره على الرحيل من مقر القمة إلى المطار فطرابلس رأسا، وليس إلى الفندق كما كان مقررا. وأمر بإعداد طائرته لكي تطير به إلى طرابلس. وقال: «جهزوا الطائرة!». ويضيف قذاف الدم أنهم خرجوا من القاعة، وركبوا السيارة الطويلة مع مبارك، حتى ينسى القذافي موضوع المطار، «وكنت بصحبتهما، أنا وأسامة الباز أيضا (سكرتير الرئيس مبارك للمعلومات)». لكن أحمد قذاف الدم احتال في الأمر للإبقاء على القذافي مزيدا من الوقت في مصر ومع مبارك، لأنه كان يعلم أنه لو سافر إلى ليبيا وهو على هذه الحالة من الغضب، فإن العلاقة مع مصر ستكون قد انتهت.
ويشرح ملابسات هذه الحيلة التي أفضت إلى عقد قمة مصغرة في الإسكندرية بشأن استكمال تدارس الوضع في العراق، مشيرا إلى أن هذه القمة لم يكن مخططا لها أصلا. ويضيف موضحا أنه حين وجد أن القذافي ما زال غاضبا من مبارك، قال له، وهو معهم في السيارة التي كانت تعبر الشوارع في اتجاه الفندق وليس المطار، إن هناك قمة مصغرة يوم غد، ويجب أن نشارك فيها، فسألني القذافي وقد تفاجأ: «قمة! لماذا؟ ألم نكمل القمة هنا وانتهينا».. فقلت له: نريد أن نجلس من أجل استخلاص النتائج وما قد يحدث بعد هذه القرارات التي اتخذناها في قمة القاهرة، وقلت له أيضا إن الرئيس حافظ الأسد والرئيس الشاذلي بن جديد سيحضران أيضا.
وهنا التفت مبارك وقال للقذافي: «صحيح.. إلى أين أنت ذاهب، ونحن لدينا قمة مصغرة يوم غد». ووصلت السيارة للفندق، ونزل معمر ودخل إلى الجناح الخاص به، بعد أن شيعه الرئيس مبارك في البهو.. وحين بدأ مبارك يخطو عائدا في اتجاه الباب الخارجي، تبعته لأودعه، فوقف أمام الفندق، أي قبل أن يركب السيارة، وقال لي: «ما هي حكاية القمة المصغرة التي تتحدث عنها؟ ألم ننته من القمة اليوم؟». فقلت له: «لا.. اتفقت أنا والدكتور أسامة الباز أن نعمل غدا قمة مصغرة». ويضيف قذاف الدم أن الباز كان في هذا الوقت يقف إلى جواره، فسأله الرئيس مبارك: «إيه الموضوع يا أسامة.. قمة إيه؟». فقال له: «نعم، سيادتك.. نلتقي بكرة مجموعة من الرؤساء الذين يحبون الحضور، في اجتماع غير رسمي، نناقش الأمور». فأجاب مبارك قائلا: «خلاص.. لكن في الإسكندرية وليس هنا». فقلت له: «هذا أفضل». وبعد أن ركب مبارك السيارة ومضى، أمسك أسامة بيدي، وسأل مستهجنا كل الملابسات الخاصة بموضوع القمة الذي لم يكن له أصل، وقال لي: «ماذا تفعل».. وأضاف باللهجة المصرية منزعجا: «إيه اللي بتهببه ده؟» فقلت للباز: «لا مشكلة.. القذافي ومبارك أصبحا موافقين على القمة المصغرة في الإسكندرية.. أنت هات رئيس وأنا آتي برئيس، ودعنا ننجز هذه القمة».
وجرى الاتصال من جانب أحمد قذاف الدم وأسامة الباز بكل من الرئيس حافظ الأسد ووافق، وكذا وافق الرئيس الجزائري والرئيس الفلسطيني عرفات.. ويقول قذاف الدم: «أصبح هناك خمسة رؤساء.. وذهبنا بالطائرات من القاهرة، ونزلنا في قصر المنتزه بالإسكندرية. وعقدنا القمة هناك، وتناولوا الغداء، ثم غادروا، بينما بقينا نحن في الإسكندرية، أي الجانب الليبي والجانب المصري، وعالجنا الحالة الثنائية التي بين مصر وليبيا قبل أن تتفاقم في تلك الظروف الدقيقة.
وفي الإسكندرية أيضا جرى توضيح الصورة بشكل أكثر تفصيلا للقذافي لأنه كانت لديه شكوك في أن الولايات المتحدة الأميركية تدخلت في القرار الذي وافقت عليه تلك القمة العربية الخاصة بقضية غزو العراق للكويت. وجرى شرح الموقف للقذافي بأن سبب التوتر أساسا كان توزيع رسالة داخل القاعة فيها تهديد من الرئيس صدام، موجهة ضد بعض الرؤساء بالاسم وفيها نوع من الاستفزاز. ويقول قذاف الدم: «كنا ضد غزو صدام حسين للكويت، وكنا أيضا ضد الوجود الغربي الأميركي في المنطقة، لأنهم إذا دخلوا لن يخرجوا. وهذا الذي أوصلنا إلى كل تلك الخلافات».
وبعد مضي نحو أربعين عاما من أول لقاء له مع مبارك في شرق ليبيا، يقول قذاف الدم إن الرجل ظل، حتى تخليه عن الحكم في 2011، «هو نفس الشخص الذي قابلته في قاعدة طبرق.. لم يتغير ولم يغتر، وكان حريصا، كما هو، ويتابع كل الأشياء بدقة وبنفسه.. وأذكر واقعة لا أنساها، لأنها تحضر إلى ذهني كلما قرأت ما يكتب عن تبذير مبارك وإسرافه وتبديده للمال العام.. وهذه الواقعة كانت حين قابلته في التسعينات على هامش مؤتمر غير رسمي عقد في أوروبا، وكان المؤتمر لمدة يوم واحد، وكان هو يريد أن يغادر في نفس اليوم.. فطلبت منه أن يرتاح، وقلت له: «يا ريس.. لماذا تسافر في نفس اليوم.. ابق يوما أو يومين. هذه بلد جميلة وارتح قليلا، ونذهب غدا للغداء في مطعم أو في مكان مريح.. كما تحب».
ويتابع قذاف الدم: «هنا، أي بعد أن أنهيت كلامي، صمت مبارك قليلا، ثم قال لي: فكرة جيدة.. وبعدها سكت مرة أخرى لفترة أطول كأنه يفكر تفكيرا عميقا، ثم قال: لا.. لا أستطيع.. لدينا شغل كثير والتزامات. فقلت له إن الالتزامات لن تنتهي.. فأجاب قائلا: انظر يا أحمد.. هل تعرف كم تبلغ تكلفة الإقامة لليلة واحدة في هذا الفندق؟ في إشارة إلى ارتفاع سعر المبيت ليلة في ذلك الفندق. وقرر أن يرجع إلى مصر في نفس اليوم». ويضيف قذاف الدم: «لا أنسى هذه الكلمات التي قالها لي، وأنا أستمع إلى الذين يتهمونه بأنه أخذ مليارات.. أنا أثق في أنه كان حريصا على المال العام.. الرجل الآن يخضع للمحاكمة، وقد لا يفيدني في شيء، ولكن لا أستطيع، بعد أن عرفت هذه الأشياء عنه، إلا أن أقولها للتاريخ».

