الاربعـاء 21 شعبـان 1422 هـ 7 نوفمبر 2001 العدد 8380 الصفحة الرئيسية







 
مساعد بن محمد العيبان *
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
تسعة أبواب هامة في النظام الأساسي للحكم
عشرون عاما مضت سطر فيها التاريخ ولا يزال سجلا حافلا بالانجازات الكبيرة لخادم الحرمين الشريفين على مختلف الاصعدة، لتشكل هذه الانجازات منظومة متكاملة وانموذجا متميزا لبناء الدولة العصرية الحديثة التي تأخذ بجميع اسباب التقدم العلمي والتقني، مع تمسكها بثوابت الشريعة الاسلامية السمحة التي لا تخضع للتغيير والتبديل، وذلك امتثالا لقول الحق عز وجل «ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتَّبِعها ولا تتَّبع أهواء الذين لا يعلمون».

ومن منطلق حرص خادم الحرمين الشريفين على تحقيق هذه النهضة الشاملة التي تيسر حياة الناس ومعاشهم، وتراعي مصالحهم في ضوء هدى الاسلام، أولى ـ حفظه الله ـ اهتماما كبيرا باستكمال بناء مؤسسات الدولة ووضع كيان نظامي متكامل يبين الاسس التي قامت عليها الدولة والمبادئ التي تحكمها ويوثقهما.

فأصدر النظام الاساسي للحكم ونظام مجلس الشورى ونظام المناطق.

ولقد أبان خادم الحرمين الشريفين، في كلمته الشاملة الضافية التي وجهها بمناسبة صدور هذه الانظمة، الاصول الكبرى التي قامت المملكة العربية السعودية عليها.

وصدر النظام الاساسي للحكم وفقا لهذه الاصول الكبرى ليتميز عن غيره من الانظمة الدستورية للدول الاخرى من حيث المسمى والمضمون، وليعكس خصوصية المملكة واعتزازها بالأسس التي تستمد منها الدولة مشروعيتها.

ولا يتسع المجال في هذا المقام للحديث عن كل مواد النظام، ولذا سأقتصر على بعض الاسس التي تضمنها ذلك النظام.

جاء النظام الاساسي للحكم في تسعة ابواب متضمنة ثلاثا وثمانين مادة، اكدت الثوابت الشرعية التي قامت عليها الدولة والمجتمع، حيث تضمن الباب الاول المبادئ العامة، وتناول الباب الثاني ما يتعلق بنظام الحكم وكيفية انتقال السلطة واسلوب ممارستها، وبين الباب الثالث مقومات المجتمع السعودي، كما تضمن الباب الرابع المبادئ الاقتصادية للدولة، وأبان الباب الخامس الحقوق والواجبات، وتناولت الابواب السادس والسابع والثامن سلطات الدولة والشؤون المالية واجهزة الرقابة المالية والادارية، وتلا ذلك احكام عامة في الباب التاسع.

واذا كان دستور كل دولة لا يخلو من النص على القاعدة الاساس التي يرتكز عليها وتستمد منها السلطة مشروعيتها، حيث نجد على سبيل المثال في كثير من الدساتير عبارة «سيادة القانون اساس الحكم في الدولة»، فقد جاء النظام الاساسي للحكم في المملكة ليؤكد في مادته الاولى ان دستور المملكة هو كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وقد جاءت المادة السابعة لتوضح بشكل جلي مصدر الشرعية، حيث نصت على ان الحكم في المملكة العربية السعودية يستمد سلطته من كتاب الله وسنة رسوله، وهما الحاكمان على هذا النظام وجميع انظمة الدولة.

ولأن قواعد الشريعة الاسلامية العامة لا تقبل التغيير ولا التبديل، وانما تركت امورا تفصيلية، لتراعي فيها كل امة ما يلائم حالها وتقتضيه مصالحها تبعا لتغير الظروف والاحوال، وذلك ضمن نطاق احكام الشرع الحنيف، فقد ذكر خادم الحرمين الشريفين في كلمته الضافية ان هذه الانظمة الثلاثة خاضعة للتقويم والتطوير حسب ما تقتضيه ظروف المملكة ومصالحها.

ومن المبادئ الاساسية التي اكدها النظام الاساسي للحكم دور الدولة في تنفيذ احكام الاسلام، واعمال قواعده حيث انه لا فصل في الاسلام بين الدين والدولة، فالمادة الثالثة والعشرون تنص على ان الدولة تحمي عقيدة الاسلام، وتطبق شريعته، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقوم بواجب الدعوة الى الله. كما ان المواد الثالثة عشرة والحادية والعشرين والرابعة والعشرين والثالثة والثلاثين اوردت عدة واجبات على الدولة من ناحية غرس العقيدة الاسلامية في نفوس النشء، وجباية الزكاة، وانفاقها في مصارفها الشرعية، وإعمار الحرمين الشريفين وخدمتهما، وانشاء القوات المسلحة وتجهيزها من اجل الدفاع عن العقيدة والحرمين الشريفين والمجتمع والوطن.

وبالنسبة الى تحديد سلطات الدولة العامة، فان النظام أبرز بصورة واضحة ومحددة سلطات الدولة الثلاث، حيث نص في المادة الرابعة والاربعين على ان تتكون السلطات في الدولة من: السلطة القضائية، والسلطة التنفيذية، والسلطة التنظيمية. ورتب النظام العلاقة بينها بالنص في المادة ذاتها، على ان تتعاون هذه السلطات في اداء وظائفها وفقا لهذا النظام وغيره من الانظمة، والملك هو مرجع هذه السلطات.

وفي ما يتعلق بالسلطة التنظيمية، فقد نصت المادة السابعة والستون على ان السلطة التنظيمية تختص بوضع الانظمة واللوائح في ما يحقق المصلحة، او يرفع المفسدة في شؤون الدولة وفقا لقواعد الشريعة الاسلامية، وتمارس اختصاصاتها وفقا لهذا النظام ونظامي مجلس الوزراء ومجلس الشورى.

وقد تضمنت المادة السابعة عشرة من نظام مجلس الشورى انه اذا اتفقت وجهات نظر مجلس الوزراء ومجلس الشورى صدرت بعد موافقة الملك عليها، وان تباينت وجهات النظر فللملك اقرار ما يراه.

وبذلك يكون النظام الاساسي للحكم قد ارسى قاعدة مرنة ومتميزة تتيح الاخذ بالرأي الذي يرى ولي الامر انه الامثل والاكثر تحقيقا للمصلحة العامة.

ومن المبادئ المهمة الاخرى التي نص عليها النظام الاساسي للحكم بعبارات حاسمة وصريحة ما نصت عليه المادة السادسة والعشرون من حماية الدولة لحقوق الانسان وفق الشريعة الاسلامية، وهو نص عام يكفل جميع الحقوق التي قررتها الشريعة الاسلامية، وهذه حماية واسعة كفلها النظام. ولا شك ان ارتكاز حقوق الانسان على هذه الشريعة السمحة يرفع من شأن هذه الحقوق. ثم خص النظام الاساسي بعض هذه الحقوق بنصوص خاصة، كحق جميع المواطنين والمقيمين في ان توفر الدولة الامن لهم المشار اليه في المادة السادسة والثلاثين. وكحرمة المساكن حيث نصت المادة السابعة والثلاثون على ان للمساكن حرمتها، ولا يجوز دخولها بغير اذن صاحبها ولا تفتيشها الا في الحالات التي يبينها النظام. وكذلك حرمة المراسلات حيث نصت المادة الاربعون على ان المراسلات البرقية والبريدية والمخابرات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال، مصونة ولا تجوز مصادرتها، او تأخيرها، او الاطلاع عليها، او الاستماع اليها الا في الحالات التي يبينها النظام.

كما تضمنت المادة الثامنة عشرة كفالة الدولة لحرية الملكية الخاصة وحرمتها. كما كفل النظام الاساسي للأفراد حق اللجوء الى القضاء لعرض مظالمهم عليه والحصول على حقوقهم كاملة، حيث نصت المادة السابعة والاربعون على ان حق التقاضي مكفول بالتساوي للمواطنين والمقيمين في المملكة، ويبين النظام الاجراءات اللازمة لذلك. كما تجدر الاشارة الى ان النظام اكد في المادة السادسة والاربعين استقلالية سلطة القضاء، ويقصد به عدم خضوع القضاة اثناء مزاولتهم لأعمالهم واصدار احكامهم لسلطة اي جهة اخرى غير الشريعة الاسلامية. وهذه المادة تأكيد لمبادئ الشريعة الاسلامية وما جاءت به الانظمة في المملكة من قبل، حيث نصت المادة الاولى من نظام القضاء على ان القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير الشريعة الاسلامية والانظمة المرعية، وليس لأحد التدخل في القضاء. كما تضمنت المادة السابعة والعشرون من النظام الاساسي ان الدولة تكفل حق المواطن وأسرته في حالة الطوارئ والمرض والعجز والشيخوخة، وهذا الحق وردت تفصيلاته في انظمة اخرى مثل نظام التأمينات الاجتماعية الصادر عام 1421هـ، ونظام التقاعد المدني الصادر عام 1393هـ، ونظام التقاعد العسكري الصادر عام 1395هـ، ونظام الضمان الاجتماعي الصادر عام 1382هـ.

ومن الامور التي ينبغي التذكير بتميزها في هذا النظام التأكيد على مباشرة ولاة الامر بأنفسهم امور المواطنين والمقيمين، حيث تضمنت المادة الثالثة والاربعون ان مجلس الملك ومجلس ولي العهد مفتوحان لكل مواطن ولكل من له شكوى او مظلمة، ومن حق كل فرد مخاطبة السلطات العامة في ما يعرض له من الشؤون.

ان خادم الحرمين الشريفين قد قدم باعلانه الانظمة التاريخية الثلاثة نموذجا فريدا ومتميزا في السياسة والحكم للدولة السعودية في التاريخ السياسي والاداري الحديث، حيث ارسى النظام الاساسي للحكم قواعد الاستقرار والامن والتكافل الاجتماعي والوحدة الوطنية، ومبادئ حقوق الانسان وذلك طبقا لمبادئ الشريعة الاسلامية.

* وزير دولة عضو مجلس الوزراء السعودي ـ ورقة قدمها في ندوة تطور الحكم

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2009 © Saudi Research & Publishing Company (SRPC)
#