الحلقة (1): قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} بداية التوتر بين السادات والقذافي.. واجتماع ميت أبو الكوم

أحمد قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} مسيرة نصف قرن مع معمر القذافي (1 من 10)

القذافي مع السادات في بداية السبعينات (يمين)، أحمد قذاف الدم(في الاطار) و القذافي وأحمد قذاف الدم  القذافي مع السادات في بداية السبعينات
القذافي مع السادات في بداية السبعينات (يمين)، أحمد قذاف الدم(في الاطار) و القذافي وأحمد قذاف الدم القذافي مع السادات في بداية السبعينات
TT

الحلقة (1): قذاف الدم يروي لـ {الشرق الأوسط} بداية التوتر بين السادات والقذافي.. واجتماع ميت أبو الكوم

القذافي مع السادات في بداية السبعينات (يمين)، أحمد قذاف الدم(في الاطار) و القذافي وأحمد قذاف الدم  القذافي مع السادات في بداية السبعينات
القذافي مع السادات في بداية السبعينات (يمين)، أحمد قذاف الدم(في الاطار) و القذافي وأحمد قذاف الدم القذافي مع السادات في بداية السبعينات

يكشف أحمد قذاف الدم، الذي عمل وتعامل مع العقيد الليبي الراحل، معمر القذافي، نحو نصف قرن من الزمان، ولأول مرة، عن أسرار المفاوضات في البيت الريفي للرئيس المصري الراحل أنور السادات، من أجل إنهاء الحرب المصرية الليبية التي وقعت عام 1977. ويتطرق قذاف الدم في 10 حلقات مع «الشرق الأوسط» إلى العديد من المواقف والأسرار والملابسات، وذلك منذ أن استضافت أسرته التلميذ معمر القذافي، ابن عمه، للدراسة الابتدائية والإعدادية في مدرسة سبها المركزية في جنوب ليبيا، في أواخر خمسينات القرن الماضي، وحتى العمل معه كمبعوث خاص ومنسق للعلاقات ومندوب لإطفاء الحرائق التي تشتعل أحيانا هنا وهناك، وكان آخرها حريق «انتفاضة فبراير المسلحة» التي شارك فيها حلف «الناتو» وأنهى حكم معمر في مسقط رأسه في سرت في مشهد مأساوي في خريف 2011.