الحلقة (1): قذاف الدم يروي لـ«الشرق الأوسط» بداية التوتر بين السادات والقذافي.. واجتماع ميت أبو الكوم


«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

انتابت أسر بحارة مصريين مختطفين على متن ناقلة نفط استولى عليها قراصنة قبالة السواحل اليمنية حالة من الذعر والهلع، عقب تداول مقطع فيديو حديث لثلاثة من أبنائهم مقيدين داخل السفينة التي جرى اقتيادها إلى المياه الإقليمية الصومالية.

وكانت ناقلة النفط «M-T Eureka» قد تعرضت للخطف من قبل مسلحين في الثاني من مايو (أيار) الحالي، قرب سواحل شبوة جنوب اليمن، قبل أن تبحر لاحقاً باتجاه خليج عدن وصولاً إلى السواحل الصومالية. ويضم طاقم السفينة 8 مصريين و4 هنود.

وضمن تحركاتها للإفراج عنهم، التقى مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية، محمد كريم شريف، بالسفير الصومالي لدى القاهرة علي عبدي أواري، في وقت متأخر الاثنين، مشدداً على «ضرورة العمل للإفراج العاجل عن جميع البحارة المصريين المحتجزين، وضمان سلامتهم وعودتهم في أقرب وقت». كما برزت متابعة برلمانية وصفت بأنها «دائمة ومستمرة ودقيقة» من لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري مع وزارة الخارجية، وفق ما قالت وكيلة اللجنة سحر البزار.

وعبرت البرلمانية المصرية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن اطمئنانها للتحركات الدبلوماسية المصرية، خصوصاً أن «أحداثاً وظروفاً سابقة تعرض لها المصريون في الخارج لقيت استجابة وحلولاً حاسمة من جانب السلطات المصرية بمستوياتها كافة».

ولم يتضمن مقطع الفيديو، الذي وثّق الظهور الأول لثلاثة من البحارة المصريين المختطفين على متن السفينة، أي إشارة إلى تاريخ تصويره أو موقعه، فيما ظهر إلى جوارهم مسلحون من القراصنة الذين نفذوا عملية الاختطاف، وهم يطلقون أعيرة نارية بصورة عشوائية، في مشهد أثار حالة واسعة من الرعب بين البحارة الذين سُمعت استغاثاتهم ومناشداتهم بعدم إطلاق النار عليهم.

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

وتواصلت النداءات المطالبة بالإفراج عن البحارة عقب انتشار التسجيل المصور، عاكسة حجم القلق الذي يخيّم على أسرهم سواء عبر وسائل إعلام محلية أو صفحات تواصل اجتماعي أطلق مصريون عبرها وسوم «#أنقذوا_طاقم_يوريكا» «_MT #استغاثة» «#حق_البحارة»، تضامناً مع المحتجزين ودعوات لتسريع التحرك لإنقاذهم.

وقال سالم شعبان جابر، شقيق أدهم، طباخ السفينة المحتجزة قبالة السواحل الصومالية، في تصريحات محلية، إن والدته دخلت في حالة انهيار عقب مشاهدتها الفيديو الذي ظهر فيه شقيقه وسط إطلاق نار من القراصنة.

وعلّقت أميرة محمد، زوجة أحد البحارة المختطفين، على الفيديو المتداول بعبارة مقتضبة غلب عليها الألم: «حسبي الله ونعم الوكيل»، وفق منشور عبر حسابها بموقع «فيسبوك»، الذي شهد متابعة وعبارات تضامن ملحوظة.

وخلال لقائه السفير الصومالي بالقاهرة، أكد مساعد وزير الخارجية المصرية أهمية تدخل السلطات الصومالية في هذه الأزمة، والعمل على إطلاق سراح المواطنين المصريين. فيما أبرز السفير أواري الجهود المبذولة لإطلاق سراح البحارة والاتصالات الرفيعة المستوى الجاري اتخاذها في هذا الصدد.

وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أعلنت في بيان قبل أسبوع أنها وجهت سفارتها في الصومال بمتابعة التطورات بشكل مستمر، والتواصل على أعلى المستويات لضمان أمن المختطفين وتسريع إجراءات الإفراج عنهم.

وفي توقيت متزامن، قال مساعد وزير الخارجية المصري، حداد الجوهري، في تصريحات تلفزيونية، إن الوزارة تولي الملف اهتماماً بالغاً، وتعمل على توفير الدعم اللازم لأسر البحارة، بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية الجارية.

وكان التواصل المباشر قد انقطع بين المخطوفين المصريين وذويهم منذ آخر مكالمة هاتفية مقتضبة جرت قبل نحو أسبوعين.

والمخطوفون المصريون هم محمد راضي المحسب، ومؤمن أكرم أمين، ومحمود الميكاوي، وسامح السيد، وإسلام سليم، ومحمد عبد الله، وأحمد درويش، وأدهم جابر.

ومع تزايد قلق الأهالي والتحركات الحكومية والبرلمانية، أبدى اللواء رضا يعقوب، الخبير المصري المتخصص في شؤون الإرهاب الدولي، تفاؤله بإمكانية حل أزمة البحارة المختطفين في الصومال عبر المسارات الدبلوماسية، «أو حتى من خلال تحرك عسكري إذا اقتضت الضرورة»، وفق تصريحاته لـ«الشرق الأوسط».

ووصف يعقوب ظاهرة اختطاف البحارة بأنها «شكل من أشكال الإرهاب الدولي العابر للحدود»، محذراً من قابليتها للتكرار والانتشار، خصوصاً في البيئات البحرية التي تمثل «مناطق رخوة وخصبة» لنشاط جماعات القرصنة والتنظيمات المسلحة.

وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب «جهداً دولياً منسقاً وتعاوناً استخباراتياً عالي المستوى»، لافتاً إلى أن القرصنة البحرية «قد تتحول إلى عدوى تنتقل من دولة إلى أخرى» إذا لم يتم احتواؤها مبكراً.

وأشار إلى أن التنسيق الأمني يعتمد بالأساس على تبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب الاستفادة من صور الأقمار الاصطناعية وعمليات المسح الجوي والبحري لرصد المناطق الخطرة وتعقب تحركات الخاطفين.

وعلى مدى سنوات، عرفت سواحل القرن الأفريقي ظاهرة القرصنة التي بلغت ذروتها في 2008 واستمرت على مدى عقد، مسببة اضطراباً واسعاً في حركة الملاحة بالمنطقة، قبل أن تتراجع تراجعاً ملحوظاً لعدة سنوات. إلا أن هذه الأنشطة عادت للظهور مجدداً منذ أواخر عام 2023، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الممرات البحرية الإقليمية وازدياد المخاطر على خطوط التجارة الدولية.


الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
TT

الحوثيون يوسّعون التجنيد التعبوي بين المهمشين والمسنين

عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)
عناصر من الفئات المهمشة في وقفة للحوثيين بمدينة إب (إعلام حوثي)

صعّدت الجماعة الحوثية من عمليات الاستقطاب والتعبئة في أوساط الفئات الأشد ضعفاً في مناطق سيطرتها، مستهدفة المهمشين وكبار السن عبر حملات تجنيد وتعبئة ذات طابع عسكري وطائفي، بالتوازي مع استمرار الأزمة الإنسانية والانهيار المعيشي الذي يضرب البلاد.

وأكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة كثَّفت نزولها الميداني إلى الأحياء الفقيرة والتجمعات السكنية التابعة للمهمشين في العاصمة المختطفة صنعاء ومحافظة إب، وعملت على استغلال الأوضاع المعيشية الصعبة التي تكابدها هذه الفئات، من خلال تقديم وعود بمساعدات غذائية ومبالغ مالية ورواتب شهرية مقابل الدفع بأبنائهم إلى معسكرات التجنيد التابعة لها.

وحسب المصادر، فإن الجماعة ركزت حملاتها على فئات الشبان والمراهقين من ذوي البشرة السوداء، قبل نقل العشرات منهم إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار؛ تمهيداً لإرسالهم إلى جبهات القتال في مأرب وتعز ضمن التعزيزات البشرية التي تدفع بها الجماعة بصورة مستمرة إلى خطوط المواجهات.

حريق ضخم التهم مخيماً لفئة المهمشين في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إكس)

وفي صنعاء، استغلت الجماعة الحوثية حادثة الحريق التي اندلعت قبل أيام في مخيم يتبع للمهمشين بمديرية معين، وأدى إلى تدمير مساكن عشرات الأسر؛ لتنفيذ حملات استقطاب داخل المخيم تحت غطاء العمل الإغاثي.

وأوضحت المصادر أن الجماعة نفذت عقب الحريق نزولات ميدانية إلى المخيم الذي يضم نحو 75 أسرة متضررة، وعرضت تقديم مساعدات إيوائية وغذائية مقابل السماح لأبنائهم بالالتحاق بمعسكرات التدريب الحوثية.

وأكدت المصادر أن الجماعة نقلت نحو 55 مجنداً من أبناء الفئات المهمشة، معظمهم من صغار السن، إلى معسكرات تدريب في صنعاء وذمار، قبل الدفع ببعضهم لاحقاً نحو جبهات مأرب وتعز.

وروى سكان من مخيم المهمشين في شارع الزبيري بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» بعضاً من تفاصيل الضغوط التي تعرضوا لها عقب الحريق، مؤكدين أن المشرفين الحوثيين ربطوا بين الحصول على المساعدات الإنسانية وبين إرسال أحد أفراد الأسرة إلى ما تسمى «الدورات العسكرية».

وقال أحد سكان المخيم، طلب حجب هويته لدواعٍ أمنية: «كنا ننتظر تدخلات لإنقاذ النساء والأطفال بعد الحريق، لكن المشرفين بدأوا بالسؤال عن الشباب القادرين على القتال، وأبلغوا بعض الأسر أن أولوية الدعم ستكون لمن يوافق على إرسال أحد أبنائه».

وأضاف أن كثيراً من الأسر وجدت نفسها أمام خيار صعب بين الجوع والتشرد، أو القبول بزج أبنائها في المعارك، في ظل غياب أي دعم حكومي أو إنساني كافٍ.

حملات استقطاب في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) تحدثت مصادر محلية عن تصاعد حملات التجنيد الحوثية في مخيمات وتجمعات المهمشين الواقعة في مفرق جبلة ومناطق أخرى بمحيط مركز المحافظة، حيث جرى نقل عشرات الشبان خلال الأيام الماضية إلى معسكرات تدريب خارج المدينة.

واتهم أحد أبناء الفئات المهمشة الجماعة بالتركيز على استهداف الأسر الأشد فقراً، مستفيدة من تدهور الظروف المعيشية وغياب مصادر الدخل، مؤكداً أن كثيراً من الأسر رضخت للضغوط تحت وطأة الحاجة.

الحوثيون خصّصوا الأموال لاستقطاب الفئات الأكثر ضعفاً وتجنيدهم (إعلام حوثي)

وفي السياق ذاته، كشف ناشطون حقوقيون عن تعرض سكان في مخيمات «مشهورة» و«قحزة» غرب مدينة إب لضغوط متواصلة لدفع أبنائهم إلى الجبهات، مقابل الحصول على مساعدات غذائية أو مبالغ مالية محدودة.

وأكد الناشطون أن الرافضين لحملات الاستقطاب يواجهون تهديدات بالتضييق أو الحرمان من المساعدات، إلى جانب تعرضهم لحملات ترهيب اجتماعي داخل الأحياء الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وأشاروا إلى أن الجماعة تستخدم شعارات سياسية ودينية مرتبطة بـ«نصرة غزة» و«الدفاع عن حزب الله اللبناني» وسائلَ تعبئة لتحفيز عمليات التجنيد، في حين يتم في الواقع الزج بالمجندين الجدد في معارك داخلية بمختلف الجبهات اليمنية.

استهداف كبار السن

بالتوازي مع حملات التجنيد العسكري، وسّعت الجماعة الحوثية من برامج التعبئة الفكرية والطائفية، مستهدفة كبار السن في صنعاء عبر دورات ودروس ذات طابع تعبوي تُقام داخل المساجد والمراكز الدينية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة أخضعت العشرات من كبار السن في صنعاء القديمة لبرامج يومية تحت مسمى «الدورات الثقافية والدينية»، يجري تنظيمها بإشراف وتمويل من هيئة الأوقاف التابعة للجماعة.

محاضرات تعبوية فرضها الحوثيون في الجامع الكبير بصنعاء (الشرق الأوسط)

وحسب المصادر، تُقام هذه الأنشطة داخل عدد من المساجد التاريخية، بينها الجامع الكبير في صنعاء القديمة، حيث يُطلب من المشاركين الحضور يومياً خلال ساعات الظهيرة للاستماع إلى محاضرات ذات مضامين عقائدية مرتبطة بآيديولوجية الجماعة.

وأكدت المصادر أن الخطاب المقدَّم داخل هذه الدورات يتجاوز الوعظ الديني التقليدي، ليركز على رسائل تعبوية أحادية، ضمن مساعٍ لتوسيع التأثير الفكري والاجتماعي للجماعة داخل الأحياء التقليدية.

ويقول أبو محمود (68 عاماً)، وهو أحد سكان حي القاسمي بصنعاء القديمة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه تلقى دعوة لحضور دورة دينية في مسجد قريب، قبل أن يكتشف لاحقاً أن مضمونها يحمل طابعاً تعبوياً واضحاً.

وأضاف: «في البداية قيل لنا إنها دروس عن الأخلاق وتربية الأبناء، لكن مع الأيام بدأت المحاضرات تركز على أفكار محددة، وطُلب منا الحضور بشكل يومي».

الحوثيون حوّلوا المساجد مراكزَ للتعبئة والاستقطاب (الشرق الأوسط)

أما جميل (35 عاماً)، وهو نجل أحد المشاركين، فأكد أن الجماعة تراهن على كبار السن لنقل الأفكار التعبوية إلى محيطهم الأسري والاجتماعي، خصوصاً في الأحياء الشعبية التي تلعب فيها الروابط العائلية دوراً مؤثراً.

وقال: «أصبح والدي يكرر العبارات ذاتها التي يسمعها في الدروس داخل المنزل، وهذا خلق أحياناً نقاشات وخلافات داخل الأسرة».

ووفق تقديرات سابقة للجهاز المركزي اليمني للإحصاء، يبلغ عدد كبار السن في اليمن نحو 1.3 مليون شخص، يمثلون ما نسبته 4.4 في المائة من إجمالي السكان، في حين تشير دراسات دولية إلى أن نحو 1.65 مليون مسن يمني يواجهون خطر المجاعة نتيجة ارتفاع أسعار الغذاء وتراجع القدرة الشرائية.


الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال: مخاوف من تنامي «إرهاب الشباب» مع تصاعد الأزمة السياسية

قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)
قوات صومالية تنفذ بالتعاون مع شركاء دوليين عملية عسكرية في محافظة هيران (وكالة الأنباء الصومالية)

وصلت الأزمة السياسية في الصومال إلى منحنى ينذر بخطر كبير مع إطلاق المعارضة على رئيس البلاد حسن شيخ محمود تعبير «الرئيس السابق»، وإخفاق محادثات سهلتها واشنطن ولندن في الوصول لتفاهمات، مع استمرار تهديدات «حركة الشباب» التي تصنفها عدة دول منظمة إرهابية.

وطالبت بعثة الأمم المتحدة في الصومال السياسيين بضبط النفس، وحذرت من التهديد الأمني الذي تشكله الهجمات الإرهابية، وهو ما يرجعه خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط» إلى مخاوف من استغلال «حركة الشباب» للأزمة السياسية في تصعيد هجماتها، داعياً إلى التوصل لتفاهمات تعزز استقرار البلاد.

وعبَّرت الأمم المتحدة، الأحد، عن أسفها لانتهاء المحادثات السياسية بين الأطراف الصومالية دون نتيجة، ودعت الصوماليين إلى التعاون في معالجة الوضع الإنساني المتردي، والتصدي للتهديد الأمني.

كما دعت المنظمة الدولية إلى تجنب أي إجراءات قد تزيد من حدة الانقسامات، مؤكدة استعدادها لمواصلة دعم الجهود الرامية إلى حل الخلافات بين القادة السياسيين.

وقال نائب قائد القوات البرية للقوات المسلحة، عبد الله حسين عرو، عقب تفقد الوحدات العسكرية في مدينة بيدوا، العاصمة المؤقتة لولاية جنوب غربي الصومال: «معركتنا مستمرة حتى اجتثاث الإرهاب، وتأمين المواطنين»، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية الرسمية، الاثنين.

وضع «يزداد تعقيداً»

المحلل السياسي الصومالي، علي محمود كلني، قال إن الصومال يشهد مرحلة شديدة الحساسية في ظل تداخل الأزمات السياسية، والأمنية، والإنسانية، بما يهدد مسار الدولة الهش، ويضعف جهود مواجهة الإرهاب.

وأكد أن تعثر الحوار السياسي يشكل تهديداً مباشراً للحرب على «حركة الشباب»، مشيراً إلى أن المواجهة مع التنظيم لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل تحتاج إلى توافق سياسي يضمن وحدة القرار، وتنسيق العمليات الأمنية بين الحكومة الفيدرالية والولايات المحلية.

قائد الجيش الصومالي إبراهيم محمود خلال زيارة لوحدات تتلقى تدريبات عسكرية (وكالة الأنباء الصومالية)

ويزداد الوضع تعقيداً مع اعتماد الصومال بدرجة كبيرة على الدعم الخارجي، سواء من بعثة الاتحاد الأفريقي، أو من الشركاء الدوليين، ما يجعل أي اضطراب سياسي داخلي عاملاً مؤثراً في ثقة المجتمع الدولي بقدرة الحكومة على إدارة المرحلة الأمنية الحساسة، وفق كلني.

وبحسب ما نقلته وكالة الأنباء الصومالية، السبت، أعلن شيخ محمود البدء في تطبيق الدستور الجديد الذي أُقر في مارس (آذار) الماضي وسط رفض من المعارضة، وهو ما يعني تمديد فترة ولايته عاماً انتقالياً.

وذكر «مجلس مستقبل الصومال» في بيان، الجمعة، أن المحادثات التي جرت بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة في مقديشو في الفترة من 13 إلى 15 من الشهر الجاري «انتهت دون نتيجة حاسمة، بعد فشل التوصل إلى اتفاق بشأن قضايا الانتخابات، والدستور، وعملية الانتقال السياسي».

ووفق البيان الصادر عن المجلس، فإن شيخ محمود يُعد «رئيساً سابقاً»، وعلى قوات الأمن الاضطلاع بواجباتها الدستورية، وعدم تلقي «أوامر تنفيذية» منه.

ولم تذهب الحكومة، في بيان الجمعة، للإقرار بفشل جولة مقديشو؛ ولكنها أكدت التزامها بتنفيذ انتخابات مباشرة وفق نظام «صوت واحد لكل شخص»، فضلاً عن «استمرار انفتاحها على الحوار، والتشاور مع مختلف الأطراف الوطنية بشأن القضايا المرتبطة بالعملية الديمقراطية في البلاد».

«حركة الشباب»... المستفيد الأكبر

وبحسب كلني، أظهرت التجارب السابقة في الصومال أن الانقسامات السياسية غالباً ما تؤدي إلى إضعاف المؤسسات الأمنية، وخلق فراغات تستغلها الجماعات المسلحة. كما أن الخلافات القائمة تؤثر على توزيع الموارد العسكرية، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، إضافة إلى ضعف تعبئة العشائر المحلية المشاركة في محاربة التنظيم.

ويقول المحلل السياسي الصومالي إن «حركة الشباب» هي «المستفيد الأكبر من حالة الانقسام السياسي، إذ تعتمد تاريخياً على استغلال الخلافات السياسية والعشائرية لتوسيع نفوذها، خصوصاً في المناطق الريفية، والهشة، حيث تشير تقديرات أمنية إلى أن الحركة لا تزال تحتفظ بقدرات كبيرة على تنفيذ هجمات معقدة، وجمع الموارد المالية عبر شبكات الجباية، والابتزاز».

ويأتي الخلاف السياسي مع ارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي؛ ففي 14 مايو (أيار) الجاري ذكر مراقبان لأمن الغذاء العالمي أن مناطق في جنوب الصومال تواجه خطر المجاعة، في وقت بلغ أحد الأقاليم مستوى من الجوع لم تشهده البلاد منذ 2022، بحسب «رويترز».

ويعد الصومال واحداً من أكثر دول العالم معاناة من انعدام الأمن الغذائي بسبب الجفاف المتكرر، والصراعات، والفقر. وكانت المجاعة الأحدث في 2011، عندما لقي نحو 250 ألف شخص حتفهم؛ وكاد الصومال أن يشهد مجاعة أخرى في عامي 2017 و2022، وفق إعلام محلي.

وحذر كلني من أن استمرار الاستقطاب السياسي، والتدهور الإنساني قد يمنحان «حركة الشباب» فرصة جديدة لإعادة التموضع، والتوسع، بما يهدد مستقبل الاستقرار في الصومال، ومنطقة القرن الأفريقي بأكملها، مؤكداً أن ذلك يتوقف على الوصول لتفاهمات سياسية عاجلة.