الاثنيـن 19 جمـادى الثانى 1421 هـ 18 سبتمبر 2000 العدد 7965 الصفحة الرئيسية







 
صالح القلاب
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
زال العدو المشترك .. فانقلبت الصداقة إلى عداوة!
يتواصل الحديث في السنوات الأخيرة عن أسباب الانقلاب في العلاقات بين الحركات والتيارات الإسلامية من جهة، والغرب عموماً والولايات المتحدة على وجه التحديد من جهة أخرى، وتَحوُّل الصداقات الحميمة إلى عداوات مستفحلة والانتقال من التحالف المتين إلى المواجهة الدامية والعنيفة.

وهنا فإنه لا بد في البداية من التأكيد أن المقصود ليس الإسلام بشموليته كدين وكرسالة سماوية سمحة، وإنما الأحزاب والقوى والفئات التي رفعت شعار «الدعوة» لتخوض غمار معارك سياسية من أجل الإطاحة بأنظمة لحسابها أو لحساب قوى عالمية متحالفة معها، تتلقى منها الدعم والمساندة.

وتوطئة لما سيتبع لا بد من الإشارة إلى وجهة النظر تلك القائلة، وهي وجهة نظر يدحضها الاخوان المسلمون ويعتبرونها تهمة ملفقة، ان هذه الجماعة عندما انطلقت في البداية حظيت بمباركة بريطانيا العظمى التي، رغم أنها امبراطورية بدأ الوهن يدب في أوصالها، إلا أنها كانت الدولة صاحبة المصالح الأوفر في هذه المنطقة التي كانت قد خرجت للتو من تحت نير السيطرة العثمانية بعد أربعة قرون من التجهيل ومصادرة الهوية الوطنية القومية.

وحسب وجهة النظر هذه، التي يدحضها الاخوان المسلمون، فإن بريطانيا العظمى بعد انهيار الخلافة العثمانية كانت بحاجة إلى قوة شعبية إسلامية في هذه المنطقة لغرضين هما:

الأول، مواجهة المد القومي المتصاعد الذي بدأت أنظاره تتجه نحو الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي بعد أن أصبحت هذه القوة العالمية الصاعدة، بشعاراتها ومنطلقاتها، الندّ العنيد والعدو اللدود للغرب «الامبريالي» الذي كانت قد اتضحت أطماعه في المنطقة العربية.

الثاني، قطع الطريق على أي محاولة لإحياء وتجديد الخلافة الإسلامية في منطقة لا تخضع للسيطرة البريطانية الكاملة وإيجاد قوة سياسية إسلامية تدعو لأن تكون هذه الخلافة في مصر، التي كانت في ذلك الوقت مستعمرة بريطانية والتي بحكم موقعها وعدد سكانها وتطورها المبكر قادرة على أن تصبح مركز استقطاب إسلامياً وبديلا عن اسطنبول التي غدت مقبرة لخلافة آل عثمان على يد مصطفى كمال (أتاتورك).

هذه مسألة باتت معروفة، رغم أنها لا تزال موضع جدل وشد وجذب، لذلك فإن الذين يرون هذا الرأي، ولدى بعضهم شواهد ومستمسكات يشيرون إلى أن الاخوان المسلمين كان لهم مكتب في الخارجية البريطانية يديره أحد أهم رموزهم في ذلك الحين، وذلك على أساس مواجهة المد الشيوعي والمد القومي المتحالف مع «الشيوعية العالمية» بقيادة عبد الناصر وحزب البعث.

ونحن إذا عدنا إلى ظروف ومعطيات تلك المرحلة فإننا نجد أنه من الطبيعي أن يكون «عدوُّ عدوي صديقي»، فعندما تتجه قلوب القوميين وتمتد أيديهم نحو موسكو فإنه من قبيل تحصيل الحاصل أن يتجه الذين يقفون على الطرف الآخر نحو الغرب ويتحالفون بداية مع بريطانيا ثم بعد ذلك مع الولايات المتحدة التي باتت تتزعم الرأسمالية بعد الحرب العالمية الأولى.

وكمثال قريب على هذا التحالف فإن ما يمكن تذكُّرُه ونحن بصدد الحديث عن هذه المسألة هو أن الاخوان المسلمين في سوريا عندما اشتد الصدام بينهم وبين حزب البعث في كل عهوده «هاجروا»، ممثلين برموزهم الفاعلة إلى ألمانيا الغربية، التي تخصصت في فترة من الفترات، في إطار سياسة توزيع الأدوار بين أطراف المعسكر «الامبريالي» الغربي، في مساندة واحتضان الحركات الإسلامية التي كرست جهودها لمقاومة المد الشيوعي ومواجهة الأنظمة «الثورية» العربية المتحالفة والمتفاهمة مع الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي.

وكمثال أقرب فإن الذي ما يزال حيّاً في الذاكرة هو أن الغرب بصورة عامة والولايات المتحدة بصورة خاصة عندما أراد مواجهة المد السوفياتي الذي بات يهدد مناطق الخليج ذات الأهمية القصوى بعد احتلال أفغانستان لم يجد سوى الحركات والفصائل الإسلامية، التي تتقاتل وتتذابح الآن بعد أن انتهت مهمتها، لمواجهة ذلك الخطر الداهم الذي اتكأ على حزب الشعب الديمقراطي الأفغاني ذي الميول القومية اليسارية.

مرة أخرى، ان هذه الأمور باتت معروفة مع أن الجدل حولها لا يزال مستمرا، لكن ما يجب التوقف عنده والبحث عن إجابة عنه هو: لماذا انقلبت الصداقات إلى عداوات؟ ولماذا الانتقال من التحالف الحميم إلى التناحر الدموي بين فصائل الحركة الإسلامية من جهة، والغرب بصورة عامة والولايات المتحدة على وجه التحديد من جهة أخرى.

إن السبب هو زوال العدو المشترك، فالحركة القومية التي كانت هزيمتها في حرب يونيو (حزيران) عام 1967، قاتلة أصبحت عمليا غير موجودة لا أحزابا ولا تنظيمات ولا أنظمة، والدليل على ذلك ما قاله العقيد معمر القذافي قبل أيام في الذكرى الحادية والثلاثين لثورته.

ثم ان الاتحاد السوفياتي بدوره قد انهار وانهار معه المعسكر الاشتراكي كله باستثناء بعض الدول مثل كوبا وفيتنام وكوريا الشمالية التي تتأرجح الآن بين الحياة والموت.

لم يعُد الغرب عموماً والولايات المتحدة على وجه التحديد بحاجة لا إلى الاخوان المسلمين ولا إلى الفصائل الإسلامية الأكثر عنفاً ولا إلى أسامة بن لادن، فانهار تحالف الأمس وبدأ كل طرف يكتشف العيوب والمثالب التي هي في الطرف الآخر، فغدت هذه الحركات والفصائل في عين الدول الغربية قوى متطرفة وإرهابية وأصبحت أميركا والدول الغربية بدورها معادية للإسلام والمسلمين وغدت دولاً شيطانية واستكباراً عالمياً.

إن المعروف أن أشدّ أنواع العداء هو الذي يأتي بعد صداقة، فخلاف الاتحاد السوفياتي السابق مع الصين جاء بعد وحدة في الموقف والعقيدة. والمعروف ايضا أن أشد المواجهات بين سوريا والعراق جاءت بعد انقسام حزب البعث عام 1966، كذلك فإن الصدام المحتدم بين الاخوان المسلمين وحزب التحرير الإسلامي بدأ بعد انشقاق تقي الدين النبهاني وعبد العزيز الخياط عن «الجماعة» الأم بداية الخمسينات.

وما ينطبق على هذه القوى والأحزاب ينطبق على باكستان وبنغلاديش وعلى ماركسيي اليمن الجنوبي الذين تقاتلوا مع بعضهم بعضا كما لم يتقاتلوا مع بريطانيا التي كانت تحتل بلادهم ولا مع «الرجعية» التي رفعوا شعار مواجهتها عندما كانوا حزبا واحدا و«جبهة قومية واحدة».

تحالفت الحركات والفصائل الإسلامية مع الغرب والولايات المتحدة عندما كان هناك العدو المشترك، الشيوعية العالمية، وكان هناك التيار القومي العربي المتقارب مع الاتحاد السوفياتي، لكن عندما زال هذا العدو المشترك ولم تعد هذه الحركات والفصائل مدللة الغرب والولايات المتحدة بدأت هذه الحرب الضروس وانقلبت الصداقة الحميمة إلى عداوة لدود.

لماذا لم تكتشف التنظيمات والفصائل الإسلامية الأفغانية بشاعة «الشيطان الأكبر» الأميركي إلا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وبعد أن لم تعد هذه التنظيمات والفصائل مهمة بالنسبة للولايات المتحدة التي بدورها لم تكتشف تطرف و«ارهابية» الفصائل المذكورة إلا بعد رحيل الجيوش السوفياتية عن افغانستان وموت الشيوعية حتى في موسكو.

لو أن الاتحاد السوفياتي بقي على ما كان عليه في الخمسينات والستينات ولو أن نهاية الحركة القومية العربية لم تكن بهذا الشكل المأساوي، فأغلب الظن أن الغشاوة الكبيرة ستبقى تحجب رؤية صورة الولايات المتحدة على اعتبار أنها حاضنة دولة اسرائيل، وانها الاستكبار العالمي و«الشيطان الأكبر».

ثم أغلب الظن ايضا لو أن الاتحاد السوفياتي لم ينته إلى ما انتهى إليه، ولو أن الحركة القومية العربية لم تصبح على هذه الصورة، فإن الولايات المتحدة ستبقى تغمض عيونها عن تطرف و«ارهابية» التنظيمات والفصائل الاسلامية التي لا يزال بعض قادتها وبعض رموزها يعيشون هنيئاً مريئاً في عواصم الغرب الامبريالي وتحت أجنحة هذا الاستكبار العالمي.

مرة أخرى لا بد من التأكيد أنه من طبيعة الأشياء وفي صميم العمل السياسي ان يكون الاصطفاف سابقاً، عندما كان هناك اتحاد سوفياتي وحركة قومية عربية متناغمة معه، على أساس أن «عدوُّ عدوي صديقي» وأنه لا بد من أن تتحالف الحركات والفصائل الاسلامية مع الغرب والولايات المتحدة عندما كان حزب البعث وعبد الناصر ومعهما الحركة القومية في حلف أو شبه حلف أو تناغم مع الكتلة القومية الأخرى.

لقد وجد الحليفان عندما غاب الخصم المشترك أن كل طرف منهما لم تعد له أي حاجة بالطرف الآخر، فانقلب التحالف إلى عداوة، ويبدو أن الحركات والقوى الإسلامية التي كان مبرر وجودها مواجهة الإلحاد والمد الشيوعي غدت معنية بمواجهة حليف الأمس لتبرير هذا الوجود من جديد، كما يبدو أن اسرائيل التي أقنعت الغرب بأنها خندقه المتقدم في مواجهة الشيوعية العالمية بادرت لدق الأسافين في بنيان هذا الحلف السابق لتبقى معتمدة كخندق متقدم ضد العدو الجديد ولحماية المصالح الغربية.

> > >

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2013 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام