الاربعـاء 16 ذو الحجـة 1433 هـ 31 اكتوبر 2012 العدد 12391 الصفحة الرئيسية







 
ميشيل كيلو
مقالات سابقة للكاتب    
وليد المعلم!
قصص من دفتر الظلم!
نظام أمن أم قمع!
أعمال خيرية!
مستقبل ينفض الماضي عن كاهله!
ميزان قوى جديد!
قصص أخرى من عالم الأشباح!
قصص واقعية من عالم الأشباح!
استنزاف سوريا والعرب!
قضايا صغيرة!
إبحث في مقالات الكتاب
 
الخيار الثالث!

لا يقدم النظام السوري لشعبه غير خيار من اثنين: «أحكمكم أو أقتلكم»، و«الإبادة أو الاستسلام». ولا يقبل الشعب السوري ما يقدم له، لأنه خرج بكل بساطة من عالم النظام أو أخرج النظام من عالمه، ولأن الخيار الرسمي لا يترك أي مكان أو دور لإرادته في الحياة العامة، ولا يعد المواطن بأي تغيير في شروط وجوده ووجود وطنه، بل يعده بالعكس: بالحياة في العبودية أو بالعبودية مقابل الحياة.

بالمقابل يقدم الشعب خياره البديل: الديمقراطية والحرية لجميع مواطني سوريا، بغض النظر عن دينهم وانتمائهم القومي ومكانتهم الاجتماعية وثقافتهم.. إلخ، لأنه يرى فيهم مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، لا فضل لأحد منهم على غيره إلا في خدمة الوطن واحترام القانون، فهم سواسية كأسنان المشط، لديهم فرص متساوية في الحياة، مهما اختلفت مؤهلاتهم ومواهبهم ومواقعهم في الواقع.

في مقابل بديل النظام العنيف إلى درجة الوحشية، يقدم الشعب بديلا إنسانيا راقيا ومدنيا من شأن تحقيقه نزع العنف من المجتمع ؛ بديل يناقض ما يشيعه أتباع النظام حول خطر البديل الديمقراطي الحر على فئات مجتمعية موالية له، ليس فقط لأن حكم القانون يحمي الأفراد، وتوافق المجتمع على حقوق المواطنين المتساوية يصون حياتهم ويكفل وجودهم الآمن، بل قبل هذا وذاك لأن في الحراك الدائر منذ أكثر من سنة ونصف شركاء من جميع طوائف السوريين ومنابتهم، ينشطون في أكثر مناطق سوريا خطورة كضواحي دمشق الشرقية والجنوبية والغربية، حيث يعمل ببسالة نادرة شبان علويون ومسيحيون ودروز وإسماعيليون مع التنسيقيات المحلية، دون أن يكون هناك أي تمييز ضدهم أو أي قدر من عدم الثقة فيهم، أو أن يتم تكليفهم بأخطر المهام، التي تتطلب استعدادا كبيرا للتضحية بالذات. هذه المساواة أمام الحرية وفي الوطنية، قائمة الآن في أماكن كثيرة، وليست وعدا يمكن نقضه والتنكر له، أو منة يقدمها طرف لغيره، ويقيني أن أبناء دوما وحرستا والكسوة والمعضمية وجوبر وبقية مناطق الغوطتين ودمشق، يختزنون في ذاكرتهم قصص الشهداء من طوائف سوريا المختلفة، الذين نزلوا معهم إلى الساحات وشاركوهم الهتافات وتزعموا المظاهرات، وجُرحوا وقُتلوا كما جُرح وقُتل غيرهم، وأدانوا بغضب الطائفية والتمييز وظلم السلطة للشعب، ورقصوا وقفزوا وهم يرفعون قبضاتهم ويصيحون: «واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد»، و«أنا سني وأنا علوي، ومسيحي، أنا درزي وإسماعيلي، أنا سوري»، و«حرية للأبد غصبا عنك يا ولد». لقد سقط كثيرون من هؤلاء شهداء، أو تعرضوا لتعذيب وحشي لا يتصوره عقل أو يتحمله بشر. ولعل «زياد ومروان» ولدا أحد أصدقاء الشعب المعروفين الشاعر والكاتب والمترجم والمسرحي والروائي الكبير الراحل ممدوح عدوان، كانا من أوائل من تنقلوا في الأرياف الدمشقية للمشاركة في إطلاق المظاهرات، الوطنية والسلمية، وتعرضوا مرات متلاحقة للاعتقال والتعذيب الشديد، مثلما تعرض له شبان وشابات من القصاع المسيحي أسسوا قبل بداية الثورة تنسيقية ضمت المئات منهم، وقامت بنشاط مميز في دمشق بكاملها، بينما أدت مشاركة 20 فتاة مسيحية من القصاع والصلبان تتدلى من أعناقهن في جنازة حاشدة في حي القابون إلى مظاهرة فرح غامر وسط مأساة الموت العامة، حتى إن شيخا من البلدة طلب إلى المتظاهرين أن يقولوا «محبة» كلما هتفوا «الله أكبر»، ليصير الهتاف «الله أكبر، محبة»، في تعبير جلي عن وحدة روح الشعب.

ليس وعد المساواة أمرا غامضا وفي ضمير الغيب، بل هو سلوك يومي، عملي وميداني ومتحقق، لن تعود الكتل الشعبية الكبرى من السوريين عنه، بما أنه تعبير حي عن مدنية ورقي ما تنشده وتقوم به، وعن أخلاقية من تعلموا درس الاستبداد، وفهموا أن التسامح والنزعة الإنسانية هما أفضل رد عليه، وأن فيهما ضمانة قد تمنع انبعاثه في أشكال جديدة، بعد سقوط النظام الحالي، وأن المسألة المطروحة اليوم تتخطى الموقف من النظام إلى الموقف من الجماعة الوطنية، التي بذل بالأمس كل جهد ممكن لتدميرها وشقها وزرعها بعناصر التفجر والصراع، ولا بد من الحفاظ عليها كجماعة واحدة وموحدة، ومن حمايتها ضد جرائمه وانعكاساتها، لأن سوريا يجب أن تقوم ببداية جديدة بريئة من الفساد والإفساد، ومن الحقد والانتقام، وإلا بقي النظام أو أعيد إنتاجه في أشكال وممارسات متجددة، وضاعت تضحيات شعب واحد للتخلص من نظام عرّض كل واحد فيهم لظلم لا يغتفر.

هل سيبني السوريون نظاما جديدا ينطلق مما أفسده النظام الحالي بسبب ما أقامه من علاقات بين السلطة والمواطنين وبين هؤلاء بعضهم مع بعض، أم سينطلق من مبادئ مدنية ودستورية ووطنية وأخلاقية نقيضة، تساوي بين جميع السوريين في المواطنة، وتعينهم جميعهم من خلال الحرية، التي تتطلب إقامة نظام عدالة ومساواة ينعم كل مواطن فيه بحقوق وواجبات واحدة لا يستثنى أحد منها. هذا هو السؤال الجوهري اليوم وغدا، وهو السؤال الذي سيلعب دورا مهما في حسم الصراع لصالح الشعب.

إن من يريد الانطلاق من إرث النظام لا يريد الديمقراطية والحرية، أما من يريد فتح صفحة جديدة في كتاب الحرية والكرامة، الذي أسهم السوريون كلهم بدرجات متفاوتة في كتابته، فهو لن يسمح، ولا يجوز أن يسمح، تحت أي ظرف من الظروف، بقيام نظام إقصائي أو تمييزي، حتى إن كان سيطبق على مواطن سوري واحد، فالقضية في النهاية نوعية وليست كمية، مبدئية وليست عشوائية، والبشر ليسوا ولا يجوز أن يكونوا أرقاما أو كما أو أن يعاملوا كأرقام وككم، وهم يقاسون بأدوارهم كأفراد لا حدود لقيمة كل واحد منهم، ولا يجوز أن ينظر إليهم نظرة إجمالية تتجاوز قيمتهم كأفراد. بهذا الفهم، يجب أن تنطلق سوريا الجديدة من حرية كل مواطن فيها، وأن لا تنطلق من مواريث نظامها البائد مع ما تحمله من مشكلات أراد بها كبح وعي الحرية ومنع السير نحوها والنضال في سبيلها، فلا مفر من تخطي هذه المواريث والانطلاق من أسس عيش وتعامل وتعاقد ديمقراطية لحمتها وسدتها الحرية، إن كنا قد تعلمنا حقا درس الاستبداد وطورنا ردودا تاريخية ملائمة. هذا هو الخيار الذي لا يجوز أن يكون لدينا أي خيار غيره، إن كانت بلادنا ستنجو حقا من الكارثة التي حلت بها يوم 8 مارس (آذار) عام 1963، ومن الكوارث التي ستواجهها مستقبلا من ذيول النظام، إن لم نفعل كل ما هو ضروري للخروج من الاستبداد في مختلف تجلياته وأشكاله، وعلى رأسها منبعه الرئيس: التمييز بين المواطنين ووضع القانون في خدمة مصالح شخصية.

هل كانت الثورة ستستمر دون تفوقها الأخلاقي والمدني، ودون مشاركة المواطنين المفتوحة فيها وتضحياتهم من أجلها، والخيار الثالث، الذي يمثل بديلا وطنيا وإنسانيا يصنعه اليوم كل حر وراغب في الحرية من السوريين، بعد عقود الهلاك الاستبدادي الزائل، التي لا بد أن نطهر حياتنا منها بأي ثمن كان؟

> > >

التعليــقــــات
عبد الباسط الراشد، «ايرلندا»، 31/10/2012
تحية الى استاذنا القدير ميشيل, الجملة الأخيرة في المقال اختصرت كل شيء، فيجب تطهير حياة أحبائنا
وأهلنا في سوريا من رذيلة عائلة الأسد التي حاول أن ينشرها على مدار سنين حكمه، وتطهير الشخصية
السورية المحبة والراقية والمتعايشة من الدرن الذي حاول آل الأسد بإجرامهم أن يشوهوها, وتطهير العقلية
السورية بعدما لوثها فكر الأسد العصابي الطائفي, وفي النهاية تطهير أرض سوريا من أن تطئها أرجل قذرة
اعتادت الخديعة والغدر حتى ترجع شامنا ببهائها وإشراقها لتضئ الشرق ويعم السلام والمحبة. شكرا استاذ
كيلو.
فيصل الغامدي، «فرنسا ميتروبولتان»، 31/10/2012
أستاذي العزيز ميشيل كيلو المحترم السلام عليكم ورحمة الله انا شاب سعودي 29 سنة محب لك ومحب لمقالاتك
الرائعه والتي تترك صدى عميقا في شخصيتيي شهد الله اني محب للشعب السوري كله واني مع ثورته ولو استطيع لدعمته
لكي يصل الى ديموقراطيته المنشودة التي ستكون فاتحة خير على الامة العربية في سبيل الوصول للحكم الرشيد والمساواة
الكاملة امام القانون.مع اني شاب الا انني حريص على قراءة كل مقالاتك ومشاهدة مقابلاتك ووالله العظيم اني اشعر بشئ
من الطمأنينة عندما استمع لك اكثر مما استمع للشيخ العرعور مثلا.اتمنى لقائك في يوم من الايام انا حاليا طالب دراسات
عليا في الولايات المتحدة الامريكية والسلام عليكم عليكم ورحمة الله
محمد الزهراوي، «تركيا»، 31/10/2012
استاذ ميشيل، اضافة لما ذكرت في مقالك الجميل، لابد ان يكون شعار المرحلة المقبلة من تاريخ الشعب السوري هو -
العدالة- وهو ما افتقدناه لسنوات طويلة و مريرة. تأسيس عصر العداله باشكالها: العدالة المساواتيه، العداله السياسيه،العداله
القضائيه،العداله الاجتماعيه و عدالة الاجيال. العدالة عكس الظلم و الجور و التطرف و تهدف للانصاف و المساواة و
التوازن و عدم التعدي و حماية المصالح. فليكن شعار الثورة هو تحقيق العدالة.
شام الحمصي، «جنوب افريقيا»، 31/10/2012
الله يحميك ويحمي هالفكر النير
مشعل ابراهيم الحداد، «الامارت العربية المتحدة»، 31/10/2012
الاستاذ ميشيل ، أحييك من كل قلبي وانا من المتابعين الدائمين لمقالاتك في جريدة الشرق الأوسط . وما أوده منك أن تلقي
الضوء على ما يتناقله بعض المدافعين عن النظام السوري وهو أن سقوط الأسد يعني سقوط النظام العالمي برمته ! حيث