بعد انتهاء حرب 1973 وبدء مفاوضات الكيلو 101، بين مصر وإسرائيل، بإشراف الأمم المتحدة، للوصول إلى تحديد خطوط وقف إطلاق النار، بدأت نذر الخلافات بين العقيد القذافي الذي كان عمره لا يتجاوز 31 عاما، والرئيس السادات المخضرم في الحروب والثورات والسياسة. وشعر القذافي أن الأمور يمكن أن تفلت، وبدا من تصرفاته أنه لا يريد أن يخسر القاهرة، وفي الوقت نفسه كان موقفه أكثر ميلا للموقف الرافض لطريقة التفاوض الذي يتبناه الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية في ذلك الوقت. وأخذ القذافي ينتقد أولا إجراء مفاوضات الكيلو 101 على الأرض المصرية.
ورغم غضبه الشديد من السادات، فإنه وافق على حضور حفل تكريم الجيش المصري الذي نظمه السادات عقب الحرب بنحو أربعة أشهر، أي في فبراير (شباط) عام 1974.
ويكشف قذاف الدم في هذه الحلقة كيف بدأ وكيف انتهى في مفاوضات في منزل السادات الريفي على أطباق الشوربة المغربية وهي حساء ليبي كان السادات يحبه ويأمر بإعداده في مطبخه، بعد أن علمه القذافي طريقة تحضيره.
على أية حال.. نحن في الأيام التي أعقبت حرب تحرير سيناء، ووسط لغط في الأوساط العسكرية والسياسية، يتردد صداه على ضفة قناة السويس وبقايا خط بارليف الحصين، وينتقل عبر الأثير إلى أرجاء الدنيا، حول المفاوضات التي كانت تجري بين القاهرة وتل أبيب تحت إشراف الأمم المتحدة. وزاد من حجم المسؤولية في القرار على كل من مصر وسوريا وليبيا، ارتباط هذه الدول فيما يعرف بـ«الاتحاد الثلاثي» الذي جرى التوقيع عليه منذ بداية السبعينات.
أين كان الضابط أحمد قذاف الدم في ذلك الوقت.. أين ذهبت أحلامه في وصول الجيوش العربية إلى فلسطين وإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني. سألته: هل رجعت إلى ليبيا مباشرة بعد انتهاء الحرب؟ فعاد بالذاكرة قليلا إلى الوراء، وأجاب وهو يتنفس بحرقة: «لا.. حصلت مشاكل بعد أن تقدم الفريق سعد الدين الشاذلي باستقالته. وكان التفكير الليبي أقرب إلى تفكير الفريق الشاذلي.. انحزنا له بشكل أو بآخر، بحكم أنه كان الأكثر فهما للأمور العسكرية على الأرض، وأيضا كنا نتابع مع الإخوة السوريين على الجبهة السورية. كنا ضد إيقاف الحرب، وضد مفاوضات الكيلو 101.. كنا نرى أنه إذا كان لا بد من هذه المفاوضات فلتكن في أرض العدو، وليس على الأرض المصرية».
ويقول: اختلفنا في مثل هذه النقاط، وبدأت حملة إعلامية شرسة في مصر ضد ليبيا. وبدأت الخلافات تأخذ شكلا متصاعدا، ورغم ذلك، عندما كرم الرئيس السادات الجيش المصري بعد الحرب، بعث بمبعوث إلى طرابلس، لدعوة معمر لحضور التكريم، وكان السادات يقول: «رغم خلافي مع معمر، ورغم أن معمر عمل وعمل وعمل، ولكن نحن أوفياء، ولا يمكن أن ننسى ما قامت به ليبيا في هذه الحرب، ولا ينبغي أن يجري التكريم في غير حضور معمر القذافي». ومن جانبه اشترط القذافي على السادات أن يوجه الدعوة لحضور بعض القادة الأفارقة، وقال للسادات: «أفريقيا ساهمت معنا وقامت بقطع علاقتها بإسرائيل، وأرجو، طالما أنت قمت بهذه الخطوة فإنه من باب الوفاء لأفريقيا أن ندعوها للمشاركة في الحفل». ورحب السادات بالفكرة وجاء الرئيس الأفريقي موبوتو سيسيسيكو وحضر معنا التكريم الذي جرت وقائعه في مقر مجلس الشعب المصري.
لكن العلاقة لم تعد بين القذافي والسادات إلى نفس الدرجة ولا إلى نفس الروح التي كانت عليها، من الثقة والود، قبل مفاوضات الكيلو 101. ومع ذلك كان القذافي مصرا على الاستمرار في الاتحاد الثلاثي بين مصر وليبيا وسوريا، وكان مصرا أيضا على التعجيل بهذا العمل المشترك «حتى لا نضيع الوقت». وكان يقول، وفقا لقذاف الدم: «كيف نستفتي الناس على الاتحاد ثم نتركهم.. لا أحد يجوز له إلغاء هذا الاتحاد إلا باستفتاء».
وكان قد جرى تخصيص القصر الرئاسي المصري المعروف حتى اليوم باسم «قصر الاتحادية» كمقر للاتحاد الثلاثي وللبرلمان الاتحادي. ويقول قذاف الدم: «كنا قد أنشأنا مجموعة مؤسسات للاتحاد الثلاثي في قصر الاتحادية. ولهذا السبب أطلق عليه هذا الاسم. أما الفقرة التي تنص على عدم إلغاء الاتحاد إلا باستفتاء فقد وضعها معمر القذافي، ولا زال هذا الاتحاد قائما (نظريا) حتى هذه الساعة. ومن الناحية الدستورية يستمر قائما ما لم يجر استفتاء الناس على إلغائه. وكانوا يخشون من أنه لو جرى استفتاء سيجري رفض الانفصال وقتها».
ويقول قذاف الدم إن القذافي كان يريد أن يجري زواجا سياسيا أكثر من أي شيء آخر، بين البلدين على ما أعتقد.. «هو كان يريد زواجا سياسيا لكي يكسر هذا الحاجز الذي تكوَّن بعد ملابسات حرب 1973. وأن نقترب من بعض أكثر لأن حالة الشك بدأت تسود، ويسود الظن بأن معمر كان لديه موقف من الرئيس السادات، وأن معمر يقوم بتخوين السادات وهكذا».
ويتابع قذاف الدم قائلا: «نحن كنا شبابا بطبيعة الحال، وسوريا ظلت خارج هذا الإطار، فحدثت خلخلة في الإجماع العربي، فكانت في الحقيقة مرحلة صعبة في العلاقات بين ليبيا ومصر.. وأنا الحقيقة لم أنقطع عن مصر، كنت أتواصل وألتقي بالرئيس السادات من آن إلى آن، سواء في القاهرة أو خارجها».
ووقعت بعد ذلك بثلاث سنوات، ومع اقتراب مصر من توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، مناوشات عسكرية على الحدود المصرية الليبية عام 1977، كان لها العديد من التداعيات والتفسيرات، لكن يبدو أن السبب الرئيس كان الشحن والتوتر وتبادل الاتهامات. فالمصريون يتهمون القذافي بأنه كان يجهز لضرب السد العالي وتنفيذ تفجيرات داخل البلاد وتحريض المصريين ضد السادات، بينما كان لليبيين فهم مختلف يتعلق بوجود مؤامرة غربية ضدها. ولعب قذاف الدم دورا في «مفاوضات الشوربة المغربية في ميت أبو الكوم.
لكن كيف بدأت الأحداث بالضبط وإلى أين وصلت وكيف انتهت، كما رآها وتابعها.
يقول قذاف الدم: والله أعتقد أنه كان هناك مخطط لترحيل الجيش المصري من المنطقة الشرقية إلى المنطقة الغربية، لأن المساحة ضاقت وأصبح الجيش يشكل خطرا حتى على القاهرة، فكان لا بد من إيجاد مبرر لنقله إلى الصحراء الغربية. فافتعلت مصر هذه المشكلة، وهذه القصة.
لكن في ذلك الوقت ترددت الكثير من الأقاويل عن أن القذافي يريد أن يأتي بحشود شعبية من ليبيا للضغط على القاهرة حتى لا توقع معاهدة مع إسرائيل. ما رأيك؟ ويرد قذاف الدم قائلا: «المهم كانت هناك رغبة في خلق مبررات حتى لو كانت واهية.. ولم تكن منطقية في نهاية المطاف. وقد يكون جزء منها هو المعلومات المضللة التي كانت تأتي للرئيس السادات لتدمير ما تبقى من الجيش المصري من خلال توريطه في حرب في ليبيا. أنا لا أستبعد أن الأميركيين والغرب كانوا يعطون معلومات غير صحيحة للسادات تقول إن معمر سيدمر السد العالي ويريد أن يحارب مصر أو يغزو مصر.. ومثل هذا الكلام لا أساس له.. معمر رجل وحدوي ورجل قومي، ولا يمكن أن يحارب الجيش الذي بناه عبد الناصر ولا يمكن أن يهدم السد العالي الذي بناه عبد الناصر».
وحين بدأت المواجهات بين الجيش المصري والليبي، كان قذاف الدم يستكمل دراساته العسكرية في بريطانيا. ويوضح قائلا: «سمعت بالأحداث التي تجري على الحدود.. وجرى استدعائي، ورجعت إلى ليبيا. وطلبت أن أنتقل إلى طبرق، لأن الموضوع بالنسبة لي كان خارج دائرة التصديق. أفكر في أن الجيش المصري على الحدود الليبية.. الحقيقة مسألة بالنسبة لنا كانت صدمة مهما كانت الخلافات. وذهبت مع زملائي واستطلعنا الحدود، ورأينا فعلا أن القوات المصرية هناك وبعض منها داخل حتى الأراضي الليبية. وحدات استطلاع.. ورجعنا، وبدأنا اتصالات مع الرئيس السادات ومع آخرين من المصريين، وأنا كنت طرفا في هذه الاتصالات».
هل اتصلت بالسادات نفسه حول مشكلة الحشد العسكري على الحدود؟ يقول: «نعم». وكيف كان رد فعله؟ يجيب: «والله هو كان معبأ.. ويرى أن ليبيا، وأن معمر، يريد أن يغزو مصر. وتحدثنا مع السادات في الهاتف في المرات الأولى.. ثم توصلنا من خلال اللقاءات المستمرة، والسرية طبعا، مع أجهزة المخابرات المصرية، ومع قوات الاستطلاع المصري، إلى امتصاص هذه المرحلة.
والحقيقة لعب الرئيس الجزائري هواري بومدين والفلسطيني عرفات، دورا مهما في توضيح هذه الصورة للسادات». كما جرت لقاءات مباشرة سرية كثيرة، في مصر وفي باريس وفي المغرب وفي أكثر من مكان.
لكن كيف انتهى موضوع المواجهات العسكرية بين البلدين؟ يجيب قذاف الدم قائلا إن أهم لقاء أدى لحسم هذه القصة وأنهاها نهائيا، كان من خلال لقاء مباشر وليس بالهاتف مع الرئيس السادات، الذي وجدته في الحقيقة رجلا قرويا وثوريا في الوقت نفسه.. «أقصد أنه كانت توجد لغة مشتركة بيننا رغم الخلاف». وفي ذلك الوقت، ورغم ما هو ظاهر من العداء بين معمر القذافي والسادات، إلا أن هذا لم يكن هو الواقع.. معمر كان لديه احترام للسادات، وتاريخه ومواقفه.. وأيضا الرئيس السادات كان يقول معمر هذا ابني».
ويضيف قذاف الدم قائلا: حتى حين كنت أزور السادات في بيته الريفي في ميت أبو الكوم، كان يقول لي إن هذه النخلة أتى بها القذافي وهذه الشجرة زرعها القذافي والشاي الأخضر علمه لي معمر القذافي.. والشوربة المغربية علمها لي القذافي، مشيرا إلى أن السادات كان يحب الشوربة الليبية كثيرا.. «أنا أعني إجمالا أنه كان هناك نوع من الود. وكان يهدأ قليلا ثم يبدأ في توجيه اللوم للقذافي وأنا جالس معه في بيته، ويقول: كيف معمر يعمل هذا، في إشارة إلى ما كان يشاع عن عزم ليبيا غزو مصر وضرب السد العالي. كما قال السادات أيضا إن معمر عاوز يستولي على الأراضي المصرية لغاية العامرية (غرب الإسكندرية)».
كان قذاف الدم يريد أن يصل إلى نتائج تنهي حالة الاحتقان على الحدود بين البلدين سريعا، ويقول إنه كان لا بد من الحديث صراحة مع السادات، لأنه كان مصمما ولا يريد أن يقتنع بما أقوله له عن وجود مؤامرات غربية لتوريط الجيش المصري في ليبيا، وإبعاده عن سيناء وعن إسرائيل، و.. «هنا طرحت على الرئيس في بيته بميت أبو الكوم أيضا، تفاصيل الخطة التي حصلنا على معلومات بشأنها بواسطة أجهزة الاستخبارات الليبية، وتهدف لغزو مصر لليبيا من الشرق وغزو تونس لليبيا من الشمال، على أن يتصدى الأسطول الأميركي في البحر المتوسط لأي محاولة للتدخل من جانب الاتحاد السوفياتي.
لكن السادات أشعل غليونه ودار حول نفسه ثم أخذ يتطلع إلى الأشجار والنخيل من حوله، وظننت أنه سيتفهم ما قلته له، لكن فجأة نفث دخان الغليون، وعاد سيرته الأولى، وهو غاضب أكثر من الأول: «لا.. أنتم لديكم صواريخ في الجغبوب (قرب حدود مصر) تريد أن تدمر السد العالي». وأخذ يشير إلى خرائط مصورة بالأقمار الصناعية التي بدا أنها أميركية. فقلت له: «تعني أن الخرائط تقول إنه توجد صواريخ في الجغبوب.. حسنا أستطيع أن أذهب الآن أنا وعسكريون مصريون بطائرة عمودية إلى هذا المكان لترى أنه لا يوجد فيه مثل هذا الكلام».
وبعد أن كان مغتاظا بشكل كبير بدأ يجنح ناحية الهدوء فقلت له مباشرة وأظن أنني فاجأته: «أنتم سيادة الرئيس مَنْ لديكم مخطط ضد ليبيا». وعرضت عليه المخطط الأميركي لضرب ليبيا، فقال لي: «هذا كلام غير صحيح»، وأخذ يحدق مجددا في خرائط الأقمار الصناعية التي كانت أمامه. فأخرجت أوراقا تثبت صحة كلامي، وقلت له: «لا.. إنه كلام صحيح سيادة الرئيس. وهذه المعلومات من داخل الولايات المتحدة الأميركية، وحصلت عليها المخابرات الليبية».
وعلى الجانب الآخر كان كل من الرئيس الجزائري، بومدين والفلسطيني عرفات، قد عملا على إنهاء حالة التوتر مع مصر، لكن رغم ذلك استمرت حشود الجيش المصري على الحدود فيما بعد. ويقول قذاف الدم: نسيت أن أذكر لك أن زيارتي للسادات في ميت أبو الكوم لم تكن بعلم القذافي ولم أستأذنه فيها. المهم أنه بعد نقاش طويل عريض، قلت للسادات: «شوف أنا جئت دون إذن.. إما أن نصل إلى حل، أو احجز لي مكانا عندك لكي أمكث في مصر، لأن القذافي لا يعلم بهذه الزيارة ولم آخذ إذنه، ولا أستطيع أن أعود إليه بعد هذا دون نتيجة مريحة».
فسألني السادات وقد بدا أنه متعاطف معي: ماذا تريد؟ فأجبته إجابة مطولة: أريد أن تأخذ خطوة. وكان يستمع حين قاطعني ليأمر بتحضير طعام الغداء، على أن تكون الشوربة المغربية على السفرة. واستكملت حديثي وقلت له: سيادة الرئيس.. أنا جئت لأؤكد أننا في ليبيا ليست لدينا أي أمور عدائية تجاهكم. بينما أنتم جئتم بقواتكم على حدودنا. اسحب على الأقل جزءا من هذه القوات، وبرهن على حسن النوايا. وأعطنا أسبوعا.. إذا لم يأت رد من ليبيا في خلال الأسبوع، أعد القوات مرة أخرى. فقال لي: خلاص.. سأسحب لمدة أسبوع.
