فهد سليمان الشقيران
كاتب وباحث سعودي
TT

عولمة «الأصولية» في «الجهل المقدّس»

مع الموجة الخارقة التي حققها التنظيم الأشرس في العالم «داعش»، تبدو أسئلة كبيرة في مجالات الأصولية، والثقافة، والمنتجات العولمية والحداثية، ذلك أن الظاهرة الأصولية بنمطها الحالي ليست مجرد حالة ارتكاسية مضربة عن الحياة والعالم، وليست فلولا من الراكضين الحفاة في طالبان أو باكستان، بل مجموعات منظّمة تعتمد على المؤسسات في ضرب المؤسسات، تسكّ العملة، وتنتج الفيديو، وتنظّم أتباعها نفسيا وميدانيا ضمن خطط الحشد والتجنيد.
شكّل «داعش» بأنماط حركته حالة أصولية مركّبة، على عكس تنظيمات سبقته، وبخاصة تنظيم القاعدة، وهو عبر أدوات الاختراق لا يريد فقط الانقضاض على المباني المأهولة بالسكان، أو اقتناص فرص اصطياد جندي يعمل مع الحكومات، بل يقوم بأعمال اقتصادية سوداء من خلال بيع النفط، ويحرق الأخضر واليابس، ويفرض الجزية، ويقوم بمجازر جماعية بغية هدف مضمر لدى جميع الأصوليين الحركيين، بيد أن «داعش» أبداه من دون تحفّظ، إنه يقوم بممارسة الأصولية بطريقة عولمية عامة شاملة، وهذا هو وجه الخطر التاريخي.
حين درَس أوليفيه روا الأصولية وعلاقاتها مع الدين والهوية الثقافية والعولمة والحداثة في كتابه المهم: «الجهل المقدّس»، أشار إلى سماتٍ خطرة تبنتْها جزئيا بعض التنظيمات الأصولية، وبخاصة استثمار حالات المسلمين الجدد ومن يسميهم أوليفيه روا «المتحولين» الذين يشكّلون من 10 إلى 20 في المائة من أمميي الجماعة، وهو من التنظيمات التي يعهد إليها بمهماتٍ ومسؤوليات دقيقة، يصحّ هذا الأمر على تنظيم «داعش» الذي يلعب على وتر الحشد «سيكولوجيا» من خلال تعليب المنضوين إلى لوائه سواء كانوا من المسلمين الجدد، أو من المسلمين الذين كانوا بعيدين عن «الشعائر» بالمعني الأصولي ومن ثم عادوا إلى ربهم وتابوا، وهذه من السمات الواضحة في الحشد الضمني والرسالة المعنوية التي يضخّها التنظيم من خلال أدواته الإعلامية، والتنظيمية، والمسؤوليات والتنصيب الميداني.
وفي سياق قصص التحول يشرح أوليفيه أن حالات التحوّل من دينٍ إلى آخر في جميع الاتجاهات مؤشر جيدا إلى تشوّش العلاقة ما بين الثقافة والدين، ومن الواضح - بحسبه - أن الأشكال الدينية «أصولية» «كاريزماتية» هي التي عرفت انتشارا مذهلا سواء كانت إنجيلية أو بروتستانتية، أو سلفية مسلمة، فالأصولية هي الشكل الديني الأفضل تكيّفا مع العولمة، لأنه يضطلع بإزالة هويته الثقافية الخاصة ويتخذ من ذلك أداة للوصول إلى طموحاته العالمية.
تستثمر الأصولية الفراغ الذي يسببه تشتت الهويات بين المسلمين وتفرّع الانتماءات، بالإضافة إلى العجز عن التقدم والتطوّر، تستغل هذا التوتر بين الثقافة والدين، بين النص والتفسير، بين الأصل والفروع، لتجعل الحلول الحاسمة هي الأساس الذي تنطلق منه في تمشيط الواقع وقلبه، وفي نقض النماذج القائمة، وذلك يبدو واضحا من خلال التوتر بين الأصولية الداعشية وبين الأقليات أو الهويات المتنوّعة، معتبرة هذا التعدد أمرا مقلقا على المستوى الديني، لهذا تتجه نحو استئصال الإيزيديين، وتهدد الشيعة، وتخطط للدروز، وتنوي توحيد العالم على تعاليم واحدة ومنطق واحد، وفتوى واحدة، بل وتجعل كل أنماط الحياة متطابقة مع أصل واحد.
من جهة أخرى تقع الأصوليات في فخّ الرسم التاريخي للماضي، وذلك من خلال تمجيد الخلفاء على مر القرون، وجعل الأصل الأول هو النموذج المحتذى، وهذا مقتل تاريخي، وعبء تدويني ارتدّ علينا، ذلك أن رسم التاريخ برومانسية مفرطة، جعل الأمم الماضية هي التي نجت من هذا التلوث التاريخي المعيش، وأسس لمعان في أذهان الأصوليين، بل وجموعٍ غفيرة من المسلمين، لخوض معركة مع العالم لإعادة النماذج المتخيّلة عن الغابرين واستعادة نماذجهم على أرض الواقع في القرن الـ21، وهذا الخنجر التاريخي الذي ارتد على خاصرة المسلمين، إنما كان نتيجة آليات ومبادئ ماضوية. كل تقديس للماضي بلا روية، ينتج عنه تدمير للواقع، ولهذا حين بدأت بعض الكتابات التي تستعيد التاريخ بكل ثغراته من سرقات، وقتل بالظلم، وقهر للناس، ضجّ البعض واعتبر هذه الطريقة إنما هي تشويه لكل تاريخنا لا يمكنه نقده، انظر، على سبيل المثال، ردود الفعل على ما فعله من جهدٍ مميز لدى الباحث خليل عبد الكريم، الذي هوجم من دون مبرر على مشروعٍ مهم يجب أن يدرس ويفهم ليتم تجاوزه بنماذج تاريخية أقوى وأكثر منهجية وحرفية، هذا نموذج واحد لمشاريع كثيرة.
تستخدم الأصولية العولمة بغية ضربها، وتستغل الحداثة التقنية بكل سحرها من أجل الخروج من أصلها، تستخدم ثمرة حداثية لكنها تحاول اقتلاع شجرتها، هكذا هو «الدوَر» الأصولي على حدّ تعبير المناطقة، إنها تستخدم تعاليم موجودة في رفوف مكتباتٍ كثيرة، وتعيد رسم العالم بناء على حلمٍ متخيّل موجود بل ويدرّس، و«داعش» بضاعة ارتدّت على منتجيها، علينا الاعتراف أولا ثم البدء بتحليل هذا النمط الأصولي العالمي، الذي يخترق كل شيء بفعل حداثة أدواته، مهما كانت أفكاره تعيش في ماضٍ سحيق.