الجمعـة 26 رجـب 1433 هـ 15 يونيو 2012 العدد 12253 الصفحة الرئيسية







 
سمير عطا الله
مقالات سابقة للكاتب    
اشتهاء الكابوس
لكي لا يورث سجنا
الدور الروسي أولا وأخيرا
القريب الماليزي
قاموس برنارد لويس
سيدي وصديقي
يا غايبين
منزلان بلا مذياع
نصف معقول
تصغير العلاقات
إبحث في مقالات الكتاب
 
الرداء الاحتفالي

دخل أمين معلوف الأكاديمية الفرنسية، أمس، بالثوب الاحتفالي الذي يعطى في «مجمع الخالدين» ومعه سيف حفرت عليه صورة أرزة من لبنان. تقدمت معلوف إلى هذا الموقع المرتفع كتبه المستوحاة من التاريخ والمحبة والعِبر. رأى في التاريخ كنزا ومنبعا، أمجادا وآلاما، حروبا وهزائم، فانصرف يستعيد قراءته ويحوله، بأسلوبه التطريزي الجميل والمصفى، إلى روايات ساحرة.

حافظ معلوف، وهو يحلِّق بالفرنسية، على تشبعه بالحضارة العربية. وقبل أن تنقله الحرب اللبنانية إلى الكتابة بالفرنسية، كان يكتب بعربية رائقة رقراقة دائما كأنه يرسم لا يكتب. ودائما كان يكتب وكأنه يؤدي فرضا مدرسيا يخشى أن يعطى عليه علامة غير لائقة بفن الحبر وسحر الورق.

دافع معلوف في جميع كتبه عن تراثه المتعدد. قال في «الهويات القاتلة» إنه لا يستطيع الخروج من حضارته المولودة، وكرر ذلك في «اختلال العالم». وبفن سردي رائع، جعل من حكاية قريته وعائلته في «جذور» نموذجا عالميا للملاحم التي يكتبها الناس البسطاء والعاديون. فليست كل ملحمة إلياذة. وتحولت كل أعماله إلى ملتقى بين أولئك الذين يلتقون ولا يلتقون.

منذ كتابه الأول، «الحروب الصليبية كما رآها العرب»، طرح نفسه كاتبا يلتزم العدالة من خلال الفن لا من خلال الخطابيات، وعبر الحقائق لا عبر الألفاظ. وفي كتابه التالي والأكثر شهرة «ليون الأفريقي»، روى حكاية العالم المسلم الذي أثرى مكتبة الفاتيكان بالتراث الإسلامي، قبل أن يعود في نهاية المطاف إلى إسلامه.

سر أمين معلوف في أنه عرف قيمة موهبته، فلم يستخف بها. أعطاها كل وقته ولم يعط الالتهاء عنها إلا حكم الضرورة. وقسم عمله إلى قسمين متساويين: الأول للبحث والثاني للكتابة. ويحمل الاثنين إلى جزيرة بعيدة عن ملهيات باريس لكي يتكرس إلى تلك الخلطة السحرية التي يمكن تسميتها للاختصار بالإتقان.

الإتقان هو طريقه إلى العالمية وسلمه إلى الأكاديمية التي لم يصل إليها مئات الأدباء الفرنسيين، فيما وقف كبارها يستقبلون ابن قرية لبنانية لا يتجاوز عدد بيوتها العشرة. لم يكن الطريق سهلا ولا حتى متخيلا أو قائما حتى في الحلم. لكن هذا ما تؤدي إليه الموهبة إذا أعطيت كل هذا الاجتهاد. لو عاش والده الذي ورث عنه الكتابة والخلق والعمل، لكان الوحيد الذي صدّق أن ابنه سيصل إلى الأكاديمية ذات يوم.

> > >

التعليــقــــات
بابكر جوب - السنغال، «فرنسا ميتروبولتان»، 15/06/2012
الإتقان الفني والأدبي لا شأن له بالانتماء إلى القرى والأرياف ولا إلى المدن والأمصار، فإذا كان أمين معلوف نشأ
وترعرع في أصغر قرية لبنانية فإن زميله السنغالي سنغور العضو السابق في الأكاديمية ذاتها ينحدر أيضا من أصل
قروي أكسبه الشهرة والعالمية، فبعمله الفني صار معلوف همزة وصل حقيقية بين الغرب والشرق بعد ما تنافر القطبان
بحدوث قطيعة درامية حالت دون نزول الغرب من عليائه ودون إقالة الشرق من كبوته، إن معلوف من بين عباقرة الزمن
الأفذاذ الذين استطاعوا الدفع بالضمير الغربي نحو الرؤية النسبية لذاته، كما حملوا رايات الشرق ترفرف عالية في سماء
الحضارة الإنسانية. ومن الألفاظ الأخيرة التي تبقى مدوية في ذهن القارئ لروايته ليون الإفريقي هذه الكلمات: (الصرة في
روما بعد العقوبة في القاهرة وإضرام النار في تمبكتو بعد سقوط غرناطة. فهل الشقاوة تستهويني أم أنا الذي أستهويها؟).
إنها دعوة ضمنية وملحة إلى المشاركة الوجدانية وإلى توحيد الصفوف في ربوع العالم النامي في وجه الغرب الغازي. ألا
يستحق ابن الشرق البار هذا تخليد ذكراه في أكبر صرح أكاديمي على وجه البسيطة؟

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2013 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام