نائب رئيس الوزراء في حكومة 30 يونيو: أهم معاركنا إسقاط الجمعية التأسيسية الأولى

التفسيرات التآمرية التي صاحبت أداء المجلس العسكري كان سببها سلسلة من الاختيارات الخاطئة والأداء المضطرب

نائب رئيس الوزراء في حكومة 30 يونيو: أهم معاركنا إسقاط الجمعية التأسيسية الأولى
TT

نائب رئيس الوزراء في حكومة 30 يونيو: أهم معاركنا إسقاط الجمعية التأسيسية الأولى

نائب رئيس الوزراء في حكومة 30 يونيو: أهم معاركنا إسقاط الجمعية التأسيسية الأولى

* زياد بهاء الدين يروي لـ («الشرق الأوسط») تجربة 10 سنوات داخل أروقة الحكم في مصر بين الاقتصاد والسياسة (1 - 3)
* الحوار مع الدكتور زياد بهاء الدين أشبه بالبحث عن «قالب سكّر» داخل كوب ماء، فهو حذر إلى أقصى درجة، كلما حاولت أن تحاصره ذاب، وكلما اجتهدت أكثر تلاشى أسرع. لكن إذا قررت أن تستوعب أثره في الماء.. ستكتشف قيمته.
تردد نائب رئيس الوزراء السابق طويلا في أن يفتح قلبه ويتكلم في حوار مطول مع «الشرق الأوسط»، يحكي تفاصيل قصته داخل أروقة الحكم في مصر خلال 10 سنوات هي عمر تجربته في العمل العام، تحفّظ أن يذكر أسماء كثيرة ومواقف كثيرة، بحكم أن أصحابها في مواقف لا تسمح لهم بـ«حق الرد»، رفض أن يفصح عن رأيه في أشخاص ومواقف حرصا على حرج اللحظة التي تمر بها مصر، واعتذر عن عشرات الأسئلة وطلب حذف عشرات الأجوبة، في حوار حكمه «القانون» تخصصه ومجال عمله، كما لم يخلُ من قدر من «السياسة». برز اسم بهاء الدين وسجل في التاريخ، عندما نادت به جموع المتظاهرين التي خرجت في 30 يونيو (حزيران) 2013 ليكون رئيسا للوزراء في أول حكومة تشكلت بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، لكن القدر أتى به نائبا لرئيس الوزراء الدكتور حازم الببلاوي الذي تحمّل مسؤولية واحدة من أخطر الحكومات في تاريخ مصر وإلى نص الجزء الأول من الحوار:

* كيف جاء ترشيحك لمنصب رئيس هيئة الاستثمار المصرية عام 2004 في ظهورك الرسمي الأول في العمل العام؟
- عملت قبلها بـ3 سنوات، أول عمل حكومي لي كمستشار قانوني لوزير الاقتصاد (آنذاك) د. يوسف بطرس غالي، اشتركت وقتها في إعداد تشريعات كثيرة خاصة بسوق المال وقانون الاستثمار وقانون الشركات والتأجير التمويلي والإيداع المركزي للأوراق المالية في البورصة، فارتبط اسمي بالقوانين الاقتصادية، ثم تركت وزارة الاقتصاد وعدت إلى العمل بالمحاماة، وبعدها بفترة شكلت حكومة الدكتور أحمد نظيف في 2004 وكان من ضمن وزرائها محمود محيي الدين وزير الاستثمار، وهو من رشحني لرئاسة هيئة الاستثمار، وبالفعل توليت رئاستها بعد تشكيل الوزارة بـ3 أشهر.
* وما دوافعك لقبول هذا المنصب، مع معرفتك بأوضاع النظام المصري وقتها؟
- ارتبط دافعي بفكرة التفرقة بين العمل السياسي والعمل التكنوقراطي، بالمشاركة في خدمة الاقتصاد الوطني، فهناك من يهتم بالعمل السياسي بمفهومه المحدد، ولكن هذا مختلف عمن يكون لديه الاستعداد للعمل لبناء مؤسسات وطنية، وأنا سعيد وفخور بما أنجزته في هذا العمل، حيث تم تطوير هيئة الاستثمار، وزاد حجم الاستثمارات الأجنبية التي وردت إلى مصر في تلك الفترة، ووصل إلى أعلى معدل له منذ بداية الاستثمار في مصر.
* لماذا لم تنضم إلى الحزب الوطني الحاكم في ذلك الوقت؟
- لم يكن لدي طموح سياسي، وقد عرض علي بالفعل الانضمام إلى الحزب الوطني في فترة تجديده، وشاركت بالرأي في اجتماعات مختلفة حول مستقبل الحزب ولائحته الأساسية، وفي نهاية هذه المناقشات عرض علي الانضمام كأحد أعضاء المكاتب العليا فيه واعتذرت.
* صنفك البعض في تلك الفترة بأنك كنت ضمن فريق جمال مبارك، ما صحة هذا التصنيف؟
- التصنيفات في الغالب مدفوعة بتصفية حسابات سياسية وفيها كثير من عدم الدقة، فلا يوجد في مصر تفرقة بين السياسي والتكنوقراطي، والمفترض أنه يكون أمرا طبيعيا أن تكون بعيدا عن العمل السياسي وتشغل منصبا حكوميا مهما، وهذا أمر موجود في دول كثيرة. ولو كنت من مجموعة جمال مبارك لما أنكرت ذلك كما أنكره الكثيرون ممن كانوا قريبين منه، ولكن الواقع أنني لم أكن في الحزب ولا في مجموعته ولا على اتصال مباشر به خلال السنوات السابقة على الثورة.
* قد يكون سبب ذلك قربك الشديد من الدكتور محمود محيي الدين؟
- هذا موضوع مختلف، لأني كنت فعلا قريبا وما زلت من الدكتور محمود محيي الدين على المستوى الإنساني والشخصي، وهذا أمر يسعدني؛ محمود محيي الدين صديق عزيز ولا يزال، فهو زميل دراسة حيث درسنا معا في إنجلترا، واتفقنا في أشياء كثيرة في قضية الاستثمار والترويج له وكيفية دفعه، واختلفنا في أشياء أخرى، وكان من مزاياه أنه مدرك تماما لفكرة أنه يجب أن يستفيد البلد ممن اعتبرهم خبرات وكفاءات، حتى لو كان انتماؤهم السياسي غير محسوب على الحزب الحاكم.
* ألم تفاجأ بخروجه من الوزارة ومن مصر كلها قبل شهور من ثورة يناير؟ خصوصا أنه كان مرشحا لرئاسة الوزراء كما أشيع وقتها؟
- لم أفاجأ لأنه أبلغني بذلك، وكنت أتابع معه المناقشات التي تجري بينه وبين الدولة في ذلك الوقت، وكنت أعرف رغبته في تغيير مجال عمله، وشعوره بأن هذا هو الوقت المناسب لتحقيق هذا التغيير بعد أن وصل إلى سكة «مسدودة» هنا في مصر، ولا أريد أن أقول أشياء نقلا عنه، لكن تأثير خروجه علي كان مختلفا لأني لم أربط بقائي في العمل الرسمي ببعد سياسي، فالأمر كان بالنسبة لي هو أنني أؤدي مهام وظيفية وفق فكرة بناء المؤسسات التي أوضحتها.
* اقتربت بشكل ما من دائرة صنع القرار في مصر، إلى أي مدى ترى صدق مشروع التوريث؟
- لم أقترب إلى الحد الذي يجعلني أستطيع أن أقول: هل كان هناك مشروع يجري تنفيذه بالفعل أم لا، خصوصا في السنوات الأربع الأخيرة قبل الثورة؟ ربما كان اتصالي الوحيد بمحمود محيي الدين بصفته وزير الاستثمار وبصفته صديقا وببعض الأصدقاء الآخرين بالحزب الوطني الذين ما زالت تربطني بهم علاقة صداقة، لكن لم أكن قريبا من الدائرة العليا. لكن رأيي كمواطن ومتابع، أعتقد أنه سواء كان هناك مشروع حقيقي جار تفعيله أو لم يكن، فإن ما كان يحدث كافيا للإيحاء للمجتمع المصري كله بأنه جار تنفيذ مشروع التوريث، وهذا يجعله مشروعا حقيقيا فعلا، وتصرفات مؤسسة الرئاسة ساعدت على ذلك.
* بمعنى أنك لا تبرئ مبارك وأسرته من هذا المشروع؟
- على الأقل هم تركوا «التوريث». يبدو كأنه أمر جار تنفيذه بالفعل، ولم يكن رفضهم قاطعا أو حقيقيا. وشعور المواطن بوجود مشروع توريث كان يتزايد مع مرور الوقت، لهذا لا يفرق وجود خطة محكمة من عدمه لأنه ترك الأمور تنحدر في هذا الاتجاه.
* هل عرض عليك فعليا أي منصب وزاري في هذه الفترة، خصوصا مع تكهنات كثيرة رشحتك لحقائب وزارية عقب نجاحك في هيئة الاستثمار؟
- بعد استقالة محيي الدين، نقل لي عن رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف هذا الأمر، وسئلت عن استعدادي لتولي وزارة الاستثمار، لكني رفضت لأني حسمت أمري من البداية بأن حجم اشتغالي بالعمل العام يقتصر على العمل التكنوقراطي ولا يتجاوزه إلى العمل السياسي تحت أي ظرف، ولم أغير هذا الرأي إلا بعد ثورة يناير، أما قبلها فكانت اختياراتي قائمة على أنه لا مانع، بل إنه واجب على كل شخص عنده فرصة للمشاركة في بناء مؤسسات وطنية ألا يتردد في ذلك.
* هل رفضت الوزارة لعدم رغبتك في أن تحسب على الحزب الوطني الحاكم بكل ما أثير حوله من شبهات؟
- لم أكن راضيا عن أداء الحزب الوطني وعلاقته بالدولة وتحوله إلى وسيلة لحماية المصالح الخاصة، ولذلك رفضت أن أكون عضوا، ولكن لا يعجبني ما حدث بعد ثورة يناير من مبالغة في نفي الصلة والاتصال بالحزب والنظام، خصوصا ممن كانوا أعضاء بالفعل في الحزب الوطني أو مستفيدين من النظام. ما أقوله هو الحقيقة، لقد رفضت أن أكون عضوا في الحزب لكن لي أصدقاء كانوا أعضاء به، وأعلم أن بعض الناس دخلته من باب الفساد والتقرب إلى السلطة واعتلاء المناصب، لكن هناك أيضا أناس انضموا له للمساهمة في العمل الوطني، وهي اختيارات، وأنا اخترت ألا أدخل العمل السياسي مطلقا قبل ثورة يناير، خصوصا من بوابة الحزب الوطني.
* بعد 4 سنوات تفصلنا عن تلك الأيام، بم تسمي ما حدث في يناير (كانون الثاني) 2011؟
- ثورة بلا شك.. اندفاع الناس بهذا الشكل وخروج هذه الأعداد من المصريين، لا يمكن أن يكون مؤامرة، لست محلل علوم سياسية لكن خروج الناس كان وراءه رغبة في التغيير، كنت مثل كثيرين غير متوقع أن يكون حجم الغضب الشعبي بهذا الشكل. فاجأتني الثورة مثلما فاجأتهم، واشتركت فيها كمواطن عادي، وكنت حاضرا في ميدان التحرير، ولكن لم تربطني رابطة بأي تنظيم سياسي من المشاركين فيها أو المنظمين لها.
* إذا اتفقنا أن ما حدث يمكن أن يطلق عليه «ثورة»، هل ترى أن التغيير الراديكالي يتناسب مع طبيعة البناء الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لمصر؟
- مناسب أو غير مناسب مساءلة أكاديمية، لكن الثورة قامت ليس لأنها الأنسب بل لأنها حتمية، بمعني أنه كان هناك انسداد تام في المجتمع ووسائل التغيير الممكنة لم تعد مجدية، فكان يجب أن تحدث ثورة.
* ألا ترى أن ثمن هذا الفعل الثوري كان كبيرا على المجتمع المصري؟
- يسهل الآن القول إن الأفضل ربما كان الطريق الإصلاحي حينما نجد أن الثورة لم تحقق معظم أهدافها في التغيير الإيجابي، لكن هذا كلام نظري. الإصلاح كان قد أصبح مستحيلا في السنوات الأخيرة لحكم مبارك، فانفجرت الثورة لأنها صارت حتمية وضرورية. أنا بالمناسبة بطبيعتي أميل إلى العمل الإصلاحي عن العمل الثوري، ولكن هذا لا يجعلني أقيم الثورة بشكل مختلف.
* إلى أي مدي تتفق معي في أن سوء استخدام تعبير «الثورة» أفقده قيمته كمصطلح سياسي، وأجهض قيمته التاريخية والمعنوية؟
- لا أظن أن قيمته التاريخية والمعنوية أجهضت، قد يوجد حاليا رد فعل من جانب الرأي العام لأنه يقرن كل المصاعب والمشكلات بحدوث الثورة في يناير. والعمل الإعلامي مؤثر جدا لا يجعلك تدرك القناعة الحقيقية للناس إلى أين تتجه في ضوء خطاب تعبوي واحد سائد، لكن لا شك أن حدوثها كان حتميا، لكن لأسباب كثيرة. الثورة اتخذت مسارا مضطربا، وهذا لا يعني إدانة الثورة في لحظة حدوثها لأنها كانت تعبيرا عن رغبة صادقة عند الشعب المصري في التغيير ورفض استمرار الأوضاع السابقة.
* ما تعليقك حول ما أثير عن دور أطراف داخلية أو خارجية في إشعال ثورة المصريين في يناير؟
- لا أبحث عن التفسير التآمري في ظل وجود تفسير واضح ومقنع، وهو أن يناير كانت ثورة حقيقية مدفوعة برغبة الشعب في التغيير وفي إسقاط النظام السائد. أما من يملك معلومات محددة يستطيع من خلالها أن يؤكد أن يناير «مخطط»، فعليه أن يتقدم بها.
* ما تقييمك لأداء المجلس العسكري الذي تولى مسؤولية إدارة مصر بعد تخلي مبارك عن الحكم؟
- بحسب طبيعية عملي فأنا أقدر من يتولى مسؤولية إدارة عمل تنفيذي في وقت بهذه الصعوبة التي كانت مصر فيها ولا تزال، وأي انتقاد لكل من تولى مسؤولية الحكم من يناير إلى اليوم يبدأ بهذا التحفظ، أما عن تقييمي فأرى أنه كان هناك فرصة تاريخية لرسم مستقبل مصر بصورة أفضل، وهذا لم يحدث، فقد تم رسم مسار دستوري مضطرب جعل الثورة تفقد زخمها وقدرتها على التغيير الإيجابي.
* كنت نائبا في أول برلمان تشكل بعد الثورة عام 2012، ماذا قدم النائب زياد بهاء الدين في تجربته البرلمانية الأولى بعد يناير؟
- سعيد بتجربتي البرلمانية وفخور بها للغاية، فالمعركة الانتخابية كانت ثرية جدا بالنسبة إلي وبالنسبة إلى مصر كلها، كانت انتخابات مفتوحة وكان فيها أخطاء كثيرة، ولكن بشكل شخصي ورغم أن عائلتي من أسيوط ونشاط جمعية أحمد بهاء الدين الثقافية هناك وأشرف عليه بنفسي منذ عام 1998 بلا انقطاع، لكن لم تكن تربطني بأسيوط رابطة سياسية، وأكثر ما استفادته منذ يناير هو الإقامة والاتصال الحقيقي بالناس في أسيوط، وهذه تجربة مهمة جدا في حياتي. أكيد كان هناك مشكلات تعرضت لها وربما تتعرض لما هو أكثر، فقد حذرنا من غياب ضوابط إجراء الانتخابات في أمرين: الأول التمويل، فبعض الأحزاب السياسية انهمرت عليها سيول من التمويل غير موثق وغير معروف المصدر، خصوصا في الأرياف. والأمر الآخر أن الدولة تركت استخدام المساجد، كمنابر للعمل السياسي، وهذا أمر يتعارض تماما مع أصول العمل السياسي في الدولة المدنية.
* ونجحت على قائمة الحزب المصري الديمقراطي.
- وكنت رئيس كتلة الحزب البرلمانية المكونة من 21 عضوا، وقد كانت تجربة العمل داخل البرلمان صعبة، وقد شكلنا تعاونا مع حزب المصريين الأحرار ونجحنا في تقديم بعض الأفكار والتشريعات المهمة، لكن الأهم أننا استطعنا أن نوقف اندفاع قطار تغيير هوية البلد، كانت أهم معاركنا في إسقاط الجمعية التأسيسية الأولى.
* لماذا انسحبت بعد انتخابك في أول جمعية تأسيسية تشكلت لكتابة الدستور المصري الجديد؟
- كنت مرشحا للجمعية مع الزميل والصديق أحمد سعيد رئيس حزب المصريين الأحرار، وكان زميلي في هذه المعركة، وفي يوم انتخاب الجمعية التأسيسية في قاعة المؤتمرات، وقبل إعلان النتيجة، كان قد تم تداول أسماء أعضائها، وكنت فيها أنا وأحمد، فأجرينا مع الدكتور سعد الكتاتني رئيس البرلمان وقتها اجتماعا استغرق ساعتين لنحاول إقناعه بأن تشكيل الجمعية حتى لو حظي بالأغلبية القانونية المطلوبة من البرلمان فهو غير مقبول لأنه تشكيل منحاز ولن يكتب له النجاح. ولم نخرج بأي نتيجة، ورغم ذلك أعلن التشكيل كما هو واعتمد المجلس النتيجة، وبعد ربع ساعة أعلنت مع أحمد سعيد انسحابنا وكتلنا البرلمانية من الجمعية، وقتها كنا نحو 10 أعضاء، ومع مرور أسبوعين وصل العدد إلى 38 وقبل أن تسقط من نفسها صدر الحكم القضائي ببطلان تشكيلها.
* إلى أي مدى ترى شبهة مؤامرة وراء حل البرلمان بعد شهور من انتخابه؟
- لست من مؤيدي نظرية المؤامرة، وأذكرك أن حزبي وأحزابا أخرى وعددا من السياسيين حذروا من عدم دستورية هذا القانون، وقت صدوره وقبل إجراء الانتخابات، لكنها كانت فترة كما وصفتها مليئة بالاضطراب الدستوري. كما أن حكم المحكمة الدستورية في هذا الشأن منسجم تماما مع حكمين سابقين تم بموجبهما حل برلماني 1984 و1987. يمكن أن نقول إن الحكم صدر بسرعة بعد 7 شهور فقط.. يجوز.. لكنه أمر لا يجعلها مؤامرة، وهذا يكفيني للاطمئنان لهذا الحكم.
* هل عايشت أي تجاوزات إخوانية في الانتخابات البرلمانية عام 2012، بصفتك شاهد عيان ومنافسا لكوادرهم فيها؟
- من التجاوز ما يوصف بالعرف الدائم في الانتخابات، مثلا وصفت بأني «حزب وطني» وشيوعي من قبل مرشحي الإخوان في أسيوط، وليلة الانتخابات أعلنوا ترشحي للوزارة في حكومة الجنزوري وانسحابي من انتخابات البرلمان وعودتي إلى القاهرة لحلف اليمين، وهو ما لم يكن صحيحا، وغير ذلك من ألعاب سياسية معتادة في كل الانتخابات، لكن التجاوزات الفعلية كانت في أمرين: الأول هو استخدام الكارت الطائفي، وكان أمرا متجاوزا لكل الحدود، فأي شخص يعمل في الصعيد يدرك تماما خطورة هذا الأمر، فأنت عندما تفرق بين المرشحين بأن هؤلاء «إسلاميون» وهؤلاء كتلة «صليبية» فأنت تدعو إلى فتنة مرعبة، وهذه جريمة لا تغتفر في أي وقت. الأمر الآخر كان التسيب في التمويل بشكل مبالغ، وللأمانة كانت أموال السلفيين أكثر من الإخوان.
* هل حاول الإخوان استمالتك ومجموعتك الحزبية خلال زمالتكم في البرلمان؟
- الإخوان حاولوا بعض المحاولات لتحقيق ما كانوا يعتقدون أنه توافق بمفهومهم، وهذه كانت الإشكالية. مثلا رشحوني رئيسا للجنة الاقتصادية في البرلمان، ولكن كحزب ومجموعة الأحزاب المتسقة معنا، أخدنا قرارا بعدم قبول مناصب رئاسية في اللجان، لأنه كان واضحا لنا أن دافعهم كان من أجل تجميل الصورة فقط.
* إلى أي مدى تقيم أداء الجماعة وقيادتها في هذه التجربة القصيرة كحزب حاكم؟
- هي تجربة فشلت، ولا أريد التعليق على رئيس البرلمان، لكن الجماعة في إدارة البرلمان كانت فاشلة تماما، بمعنى أن البرلمان بعد فترة وجيزة فقد مصداقيته بين الناس وصار يبدو كأنه مكان لـ«الطنطنة وكتر الكلام»، وبه خليط من الممارسات التي كنا نعيبها على برلمانات مبارك. والإخوان أيضا كانوا كثيري الحديث عن أن يكون حكمهم حكما توافقيا، لكن عند الفعل الحقيقي غلبت عليهم في البرلمان فكرة «أنا معايا الأغلبية.. أنا أخلص»، وهذا نفس ما حدث في الرئاسة والحكومة بعد ذلك.

* زياد.. ابن أحمد بهاء الدين

* يعتبر الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين قامة وقيمة كبيرة في تاريخ الصحافة مصريا وعربيا، لا يذكر اسمه إلا ويتبعه صفة «المحترم». وهي الصفة التي يقول نجله زياد إنها ميراثه الحقيقي عن أبيه، ويكمل: «بالطبع استمتعت بمظلة شهرته، التي منحتني حماية خاصة في بداية حياتي». ويعتبر زياد أن الفترة التي قضاها مع والده في دولة الكويت في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي هي واحدة من أهم فترات حياته، لأن الكويت وقتها - بحسب وصفه - كانت منارة ثقافية مشعة على الخليج العربي، قبل أن تظلمه الثورة الإيرانية.
درس زياد في كلية الحقوق بجامعة القاهرة مثل والده، لكنه تميز عليه بأن درس في ذات الوقت في كلية الاقتصاد بالجامعة الأميركية، ليتخرج منهما في عامي 1986 و1987، قبل أن يحصل على منحة للماجستير في قانون الأعمال الدولي من جامعة لندن سنة 1989، ثم يحصل على الدكتوراه من نفس الجامعة في القانون عام 1997.
بدأت علاقة زياد بهاء الدين بالسياسة وهو طالب في جامعة القاهرة من خلال أنشطة الأسرة الطلابية القريبة من الفكر الاشتراكي القومي، لكنه اختار أن تبدأ علاقته بالعمل العام بعيدا عن السياسة أو العمل الحزبي، لكن كمتخصص «تكنوقراط» في مجال الاقتصاد. ساعدته صداقة مع الدكتور محمود محيي الدين على أن يحقق أفكاره عندما أسند إليه منصب رئيس هيئة الاستثمار عام 2004، وقد أحدث نقلة هامة في تاريخ الاستثمار خلال رئاسته للهيئة التي امتدت حتى عام 2007، ويصف دكتور زياد عمله في هيئة الاستثمار قائلا: «تجربتي كانت محاولة حقيقية لفكرة استكشاف آليات السوق المنضبطة كوسيلة مهمة لزيادة النمو والتنمية الاقتصادية وتحسين أوضاع الناس». شغل بهاء الدين منصب أول رئيس للهيئة العامة للرقابة المالية قبل أن يستقيل في أعقاب ثورة يناير 2011، ويتجه إلى العمل السياسي من خلال مشاركته لتأسيس الحزب المصري الديمقراطي، ويقول بهاء الدين: «الثورة جعلتني أخلق توازنا بين تجربة الجامعة التي غلب عليها الانتماء اليساري وتجربة العمل الحكومي التي غلب عليها الفكر الرأسمالي، وتحقق ذلك بالديمقراطية الاجتماعية، وهو ليس اسم الحزب فقط، لكنه تيار فكري نحاول من خلاله الاعتماد على اقتصادات السوق، لكن مع وجود شبكة حماية اجتماعية قوية جدا تضمن أن يتاح للناس الفرصة في الاستفادة من الاقتصاد الحر، وهو قريب من فكرة الطريق الثالث في أوروبا».
نجح زياد في أن يصبح نائبا في «برلمان» الثورة الأولى في يناير 2011، قبل أن يكون نائبا أيضا في «حكومة» الثورة الثانية في يونيو (حزيران) 2013، وبين المنصبين وبعدهما تمتد رحلته مع العمل السياسي الذي أصبح جزءا منه، وهو يشغل حاليا منصب نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي، واحد من أحزاب المعارضة الواعدة.
لم ينسَ بهاء الدين الابن والده خلال رحلته مع العمل العام، فأسس مع أسرته ورفاق الكاتب الكبير «جمعية أصدقاء أحمد بهاء الدين الثقافية»، التي يشغل منصب نائب رئيسها، وقد أسهم نشاطها في افتتاح قصر ثقافة أحمد بهاء الدين بمسقط رأسه في صعيد مصر، في قرية صدفا بمحافظة أسيوط.



من السماء إلى الأرض... جبهات تعز تكسر زحف الحوثيين

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
TT

من السماء إلى الأرض... جبهات تعز تكسر زحف الحوثيين

معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)
معارك ضارية يخوضها الجيش اليمني ضد الحوثيين بامتداد جبهات تعز وغرب لحج (إعلام عسكري)

دخلت معارك محافظة تعز اليمنية مرحلة محورية خلال الساعات الماضية، بعدما تحولت المواجهات المتزامنة على عدد واسع من الجبهات إلى عملية عسكرية مكثفة استهدفت فيها القوات الحكومية تحركات وتعزيزات الجماعة الحوثية، بالتزامن مع غطاء جوي كثيف واستعادة مواقع كانت الجماعة قد تمكنت من التسلل إليها.

وكشفت البيانات العسكرية المتعاقبة للجيش اليمني عن تنفيذ 75 غارة جوية على مواقع وتحركات حوثية في محافظة تعز خلال 24 ساعة، في موجات متتابعة من الضربات، استهدفت تجمعات وعربات وآليات وتعزيزات ومخازن أسلحة ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط إمداد، وفق بيانات المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة اليمنية العقيد الركن ماجد النزيلي.

واللافت في مسار العمليات أن الغارات لم تتركز في محور واحد، وإنما امتدت على رقعة واسعة من جبهات تعز، كما شملت صنعاء وصعدة وحجة، في مؤشر على اتساع نطاق المواجهة ومحاولة القوات الحكومية ضرب خطوط الحركة والإمداد التي تستخدمها الجماعة في عملياتها.

وشملت الضربات مناطق حمير وبني بكاري وسامع والأقروض وشارع الستين والأعمور والوازعية في تعز، وميدي وبني حسن في حجة، ثم استهدفت موجة ثانية مواقع في تعز، هي الرضعة والأقروض وبني بكاري والكدحة وجبل نعمان والعجرم والمرزام.

أما الموجة الكبرى، التي بلغت 27 غارة، فقد استهدفت مخزناً للصواريخ ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط إمداد وتسليح متقدمة وتجمعات وعربات وآليات عسكرية، وطالت مواقع في شارع الستين، شمال مدينة تعز، وبني عمر، وحمير في مقبنة، وشرق الوازعية، والأحكوم والأثاور في حيفان، والكدحة وجبل نعمان والكريفات وعقبة منيف والتشريفات والأقروض وسامع والشقب في صبر الموادم.

وفي موجة أخرى، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 15 غارة في تعز، شملت مواقع رأس ضريز والأعمور وجاشع أثاور ورأس حمي بالخزان بجبهة الكعاوش وقرية الجنيد في حيفان، وقالت إن الضربات أدت إلى تحييد عشرات العناصر والتعزيزات وتدمير معدات وآليات.

وبذلك، لا تبدو الغارات مجرد إسناد جوي محدود للخطوط الأمامية، وفق البيانات العسكرية، بل جزءاً من عمليات تستهدف منظومة الحركة والإمداد والقيادة الحوثية على امتداد جبهات متعددة.

هجوم وانكسار

تزامن ذلك مع مواجهات عنيفة خاضتها القوات الحكومية والمقاومة الشعبية في عدد من محاور تعز، أبرزها بني بكاري في جبل حبشي، وحمير في مقبنة، والأقروض جنوب شرقي المحافظة، إضافة إلى الكدحة وجبل هان والجبهتين الشمالية والشرقية لمدينة تعز.

وقالت المصادر العسكرية إن القوات الحكومية تمكنت من كسر الهجمات الحوثية وإجبار المهاجمين على التراجع، فيما شهدت جبهة سامع، جنوب شرقي المحافظة، هجوماً حوثياً تصدت له القوات الحكومية والمقاومة الشعبية، قبل أن تعزز مواقعها وتتراجع الجماعة باتجاه دمنة خدير.

وفي هذه الجبهة تحديداً، تحدثت المصادر عن إلقاء القبض على نحو 20 عنصراً حوثياً، والاستيلاء على آليات حوثية. وفي الأقروض، أفادت المصادر بمقتل نحو 30 عنصراً حوثياً وإصابة نحو 50 آخرين بنيران القوات الحكومية.

سعي الحوثيين إلى السيطرة على تعز كبّدهم مئات القتلى والجرحى خلال أسبوع (إعلام عسكري)

كما تحدثت حصيلة عسكرية عن مقتل نحو 100 عنصر حوثي وإصابة العشرات وأسر آخرين، إلى جانب إعطاب عربات عسكرية وتدمير مخازن أسلحة، عقب الهجمات التي شنتها الجماعة في عدد من جبهات المحافظة.

وتقول تقديرات ميدانية، إن الخطة الحوثية كانت تستهدف السيطرة على مناطق من ريف تعز وفرض حصار على المدينة، وإن الجماعة حشدت لتنفيذها عشرات الكتائب، إلا أن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنت من تثبيت مواقعها، قبل أن تبدأ بعض الوحدات باستعادة مواقع تسلل إليها الحوثيون في الشمايتين وجبل حبشي وسامع.

ولم تقتصر التطورات على التصدي للهجمات، إذ أعلنت القوات الحكومية، مسنودة بالمقاومة الشعبية وأبناء المناطق المحلية، استعادة مناطق مهمة في عزلة بني عمر بمديرية الشمايتين، جنوب تعز.

جبال تعز شكّلت عائق صد طبيعياً أمام زحف الحوثيين (إعلام عسكري)

وقالت المصادر إن القوات استعادت منطقة دار الراحة وتقدمت باتجاه شعب الدراهم، بينما تكبد الحوثيون خسائر في الأرواح والعتاد وأُسر عدد من عناصرهم، مع استمرار المواجهات في مواقع أخرى.

وفي حين تؤكد القوات الحكومية أنها أحبطت حتى الآن مخطط السيطرة على مناطق ريف تعز وفرض حصار على المدينة، تظل الجبهات مفتوحة على احتمالات تجدد الهجمات، خصوصاً مع استمرار التحركات العسكرية الحوثية على الطرق الرابطة بين مناطق مختلفة من المحافظة.

حظر خطوط الحركة الحوثية

تزامنت هذه التطورات مع استمرار الغارات على خطوط الحركة الحوثية، الأمر الذي أعطى المعارك بعداً يتجاوز الاشتباك المباشر حول المواقع، ليشمل استهداف التعزيزات والآليات ومصادر الإمداد.

وفي موازاة ذلك، أعلنت القوات المسلحة اليمنية اتخاذ إجراءات احترازية واسعة لحماية المدنيين، إذ دعت المواطنين وسائقي المركبات ووسائل النقل المدنية إلى تجنب طرق تستخدمها الجماعة في نقل عناصرها وإمداداتها العسكرية، حتى إشعار آخر.

وشملت قائمة الطرق طريق صنعاء - ذمار - إب - القاعدة - الحوبان - جولة القصر، وطريق الحوبان - الدمنة - الراهدة - حيفان - القبيطة - المفاليس، إلى جانب طرق أخرى تربط شرعب والربيعي والبرح والكدحة والوازعية وموزع والمخا، وكذلك طرق الأقروض وسامع والعيار وجبل حبشي.

ضربات جوية للجيش اليمني تضاعف خسائر الحوثيين في تعز (رويترز)

وتكشف هذه التحذيرات عن اتساع نطاق التحركات العسكرية، فيما شددت القوات المسلحة على أن الإجراءات احترازية ومؤقتة، وأن حماية المدنيين وممتلكاتهم تمثل أولوية.

وفي تطور موازٍ، أعلنت الدفاعات الجوية اعتراض وإسقاط طائرات مسيّرة انتحارية حوثية في سماء العاصمة المؤقتة عدن، وقال المتحدث العسكري باسم الجيش اليمني إن الطائرات أُسقطت قبل وصولها إلى أهدافها في المناطق والأحياء المدنية.

كما أُعلن عن استهداف أهداف عالية القيمة في صنعاء، إلى جانب 11 هدفاً عسكرياً عالي القيمة في صعدة، في رسائل عسكرية تعكس اتساع نطاق العمليات خارج جبهات تعز، حيث عمق السيطرة الحوثية.

متابعة رئاسية

في موازاة هذه التطورات الميدانية، أجرى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد محمد العليمي مشاورات موسعة بشأن الوضع الميداني في تعز، واطلع من عضوي مجلس القيادة عبد الرحمن المحرمي ومحمود الصبيحي ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان وقائد المنطقة العسكرية الرابعة والقيادات العسكرية والأمنية في المحافظة على سير العمليات.

وشملت الإحاطات مستوى جاهزية القوات، وتأمين الطرق وخطوط الإمداد، والتصدي لمحاولات التسلل والاختراقات، إلى جانب الخسائر التي تكبدتها الجماعة جراء المواجهات والضربات الجوية.

عناصر من قوات الأمن اليمنية في مدينة تعز حيث تواجه المدينة وأريافها أشد الهجمات الحوثية (أ.ف.ب)

وقال العليمي إن القوات الحكومية ستواصل عملياتها وفق الخطط المقررة، مؤكداً أن الحوثيين هم من بدأوا الحرب، وأن القوات المسلحة ستنهيها، بحسب ما نقله الإعلام الرسمي، وصولاً إلى استعادة مؤسسات الدولة والعاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب.

كما دعا سكان المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين إلى عدم الانجرار وراء حملات التعبئة، وعدم السماح بزجّ أبنائهم في هجمات وصفها بالخاسرة، مجدداً التزام الدولة بما سماه «مبادرة العودة الآمنة» وفتح أبوابها أمام من يختار الانحياز إلى الدولة ومؤسساتها.


الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
TT

الصواريخ... غطاء الحوثيين الناري للتقدم الميداني

مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)
مشهد عام لحي العُفا الذي استهدفته الصواريخ الحوثية في مدينة التربة (الشرق الأوسط)

لم يكن قصف الجماعة الحوثية لمدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب محافظة تعز (جنوب غرب)، مساء الثلاثاء الماضي، مجرد جولة جديدة من القصف الباليستي الذي تصاعد على مختلف جبهات اليمن منذ نحو 3 أشهر؛ فالهجوم تزامن مع التحركات الحوثية غرب تعز، مع تصعيد ميداني واسع تشهده جبهات الوازعية والكدحة وحيفان ومناطق أخرى من المحافظة.

ورصدت مصادر ميدانية تعزيزات حوثية عبر خط المخا باتجاه الكدحة، ثم الرحبة والقوز، بالتزامن مع القصف الذي طال أحياء مدينة التربة بـ4 صواريخ باليستية، وفق مصادر حكومية ومحلية.

وليست المرة الأولى التي تستخدم فيها الجماعة الحوثية الصواريخ الباليستية بالتوازي مع تحركاتها الميدانية؛ فمنذ مطلع أغسطس (آب)، اتسعت دائرة الضربات من معسكرات بعيدة عن خطوط التماس في مأرب وحضرموت، إلى مدينة مأرب ومخيمات النازحين، ثم إلى المخا والخوخة على الساحل الغربي، قبل أن تصل في سبتمبر (أيلول) الماضي، إلى مدينة تعز، وأخيراً إلى التربة؛ ففي 6 سبتمبر، استهدفت 3 صواريخ باليستية مدينة تعز، وسقطت قرب مبنى الرعاية الاجتماعية ومحيط كلية الطب والسجن المركزي غرب المدينة.

لقطة متداولة يقول مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي إنها للحظة سقوط أحد الصواريخ في التربة (إكس)

ويكشف هذا التسلسل تغيراً في وظيفة الصاروخ ضمن التصعيد الحوثي؛ ففي 6 أغسطس، شنت الجماعة هجمات باليستية ومسيّرات على معسكرات حكومية في منطقة الرويك شرق مأرب، بينها معسكر الثنية الذي يضم قوات الطوارئ وألوية عسكرية، قبل أن تتوسع الضربات في الأيام التالية إلى مدينة مأرب.

وفي الساحل الغربي، تكرر النمط بصورة أكثر كثافة، وتعرضت المخا لهجمات صاروخية متتابعة خلال أغسطس، ثمّ هجوم في 9 سبتمبر، أسفر، وفق الجيش اليمني، عن مقتل 7 أشخاص وإصابة 30 آخرين، بينما أعلنت الجماعة أنها استهدفت تجمعات عسكرية ومستودعات أسلحة.

وبعد أيام، أعلن مدير ميناء المخا تعليق العمليات، إثر تعرضه لأكثر من 25 صاروخاً خلال عدة أيام، فيما تحدثت السلطات عن خسائر بشرية ومادية واسعة.

«التربة»... هدف مختلف

تختلف الأهداف المعلنة والنتائج الميدانية من حادثة إلى أخرى، لكن القاسم المشترك هو اتساع المسافة بين أهداف الصواريخ وخط الاشتباك المباشر؛ فالجماعة التي استخدمت الصواريخ أيضاً في المواجهات المباشرة، وربما كانت أول من يفعل ذلك في تاريخ استخدام هذا النوع من الأسلحة، إلا أنها لا تكتفي بضرب المواقع العسكرية المتقدمة، وإنما ترسلها إلى معسكرات وطرق وموانئ ومدن في العمق، حيث يمكن للضربة أن تؤثر في حركة القوات والإمداد، وأن تفرض على الجيش اليمني توزيع موارده الدفاعية على مساحة أوسع.

منظر عام لمدينة التربة من إحدى ضواحيها (فيسبوك)

ويأتي القصف الأخير على مدينة التربة، بوصف ذلك أداة لإدارة المعركة في العمق، لا مجرد رد فعل على خسارة ميدانية أو عجز عن التقدم، فإذا كانت التعزيزات الحوثية تتحرك في الوقت نفسه باتجاه الكدحة والرحبة والقوز، فإن ضرب مدينة تقع على أحد المحاور المهمة جنوب تعز، يمكن أن يؤدي وظيفة تتجاوز إيقاع الخسائر المباشرة؛ مثل إرباك الحركة ورفع منسوب القلق في المناطق الخلفية، وتشتيت الانتباه بين حماية خطوط التماس وتأمين المدن والطرق الواقعة خلفها.

وتكتسب التربة خصوصيتها من موقعها؛ فهي لا تمثل ميناءً استراتيجياً مثل المخا، ولا معسكراً عسكرياً مثل الرويك، وإنما مدينة داخلية تقع على محور مهم يربط تعز بالمحافظات الجنوبية، وتشكّل مركزاً لحركة السكان وأنشطتهم، بينما يعدّ محيطها مسرحاً لتحرك القوات الحكومية والإمدادات في جنوب المحافظة.

وتقع المدينة في قلب المنطقة الجغرافية الواسعة المعروفة بـ«الحُجَرِيّة»، وتضم عدة مديريات من جنوب محافظة تعز وشمال محافظة لحج، وتضمّ تجمعاً سكانياً من بين الأكثر كثافة في البلاد، يناهض النفوذ الحوثي، ويشكل رافداً لدعم الجيش بالمقاتلين.

ولا يمكن عزل هذا التطور العملياتي الحوثي عن إعلان حالة التعبئة العامة التي أطلقها، منذ أيام، رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ فالتربة تعدّ مركز هذه المنطقة الواسعة كثيفة السكان، وتضم مقرات للمؤسسات والمنشآت الحكومية ومراكز أمنية.

أضواء انفجارات سببتها الصواريخ الحوثية على مدينة المخا منتصف أغسطس (آب) الماضي (رويترز)

ولا يعني تهديد التربة بالصواريخ أن الهدف المباشر هو السيطرة عليها بالضرورة، كما حدث في المخا؛ فالقيمة العسكرية للضربة قد تتمثل في تهديد البيئة التي تتحرك من خلالها القوات، وإرهاب السكان الذين يناهضون نفوذ الجماعة، وإيصال رسالة بأن العمق الجغرافي الذي اعتاد السكان والقوات اعتباره أكثر أمناً، لم يعد بمنأى عن النيران بعيدة المدى.

وهذه النقطة تفسّر أيضاً انتقال الجماعة من استهداف مدينة تعز في 6 سبتمبر، إلى استهداف التربة في 29 منه؛ فبينما ضربت الصواريخ في الحالة الأولى قلب المحافظة ومركزها الحضري، وصلت في الحالة الثانية إلى مدينة تقع أبعد جنوباً، وفي توقيت تشهد فيه الجبهات الغربية والجنوبية تحركات عسكرية متزامنة.

تمهيد مسرح المعركة

لا يمكن الجزم من الضربة وحدها بأن الجماعة الحوثية تمهد لهجوم بري على التربة، أو محيطها، كما لا يمكن اختزال القصف في محاولة إرباك القوات الحكومية، لكن تزامن الضربات بعيدة المدى مع التحركات البرية المتكررة يسمح بتوقع أن يكون الصاروخ جزءاً من عملية التمهيد للتقدم، وليس بديلاً عنه.

القصف الصاروخي الحوثي استهدف حتى المدنيين والنازحين في عدة محافظات يمنية (أ.ف.ب)

فالضربات الباليستية تستطيع، حتى من دون إصابة هدف عسكري نوعي، أن تفرض على الطرف المقابل حسابات إضافية؛ مثل حماية المراكز الخلفية، ومراقبة طرق الإمداد، وإعادة ترتيب القوات بعيداً عن خطوط القتال، وكلما اتسعت دائرة التهديد، زادت التكلفة المطلوبة للحفاظ على الجبهة الأمامية.

ويأتي كل هذا في ظلّ إصرار الجماعة على إطباق الحصار على المنطقة، والمحافظة بالتالي، من خلال التقدم من الجهة الشرقية، حيث جبهة حيفان والأحكوم والأكبوش، وغرباً في جبلي راسن وجرداد الاستراتيجيين اللذين تسعى، منذ أكثر من أسبوعين، للسيطرة عليهما.

واستهدفت الجماعة أكثر من مرة خلال سبتمبر، طريق هيجة العبد في مديرية المقاطرة القريبة لمدينة التربة، وهو الطريق الذي يربط محافظة تعز بالعاصمة المؤقتة، ويعدّ الوحيد الذي تتنفس منه، خصوصاً عقب سقوط مدينة المخا أخيراً.

كل هذا يجعل من قصف التربة مختلفاً عن مجرد رد صاروخي؛ فالجماعة التي تحرك قواتها في محاور غرب تعز، تحتاج، في أي محاولة لتغيير موازين الأرض، إلى إبقاء القوات المقابلة تحت ضغط متعدد الاتجاهات، وفي هذا التكتيك، تسبق الصواريخ أي تحرك ميداني قد يربك العمق، ويختبر قدرة الجيش على حماية مسرح عملياته، قبل أن تتضح نتيجة التحرك البري.


الرعاية الصحية... معركة جديدة للفارّين من الهجمات الحوثية

الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
TT

الرعاية الصحية... معركة جديدة للفارّين من الهجمات الحوثية

الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)
الكثير من النازحين باليمن يحتاجون إلى العلاج في حين أن المرافق الصحية بعيدة عن متناولهم (الأمم المتحدة)

لم يكن أمام أنور عبد الله سوى مغادرة منزله في محافظة الحديدة (غرب اليمن) برفقة زوجته وأطفاله الستة، بعدما اقتربت الهجمات الحوثية من محيطهم ليلة 10 سبتمبر (أيلول). لم يكن يعرف في البداية ما الذي يحدث، لكنه سرعان ما أدرك أن البقاء لم يعد خياراً.

يقول أنور، البالغ من العمر 29 عاماً: «لم نكن نعرف ما الذي كان يحدث، ثم أدركنا أن هناك قتالاً. أخذت أطفالي وزوجتي وجئنا إلى عدن. تركنا كل شيء وراءنا».

بدأت الأسرة رحلتها باتجاه المخا، قبل أن تواصل طريقها إلى عدن، تاركة منزلها وممتلكاتها وحياتها السابقة خلفها.

واليوم، تعيش الأسرة في مأوى مؤقت شمالي عدن، ولا تملك سوى القليل من الاحتياجات الأساسية. وحتى إعداد وجبة بسيطة أصبح مهمة يومية؛ إذ تضطر إلى استخدام الحطب للطهي بجوار المأوى بسبب افتقارها إلى أدوات الطهي الأساسية. لكن الوصول إلى مكان أكثر أمناً لم يضع حداً لمعاناة الأسرة. فبالنسبة لأنور وعائلته وآلاف النازحين الآخرين، بدأت بعد الفرار معركة جديدة تتعلق بكيفية الحصول على الرعاية الطبية عندما يمرض أحد أفراد الأسرة.

وتُعد أسرة أنور واحدة من آلاف الأسر التي وصلت إلى عدن خلال موجة النزوح الأخيرة، في أعقاب تجدد القتال على طول الساحل الغربي لليمن.

آلاف النازحين في اليمن بسبب الهجمات الحوثية يفتقدون الرعاية الصحية (إعلام محلي)

وبحلول نهاية سبتمبر الماضي سجلت الحكومة اليمنية نزوح قرابة 200 ألف شخص، وفي ظل تدفق النازحين تستضيف أربعة مواقع في عدن ولحج نحو 6.500 شخص كانوا قد نزحوا إليها قبل وصول الموجة الأخيرة، في حين تضاعف عدد السكان في بعض هذه المواقع منذ ذلك الحين.

ولا تقتصر احتياجات هؤلاء على المأوى والغذاء. فالكثير منهم يحتاجون إلى العلاج، في وقت تقع فيه المرافق الصحية على مسافات تجعل الوصول إليها أمراً بالغ الصعوبة بالنسبة إلى أسر أنهكها النزوح والفقر.

وتوجد مواقع النازحين التي تزورها فرق منظمة «أطباء بلا حدود» على مسافة تتراوح بين أربعة وعشرة كيلومترات من المرافق الصحية. وبينما قد تبدو هذه المسافة محدودة في الظروف العادية، فإنها تتحول إلى عقبة حقيقية أمام الأسر التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

ومع نقص الوقود وارتفاع أسعاره، تصبح تكلفة الانتقال إلى المرافق الصحية، إضافة إلى أسعار الأدوية، فوق قدرة كثير من الأسر.

وتقول سارة غانم، مديرة أنشطة الصحة المتنقلة في «أطباء بلا حدود» في عدن: «نرى أطفالاً مرضى، ونساءً حوامل لا يستطعن الوصول إلى الرعاية الصحية، وأشخاصاً يعانون من جروح، وكباراً في السن يحتاجون إلى خدمات طبية، لكنهم يواجهون صعوبة في الوصول إليها».

مرضى بلا رعاية

في المواقع التي تزورها الفرق الطبية تظهر آثار الأزمة الصحية بين النازحين بصورة واضحة. فقد تعاملت الفرق مع حالات جروح وإصابات، وسوء تغذية، وحمى، وإسهال، إلى جانب أمراض معدية وغير معدية لم تتلقَّ العلاج. كما رصدت نساءً حوامل لم يحصلن على رعاية صحية خلال فترة الحمل، وأطفالاً يعانون من سوء تغذية حاد، وآخرين لم يستكملوا تطعيماتهم.

وأمام هذه الصعوبات، تحاول فرق «أطباء بلا حدود» نقل جزء من الرعاية الصحية إلى أماكن وجود النازحين، بدلاً من انتظار قدرتهم على الوصول إلى المراكز الطبية.

الكثير من الأسر اليمنية المشردة تعيش في مأوى مؤقت بانتظار وصول المساعدات (إعلام محلي)

وخلال الأسبوع الأول من الاستجابة الصحية المتنقلة، عاينت الفرق 427 مريضاً في أربعة مواقع بمديريتَي دار سعد والشيخ عثمان في عدن، ومديرية تبن في لحج.

وكان معظم المرضى من النساء والأطفال، في حين كان نحو 40 في المائة منهم قد نزحوا حديثاً بسبب التصعيد الأخير في تعز وعلى طول الساحل الغربي.

وتقدم الفرق استشارات طبية وفحوصات سريعة تشمل قياس مستوى الهيموغلوبين وسكر الدم، والكشف عن الملاريا وحمى الضنك، وفحوصات البول، إلى جانب التطعيمات الروتينية، والكشف عن سوء التغذية، واختبارات الحمل وتنظيم الأسرة.

وعندما يحتاج المرضى إلى رعاية إضافية، تعمل الفرق على إحالتهم إلى مرافق صحية قادرة على توفير العلاج اللازم.

نظام تحت الضغط

تأتي هذه الاستجابة في وقت يواجه فيه النظام الصحي اليمني ضغوطاً متراكمة، وفق «أطباء بلا حدود». وتقول غانم: «نرى ضغطاً هائلاً على نظام صحي ينهار بالفعل، ويواجه تحديات عديدة منذ سنوات».

ومع استمرار وصول النازحين، تواصل المنظمة تقييم المواقع التي تستضيفهم، وتقول إنها مستعدة لتوسيع نطاق استجابتها إذا ازدادت الاحتياجات الصحية.

الفرق الطبية المتنقلة تقدم خدمات متواضعة للمئات من الفارّين من تصعيد الحوثيين (إعلام محلي)

ولا تقتصر جهود «أطباء بلا حدود» على الفرق المتنقلة؛ إذ تدعم المنظمة منذ أبريل (نيسان) خدمات الرعاية الصحية الأولية في الفَرشة بريف لحج والبساتين في عدن.

وتشمل المناطق التي تخدمها المنشأتان أماكن يقيم فيها نازحون، سواء داخل مواقع النزوح أو وسط المجتمعات المحلية المضيفة.

وبالنسبة إلى عائلات مثل أسرة أنور، فإن الوصول إلى مكان آمن لا يعني بالضرورة انتهاء رحلة النزوح. فبعد ترك المنازل والممتلكات، يصبح الحصول على العلاج والطعام ومقومات الحياة الأساسية جزءاً آخر من معاناة طويلة، لا تعرف الأسرة متى تنتهي.