عندما أعلنت اللجنة العليا للانتخابات، في يونيو (حزيران) الماضي، فوز الدكتور محمد مرسي، بمنصب الرئيس، شاع بين المصريين، أن أجهزة في الدولة، ليست مرتاحة بالقدر الكافي، إلى إعلان فوزه، وكان جهاز المخابرات المصرية، من بين الأجهزة السيادية التي قيل وقتها، إنه، كجهاز سيادي كبير، متحفظ إزاء إعلان فوز مرشح الإخوان بالرئاسة!
ومما قيل وقتها، وتداوله المصريون، فيما بينهم، إن تحفظ الجهاز على فوز الدكتور مرسي، ليس رفضا له، كشخص، ولا اعتراضا حتى على النتيجة التي انتهت إليها اللجنة العليا، وإنما لأنه، كجهاز، كان قد نشأ في مطلع الخمسينات من القرن الماضي، على يد زكريا محيي الدين، أحد أعضاء مجلس قيادة ثورة يوليو 1952 لم يتعود منذ نشأ، إلا على التعامل مع رئيس ذي خلفية عسكرية، بدءا بعبد الناصر، ومرورا بالسادات، وانتهاء بمبارك، وبما أن الرئيس الجديد، لا يملك هذه الخلفية، التي ينتمي إليها الجهاز ذاته، فقد كان هذا في تقديري، هو سبب تحفظه إزاء فوز الرئيس مرسي، هذا إذا كان التحفظ في الأصل، له ظل من حقيقة.
ويبدو أن قادة الجهاز بدءا باللواء مراد موافي، ووصولا إلى أصغر عنصر فيه، قد أدركوا بعد إعلان نتيجة الرئاسة، بأيام، أنه لا بد مما ليس منه بد، وأن الدكتور مرسي رئيس منتخب للبلاد، وأن عليهم بالتالي أن يتعاملوا معه، بشكل طبيعي، على نحو ما كان التعامل يجري مع رؤساء البلد الثلاثة السابقين.
وكان اللافت للانتباه أن اللواء موافي كان تقريبا المسؤول الوحيد الذي رافق الدكتور مرسي، في أول رحلتين خارجيتين قام بهما، وقد كانت إحداهما إلى المملكة العربية السعودية، وكانت الثانية إلى إثيوبيا.. كان هو المسؤول البارز الوحيد المرافق لرئيس الدولة، إذا استثنينا المسؤولين الذين تقتضي طبيعة الرحلة وجودهم، كوزير الخارجية، على سبيل المثال، في كلتيهما، أو وزير الري في الثانية.
ولم يكن وجود موافي في الرحلتين وجودا مخفيا، إذا جاز التعبير، كأن يجري الإعلان عنه، في خبر الرحلة، في الصحف، ثم لا يظهر، أو تظهر له صورة، كما كان يحدث من قبل مع مبارك وعمر سليمان، وإنما كان وجودا حاضرا، وكان يبدو في صور كثيرة إلى جانب الرئيس، ولم يكن أحد يعرف، وقتها، ما إذا كان ذلك قد تم عن قصد، من الرئيس، بهدف إذابة الجليد بينه وبين الجهاز، أم أن أمورا أخرى، هي التي اقتضت وجود الرجل إلى جوار رئيس الدولة، يرافقه كظله، في كل خطوة.
في كل الأحوال، مضت الرحلتان بسلام، وبدا وكأن الجهاز السيادي الكبير، قد بدأ يوطن نفسه على التعامل مع رئيس جديد للدولة، لا يجوز أن يكون بينهما، كطرفين، أي حاجز أو حجاب. وبعد الرحلتين، مضت أيام، لنجد أنفسنا أمام حادث رفح الشهير، وجها لوجه، وخرج اللواء موافي، في أعقاب الحادث، ليقول لوكالة «الأناضول» التركية، إنه كان قد توافرت عنده معلومات، عن العملية كلها، وإنه قد وضعها أمام «الجهات المعنية».. ثم أضاف ما معناه، أن جهاز المخابرات جهاز معلومات في المقام الأول والأخير، وأن دوره يتوقف عند الحصول على هذه المعلومات من مصادرها، وتحليلها، ثم وضعها أمام صاحب الشأن في الدولة، لينتهي دوره عند هذا الحد.
ولم تكد تمر ساعات، على هذا التصريح، على لسان رئيس الجهاز، حتى أقيل من منصبه، بقرار من الدكتور مرسي.. ومن يومها، إلى هذه اللحظة، لم يتطوع أحد ليصارح الرأي العام، بالسبب الحقيقي الذي خرج بسببه الرجل من منصبه الرفيع.
هل لأنه برأ نفسه، عندما أعلن أن المعلومات التي أتيحت له، عن عملية رفح، قد وضعها أمام «الجهات المعنية»؟! وهل كان وهو يبرئ نفسه، يدين آخرين، بما أدى إلى إقالته طيا للصفحة كلها، رغم أنه حسب كلامه، لا ذنب له في الموضوع، فهو قد أدى دوره كاملا، في حدود المطلوب منه؟ ولذلك، فإذا كان هناك حساب يجب أن يخضع له أحد، عما جرى، فإنه، كرئيس مخابرات، ليس هذا الأحد، لا لشيء، إلا لأنه نهض بدوره، في حدوده، ولم يكن مطلوبا منه، منطقيا، أن يواصل السؤال عما فعلت «الجهات المعنية» بمعلوماته.
طبعا.. لم يشأ وهو يصرح للوكالة التركية أن يسمي تلك «الجهات المعنية» التي قصدها، ولهذا السبب فإن الذين تناولوا تصريحه بالتعليق في وسائل الإعلام، قد راحوا يجتهدون، ويخمنون، ويضربون أخماسا بأسداس، وربما يقرأون الفنجان، لعلهم يعرفون «الجهات المعنية» إياها، على وجه التحديد!.. وكان اجتهادهم كله، وتخمينهم كله، دون جدوى بطبيعة الحال!
لهذا إجمالا، لا يفهم أحد، إلى هذه الساعة، لماذا عوقب اللواء موافي، وعلى أي شيء بالضبط؟!
هل عوقب - مثلا - على ما كان قد قيل، وقت فوز الدكتور مرسي، عن تحفظ الجهاز إزاء فوزه؟!.. إذا كان هذا صحيحا، فنحن أمام عقاب لرجل، على ذنب لم يرتكبه، لأن الموضوع كما قلت، كان قد دار في إطار النميمة الاجتماعية التي ملأت الأحاديث بين المصريين، ولم تكن هناك معلومات مؤكدة عن مدى صحته أو عدم صحته، بالإضافة إلى أن اسم مراد موافي لم يأت في تلك الشائعات، وإنما كانت الحكاية تدور حول الجهاز كجهاز عموما، وليس عن شخص محدد فيه.
وهل عوقب - مثلا مرة أخرى - على ما قيل عن أنه تقصير منه، في عملية رفح؟!.. إذا كان صحيحا، فإن ما جاء على لسانه، للوكالة التركية، وهو ما لم ينفه أحد، يبرئ ساحته تماما، ويعلق التقصير في رقاب جهات أخرى، أشار إليها في تصريحه، ولم يشأ أن يسميها!
وهل - أخيرا- عوقب لأن الرئيس السابق حسني مبارك، هو الذي كان قد وضعه على رأس الجهاز، خلفا للواء عمر سليمان، في أثناء اشتعال ثورة 25 يناير؟!.. إذا كان هذا صحيحا، فإنه قد عوقب على ذنب لم يرتكبه للمرة الثالثة، لأنه، أولا، كان رئيسا للمخابرات المصرية، ذلك الجهاز العريق، ولم يكن بأي حال، رئيسا لمخابرات مبارك. ثم إنه، ثانيا، لم يطلب من الرئيس السابق، في حينه، أن يأتي به، من منصبه في ذلك الوقت، كمحافظ لشمال سيناء، ليكون على رأس هذا الجهاز الوطني الكبير، وإنما طلبوا منه، في تلك الأيام، أن يخدم بلده، في موقع آخر، فاستجاب وامتثل، ولم يكن له أن يسلك سلوكا آخر!
ماذا فعل، إذن، وعلى أي ذنب عوقب؟!.. لا أحد يعرف، غير أن الأيام وحدها سوف تتكفل بالإجابة عن السؤال!
|
التعليــقــــات |
| حمدي أبو نافع، «فرنسا ميتروبولتان»، 26/08/2012 لماذا اللف والدروان ووضع احتمالات قفزا عن السبب الذي نشر ويبدو أن الجميع قرأه؟ نعم موافي أبلغ المشير طنطاوي بالمعلومات بدل أن يبلغ الرئيس، وهذا هو السبب المباشر لكل التغييرات في القيادة العسكرية. |
|
| فؤاد محمد، «فرنسا ميتروبولتان»، 26/08/2012 استاذ سليمان جودة لماذا وقفت عند مراد موافى بالذات رغم انه لم يكن الوحيد الذى اقاله الرئيس مرسى من بين قيادات الجيش كلها ؟ وقمت بتحليل لتواجده فى الصور التى نشرت مع الرئيس فى زياراته الخارجية الى السعودية واثيوبيا اعتقد ان هذا التحليل لم يكن فى بال الرئيس بل لم يخطر على باله بالمعنى الذى ذهبت اليه وانت المحلل المخضرم ولكن ما استوقفنى فى مقالك هذا هو ان ( اللواء موافى خرج فى اعقاب حادث رفح الشهير ليقول لوكالة << الاناضول >> التركية انه كان قد توافرت عنده معلومات عن العملية كلها وانه قد وضعها امام << الجهات المعنية >> ثم اضاف مامعناه ان جهاز المخابرات جهاز معلومات فى المقام الاول والاخير وان دوره يتوقف عند الحصول على هذه المعلومات من مصادرها وتحليلها ثم وضعها امام صاحب الشان فى الدولة لينتهى دوره عند هذا الحد ) ولم تكد تمر ساعات على هذا التصريح على لسان رئيس الجهاز حتى اقيل من منصبه والى الآن لم يعرف السبب الحقيقى لاقالة اللواء موافى واننى اعتبر ان هذا الكلام هو اخطر ماجاء فى المقال وهو يحتاج الى تحقيق وتدقيق فمن هو صاحب الشأن فى الدولة الذى تلقى هذه المعلومات وسكت عنها ؟ ولماذا ؟ تحياتى |
|
| eng technical، «المملكة العربية السعودية»، 26/08/2012 وهل يرى الكاتب المحترم أنّ التصريحات من صلاحيات مدير المخابرات العامة أم وزير الخارجية؟، وخاصة أنّ التصريح لصحيفة ليست مصرية؟، ومن جهة ثانية، يج بأن تربط الإقالة وإقالة قائد الحرس الجمهوري السابق بنفس الوقت مع أحداث الجنازة لشهداء رفح؟، ثمّ الدعوة لماسموه ثورة 24 أغسطس؟ بعلم الجهات العسكريةالعليا وربما بدعمهم؟، وياليتك تراجع تصريحات بعض الصحفيين مثل عكاشة وبكري قبل اٌقالة وتراجعها بعد الإقالة لرأيت بوضوح أنّ الفيل تحول إلى فأر، وبما كان ذلك بعلم الجهات العسكرية العليا التي لحقت بهم بالإقالة؟ ألا ينبغي أن تدرس الموضوع من هذا الجانب أم أنّ الرئيس مرسي دائماً مخطئ كما تروج المعارضة الآن بشكل غير طبيعي؟، |
|
| مصطفى، «الولايات المتحدة الامريكية»، 26/08/2012 الكاتب العزيز ----- فضلا انت ذكرت نصف الحقيقة ولم تذكر الحقيقة كلها -- الم تسمع بمقولة مراد موافى انه كان لديه معلومات ولكنه لم يكن يعرف التوقيت -- وانه لم يتبادر الى ذهنه ان تكون العملية وقت الافطار لان المسلم لا يفعل ذلك وقت الافطار --- هذا كاف وحده لاقالته يا سيد سليمان |
|
| Mohd Farag، «فرنسا ميتروبولتان»، 26/08/2012 اذا كنت فعلا تريد الاجابة على سؤالك، فهل تصدق أن جهاز المخابرات العامة أداة لجمع المعلومات فقط وابلاغها للجهات المعنية أو السيادية كما يحلو لهم، أنا لا أصدق والأمثلة على ذلك كثيرة وغير قابلة للحصر. ما رايك في رجل على رأس جهاز خطير جدا ويقول أنه لم يكن يتصور أن مسلما يمكن أن يقتل مسلما صائما أثناء تناول افطاره فما بالك بغير المسلم، ناهيك عن أن الوحدة بكامل عددها وعتادها كان تتناول الافطار عند انطلاق مدفع الافطار بما يعني أن أي تحذير أو تنبيه لم يصل اليها من قريب أو بعيد. |
|
| محمود عمرية - المنصورة، «مصر»، 26/08/2012 أعتقد أن هناك بعض الأشياء وبعض المعلومات يتم تسميتها أمن قومي وسري وسري للغاية، فمن باب أولى أن يكون تعيين أو إقالة موظف بحجم مدير مخابرات دولة وليست أي دولة فهي مصر يندرج تحت أي من هذه المسميات، وهل كان يجب أن يتم الإعلان عن معلومات من هذا القبيل في مؤتمر صحفي لمكتب الرئيس أو رئيس الوزراء ليتم إقامة حلقات سمر ودردشة بين الناس على المقاهي لتحليلها ومعرفة أبعادها والهدف منها على اعتبار أن الدول الأخرى وأجهزة مخابراتها لن تبالى بهذه المعلومات البسيطة ولن تهتم بمعلومات تخص أكبر جهاز مخابرات فى الشرق الأوسط، ولذلك فلا حرج من إعلان هذه الأخبار والحكايات كي يتسلى الناس بها. |
|
| أشرف عمر، «المملكة العربية السعودية»، 26/08/2012 يختفي او يظهر اللواء موافي أو يصرح او لا يصرح و يذنب او لا يذنب وسواء عينه او لم يعينه مبارك فكما هو معلوم في اطوار الاخونه انه كان ولابد من تغييره لتكتمل المنظومه الاخوانيه، فليس منطقيا أن تأخون الاجهزه المختلفه الحيويه للدوله من محافظين وهيئات وبعض وزارات وحتي الصحف القوميه والاذاعه الرسميه والتلفزيون وقريبا الازهر الشريف! ويترك السيد موافي وهو الخلف للراحل سليمان ويعلم ما خفي من امور سواء ما مس منها كبار الاخوان وصغارهم او ما ابتعد عنهم، فلابد أن تخرس الالسن الطويله وخصوصا تلك التي تصرح لوكالات الاخبار دون اذن اخواني!، وصحيح أن اللواء موافي ورجاله قاموا بواجبهم ووضعوا المعلومات مبكرا بشأن العمليه الاجراميه الخسيسه إلا أن قدر الضباط والجنود الشرفاء الشهداء ان يتبوءوا مقاعدهم في جنان الخلد ويحفروا أسماءهم في سجلات الشهداء الابرار ليعتز ويفخر وطنهم وأمهاتهم وأهليهم عبر العصور، وستزال دمائهم الطاهره عالقه في رقاب القائمين علي شئون البلاد سواء الرئيس او وزير الدفاع والداخليه او قائد المنطقه الشرقيه العسكريه ورؤساء اركانه. حتى يضبط ويحضر الجبناء ممن قاموا بعملهم الخسيس وممن دفعهم لفعلتهم الشنيعه. |
|
| د. ماهر حبيب، «كندا»، 26/08/2012 الأستاذ/ سليمان جودة لقد كانت أحداث رفح الكارثية البيضة التى تبيض ذهبا للنظام الجديد فمنها أن أوجدت الفرصة للإطاحة بكل المشاركين فى الحكم ومنها توريط الجيش فى سيناء مع الإرهابيين وكذلك توريط الجيش مع إسرائيل بعدم وجود الغطاء السياسي للعمليات الحربية فإذا إنسحب الجيش من سيناء وتفادى التصادم مع إسرائيل فسوف يتهم بمزيد من التقصير ويقلص دوره فى الحياة السياسية فى مصر ليقتصر على الإخوان المسلمين أما إذا أكمل الجيش دوره وتورط مع إسرائيل فستنشئ مشكلة قومية سيتحد الجميع لمواجهتها ولينشغل الجميع عن الإخوان الذين سيتقمصوا دور محرر الأوطان. إن المكاسب التى عادت على النظام الجديد من تلك الكارثة القومية تجعلنا نطالب بالتحقيق العلنى لنعرف من المخطئ ومن المستفيد حتى تتضح الأمور ولا تتحول أحداث رفح إلى حادث مشابه لما فعله السادات للتخلص من خصومه المشاكسين لينفرد وحيدا بالقرار حتى تاريخ إغتياله على يد المتطرفين الذين أعطاهم الفرصة للظهور العلنى. |