إذاعة سورية تبث برامجها بأربع لغات لمخاطبة مكونات شمال شرقي البلاد

راديو «آرتا إف إم»... شباك المستمعين على العالم الخارجي

الفنان صفقان المدير التنفيذي لـ«راديو آرتا إف إم» (يمين)، والصحافي عباس موسى
الفنان صفقان المدير التنفيذي لـ«راديو آرتا إف إم» (يمين)، والصحافي عباس موسى
TT

إذاعة سورية تبث برامجها بأربع لغات لمخاطبة مكونات شمال شرقي البلاد

الفنان صفقان المدير التنفيذي لـ«راديو آرتا إف إم» (يمين)، والصحافي عباس موسى
الفنان صفقان المدير التنفيذي لـ«راديو آرتا إف إم» (يمين)، والصحافي عباس موسى

في أول يوم من التوغل التركي في مناطق شمال شرقي سوريا، بالتاسع من أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، تناقل كثير من الصفحات والأخبار دعايات بدخول الدبابات التركية واحتلالها للمناطق الكردية: «يومذاك تلقينا كثيراً من الاتصالات من المستمعين، لبث برامج الإذاعة، وتكذيب الإشاعات»، بهذه الكلمات بدأت المذيعة شيرين إبراهيم تروي اللحظات الأولى من الهجوم التركي الواسع بمشاركة فصائل سورية موالية، وقالت: «وقتها أيقنت بأننا مؤثرون وفاعلون، ولدينا جمهور كبير ومستمعون ينتظرون أثير إذاعتنا لنقل الحقيقة، حتى ولو كلفتنا أرواحنا».
أما الفنان صفقان، المدير التنفيذي لإذاعة «آرتا إف إم» فقد نقل أن كادر الإذاعة قرر البقاء في العمل والمخاطرة بحياتهم، لنقل الحقيقة وما يجري على الأرض. وبعد انتشار القوات النظامية الموالية للرئيس السوري بشار الأسد بالمناطق الكردية، زادت مخاوف الكادر الإذاعي؛ لكنهم استمروا في العمل، وقال: «ففي ساعات انتشر الروس والقوات الحكومية، ووصل الجيش التركي والفصائل الموالية له، على بعد كيلومترات من عامودا؛ لكننا قررنا البقاء. القصف كان شديداً، والطيران العسكري يحلق فوق رؤوسنا».
وإذاعة «آرتا إف إم»، تعني «المقدس» بالعربية، وهي أول إذاعة كردية محلية في سوريا، انطلقت من بلدة عامودا التابعة لمدينة الحسكة، والواقعة أقصى شمال شرقي البلاد. بدأت أوائل يوليو (تموز) 2013 تبث برامجها بأربع لغات، هي: الكردية، والعربية، والسريانية، والأرمينية، على التردد 99.5، ولها صفحات على منصات التواصل الاجتماعي، ولديها «قناة ويب» على موقع «يوتيوب».
ومن استوديو كبير مجهز بمعدات موسيقية وآلات عزف ولحن وأثاث فني لافت، أخبر الفنان صفقان أن الإذاعة بدأت قبل 7 سنوات بكادر صغير مؤلف من 15 إعلامياً وفنياً، واستوديو إيجار بمعدات بسيطة، وقال: «حالياً توسعت أنشطة الإذاعة، ونغطي من بلدة ديريك الحدودية حتى محافظتي الرقة ودير الزور، وصولاً إلى مدينة كوباني، أو عين العرب، بريف حلب الشرقي».
ويسعى الكادر الإذاعي إلى مواكبة التقدم والتطور في مجال البث الإذاعي الرقمي، عبر تفعيل تقنيات تحديثات النشر، واستثمار وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تنشر كافة برامجها المسموعة عبر خدمة البث المباشر، ثم يتم رفعها ونشرها على قناة الراديو بموقع «يوتيوب»، ليتمكن المستمعون من مشاهدة كل البرامج التي تنتجها الإذاعة، لتصل إلى أكبر عدد من الجمهور وترضي أذواقهم.
و«مؤسسة آرتا للإعلام والتنمية» تضم اليوم: «راديو آرتا»، و«صوت الرقة»، و«آرتا الهول»، و«إذاعة جين إف إم». ويضيف صفقان: «التوقيت الزمني والحروب الدائرة بالمنطقة، وتقلبات المشهد الميداني، تفرض علينا تقديم صحافة إذاعية مهنية بكل ما تعنيه الكلمة، تتناول القضايا السياسية والخدمية والاقتصادية والمجتمعية».
ومنذ انطلاقة الحراك المناهض لنظام الحكم ربيع 2011، تغير المشهد الإعلامي في عموم سوريا؛ حيث ظهر كثير من الإذاعات والقنوات التلفزيونية الخاصة.
هذا ويعمل اليوم في المناطق الكردية نحو 10 إذاعات محلية، تبث برامجها باللغتين العربية والكردية، على أثير موجات «FM»، إلى جانب مواقع الإنترنت وصفحات «السوشيال ميديا».
ويرى عبد السلام خوجة الذي يعمل منتج أخبار ومقدم برامج في «راديو آرتا»، أن انطلاقة إذاعات كردية في سوريا - بلد الإعلام الموجه بامتياز؛ حيث الدولة وحزب البعث سيطروا على كل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية – تعد «تطوراً نوعياً في قدرة الكرد خاصة، والسوريين عامة، على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا وثورة المعلومات»؛ حيث تختلف وسائل وأدوات العمل الصحافي لدى الوسائل الإعلامية التي تنشر موادها عبر صفحات التواصل الاجتماعي، عن مثيلاتها في الإعلام المطبوع والمرئي والمسموع. وأشار خوجة إلى أن «كادر (آرتا) اختار العمل في مجال الصحافة الرقمية، والاعتماد على منصات (السوشيال ميديا) للإطلالة على الجمهور ومتابعي صفحاتها».
وداخل استوديو إعلامي مجهز بمعدات إذاعية متطورة، من بينها «مايك» يحمل «لوغو» الإذاعة باللون الأزرق، وغرفة ملونة باللون ذاته، رُسم شعار «أصواتكم ألوانكم»، يحرص كادر إذاعة «آرتا إف إم» على الاجتماع مرة واحدة على الأقل يومياً، لمناقشة المواد والتقارير التي ستنشر على منصات التواصل الاجتماعي الخاصة بالراديو؛ حيث يختارون مقاطع الفيديو والصور المحلية التي تعكس الحياة البسيطة لسكان عامودا والمناطق المجاورة، ثم يكتب صحافيون مختصون قصصها قبل إرسالها للنشر.
والمذيعة شيرين إبراهيم تعمل مقدمة برامج ومنتجة محتوى مع الإذاعة، منذ انطلاقة أثيرها قبل سبع سنوات، ونقلت أنها تجربتها الأولى في العمل الإذاعي، وقالت: «الراديو قريب من شخصيتي، كونك تتحدث للناس بلغة بسيطة محكية. كنت من مستمعي إذاعة (بي بي سي) وراديو (مونت كارلو)، وأسمع الإذاعات السورية، وكان يغلب عليها البرامج المنوعة والترفيهية».
ويعتمد كادر الإذاعة في دورته الإذاعية للعمل 2020، على دمج البرامج الصوتية مع النص والصورة، ونشرها على منصات «السوشيال ميديا». وتابعت شيرين كلامها قائلة: «اخترنا هذه الخطة نظراً لتوفر خدمة الإنترنت لدى معظم جيل الشباب وفئات المجتمع، فالجميع يمتلك هواتف محمولة ولوحات رقمية، ونقدم الصوت مع الصورة لتصل لجميع المستمعين والمشاهدين في الوقت نفسه».
ومن بين القضايا التي تتناولها الإذاعة عبر برامجها، ملف اليوم الذي يركز على الأحداث السياسية وأكثر القضايا التي تشغل هموم الناس، إلى جانب المواضيع الاقتصادية والخدمية وفقرات صحية وطبية. وشيرين تقدم الملف اليومي باللغة العربية. وعن دور الإذاعة في مخاطبة الجمهور تقول: «فريق الإذاعة موجود على الأرض، يعمل بين الناس ويحمل هموم الأصدقاء والأقارب والجيران، ويتولى نقل قضاياهم للجهات المعنية والسلطات المحلية»، فإذا تعطل صنبور مياه يبادرون بالاتصال بالبلدية، وإذا استمر انقطاع التيار الكهربائي يتصلون مع مديرية الكهرباء، ولفتت إلى أن «هذه الأمور تزيد من ثقة المستمعين بالإذاعة، وترفع من دورها الفاعل في نقل همومهم اليومية».
وتعد الفترة الصباحية في «راديو آرتا» بشكل خاص، والبرامج الخدمية والصحية عموماً، من بين أكثر البرامج التي يتابعها جمهور الإذاعة ويتفاعلون معها على وسائل التواصل الاجتماعي، بحسب ماهر قرنو، مسؤول قسم الاتصال والتشبيك لدى الإذاعة. وأثناء الحديث كان يتلقى الاتصالات ويقوم بتحوليها إلى غرفة «الكونترول»، وقال: «نقوم بإرسال رسائل نصية على أرقام الإذاعة قبل بدء البرنامج، ومشاركتها على منصات التواصل، وتحديد سؤال حلقة الفترة الصباحية، لمشاركة أكبر قدر من جمهور المستمعين وتفاعلهم معها». وعن عمله في «راديو آرتا» عبر عن مشاعره قائلاً: «أن تعمل دفاعاً عن قضية أو مبادئ تؤمن بها هو شيء يمنحك الرضا. عملي بالإذاعة رسالة لنقل الحقيقة».
وتعد إذاعة «آرتا» أكثر الإذاعات رواجاً في شمال شرقي سوريا، وتحصد حصتها من مستمعي الإذاعات نحو 37.5 في المائة، بحسب استطلاع مستقل أجرته مجموعة «نافانتي» الأميركية نهاية 2015، في ثلاث محافظات: حلب وإدلب والحسكة. ويبلغ عدد متابعيها على صفحتها بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» نحو ربع مليون متابع، وعلى قناة «يوتيوب» ما يزيد على 50 ألف متابع.
ويعمل إبراهيم عبدو على تصوير وإعداد برامج الإذاعة، وأكد: «أذهب إلى مكان الحدث أو الخبر وأشاهد ما تراه عيني، بعدها أجري لقاءات وأخرج تقريري حسبما يقول الضيوف المدنيون، ببساطة وبلغة مفهومة للجميع»، لافتاً إلى أنه يتبع العفوية والعدسة في إجراء اللقاءات: «لا أرتب أو أملي ما يقدمه الضيف في التقرير بهدف إيصال الفكرة عبر صورة مبسطة إلى المشاهد، كي تكون قريبة من هذه البيئة».
بينما أردفت شيندا محمد - وهي مراسلة الإذاعة في مدينة القامشلي المجاورة لعامودا، وكانت منشغلة بإعداد تقريرها المرئي وكتابة نص «الإسكريبت» - بأن المستمعون ينتظرون فسحة أمل رغم الحروب الدائرة بالمنطقة. وقالت: «أحاول في كل تقرير أن أفتح شباكاً جديداً للإطلالة على الحياة، بكل ما تحمله من أفراح ومآسٍ وأخبار ميدانية. نحن ننتمي لهذه البيئة، وعلينا نقل الصورة كما هي».
وعانى أكراد سوريا على مدى عقود طويلة، تهميشاً وحرماناً من القراءة والكتابة بلغتهم الأم، جراء سياسات عنصرية وصلت ذروتها في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي؛ عندما منع الرئيس الراحل حافظ الأسد الأكراد السوريين من التحدث بلغتهم في المؤسسات والدوائر الحكومية.
غير أن المشهد تغير اليوم؛ حيث تستمع كليستان البالغة من العمر 27 سنة، والمتحدرة من بلدة عامودا، وتعمل في مخبز لصناعة الخبز، وزميلاتها بالعمل، إلى برامجهم المفضلة بلغتهم الكردية الأم. ونقلت أنهم يستمتعون وهم يتابعون «راديو آرتا» طوال فترة عملهم الممتدة لثماني ساعات يومياً، وقالت: «ميزتها أنها تبث برامجها بالكردية عبر موجات الـ(إف إم). نسمعها من أي مكان من الراديو؛ بلغة مفهومة بسيطة، ويركزون على قضايا تشغل بالنا، (آرتا) شباكنا على العالم الخارجي».



زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
TT

زافين قيومجيان: أعيش اليوم «مراهقة الخمسين» الإعلامية

أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)
أول مقابلة حصرية مع الرئيس جوزاف عون (إنستغرام)

سيرته الإعلامية ومشواره المهني لا يشبهان أحداً سواه. منذ خطواته الأولى في عالم الإعلام، اختار الإعلامي اللبناني زافين قيومجيان أن يسلك طريق الاختلاف، فغرّد خارج السّرب وترك بصمة غير تقليدية في الإعلام المرئي والمسموع. وتمكّن من تكريس هوية خاصة به.حتى منشوراته، ومنها «أسعد الله مساءكم»، و«لبنان فلبنان»، و«لبنان على ال اشة»، عكست حبّه العميق للبنان والشاشة، فطعّمها بذكرياته ومشاهداته وتعلّقه بالوطن، لتتحوّل مع الوقت إلى مرجع للذاكرة الجماعية.

«الإعلامي الأميز عربياً»

في كل لقاء مع زافين، لا بدّ من اكتشاف جديد عنه. وأخيراً، من أخباره أنه تُوّج بلقب «الإعلامي الأميز عربياً» لعام 2025، إثر استفتاء شمل 18600 مشارك من مختلف أنحاء العالم العربي، أجراه فريق هيئة «الملتقى الإعلامي العربي». وهذا لقب لا يُعدّ جديداً على مسيرته، إذ سبق أن صنّفته مجلة «نيوزويك» الأميركية ضمن الـ43 شخصية الأكثر تأثيراً في العالم العربي. كما احتل المرتبة الثالثة على قائمة «الشخصيات الـ30 الأكثر تأثيراً على تويتر» في لبنان. وهذا، إلى جانب عشرات الجوائز التكريمية التي حصدها عن برامجه التلفزيونية، لا سيما فئة البرامج الحوارية الاجتماعية.

شغفه بالعمل الإخباري

على الصعيد المهني، يقول زافين إن أجمل تجاربه الإعلامية، والأقرب إلى قلبه على امتداد 35 سنة، تبقى التجربة الإخبارية. ويوضح: «أحِب العمل الإخباري وكل ما يتعلّق بتلفزيون الواقع. ولقد أحببت كثيراً فترة عملي مراسل أخبار، وأيضاً في التحقيقات الاستقصائية، والحوارات السياسية، وإذاعة الأخبار... إذ إنني عندما اخترت دراسة الصحافة كان العمل الإخباري هدفي الأول».

اختبر الزمن... ولم يبدّل مبادئه

يعزو زافين قيومجيان «استمراريته» الناجحة إلى جرأته الدائمة على التغيير. وبحسب رأيه: «إذا لم يبدّل الإنسان قشرته الخارجية يذبُل ويموت، وشرط البقاء هو الحفاظ على المبادئ. التغيير يمكن أن يصيب الشكل لكن لا يجوز أن يمسَّ المضمون. وبالتالي، فإن قاعدتي الذهبية ترتكز على (ثلاثية) الحرفية والاحترام والقيَم».

وحقاً، يقتنع بنفسه ويدعو الآخرين إلى الإيمان بذواتهم، بحثاً عن الأفضل على الدوام. ثم يعلّق: «أنا لا أكتفي بالنتيجة الإيجابية... لأنني أرغب بما هو أفضل. أن تكون إعلامياً مخضرماً، وتواكب الأجيال يعني أن تنجح في اختبار الزمن والعمر. قلّة فقط تملك هذه القدرة لأن الثمن المدفوع يكون مرتفعاً».

حوار رئيس الجمهورية

من جهة ثانية، كان زافين أول إعلامي لبناني يُجري حواراً حصرياً مع رئيس الجمهورية، العماد جوزيف عون. وعنه يكشف: «كنت أرغب في هذه المقابلة عن سابق تصوّر وتصميم. وفعلاً، طلبت موعداً من القصر الجمهوري... ومشكورين، كان لي ما أردته. والحقيقة أن الرئيس يدرك طبيعة حواراتي وبساطة أسلوبي البعيد عن الادعاء». ثم يضيف: «كانت المرة الأولى التي ألتقيه فيها وجهاً لوجه وفي مناسبة غير عامة. قرأت الصدق في عينيه، وإصراره على العبور بلبنان إلى ضفة الازدهار والسلام. إنه يتمتع بتواضع وإرادة قوية لإجراء الإصلاحات اللازمة، وهو شخص لطيف وصادق جداً».

يقدم اليوم على شاشة "الجديد" برنامج "سيرة وكمّلت" (إنستغرام)

محطات وشخصيات صنعت الذاكرة

طوال مسيرته الإعلامية، التقى زافين شخصيات سياسية وفنية كثيرة تركت - كما يقول - أثرها في تجربته، من بينها الرئيسان الراحلان إلياس الهراوي ورفيق الحريري في ميدان السياسة، وفي المجال الفني الفنانتان إليسا ونوال الزغبي.

ويتابع: «تعرّفت إلى الهراوي والحريري عن قرب عندما كنت مراسلاً إخبارياً في القصرين الجمهوري والحكومي، ولمست وطنيتهما. فقد آمنا بلبنان وعَملا على نقله من زمن الحرب إلى زمن السلم... أنا أحب الأشخاص الذين يُحدثون تحوّلات ويوسّعون هامش الحرية. أما بالنسبة لأهل الفن فإن إليسا ونوال كسرتا القوالب التقليدية وصنعتا قوانين جديدة تشبه شخصيتيهما».

مهنياً، يعدّ زافين المديرَ العام السابق لـ«تلفزيون لبنان»، فؤاد نعيم، الداعمَ الأكبر له، مستطرداً: «لقد آمن بي وغامر معي في نقل الإعلام من التقليدي إلى الحديث. اكتشفني ووضع يده على روحي، ولولاه لكانت حياتي بالتأكيد أصعب».

الإنسانية: المدرسة الأولى... والأخيرة

في الواقع، تنقّل زافين قيومجيان بين أكثر من محطة تلفزيونية، من «تلفزيون لبنان» إلى «المستقبل» وصولاً إلى «الجديد». وذاع صيته عربياً بوصفه أحد أوائل مَن قدَّموا برامج حوارية جريئة على شاشة فضائية عربية، كاشفاً المسكوت عنه، وغائصاً في عمق البيوت ومشاكلها. وعن هذا الجانب يعلّق: «منذ بداياتي رغبت في تناول هذا النوع من القصص من دون أحكام مسبقة. أنا لا أركّز على الأرقام بل على التجربة الإنسانية. ولا يهمّني عدد الضحايا بقدر ما يهمّني ما عاشته الضحية. إنما أنتمي إلى المدرسة الإنسانية، وأعتزّ بذلك».

النجاح... قدرة على التأقلم

في مرحلة سابقة، غاب صاحب السؤال الشهير «شو حسّيت؟» (بماذا شعرت؟) عن وسائل التواصل الاجتماعي، مفضّلاً الانتقال من الانتشار الواسع إلى جمهور أصغر. وبالفعل، قدّم بودكاست «100 ع 100» بالتعاون مع الجامعة اللبنانية الأميركية (LAU). وشارك في مناظرات شبابية «30 - 31»، قبل أن يطلّ اليوم في «سيرة وكمّلت» على شاشة «الجديد»، ولعلها النُّسخة المعاصرة من برنامجه الشهير «سيرة وانفتحت». وهو أيضاً يشارك في برنامج «بونجورين» عبر إذاعة «صوت كل لبنان».

وهنا يقول: «لم أعد بحاجة لإثبات مكاني. أعمل بدافع الشغف. الإذاعة نابعة من حبّي للتواصل مع جيل لا يزال وفياً لها، وفي المقابل أحرص على التواصل مع جمهور أصغر سناً». وفي هذا السياق، كونه أستاذاً جامعياً في الإعلام في الـ«LAU»- حيث تلقى تعليمه الجامعي - يبقى زافين على تماسٍ مباشر مع جيل الشباب. ويوضح: «مهما كانت خبرتي طويلة، أدرك ضرورة الإصغاء إلى الأصغر سناً، تماماً كالفنان النجم الذي يتعاون مع ملحّن مغمور... هذه التنازلات ضرورية لأنها تحمل تحدّيات التجديد».

الشاشة الصغيرة... الرهان المستمر

رغم تنوّع منصّاته، يعود زافين دائماً إلى التلفزيون، مؤمناً بدوره الجامع. ويقول: «أريد أن أشارك في الولادة الجديدة للتلفزيون. صحيح أن الناس استعاضت عنه بالهواتف، لكن الشاشة الصغيرة تبقى التجربة المشتركة الوحيدة للعائلة. طبعاً لن أعيده إلى عصره الذهبي... لكنني سأعمل على تطويره. هذه الولادات تحتاج إلى إعلاميين مخضرمين يكونون جسر عبور بين جيل وآخر».

إعادة الشريط المهني بقالب حديث

ويُسعد زافين اللقاء بالقول عن مرحلته الحالية إنها «مراهقة الخمسين» الإعلامية (جَهْلة الخمسين المهنية)، وفق تعبيره. وفيها يعيد تقديم القصص الاجتماعية التي اشتهر بها بشروط جديدة... ويختتم: «أشعر بالحنين إلى الإعلام التقليدي، وأحاول عبر الإذاعة والبودكاست والتدريس الجامعي الابتعاد عن ضغوط الإعلام السائد، وتحسين قواعد اللعبة الإعلامية على طريقتي».


ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)
TT

ما هي انعكاسات تراجع التفاعل «السوشيالي» لصالح الفيديوهات على عمل الناشرين؟

شعار "تيك توك" (رويترز)
شعار "تيك توك" (رويترز)

يبدو أن منصات التواصل الاجتماعي تمر بـ«أزمة»، إذ بدا الدور الأصيل لها -وهو التواصل، وبناء الروابط الاجتماعية- يتلاشى، ليبرز الترفيه، ومتابعة الفيديوهات الخاصة بأشخاص «غرباء» باعتبار أنه احتياج أوّلي للمُستخدمين.

هذا الاتجاه يطرح تساؤلات بشأن ماذا سيحدث لاستراتيجيات عمل الناشرين حين يصبح الفيديو لغة المنصات الأولى؟ وكان معهد رويترز لدراسة الصحافة قد لفت في التقرير السنوي «لاتجاهات وتوقعات الصحافة والإعلام والتكنولوجيا لعام 2026»، أخيراً، إلى أن وسائل التواصل باتت أقل «اجتماعية»، بسبب تحوّل جذري في سلوك المستخدمين إزاء منصات «السوشيال ميديا» التقليدية، مع تراجع المحتوى الآتي من دائرة الأصدقاء لصالح موجز تقوده توصيات الذكاء الاصطناعي، ومقاطع الفيديو.

الدكتور أنس النجداوي، مدير جامعة أبوظبي-فرع دبي، وأستاذ الأعمال الرقمية المشارك، مستشار قناتي «العربية» و«الحدث» للتكنولوجيا ووسائل التواصل، يرى أن منصّات التواصل الاجتماعي تُغير خوارزمياتها بشكل مستمر، غير أن ما برز خلال العامين الماضيين هو انتقال اهتمام هذه المنصات من «مَن تتابع؟» إلى «ماذا يشدّ انتباهك ويبقيك وقتاً أطول على المنصة؟».

وأوضح النجداوي لـ«الشرق الأوسط» أنه «في السابق كانت منصات (السوشيال ميديا) تقوم بتحليل الرسم البياني الاجتماعي، أو Social Graph Analysis لمعرفة شبكة علاقات المستخدم، والأصدقاء، والحسابات التي يتابعها، ومن خلال هذه البيانات تبني ملف اهتمام يحدد سلوك المستخدم بدقة... غير أن الفيديو القصير هو الآن الأداة الأقوى لرفع مؤشر البقاء داخل التطبيق، لأنه سريع، ومتلاحق، ويدفع المستخدم من مقطع إلى آخر، وهو ما يترجم إلى أرباح إعلانية أعلى». وأردف: «وفي المقابل، تصبح النصوص الطويلة، والروابط الخارجية عبئاً، لأنها تخرج المستخدم من المنصة، فتتراجع فرص انتشارها».

عن انعكاس هذا التغير على استراتيجيات عمل الناشرين، يرى النجداوي أن «المؤسسات الصحافية والإعلامية أمام أزمة، لأن النموذج المعتاد للوصول للجمهور تغيّر... ذلك أننا نعيش الآن عصر (الزيرو كليك)، أي أن الروابط لم تعد مُجدية، وزيارات المواقع الصحافية انخفضت، ما يعكس ضرورة أن تغير نموذج العمل». وأوضح من ثم أن هذا التحوّل صنع ما يُسمّى بـ«النيوز إنفلونسر».

وتابع الدكتور النجداوي بقلق قائلاً إن «السرعة يمكن أن تدفع البعض للتبسيط المُخِلّ، أو للإثارة، ما يعني أن مُجاراة الخوارزميات يمكن أن تدفع الناشرين لتقديم محتوى بلا تأثير حقيقي، أو معلومة واضحة، فالمعادلة صارت صعبة؛ كيف تصنع فيديو يناسب الخوارزمية من دون أن تخسر التحقق، والدقة، والثقة؟».

من جهة ثانية، وفق بيانات وفرها «تشارتبيت» لصالح تقرير «رويترز» تراجع متوسط الإحالات إلى مواقع الأخبار من «فيسبوك» بنحو 43 في المائة خلال العامين الماضيين ونصف العام، بينما انخفضت الإحالات من «إكس» بنسبة 46 في المائة، في مؤشر على أن الانتشار عبر الروابط لم يعد يضمن حركة زيارات كما كان سابقاً.

وهنا علّق محمد عاطف، الباحث المتخصص في الإعلام الرقمي بدولة الإمارات المتحدة، قائلاً إن الاستثمار في منصات الفيديو مثل «يوتيوب» و«تيك توك» بات خياراً أكثر جدوى من الاعتماد المفرط على الوصول من خلال المنصات التقليدية للتواصل الاجتماعي، أو «غوغل».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «صحيح أن (غوغل ديسكوفر) كان مصدراً ضخماً للزيارات، غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات جذرية، وبات من الصعب الاعتماد عليه، لا سيما أنه يخضع بالكامل لخوارزميات تتغير باستمرار، وقد ترفع أو تخفض الزيارات بشكل حاد خلال أيام». وتابع أن «سياسة (غوغل) أصبحت واضحة في استهداف إبقاء المستخدم داخل منظومتها عبر ملخصات الذكاء الاصطناعي، ما يقلل من قيمة الزيارة نفسها، ويضعف العائد التحريري والاقتصادي للناشر».

أيضاً اعتبر عاطف أن «يوتيوب» و«تيك توك» باتتا بيئة استهلاك حقيقية للجمهور اليومي، و«الاستثمار فيهما، لا يعني فقط تحقيق مشاهدات، بل بناء حضور متكرّر، وهوية بصرية، ونمط سردي يتعرف عليه الجمهور بسهولة». وحسب رأيه فإن «الاستراتيجية الأكثر واقعية في 2026 هي التحول من عقلية مصادر الزيارات إلى عقلية أماكن وجود الجمهور، لأن الفيديو القصير أصبح اللغة السائدة... بل حتى (غوغل) نفسها باتت تكافئه داخل (ديسكوفر)، لذلك الاستثمار في الفيديو لم يعد خياراً إضافياً».

واختتم موضحاً أن «إدراج الفيديو القصير ضمن منتجات المؤسسات الصحافية بات ضرورة، لضمان الوصول إلى فئات عمرية جديدة من الجمهور... لكن الفيديو القصير يعد تحدياً أمام الناشرين، لأنه يفرض منطقاً مختلفاً بالكامل في السرد الصحافي. وعلينا أن نقر بأن الجمهور بات أسرع في سلوكه التفاعلي، فهو لا يمنح أكثر من ثوانٍ قليلة قبل اتخاذ قرار المشاهدة، أو التمرير، ما يجعل نوع المحتوى وزاوية تقديمه عاملين حاسمين في النجاح».


الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.