ويقول قذاف الدم: شعرت مرة أخرى، وأنا أتطلع إلى الأجواء الريفية المحيطة ببيته، أن الرئيس السادات إنسان بسيط ومتواضع. على أية حال قدم الشوربة وكان هناك بط أيضا. وفي آخر النهار أكلنا فطير مشلتت (نوع من المخبوزات في الريف المصري). لقد بدأ اللقاء عاصفا وانتهى بعد ساعات طويلة بتفاهم. وكان الرجل ودودا، لكن كانت لديه همومه ومخاوفه تجاه بلده ويريد أن يستعيد سيناء بعد أن تخلى عنه الجميع.
وعلى فناجين الشاي الأخضر بينما كانت زقزقة الطيور تتزايد مع اقتراب المساء، كان الحديث مع الرئيس يسير بهدوء، وكان كل من قذاف الدم والسادات لديه استعداد للاستماع أطول فترة ممكنة للآخر. وعرض عليه قذاف الدم بالتفصيل معلومات المخابرات الليبية التي قال إنها موثقة وجاءت بها من أميركا.. «والتي تشير إلى أن هذا المخطط ضد ليبيا بدأ منذ أواخر السبعينات عندما دخلت قواتنا إلى تشاد ووصلت لمشارف العاصمة إنجمينا».
ويضيف: «الخطة تقضي بجر مصر وتونس للتدخل في ليبيا بمساعدة أميركية وفرنسية، لإسقاط النظام في ليبيا حين كانت معظم القوات الليبية تحارب في تشاد.. من تونس تدخل القوات الفرنسية وتستولي على طرابلس بزعم أن ليبيا تريد أن تهاجم تونس.. وتتولى مصر الدخول من الغرب حتى بنغازي للسيطرة عليها، ثم يقوم الأسطولان السادس والسابع بمحاصرة شواطئنا من الشمال حتى لا يتحرك الاتحاد السوفياتي لنجدة القوات الليبية».
وانتهت زيارة قذاف الدم لبيت السادات، ومن هناك انطلق عائدا إلى ليبيا. ويقول: ذهبت للأخ معمر الذي كان وقتها موجودا في خيمة في منطقة الكُفرة الحدودية، وقلت له إنني كنت عند السادات.. طبعا فوجئ، وقال لي: لماذا لم تستأذني؟ فقلت له لو كنت قد استأذنتك لقلت لي لا تذهب، ولقلت لي إنه اتفق مع الأميركان وأصبحوا جبهة واحدة. فسألني: لماذا اخترت الذهاب للسادات؟
فأجبته: لأنه الحلقة الأضعف.. رجل من طينتنا ولديه نفس مشاعرنا ورجل ثوري وعاش معنا ويعرفنا جيدا. أما الغرب فهو عدو يريد أن يقتص منا. وبالنسبة لتونس، إذا أقنعهم الفرنسيون أن معمر يريد أن يهجم عليهم، فسيطلبون بشكل آلي الحماية الفرنسية. وحكيت له ما حدث في بيت ميت أبو الكوم بالتفصيل، ووجد أنني متأثر بكلام السادات، وأعتقد أنه قال بينه وبين نفسه إن السادات «أكل بعقله حلاوة»، كما يقول المصريون، خاصة أنني كنت شابا صغيرا. ولم يكن القذافي مقتنعا بكل ما حدث، أو بالأحرى كان مترددا. قال: خلاص.. لكن الكلام الذي سمعته من السادات لا يوثق فيه.. هذه مناورة منه وضحك عليك، وقال لك إنه سيسحب القوات، ولن يسحبها.
وبينما شعر قذاف الدم أن جهوده مع السادات ذهبت هباء، وأن الأمور تزداد تعقيدا، وجد الفرج وكأنه هبط عليه من حيث لا يدري. يقول: تشاء الظروف في تلك اللحظة، ونحن نهم بالخروج من الخيمة، أن يأتي قلم القائد (سكرتير القذافي) حاملا الملفات والبرقيات والبريد، وهنا ابتعدت عن الأخ معمر، على أساس أن أتركه يفحص ما لديه من أوراق، لكنه أخذ ينادي علي، وحين اقتربت قال: «تعال هنا.. تعال. يبدو أن صاحبك جاد»، في إشارة إلى السادات، لأنه لم يكن يريد للسكرتير، أو غيره، أن يعرف أنني كنت عند الرئيس المصري.
ومد لي برقية واردة من استطلاع الجيش الليبي، تقول إن بعض الوحدات المصرية انسحبت من الجبهة. فقلت للقذافي وقد شعرت بعودة النبض إلى عروقي: خلاص.. إذن الكرة أصبحت في ملعبنا نحن، وعلينا أن نتخذ الخطوة التالية، فوافق، وأعلن في خطاب عام أنه لن يحارب جيش عبد الناصر ولن يدمر السد العالي. وقال أيضا: لا بد أن نحول هذه المنطقة إلى منطقة رخاء وتعاون بين البلدين وأنه مهما كانت خلافاتنا سياسية فلا يجب أن نصل لدرجة تجييش جيوشنا وقدراتنا لمصلحة الغرب.
ويضيف قذاف الدم أن الإجراءات العملية لإنهاء التوتر العسكري على الحدود المصرية الليبية استمرت بعد ذلك حيث أكمل السادات سحب باقي قواته، وقام قادة من الجيش الليبي بعقد اجتماعات مع كل من الجيش المصري والمخابرات المصرية، وأصبح يطلق عليها لسنوات «اجتماعات الحدود» وتهدف للتعاون المشترك لتأمين المنطقة بدلا من الصراع فيها. ويختتم قائلا: حاول الغرب إحياء المخطط نفسه مع الرئيس حسني مبارك، في تسعينات القرن الماضي، وجاء لهذا الغرض، للقاهرة، رئيس الأركان الأميركي، ومعه المخططون من المخابرات الأميركية، إلا أن مبارك أبلغنا بهذا الموضوع، ورفض أن تشترك مصر في المؤامرة ضد ليبيا.



وفاة لاعب كرة قدم فلسطيني بعد إصابته في هجوم لمستوطنين بالضفة الغربية

فادي النعسان (وفا)
فادي النعسان (وفا)
TT

وفاة لاعب كرة قدم فلسطيني بعد إصابته في هجوم لمستوطنين بالضفة الغربية

فادي النعسان (وفا)
فادي النعسان (وفا)

تُوفي لاعب كرة القدم الفلسطيني الشاب فادي النعسان (17 عاماً)، السبت، بعد أسبوع من إصابته بالرصاص خلال هجوم شنّه مستوطنون إسرائيليون في الضفة الغربية المحتلة، وفق ما أفاد مسؤولون وأقارب له.

وحمل عشرات المشيعين، الذين اتشح بعضهم بالسواد، جثمان لاعب نادي «المغير» والمنتخب الفلسطيني للناشئين، من مجمع فلسطين الطبي في رام الله إلى قريته ليوارى الثرى.

واتهم الاتحاد الفلسطيني للعبة القوات الإسرائيلية بإطلاق النار على النعسان أثناء هجوم شنّه مستوطنون على قرية المغير في 11 يوليو (تموز).

وقال والده حمدالله النعسان لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن ابنه «كان يحب كرة القدم».

وأضاف: «عندما هاجم المستوطنون سمع صرخات الفتيات والنساء، فتوجّه إلى موقع الهجوم وقُتل».

من جانبها، قالت والدته حنان إنّ ابنها «كان طالباً جيداً في المدرسة، وكان جيداً في الرياضة، ويلعب كرة القدم. وكان محبوباً من قبل الناس»، مضيفة: «أسأل الله أن يتقبّله شهيداً».

وأوردت وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا) تفاصيل الحادثة التي أُصيب فيها النعسان برصاصة متفجرة في الفخذ، والتي أدت إلى بتر قدمه، مشيرة إلى إصابة آخرين برصاص مطاطي أطلقته القوات الإسرائيلية، وإصابة طفل في العاشرة من عمره في رأسه بقنبلة صوتية.

ومنذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، شهدت الضفة الغربية المحتلة تصاعداً حاداً في أعمال العنف التي يقوم بها المستوطنون الإسرائيليون.

وقَتل جنود أو مستوطنون إسرائيليون ما لا يقل عن 1088 فلسطينياً في الضفة الغربية منذ بدء الحرب، بينهم مدنيون ومسلحون، وفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية.


انحسار مياه النيل في السودان يثير قلقاً مصرياً

«سد النهضة» يتسبب في انحسار مياه النيل بالسودان (رويترز)
«سد النهضة» يتسبب في انحسار مياه النيل بالسودان (رويترز)
TT

انحسار مياه النيل في السودان يثير قلقاً مصرياً

«سد النهضة» يتسبب في انحسار مياه النيل بالسودان (رويترز)
«سد النهضة» يتسبب في انحسار مياه النيل بالسودان (رويترز)

أعاد الحديث عن انحسار النيل في عدة مناطق سودانية، من جراء تحكم سد النهضة الإثيوبي في التدفقات، مخاوف مصرية غير رسمية من إمكانية حدوث تراجعات في كميات المياه الواردة للقاهرة مع عدم التوصل لاتفاق مع أديس أبابا بشأن ملء وتشغيل السد بما يضمن حماية حصتها المائية المقدرة بـ55.5 مليار متر مكعب.

ذلك الانحسار يراه وزير مصري أسبق، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، يعزز مخاوف تأثر التدفقات لمصر، لكنه شدد على أن مصر مستعدة لهذا السيناريو ولديها تصورات لتفادي أي تراجعات، مؤكداً أهمية انصياع إثيوبيا باعتبارها دولة المنبع للتنسيق مع دولتي المصب مصر والسودان لتفادي مثل تلك المواقف.

وبدأ موسم الأمطار بالهضبة الإثيوبية في مايو (أيار) الماضي، وهي أمطار خفيفة يُنتظر تزايدها إلى أن تصل للذروة في أغسطس (آب)، وسبتمبر (أيلول)، ثم ينخفض منحنى قوتها في أكتوبر (تشرين الأول).

عائلات تتجمع بجانب المياه الضحلة لنهر النيل في جزيرة توتي حيث يلتقي النيلان الأزرق والأبيض في الخرطوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

وتخزن إثيوبيا في سد النهضة نحو 74 مليار متر مكعب من المياه، وترفض طلباً متكرراً من دولتي المصب بإبرام اتفاق لتنظيم الملء والتخزين والتشغيل، لا سيما في سنوات الجفاف، وتتمسك بأن سدها لن يؤثر على التدفق إلى مصر والسودان.

انحسار النيل

وأكدت وزارة الري والموارد المائية السودانية، في بيان الجمعة، حدوث انخفاض مؤقت في وارد مياه نهر النيل الأزرق، بسبب تراجع تصريف سد النهضة الإثيوبي، لافتة إلى أن «انحسار مياه النيل وفروعه وفيضانها ظاهرة طبيعية، إلا أن قيام سد النهضة أدى إلى تغيير في هيدرولوجيا النهر».

وضجت منصات التواصل بمقاطع فيديو لم يتسن التأكد من صحتها على الفور، تظهر انخفاض منسوب المياه في نهر النيل بمناطق بالسودان، وسط أحاديث عن كونها «سابقة تاريخية».

وارتفع منسوب المخاوف في مصر من جراء تلك المشاهد، وتحدثت حسابات مصرية عنها بقلق في منصات التواصل، وكان أبرزها حديث وزير الري المصري الأسبق، محمد نصر الدين علام، عبر صفحته على«فيسبوك»، الجمعة، مطلقاً إنذاراً مسبقاً من مخاطر تراجعات التدفقات النيلية.

وقال علام، الذي شغل منصب وزير الري من 2009 إلى 2011، إن «انخفاض فيضان هذا العام بدأت علاماته في السودان، ما يتطلب تنسيقاً وتعاوناً بين إثيوبيا والسودان ومصر لتعظيم كهرباء السد الإثيوبي، وتقليل الضرر على دولتي المصب»، وأضاف متسائلاً: «هل تستجيب إثيوبيا وتفوت الفرصة على الأعداء لإشعال الخلاف بيننا؟».

«سد النهضة» الإثيوبي (رويترز)

ويرى وزير الري الأسبق، حسام مغازي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن «ما تناقلته وسائل الإعلام وصور الأقمار الاصطناعية بشأن وجود انحسار في مياه نهر النيل داخل السودان، وتحديداً في المنطقة الممتدة من الخرطوم وحتى قرب (سد مروي) وما قبل الحدود المصرية، أمر يتوافق مع البيان المعلن من وزارة الري السودانية».

وأوضح أن «ظهور صور الانحسار في السودان في هذا التوقيت يدل على وجود حجز للمياه في ذلك السد الإثيوبي مع بداية موسم الفيضان، حيث تبدأ إثيوبيا في تخزين المياه حالياً».

تحذيرات تعود للواجهة

وأعاد انحسار النيل في مناطق سودانية، تحذيرات مصرية سابقة في أواخر يونيو (حزيران) الماضي، من التراجعات النيلية القادمة لمصر.

وآنذاك، حذر أستاذ الموارد المائية بـ«جامعة القاهرة»، نادر نور الدين، في منشور عبر «فيسبوك»، من احتمال أن يشهد هذا العام «قلة الأمطار على الهضبة الإثيوبية، ما ينعكس على تدفقات أنهار النيل الأزرق وعطبرة والسوباط، وهي روافد نهر النيل في إثيوبيا».

وأشار أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بـ«جامعة القاهرة» أيضاً، عباس شراقي، خلال مداخلة متلفزة، إلى «مؤشرات علمية خاصة بالموسم الحالي تكشف عن معدلات للأمطار قد تكون أقل من المتوسط المعتاد، ما قد يؤدى إلى تراجع الإيراد السنوي لنهر النيل من نحو 84 مليار متر مكعب إلى ما بين 70 و80 مليار متر مكعب».

استعدادات مصرية

إلا أن وزير الري الأسبق حسام مغازي، أكد في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، السبت، وجود استعدادات مصرية بشأن هذه التطورات المائية.

وشدد على أن «إدارة مياه النيل في مصر تبدأ من السد العالي وتحديداً بحيرة ناصر، التي تعد البنك المائي لمصر»، موضحاً أن مصر «تلجأ للسحب من هذا المخزون في أوقات انخفاض كميات المياه الواردة، إلى حين وصول المياه مرة أخرى بعد فتح بحيرة سد النهضة لتوليد الكهرباء، ولن تشهد مصر ما حدث في السودان من انحسار».

نهر النيل في القاهرة (رويترز)

وأوضح المغازي أن ما يحدث من انحسار يعيد المطلب المصري والسوداني بضرورة وضع إطار قانوني ملزم للدول الثلاث، ينظم كيفية تشغيل السد وتبادل المعلومات، ووقف أي تعنت إثيوبي مستمر.

وكانت القاهرة أعلنت توقف مسار التفاوض مع أديس أبابا بشأن «سد النهضة» عام 2024 بعد جولات استمرت لسنوات، وأرجعت ذلك إلى «غياب الإرادة السياسية لدى الجانب الإثيوبي»، بحسب بيانات سابقة لوزارة الموارد المائية والري.

وفي هذا الصدد، أشار المغازي إلى أن «استمرار هذه الظواهر كالانحسار وتأثيرها على السودان أو مصر، سيلقي بظلاله مجدداً على ضرورة انصياع إثيوبيا للوصول لاتفاق قانوني ملزم»، مشدداً على «حتمية الذهاب له في ضوء حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل أشهر حول ضرورة التنسيق مع مصر والسودان في تشغيل السد».

وأكد المغازي، أن هذه التطورات «ستؤثر حتماً على طبيعة العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا، وكذلك على لهجة الخطاب مع الجانب الإثيوبي».

وفي يونيو الماضي، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مجدداً خلال لقائه نظيره الأميركي، «الأهمية القصوى لقضية نهر النيل باعتبارها قضية أمن قومي لمصر». ووقتها أشار ترمب إلى «تفهمه كل الشواغل المصرية في هذا الصدد»، وشدد على أنه «سوف يولي هذا الملف الأولوية القصوى لتسويته بشكل عادل»، بحسب بيان للرئاسة المصرية حينها.


«النقد الدولي» يدعم إصلاحات يمنية لاستعادة استقرار الاقتصاد

برنامج دولي لتقليص عجز الموازنة اليمنية عبر زيادة الإيرادات المحلية (إعلام حكومي)
برنامج دولي لتقليص عجز الموازنة اليمنية عبر زيادة الإيرادات المحلية (إعلام حكومي)
TT

«النقد الدولي» يدعم إصلاحات يمنية لاستعادة استقرار الاقتصاد

برنامج دولي لتقليص عجز الموازنة اليمنية عبر زيادة الإيرادات المحلية (إعلام حكومي)
برنامج دولي لتقليص عجز الموازنة اليمنية عبر زيادة الإيرادات المحلية (إعلام حكومي)

توصلت الحكومة اليمنية وصندوق النقد الدولي إلى اتفاق مبدئي على مستوى الخبراء بشأن برنامج إصلاح اقتصادي يمتد 18 شهراً، في خطوة تستهدف دعم الاستقرار الاقتصادي، وتعزيز الإصلاحات المالية والنقدية، وتحسين إدارة الموارد العامة، بما يساعد اليمن على بناء سجل إصلاحي يرفع مستوى الثقة لدى المانحين والمؤسسات المالية الدولية.

وجاء الاتفاق عقب مباحثات أجراها فريق صندوق النقد مع مسؤولين يمنيين في العاصمة الأردنية عمّان خلال الفترة من 5 إلى 16 يوليو (تموز)، حيث أكد الصندوق أن البرنامج المقترح لا يزال بحاجة إلى موافقة إدارة الصندوق، مشيراً إلى أنه يركز على الحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي في ظل التداعيات المستمرة للحرب الإقليمية، وتعزيز الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية.

ورجح الصندوق استمرار انكماش الاقتصاد اليمني خلال عام 2026، للعام الخامس على التوالي، بنسبة تصل إلى 1.5 في المائة، نتيجة تراجع شروط التبادل التجاري بسبب الحرب الإقليمية، وأزمة الطاقة المستمرة، وضعف الطلب المحلي، لكنه توقع أن يبدأ الاقتصاد في استعادة قدر من الاستقرار خلال عام 2027 مع تحسن الظروف الإقليمية وتعافي النشاط الاقتصادي تدريجياً.

اليمن وصندوق النقد اتفقا على برنامج إصلاح اقتصادي يمتد 18 شهراً (إعلام حكومي)

أوضح الصندوق أن الاقتصاد اليمني سيواصل الاعتماد بدرجة كبيرة على تحويلات المغتربين ودعم المانحين لتمويل الواردات، خصوصاً المساعدات الإنسانية، في ظل استمرار ضعف الموارد العامة وتراجع مصادر الدخل الرئيسية، متوقعاً بقاء عجز الحساب الجاري عند نحو 3.4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع استمرار احتياطيات النقد الأجنبي عند مستويات غير كافية.

ويستهدف البرنامج تقليص عجز الموازنة خلال عامي 2026 و2027، من خلال زيادة الإيرادات المحلية، بعد أن شهد الإنفاق الحكومي تراجعاً كبيراً منذ توقف صادرات النفط عام 2022.

إصلاحات نقدية ومالية

في هذا السياق، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الحكومة اليمنية اتخذت عدداً من الإجراءات، من بينها تحرير سعر الصرف الجمركي في مايو (أيار) الماضي، بما يسهم في زيادة حصيلة الرسوم الجمركية وضريبة السلع والخدمات، إلى جانب تعزيز الامتثال الضريبي، خصوصاً لدى كبار المكلفين والشركات المملوكة للدولة.

كما يتضمن البرنامج خطوات لتحسين الشفافية المالية، عبر إدراج الإيرادات والنفقات التي كانت خارج الموازنة العامة ضمن الحسابات الرسمية، وتشديد الرقابة على الإنفاق، والعمل على إنشاء حساب خزانة موحد يهدف إلى تحسين إدارة الموارد العامة.

صندوق النقد يتوقع بدء استقرار الاقتصاد اليمني خلال عام 2027 (إعلام محلي)

في الجانب النقدي، يركز البرنامج على الحفاظ على استقرار الأسعار، وإعادة بناء احتياطيات النقد الأجنبي تدريجياً، مع منح سعر الصرف مرونة أكبر للتعامل مع الصدمات الخارجية، إلى جانب الحد من تمويل عجز الموازنة عبر الإصدار النقدي وتحسين كفاءة سوق الصرف.

ويشمل البرنامج كذلك إصلاحات في القطاع المالي والمصرفي، من خلال اعتماد أطر جديدة لإدارة المخاطر في البنوك، وتوسيع الرقابة لتشمل جميع المؤسسات التي تستقبل الودائع، ونشر البيانات المالية المدققة للمصارف، وتعزيز إجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ويرى صندوق النقد الدولي أن هذه الإجراءات من شأنها دعم قدرة اليمن على تحسين أوضاعه المالية والوفاء بالتزاماته، وتهيئة الظروف لإجراء مباحثات أوسع مع الشركاء الدوليين بشأن إعادة هيكلة الديون، بما يساعد على تحقيق نمو اقتصادي أكثر استدامة خلال السنوات المقبلة.

قطاع الكهرباء

في قطاع الكهرباء اليمني، دعا صندوق النقد الدولي إلى تنفيذ خطة تدريجية لرفع مستوى استرداد تكاليف الخدمة، بهدف تحسين الوضع المالي لمؤسسات الكهرباء وتقليل الاعتماد على دعم الموازنة العامة، إضافة إلى تشجيع جذب استثمارات جديدة لتوسيع قدرات التوليد وتحسين موثوقية الإمدادات.

وأكد الصندوق أن استمرار تنفيذ الإصلاحات المتفق عليها سيكون عاملاً أساسياً في تعزيز قدرة الاقتصاد اليمني على التعافي، مشيراً إلى أن البرنامج يمثل خطوة لبناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية والدول المانحة.

وأشاد فريق الصندوق في ختام المباحثات بما وصفه بالحوار البنّاء والتعاون الوثيق مع السلطات اليمنية، مؤكداً استعداده لمواصلة العمل معها خلال مراحل تنفيذ البرنامج الإصلاحي.