أن تحليلاتهم تنطلق من مبدأ الباب بدو مفتاح والمفتاح عند الحداد والحــداد .. (الحكاية المعروفة).ومختصر كلامهم أن
سقوط الأسد سيؤدي إلى سقوط حكومات كل من لبنان حزب الله والعراق وإيران ، أي سيؤدي حتماً إلى خراب إيران ،
وهذا ما سيؤثر وبشكل كبير جداً على مبيعات الروس من الأسلحة إلى هذه الدول ،وأيضاً سيؤدي إلى تخلص دول الخليج
من عدوها اللدود ( أقصد إيران ) وبالتالي فإن دول الخليج ستوفر سنوياً عشرات المليارات من الدولارات كانت تشتري
بها الأسلحة من الغرب ومن أمريكا على وجه الخصوص ، وطبعاً توقف أو انعدام واردات هذه الدول من مبيعات الأسلحة
إلى دول الخليج سيكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر النظام العالمي . لذا فإن معظم الدول الكبرى وعلى رأسها الدول
المصدرة للسلاح - بما فيها اسرائيل -تسعى جاهدة للمحافظة على الأسد ..حفاظاً على ما تبقى من اقتصادها ..وبالتالي
حفاظاً على بقاءها..!
ناهد توفيق، «الولايات المتحدة الامريكية»، 31/10/2012
الخيار الثالث ؟ ولكن متى يصل الشعب السوري إليه ؟ فقد مضت على ثورة الشعب السوري الاعزل اكثر من 20 شهرا
وها هي عصابة الاجرام الاسدية - مدعومة من كل قوى الارهاب والشر والقتل - مستمرة في جرائمه الوحشية البشعة ضد
الشعب السوري الاعزل وتريد ان تعيد هذا الشعب الى حظيرة العبودية مقابل وقف القتل، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهي
السفن ! اليوم غير الامس والشعب السوري لن يعود الى حظيرة الاسد مطلقا ومهما كلف الثمن ومهما مارس هذا الوحش
المجرم ومن معه من مجرمين ومن معه من داعمين مجرمين ايضا من قتل وتدمير وضرب المدن والقرى بالطائرات لقتل
وارعاب هذا الشعب العظيم فلن يستسلم أبداً _ شعب قرر الانتصار أو الموت _ لذلك وللوصول للخيار الثالث لا بد من
إنتصار هذا الشعب على جلاديه من أفراد عصابة الاجرام الطائفية الزنيدقة التي لا دين لها ولا دنيا ولا مبدأ ولا أخلاق،
فهل لو كانت إسرائيل تحكم الشعب السوري على سيبل المثال فهل سوف تقدم على كل هذه الجرائم الوحشية ؟ بالطبع لا
والف لا فإسرائيل لها مبادئها، أما عصابة الاجرام الاسدية فلا يحكمها لا مبدء ولا رادع لا ديني ولا خلقي ولا انساني فهم
عبارة عن وحوش ضارية مستكلبة .
ايهم من داخل سوريا الجريحة، «فرنسا ميتروبولتان»، 31/10/2012
انا من متابعينك باستمرار اتمنى لك الصحة والعافية انا حزين لما يحدث لاخوتنا المسيحيين من اعمال انتقامية من قبل
النظام وشكرا على هذه المقالة الوطنية بامتياز اتمنى انا لقائك في سوريا بعد سقوط هذا النظام
نبيل السعودية، «فرنسا ميتروبولتان»، 31/10/2012
استاذ ميشيل انت الطريق الثالث احييك مقالاتك مصابيح منارة وسط هذه الظلمة

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2013 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام