سوريا بقعة سوداء للعمل الصحافي... و39 حالة انتهاك في شمال شرقي البلاد

الصحافيون في مرمى نيران المعارك العسكرية

الإعلامي هيبار عثمان مراسل قناة «الحرة» في إحدى جبهات القتال ضد تنظيم «داعش» الإرهابي
الإعلامي هيبار عثمان مراسل قناة «الحرة» في إحدى جبهات القتال ضد تنظيم «داعش» الإرهابي
TT

سوريا بقعة سوداء للعمل الصحافي... و39 حالة انتهاك في شمال شرقي البلاد

الإعلامي هيبار عثمان مراسل قناة «الحرة» في إحدى جبهات القتال ضد تنظيم «داعش» الإرهابي
الإعلامي هيبار عثمان مراسل قناة «الحرة» في إحدى جبهات القتال ضد تنظيم «داعش» الإرهابي

سوريا؛ بقعة سوداء على خريطة التصنيف العالمي لحرية الصحافة، بحسب منظمة «مراسلون بلا حدود». تعددت الانتهاكات، والمحصلة إسكات عدسة صوت الحق. منهم من قضى نحبه وهو يحاول التقاط صورة أو نقل ما يجري على أرض الواقع، والبعض اختُطف أو اختفى قسراً، ولا يزال مصيره منذ سنوات غير معروف، وكثيرون مَن هم بالسجن ينتظرون العدالة، وهناك آخرون منعوا من مزاولة المهنة، أو كسرت معداتهم، وفي أحسن الأحوال أُجبروا على النفي وترك بلدهم.
ولتسليط الضوء على واقع الإعلاميين العاملين في مهنة أشبه بحقل ألغام، أصدر «اتحاد الصحافيين الكُرد السوريين» تقريره السنوي بداية الشهر الحالي، ورصد عبر جداوله 39 حالة انتهاك، توزعت على أربع حالات قتل، بعد استهداف الصحافيين من طيران الجيش التركي وقصف مدفعيته، مع سقوط 14 جريحاً، و4 حالات تعرضت للتهديد أو الاعتداء بالضرب، وهناك حالتان تم منعهما من العمل، مع ثلاث حالات اعتقال. ولا يزال مصير الصحافي الكردي فرهاد حمو، مراسل قناة «رووداو» الكردية غير معروف. وهي الحالة الوحيدة للاختفاء القسري، والمستمرة منذ ست سنوات. وهناك 10 حالات اعتداء على منازل وممتلكات الصحافيين.
«اتحاد الصحافيين الكُرد» مؤسسة إعلامية كردية مستقلة، تضم إعلاميين وصحافيين من أكراد سوريا، تأسست في شهر مارس (آذار) 2013، في مدينة القامشلي الواقعة أقصى شمال شرقي سوريا.
وعن آليات التوثيق ومنهجية العمل، يقول الصحافي علي نمر، مدير مكتب الانتهاكات بالاتحاد: «نعتمد على أعضاء الاتحاد الذين يعملون على الأرض، بالإضافة للبلاغات التي تردنا من الزملاء ومطابقتها للمعاير الدولية، وبعد التأكد من صحتها وتدقيقها، توثق في جداول الانتهاك».
وبقيت منطقة شرق الفرات الأكثر أمناً لعمل الصحافيين، حتى التوغل التركي في أكتوبر (تشرين الأول) العام الماضي، بمشاركة فصائل سورية مسلحة موالية؛ استهدفت المراسلين الصحافيين: «بغية تخويفهم ومنعهم من رصد وتصوير وتوثيق انتهاكاتهم، معلنين حرباً مفتوحة ضد رُسل الحقيقة» بحسب الصحافي علي نمر.
ويقوم الاتحاد بإرسال نسخة من التقارير والبيانات إلى منظمة «مراسلون بلا حدود»، والجهات الصحافية السورية والدولية الشريكة.
وأضاف: «نحاول التواصل مع مختلف الجهات المختصة في رصد الانتهاكات التي تطال الإعلاميين، لنقل الصورة الصحيحة بكل حيادية ومهنية».
ويروي ثلاثة صحافيين يوميات الحرب الدائرة في شمال شرقي سوريا. فعلى الرغم من المخاطر التي تهدد سلامتهم؛ نقلوا للعالم أحداثاً وروايات وصوراً عما جرى في مسقط رأسهم.
الصحافية رنكين شرو، تعمل مراسلة لقناة «رووداو» الكردية، وهيبار عثمان مراسل قناة «الحرة» الأميركية، ومحمد حسن مراسل قناة «روسيا اليوم»، عايشوا لحظات الحرب، وقدموا قصصاً وتقارير مرئية عن الفظائع والجرائم التي ارتكبتها الجهات المعتدية على تراب بلدهم منذ تسع سنوات.
تقول رنكين إن الظروف هي التي تفرض اختيار الشخصية المناسبة لتجسيد القصة الإخبارية: «أنا شخصياً أتبع البساطة والعفوية في عملي، ولا أرتب أو أملي ما يقدمه الضيف في التقرير، بهدف إيصال الفكرة عبر صورة مبسطة إلى المشاهد تكون قريبة من هذه البيئة».
واعتبر هيبار منطقة شرق الفرات ليست استثناءً من محيطها السوري، فالإعلاميون يتعرضون إلى انتهاكات من جميع الأطراف المتصارعة في هذه الجغرافيا: «بدءاً من القوات الأمنية التابعة للإدارة الذاتية، والأجهزة الأمنية المرتبطة بالنظام السوري، والفصائل السورية الموالية لأنقرة».
بينما نقل محمد أن عمله يعتمد بالدرجة الأولى على أسلوب «الكاميرا تتحدث»، وقال: «أذهب إلى الموقع، ثم أشاهد ما تراه عيني، بعدها أجري لقاءات عشوائية، وأخُرج تقريري حسبما يقوله الضيوف المدنيون. وهم بالعادة أكثر صدقاً من كبار قادة السياسة».
تحتاج النساء العاملات في المجال الإعلامي إلى إرادة قوية، لمواجهة نيران المعارك الصديقة والمعادية في هذا القطاع. تقول المراسلة الميدانية رنكين شرو: «مفتاح العمل الصحافي في كل بقعة جغرافية، فهم خريطة وتوزع الجهات العسكرية. فالتغطية الحربية بحد ذاتها خطرة، وتحتاج إلى جرأة ودعم المؤسسة والأهل»، دون أن تخفي مصاعب العمل الصحافي في منطقة يتحدر منها الصحافي. وتابعت رنكين قائلة: «عندما يرتبط الحدث بشكل مباشر بأهلك ومنطقتك، يصعب العمل بشكل مستقل وموضوعي، فالصحافي ابن هذا الحدث الذي ينقله، وطبيعي أن يتأثر به».
وتتعرض مناطق شمال شرقي سوريا منذ تسع سنوات لهجمات من فصائل «الجيش السوري الحر»، وتنظيم «داعش»، وآخرها التوغل التركي. وغطى الصحافي هيبار عثمان ميدانياً هذه الحروب المستعرة في مسقط رأسه. ولدى حديثه ذكر أن: «عملنا أشبه بالمشي في حقل ألغام. فقدنا 8 إعلاميين كانوا زملاء، أتذكرهم جميعاً. ولا يزال مصير فرهاد حمو مراسل قناة (رووداو) مجهولاً منذ ما يزيد عن 5 سنوات».
وأشار إلى أن «قوات سوريا الديمقراطية» خسرت 12 إعلامياً عسكرياً كانت مهمتهم حماية الصحافيين العاملين في المناطق الخاضعة لسيطرتها.
وبعد انتشار الجيش السوري برعاية روسية في مناطق كثيرة بالحسكة والرقة، يساور الصحافيين هواجس عددية، أبرزها الملاحقة الأمنية من قبل النظام الحاكم. ويضيف هيبار: «الاعتقال، ومنع السفر، والحرمان من الحقوق المدنية، مخاوف نعايشها يومياً؛ لأننا مراسلون لقنوات خارجية تصفها الحكومة السورية بالمعادية».
أما الصحافي محمد حسن، فقد غطى أكثر الجبهات سخونة، إذ كان على الخطوط الأمامية في معركة الباغوز، شهر مارس 2019، عند القضاء على تنظيم «داعش» الإرهابي وخلافته المزعومة، واليوم يغطي الهجوم التركي على منطقته. يتذكر المشاهد القاسية عند فرار سكان مدينة رأس العين، أو «سري كانيه» بحسب تسميتها الكردية، الواقعة أقصى شمال شرقي سوريا، ويقول: «كنت مع زملائي في آخر يوم لخروج آلاف السكان. كان يشبه يوم الحشر. أطفال ونسوة ورجال طاعنون بالسن، الكل كان يهرب هرعاً من القصف التركي». يومها بقي الطيران الحربي في السماء، مع قصف المدينة، وكانت قذائف «الهاون» تنهال كزخات المطر. ويزيد محمد: «قوافل المدنيين الفارِّين وصلت مدخل المدينة الجنوبي حتى آخر نقطة شمالاً. أتذكر رجلاً عربياً كان يمسك حبلاً ملفوفاً على رأس بقرته، يهذي قائلاً: العثمانيون قادمون، المجرمون قادمون».
وقُتلت السياسية الكردية هفرين خلف، على أيدي «الجيش الوطني السوري» المدعوم من قبل تركيا، أثناء عملية «نبع السلام» العسكرية التركية في شمال شرقي سوريا، نهاية العام الفائت. يومها كانت الصحافية رنكين شرو في تلك المنطقة تغطي الحدث. تتذكر تلك اللحظات وكأنها حدثت قبل قليل، وكيف ذهبت لمدينة تل أبيض التي كانت خاوية على عروشها بسبب القصف المدفعي: «قررنا العودة من طريق (m4) لكن عناصر (الأسايش) طلبوا تغيير الطريق لوجود مسلحين مدعومين من تركيا، وفعلاً اتجهنا إلى الرقة، وبعد وصولنا عرفت أن هفرين قُتلت على يد المسلحين».
ونقل المراسل الميداني محمد حسن الذي يعمل منذ 2016 مع قناة «روسيا اليوم» أنه كان من بين الطواقم الطبية والإعلامية التي تمكنت من الوصول إلى مكان مقتل السياسية الكردية هفرين خلف. وقال: «وصلنا إلى موقع الاغتيال، وكانت يومها الطريق السريعة غير مؤمنة. نقلنا جثتها إلى مشفى بلدة تل تمر المجاورة. وصادف مجيء أكثر من عشرين جنازة لمدنيين. كانت مشاهد مروعة ارتكبها الجيش التركي بحق أبناء رأس العين»، وأضاف: «في أحد الأيام ضربت مقاتلة تركية أطراف مخيم عين عيسى أمامي. نجوت بحياتي، وبعد وصولي للمنزل كانت نشرات الأخبار تنقل خبر هروب 700 من عائلات وأسر تنظيم (داعش) هربوا إلى تركيا». وتعرف أول مرة على تنظيم «داعش» الإرهابي عندما قام بتغطية فرار آلاف اللاجئين الإيزيديين عبر الحدود السورية من جبال شنكال، التي تعد موطن الأقلية الكردية الأصلي. وقال محمد: «آنذاك، لم تتسع عدسة الكاميرا لنقل مأساة هؤلاء الفارين».
وذكر الصحافي الحربي هيبار عثمان الذي يعمل مع قناة «الحرة» منذ 2017، أن التوغل التركي على شرق الفرات تسبب في مقتل «4 إعلاميين، وأصيب 14 آخرون بجروح بليغة، بعد تعرض قافلة مدنية مشكلة من فرق صحافية وطواقم طبية لقصف من الطيران الحربي. كما صادرت فصائل المعارضة منازل وممتلكات 10 صحافيين يتحدرون من المدينة»، ويصعب عليه نسيان المقابلات مع الشهود الذين عايشوا ظروف الحرب. يسرد قصة سيدة نازحة بالمخيم كانت تقف في حيرة من أمرها لإطعام أطفالها الصغار: «أتذكر تفاصيل وجهها. كانت تسعى لتأمين كاسة شاي أو رغيف خبز لإشباع أطفالها الصغار». وتتكرر على مسامعه شهادة شاب يتحدر من الرقة، فقد زوجته وأبناءه جراء قصف الطيران الحربي. ويزيد: «أحمد المحمود أصبح مقعداً بعدما قُطعت كلتا قدميه جراء القصف. هذه الشخصيات باتت جزءاً من حياتي، وأتساءل: كيف وضعهم اليوم؟».
ونقلت رنكين التي تعمل مع شبكة «رووداو» الكردية منذ 2013، أن ظروف الحرب تستوجب معاينة القتل والنزوح، ومشاهدة الطيران الحربي، وقذائف «الهاون» من قنابل الدبابات. ولفتت إلى أن «هذه المشاهد أصبحت ملازمة للتاريخ والحاضر الكردي، فالأزمة السورية هي الأسوأ على الإطلاق بالنسبة للصحافيين. تعرضتُ في فترة عملي القصيرة نسبياً هنا إلى مواقف صعبة وخطرة جداً، سأتذكرها ما حييت». وقالت في ختام حديثها: «حرصي في بعض الأحيان، وربما الحظ في أحيان كثيرة، كان سبباً في نجاتي والحمد لله. فالحقيقة ضريبتها كبيرة، قد تفقد حياتك في سبيلها».


مقالات ذات صلة

تفتيش منزل صحافية أميركية في إطار تحقيق حول وثائق سرية

الولايات المتحدة​ شعار «مكتب التحقيقات الفيدرالي» على منصة قبل مؤتمر صحافي بالمكتب الميداني في بورتلاند بالولايات المتحدة يوم 16 يناير 2025 (أ.ب)

تفتيش منزل صحافية أميركية في إطار تحقيق حول وثائق سرية

قالت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، إن رجال مكتب التحقيقات الفيدرالي قاموا بتفتيش منزل صحافية في إطار تحقيق حول وثائق سرية يشمل متعاقداً مع الحكومة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
يوميات الشرق الزميلة آية منصور الفائزة بجائزة «كورت شورك» عن فئة المراسل المحلي (إندبندنت عربية)

«إندبندنت عربية» تفوز بـ«كورت شورك» عاشر جوائزها

فازت الزميلة في منصة «إندبندنت عربية»، آية منصور، بجائزة «كورت شورك» للصحافة الدولية لعام 2025، عن فئة المراسل المحلي، تقديراً لتقاريرها الصحافية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ريمون توفيق وريما مصطفى ضيفا الحلقة المحذوفة (حساب ريمون على فيسبوك)

مصر: حذف حلقة من برنامج «Blind Date» لـ«عدم ملاءمتها للمجتمع»

أثارت إحدى حلقات برنامج «The Blind Date Show» أزمة في مصر، وذلك عقب نشر البرومو الترويجي لها على موقع «يوتيوب».

داليا ماهر (القاهرة)
شمال افريقيا الصحافي محمد بوغلاب (متداولة)

«غضب حقوقي» في تونس إثر إقرار الحكم بإدانة صحافي

أقرت الدائرة الجنائية بمحكمة الاستئناف بتونس، في جلستها المنعقدة، مساء الجمعة، الحكم الابتدائي القاضي بإدانة الصحفي محمد بوغلاب، مع تأجيل تنفيذ العقاب البدني.

«الشرق الأوسط» (تونس)
العالم أرشيفية لصحافي الجزيرة أنس الشريف الذي أقر الجيش الإسرائيلي  بقتله في غارة على غزة أغطس الماضي (أ.ب) play-circle

128 صحافياً قتلوا في أنحاء العالم في 2025

قُتل 128 صحافياً في كل أنحاء العالم في العام 2025، أكثر من نصفهم في الشرق الأوسط، وفقاً لإحصاء نشره الاتحاد الدولي للصحافيين الخميس.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يخلق تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليخلق بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.


«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».