الخميـس 11 شعبـان 1429 هـ 14 اغسطس 2008 العدد 10852 الصفحة الرئيسية







 
د. علي الدباغ
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
بكين الشيوعية.. الرأسمالية

عهدي ببكين منذ عام 1996، حيث كانت آخر زيارة لي في رحلات للصين زادت عن 10 مرات تابعتُ فيها كيف تتحول الصين، هذا البلد المارد، الى قوةٍ اقتصادية عملاقة تستفيق وتستثمر قوتها العددية بطريقة لافتة في صياغة مستقبل لا يمتلك المراقب إلاّ النظر اليه بكل الإعجاب، رأيتُ كيف تفتح الصين مصاريع أبوابها أمام موجة الانفتاح، التي أرسى أول أفكارها زعيمها دينج هسياو بنج، الذي أدرك اتجاه الريح التي ستهب على آسيا، بل وعلى العالم كله، فوضع السفينة بذلك الاتجاه الواعد، ورأيتُ أيضا كيف تستخدم الصين أيضا كل ما تمتلك من مفاتيح لفتح الأبواب الموصدة بوجه منتوجها الذي بدأ يتنوع في كل ما يحتاجه البشر، من مأكلٍ ومشرب ومسكن وملبس، ليكتسح عالم السلع بغزوٍ لا قبل لكل الصناعة به، وأصبح كل بيت في العالم تقريبا لا يخلو من منتج صيني ثابت أو متحرك فيه. وآخر ما بهرت الصين العالم به هو افتتاح الأولمبياد التاسع والعشرين في مشهدٍ كرنفالي رائع أمتعَ الحضور وملايين المشاهدين، في حفلٍ امتزجت فيه التكنولوجيا بالعدد البشري، وسيُرهق أولمبياد لندن القادم 2012 لمحاكاة جزء منه.

هذا المارد الذي استطاع، ليس فقط أن يُطعم 1300 مليون من البشر، بل أصبح يُصدّر جزءا من طعامه على شكل علب تنوعت لدرجةٍ عجيبة وصلت حتى لخلطة الفول المدمس.

ما يراه الزائر لبكين هو هذا التصميم والتنفيذ السريع لمتطلبات العولمة، في غضون عقدٍ من الزمن، في كل زوايا حياة الصين من بشرٍ وأنظمة وقوانين وخدمات وبنى تحتية، فبينما كنا سابقاً نضطر لاستخدام مترجمين من الصينية للإنجليزية بأجرٍ يومي، انتشر تعليم اللغة الإنجليزية بطريقة لافتة، وامتد للغة العربية، حيث يتخرج من جامعات الصين الآن ألف شخص سنوياً يتقنون العربية، وكذلك اللغات الأخرى، في غزو صيني قادم للعالم بتذليل كل العقبات التي يمكن أن تعترض انتشار وتمدد الصين وشعبها، هذه التحولات الهائلة في كل مرافق الحياة وزواياها رافقها تطوير هائل للخدمات والبنى التحتية، بطريقة لافتة للانتباه تختصر الزمن، بل تختزله أحيانا، ونهضت فنادق ومنتجعات فارهة ودخلت الصين لخدمات السبعة نجوم، وتقديم الخدمات الفاخرة للأثرياء الجدد، الذين يتوالدون بصورة سريعة، ويتحسن مستوى دخل الأفراد العاديين، الذين استعاض جزء ليس قليلا منهم عن دراجاتهم الهوائية بسيارات جديدة يتسابق مصنعو السيارات على الفوز بعقد شراكة لتصنيعها بالصين، وهكذا انقلبت بكين ومدن كثيرة رأساً على عقب، بتخطيطها وتطوير خدماتها، ولعل مطار بكين شاهد على تصميمه لمتطلبات الغد، الذي ستكون فيه الصين العملاق الاقتصادي، الذي يميل ميزانه التجاري مع الجميع، هذا الانقلاب يحتاج لجرأة في القرار، حيث فيه قفز وتجاوز لكل الثوابت الآيديولوجية التي تحكم المنهج الشيوعي، الذي نجحت الصين بعدما تحررت من عصابة الأربعة، بعد زعيمها التاريخي ماو تسي تونغ، الذي بقيت منه فقط صورة كبيرة تزين ساحة تيان آمين الشهيرة، التي راهن البعض على الشرارة التي انطلقت منها أن تسري في أوصال الصين وتفتتها، لكن سرعة وجرأة الرد حاصرت هذه الشرارة بمزيدٍ من الانفتاح وفرص العمل والثراء وتحويل كل مبادئ ماركس ولينين الى المتاحف الوطنية، مما جعل كل الأحلام القومية أو الإثنية لشعوب الصين، التي تقارب الـ56 قومية أكبرها قومية الهان، تتراجع أمام الفرص الاقتصادية الواعدة، وهذا الأمر تعلمت منه فيتنام وتخلصت فيه من آثام وخطايا النظام الاشتراكي، الذي أفقر شعوباً عديدة، ولا تزال كوريا الشمالية وكوبا تئنان من أوجاعهما الاقتصادية، وبقيتا مأسورتين بتلك المبادئ وحبيستين لها، تنسجان من حولهما وهماً بينما ينسج الآخرون حريراً يرفلون به.

هذا التزاوج في المفاهيم، الذي أطلق عليه زعيم الصين الحالي خو جين تاو، تعبير الهارموني الذي يتناغم مع متطلبات الانتقال للريادة، بل وهذا الانفتاح الهائل والقدرة على تسويق المنتج الصيني، وقبل ذلك القدرة على تصنيعه، هو مربط الفرس الذي نحتاج نحن العرب الى أن نتلمسه، وأن نفهم قدرة الجنس الأصفر على الاستنساخ والتصنيع، مقابل دول كثيرة ومنها منطقتنا التي لاتزال تدور في حلقات فارغة من شعارات الوهم طيلة الخمسين عاماً من التنمية والبناء والحرب ضد الاستعمار والإمبريالية، نجتر فيها شعارات أغرقتنا في دوامة من الانفصام والازدواجية، رغم كل ما نمتلك من أفكار وعقيدة تدفعنا لأن نبلغ الذرى، حولها السفهاء منا الى آيديولوجيا تكفير وتدمير شوّهت وجودنا ورؤية العالم لنا، إضافة الى كل ما تكتنز أرضنا وما تحويه من ثروات تفتقدها الصين وتفتقدها فيتنام وكوريا، بينما لايزال 40% من سكان وطننا العربي يغرقون في أمّية مزمنة وملايين العاطلين عن العمل، الذين لا يجدون رغيف الخبز، الذي نستورده لهم ولم نفلح لحد الآن في أن نؤمن كفايتنا الغذائية لسكان بلداننا، وتراجعت نسب كثيرة مخيفة في حياة شعوبنا العربية، ولا نريد الاسترسال في جلد الذات الذي يمكن أن يطول، بل هي شقشقة تستفهم عن هذا الزمن الثمين الذي يضيع من عمر شعوبنا، بينما الآخرون يجرون في ماراثون رفاه وترف لا حدود له.

التعليــقــــات
د. حسـن البصري، «استراليا»، 14/08/2008
يتأمل ويحلم الدكتور بمستقبل زاهر للعرب وهو بالتأكيد ليس الوحيد والاول في هذا المضمار. الفارق بين الصين والعرب وحتى بين الصين وروسيا هي واقعية النظرة والموقف وهم على العكس لم يتجاوزوا لا على ماركس ولا لينين بهذا. اما الذين طعنوهما بالعمق والظهر هي الاحزاب الشيوعية العربية التي اعتمدت التثوير (من الثورة) لقلب افكار مجتمعاتنا العربية ومعتقداتنا الاسلامية وجنحنا بعيدا بعيدا عن واقعنا ولهجنا وطبلنا لافكار المستوردة حقا بصيغتيها: الغربية بسطحيتها عنا والشيوعية بمثاليتها العدمية ـ لاتطبيق لهاـ وخسرنا نصف قرن من حياتنا وتطورنا. وبعد اتضاح الفشل، ولسوء الحظ، نمر الان في نفق اكثر ظلمة وحلكة من سابقه الا وهو المشروع الاسلامي بتعقيداته الفكرية والطائفية و.و. فنحن لا نزال لا نرى طريق الخلاص ونبتعد عنه كلما اتضح بصيصه ودانت قطافه. فاين المشروع الوطني العراقي او العربي او الاقليمي. الذنب فينا كنخب وجماهير ويجب الوقفة ومواجهة الحياة بصدق وكفاءة وعندئذ نقترب من صواب الطريق القويم.
محمود التكريتي، «المانيا»، 14/08/2008
نتمنى من الدكتور الدباغ وهو المستشار وكما يبدو من مقاله انه معجب بالتجربة الصينية ان يمن علينا بتوصياته لانتشال العراق مما آل اليه مصيره وان يغرقنا بمقالاته القيمة في صحفنا العراقية وان يرفع الصوت لينبه مسؤولينا انه ان الاوان ان يعملوا لبناء تجربة عراقية رائدة لانقاذ البلاد من التخلف وغياب الوعي الازلي.
زيدان خلف محي اللامي \العراق \بغداد، «لبنان»، 14/08/2008
مقال قيم بليغ ولكن، وبصراحة ليست الصين مماثلة في مجمل ظروفها الاقتصادية والاجتماعية ظروف العالم العربي, فثمة اختلاف كبير في العامل الديموغرافي والايديولوجي وشكل نظام الحكم السياسي ودرجة الوعي الاجتماعي, حيث يبدو تفوق حكام الصين جليا في توظيف العوامل اعلاه لصالح المجتمع الصيني السالك طريقا خاصا في تطبيق الحلول الاشتراكية بما يلائم حاجاته وتطلعاته. وفي المقابل نرى الفوضى اللاخلاقة والفساد الاداري المستشري في اجهزة حكم الدول العربية بشكل يفوق الوصف, وبما لا يدع مجالا لنجاح الخطط الاقتصادية وبرامج تطوير المجتمع سواء كانت اشتراكية او رأسمالية او تجارب من العالم النامي. نجحت الصين في القضاء على عصابة الاربعة المعوقة لحركة التطور فيها, فهل ننجح نحن في القضاء على عصابة (الاستعمار بابا) و الاربعين حرامي المنتشرة فروعها في سائر العالم العربي؟
مصطفى عمار، «ليبيا»، 14/08/2008
د. الدباغ . مقال رائع مفعم بالمعلومات وبيانات التحول التنموي والانتاجي الذي وصلت اليه الصين , حتى أن الغرب تمنوا لو أن الصين لازالت مكبلة بالنظام الشيوعي حتى لا ينطلق المارد الصناعي الذي أغرق القارات الخمس بالصناعات الصينية .
احمد الواسطي، «الدنمارك»، 14/08/2008
لقد وضعت الصين افكار ماركس ولينين في المتاحف الوطنية. هذا تجني كبير على الفكر والافكار. فالفكر كما هو معروف لا يستطيع ان يخرجه عن واقعه الاجتماعي الا قليلا بما يسمح به المستقبل المنظور, لقد ادى كل من ماركس ولينين دورهما خلال زمنهما التاريخي ولكن العيب كل العيب بهؤلاء الذين حنطوا افكارهم واوقفوا التاريخ وقفا نهائيا حتى ان حلت الكارثة, كما وصف الاسلام في وقته بانه ثورة اضافة الى انه دين غيرت وجه الدنيا في عالم العرب وعالم غيرهم, هكذا كانت افكار ماركس ولينين عظيمة وتقدمية وتطورية في فترتها الزمنية. في زمن لينين تم غزو الفضاء وفي زمن لينين نزلت سفن الفضاء على سطح المريخ وفي زمن لينين نالت اكثر الشعوب العربية استقلالها وفي زمن لينين كانت الملايين من الدولارات تتدفق على عالمنا العربي, وفي زمن لينين كانت طائرات الميغ والسوخوي وفي زمن لينين كانت صواريخ سام التي حولت طائرات البيت الابيض الفانتوم الى ذباب يتساقط وكانها هشيم تذروه الرياح , كل الازمنة ادت دورها ووصلت الى دور الشيخوخة وماتت بعد ان عجزت ان تولد من يديم مسيرتها الا زمننا.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2010 © Saudi Research & Publishing Company (SRPC)