الجمعـة 26 رجـب 1433 هـ 15 يونيو 2012 العدد 12253 الصفحة الرئيسية







 
رضوان السيد
مقالات سابقة للكاتب    
إيران ومواجهة العرب للإضرار بالولايات المتحدة!
المستجير من الرمضاء بالنار
رسالة الملك إلى الرئيس والتأزم في لبنان
الضغوط على المسلمين بلبنان: الاستهداف والاستنزاف
مآلات الاستنفار في المشرق والخليج
السودان والحكم العسكري والثورات العربية
حكم القانون في زمن الثورات
الملف النووي الإيراني والفُرَص الإيرانية الجديدة!
الموقف الاستراتيجي للعرب في زمن الثورات
الإخوان المسلمون المصريون بين السياسة والأخلاق
إبحث في مقالات الكتاب
 
الثورة السورية ومفترق الطرق

كثرت التقولات والتخمينات بشأن اتجاهات الأحداث في سوريا، بين قائل باستمرار وقائع الكر والفر بين النظام والمعارضة، وقائل بالحرب الأهلية، وقائل بالانقسام والتشرذم وقيام الدويلات.. إلخ. أما الواقع فهو أن الأحداث في سوريا بلغت مفترق طرق صعبا ولعدة جهات:

- أحداث القتل والاعتقال والتهجير التي زادت بشكل غير معقول.

- ثبات القدرات العسكرية للنظام وزيادة فعالية المعارضة المسلحة.

- وجود مساحات واسعة في قبضة المعارضة، ومحاولات عسكر النظام في الأسبوعين الأخيرين استعادة بعضها في مناطق حمص واللاذقية. وهكذا فمن الناحيتين الأمنية والعسكرية ما كانت هناك متغيرات بارزة باستثناء ارتفاع حدة المذابح للتهجير من جهة، وازدياد قدرات جماعات المعارضة المسلحة على الاشتباك من جهة ثانية

- ارتفاع النشاط المسلح من جانب قوات النظام لمواجهة زيادة عمليات المعارضة، واستعادة بعض المناطق الحساسة.

وإذا شئنا الاستمرار في تتبع الحراك الداخلي فهناك عدة ملاحظات أيضا:

- الاستنفار الكامل للطائفة العلوية، وربط مصير سوادها الأعظم بمصائر النظام أيا تكن. والاتجاه لإنشاء مناطق صفاء طائفي لنفسها عن طريق المذابح والتهجير بدعم من بعض الجهات في النظام.

- ثبات التحالف بين النظام والطائفة الأرثوذكسية الكبيرة كما مع الطائفة المدينية الكاثوليكية الصغيرة، ومع معظم الطائفة الدرزية. وقد اقتنع النظام منهم بالثبات والسكون.

- انقطاع العلائق بين النظام والسنة ثائرهم وساكنهم. لكن المدينيين السنة من الطبقة الوسطى يؤثرون المغادرة على المشاركة، بينما يؤثر شبانهم المشاركة في التظاهر، واللجوء إلى السلاح مؤخرا أيضا.

وهكذا مرة ثانية فإن الاستنفار لدى الجميع بلغ حدوده القصوى، وعلى المستويين العسكري والشعبي. وما عدنا نسمع كثيرا عن تظاهرات حاشدة لأنها لم تعد ممكنة، وصار المجال المفتوح أو الرئيسي هو العمل العسكري الذي يشبه الحرب الأهلية من سائر الجهات خاصة السنة والعلويين. وبذلك فقد دخلت سوريا بالفعل ظروفا تشبه ظروف الحرب الأهلية في لبنان في السبعينات من القرن الماضي. فظهر النظام على طبيعته الأصلية باعتباره نظاما للطائفة العلوية ومن التحق بها من الأقليات. وفي ظروف السكينة فقد كانت البرجوازية المدينية تتعاون مع النظام، وهي اليوم ما عادت تتعاون معه، من دون أن يعني ذلك أنها ثارت أو تثور. وصار الريف السني الفلاحي والعشائري ثائرا كله، وصارت في قلب الثورة مدن وبلدات هي بيئات ذاك الريف في الأساس مثل درعا وحمص وحماة وإدلب.

لماذا حصل هذا الأمر في سوريا وليبيا ولم يحصل مثله في تونس ومصر وحتى في اليمن؟ لأن تونس ومصر واليمن فيها جيش وطني يملك قراره وهويته واستقلاليته عن السلطة المأزومة عند الضرورة. ولذا فإن سائر الأطراف - باستثناء «القاعدة» باليمن - تتعامل معه من مواقع المهابة، وحتى إمكان الاستغاثة به إذا أحست بضيق شديد يتهدد وجودها. وفي مصر وتونس - إضافة للجيش - هناك سلطة قضائية مستقرة الأسس، وتملك شبه إجماع على مرجعيتها من جانب النخب ومعظم الجمهور. وقد كان الجيش السوري كذلك حتى أواسط الستينات، والجيش الليبي حتى عام 1973. فبعد عام 1964 - 1965 مر الجيش السوري بمرحلتين، إحداهما عقائدية، والأخرى طائفية. فتحت ستار العَقَدية البعثية جرى «تنظيف» الجيش من التقليديين والناصريين.

وتحت أضواء الطائفية بعد تمرد «الإخوان» أواخر السبعينات جرى القضاء على الضباط السنة الكبار، واختراع فرق عسكرية خاصة وطليعية ذات صبغة طائفية خالصة. ثم جرى بالتساوق إنشاء الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الضخمة التي لا مدخل للأكثرية الشعبية فيها. وقد قامت سائر الأنظمة الجمهورية ذات الصبغة الأمنية بإنشاء أجهزة أمنية ضخمة لمراقبة كل شيء وضبطه، لكن لسبب ما - ربما اقتناع رؤوس النظام باليمن ومصر وتونس بشرعيتهم - جرى إفساد تركيبة الجيش؛ في حين حصل ذلك كله في سوريا وليبيا. بل إن الجيش (التقليدي) جرى إلغاؤه في ليبيا عمليا، لصالح الكتائب العسكرية المستقلة والموزعة على أولاد القذافي وأعوانه المخلصين، وما أمكن إلغاء الجيش السوري، ربما بسبب التجنيد الإجباري، والحاجة إلى أعداد كبيرة من العسكريين تتوزع على لبنان وحدود العراق وفلسطين المحتلة والأردن.

وقد كان هناك اقتناع بعد خروج مصر من المواجهة مع إسرائيل بأنه لم تعد هناك حاجة للجيوش الكبيرة والقوية التي تستطيع الانقلاب على النظام. وبذلك تطورت فكرة أمن النظام واستقراره وخلوده (= القائد الخالد)، إلى أن يصبح الجيش الحقيقي هو ذلك المختص بحماية النظام وأمنه، وبالطبع ليس من العدو الإسرائيلي، بل من «أعداء الداخل». ولذا فحتى الألوية التي كانت تأتي إلى لبنان كانت من عسكريي النظام المحظوظين، الذين كانوا يأتون للغنى والغنائم! أما المؤسسة القضائية فقد ظلت هامشية جدا في سوريا وليبيا، وضعيفة في اليمن؛ بينما حرص النظامان التونسي والمصري على ترك المؤسسة القضائية وشأنها حرصا على الدولة من جهة، ولتبييض الوجه أمام الغرب من جهة ثانية. وهذا هو معنى قول بشار الأسد بأنه لا دولة في سوريا ولا نظام من دونه هو (!) ليس لأن القوة العسكرية والأمنية بيده وحده؛ بل ولأن كل السلطات والمؤسسات الأخرى ألغيت. بل إن التخصيص المصطنع الذي جرى في عهد بشار الأسد، اقتصر على توزيع المغانم على الأقارب والمحاسيب، أما الآخرون فعليهم أن يحصلوا على ما يستطيعون دفع تكلفته من خلالهم!

إن حل الانقسام الحاصل صعب إذن: فالنظام صامد لدعم فئات قوية بالداخل له إلى جانب قواته الخاصة، ولأن إيران والعراق لا يزالان يصران على دعمه بشتى الوسائل حفظا للمحور الذي أقامته إيران بالمنطقة. والمعارضة صامدة ومتقدمة لحصولها على الدعم من الأكثرية السنية، ولأنها صارت تتلقى الدعم اللوجيستي مؤخرا من الخارج. بيد أن قوى النظام ما عادت تستطيع الحسم، كما أن توازن القوى الذي حققته المعارضة لا يتيح لها في المدى المنظور قلب الطاولة على النظام، وإنما قصارى ما تستطيع تحقيقه مناطق آمنة أو عازلة. فكيف إذن يمكن الخروج من المأزق وتحقيق التغيير؟ لا يبدو ذلك متاحا حتى الآن إلا من خلال توافق روسي - أميركي على المرحلة الانتقالية. ويبدو أن موسكو عرضت معالم خطة على الولايات المتحدة، فطلبت أميركا التشاور بشأنها مع إيران.. والنظام السوري. وهي خطة أو معالم خطة تعني شيئا شبيها بالحل اليمني: تشكيل حكومة انتقالية توافقية تتولى السلطة عمليا لحين انتهاء مدة بشار الأسد عام 2014. وخلال ذلك تُوضع القوات العسكرية والأمنية تحت قيادة مجلس عسكري يعيد توحيدها بعد خروجها من الشارع؛ ثم تجرى انتخابات، ويتشكل مجلس تأسيسي يكتب الدستور، وينتهي الأمر بانتخاب رئيس جديد للجمهورية. وبذلك يصبح المعارضون مشاركين في السلطة. ويتوقف عنف النظام ضد الناس، ويعود المهجّرون، وتبدأ إجراءات العدالة الانتقالية، وتبدأ إعادة الإعمار. ولا تعاد هيكلة الجيش وقوات الأمن إلا بعد عام 2014!

إن هذا الحل إن جرت الموافقة عليه من سائر الأطراف العربية والإقليمية والدولية، يظل صعب التنفيذ، لأن المشروع – إن صحت تفاصيله - يتطلب انضباطا عاليا وصبرا من سائر الجهات الداخلية، وهو أمر غير متوافر الآن لدى الطرفين. بيد أن الصعوبة الرئيسية تبقى لدى إيران التي يعني التغيير في سوريا انهيارا لمحورها المتمدد بين طهران وبغداد ودمشق ولبنان. فهي كما تريد ضمانات في النووي، تريد ضمانات في مناطق نفوذها، وهي ضمانات لا يبدو أحد مستعدا الآن لإعطائها إياها حتى أنقرة.

لقد اتضحت الجبهات، واتضحت القدرات والإمكانيات. وما بقي غير مسارين أو خيارين: التوافق بمظلة روسية - أميركية على الحل السالف الذكر.. أو تهدئة الأزمة من دون إخمادها إذا تعذر التوافق، من خلال المناطق الآمنة، وخطوط التماس. أما الإمكانية الثالثة، أي استمرار الوضع الحالي، فلا أحد يقدر على الصبر عليها لا النظام ولا المعارضة، ولا المجتمع العربي والدولي، وهذا هو معنى بلوغ مفترق الطرق!

> > >

التعليــقــــات
زايد العيسى (الرياض) السعودية .، «فرنسا ميتروبولتان»، 15/06/2012
كتب الله تعالى وقدّر على الشعب السوري المُناضل الثائرأن يُؤخّرنصرهم لكي تسنُد العصابةالمُجرمة التي
تحتّل دمشق كلاً الدولتين المُتشابهتين في المنهج والسياسة والتأريخ والمُعتقد بل وحتى في التسمية (إيران
الشيعية،روسيا الشيوعية)فهاتين الدولتين اللتينِ هما أعدى أعداء الإنسانية في عصرِنا الحاضرهما من يسنُد
العصابة الأسدية ويُؤخرسُقوطِها،ولولاهاتين الدولتين بعد قدرِ الله تعالى لكان نظام العصابة الأسدية قد أصبح
جُزءاً من الماضي،ولم يعد خافياً إلا على أعمى البصيرة بأنّ هذا الدعم لا يشمل فقط الدعم المالي والمعنوي
بل وصل إلى الدعم بالمُقاتلين،فإيران فضلاً عن دعمِها لعصابة الأسد بخبراء إيرانيين هي أيضاً تدعمه
بمُقاتلين شيعة من العراق يتبعون لحزب الدعوة ولتيارالصدر ولغيرِهما،وروسيا تدعم بالخُبراء وبالدعم
اللوجستي فضلاً عن الدعم العسكري المُكثّف.وما كان ذلك ليحصل لولا إرادة الله تعالى الذي له الحكمة
البالغة،فثورةُ السوريين ستنتصرُ بإذن الله تعالى وقريباً وسوف يكون في إنتصارِها إنكساراً وخُذلاناً وخُسراناً
وسُقوطاً مُروِعاً بإذن الله تعالى للمدرسة الشيعية (المتطرفة) وللشيوعية (المتغطرسة).
صالح موسى، «المملكة العربية السعودية»، 15/06/2012
ألا يمكننا القول أن الجيش النظام الحكومي سوف يُصاب بضعف اللياقة مع طول أمد الحرب, بحيث تنخفض تدريجياً ثم
تتلاشى، حين يشعر الجنود بالملل والإجهاد والخوف مع ضَعف النتائج, ورمادية المستقبل, وربما تأنيب الضمير لدى
بعضهم لو استمر قتل الثوار بهذا الشكل, سوف ينقطع نفس الشبيحة وعندها، أين المفر؟! ستتخلى عنهم روسيا وإيران
ومُستعمراتهما.
خالد السوري، «كندا»، 15/06/2012
اوافق الكاتب ومرة ثانية أكرر أن أضعف الشرور هو توافق العالم والعرب تحت مظلة روسة أمريكية على
انقاذ سورية. بدل الذهاب الى حرب اهلية.
منال احمد نولاتي، «هولندا»، 15/06/2012
أوافق الأستاذ رضوان السيد على عرضه الممتع ووجود فوارق بين التحولات في تونس ومصر عن ما جرى
في ليبيا واليمن وسورية. هي أنظمة متخلفة بالفعل بمقياس حياد الدولة. الجيش ومؤسسات الحكومة. لكن لا
أعتقد أن الاستنفار والاستقطاب بين الطوائف السورية وصل الحد الأعلى. فهذا أمر مبالغ فيه وهناك موقف
داعم للانتفاضة السورية من فئات عديدة في الطوائف أضعف وزنها التوجه الى العمليات العسكرية والأسلمة.
وحين توفر شروط سياسية كلنا سوف يتلمس ذلك وقد تلعب الطوائف والاقليات أدوار مهمة في إختبارات
واختيارات الانتفاضة.
صلاح الدين، «هولندا»، 15/06/2012
حالة النظام السورى وكيفية بناء مؤسساته تتشابه الى حدٍ بعيد مع الحالة العراقية أيام صدام حسين، فلماذا
كان التوافق الروسى الأمريكى على أحسن حالٍ فى حينها وفى سوريا العكس. الشيئ الوحيد المؤكد هى إتفاق
الجميع على إستعمار الدول العربية من جديد ولكن هذه المرة من خلال إيران وإذلال أهل السنة وتقوية شوكة
الطائفيين، أما لماذا، فالجواب واضح وهى تلاقى المصالح الإيرانية مع المعسكرين الغربى والشرقى ولايهُم
كم سيكون أعداد الضحايا من الشعب السورى ولا يهُم حقوق الإنسان ومحاسبة مُرتكبي جرائم الحرب بعد أن
نجح المعسكرين من تحويل الثورة الشعبية الى حربٍ أهلية من خلال إجبارهم للأهالى بأخذ المبادرة والدفاع
عن أنفسهم وفى هذه الحالة يُصبح كل شيئٍ مُباحاً مما تعطى النظام السورى الغِطاء القانونى لتبرير جرائمه.
mwaten، «الاردن»، 15/06/2012
هناك اختلاف كبير بين كل من مصر وتونس واليمن وليبيا في مصر وتونس هناك رسوخ للدولة المدنية بمؤسسات شابها
فساد وكان هناك استبداد وهي شيبهة بدول شرق اوروبا قبل التحول الديموقراطي اما ليبيا فلا وجود للدولة ومؤسساتها
وتدخل الغرب عسكريا هو من ساند الثوار في اليمن الدولة غير قادرة على حسم الامور فالقبائل مسلحة وقوية وزعماؤها
يحظوا بنفوذ فوق الدولة كما ان علي عبد الله صالح ومجموعته ينتمي لنفس القبائل ولا تقبل القوات المسلحة في الولوغ في
دم الشعب المنتمي لنفس القبائل اما الوضع السوري فدخول الحركات القومية مع الطوائف والتي مجملها هي حركات
مستبدة (نلاحظ كيف القوميين واليساريين على سبيل المثال في الاردن لا زالوا يدعموا النظام الاسدي) كل ما تقدم قاد الى
عدم تمكن الثائرين في سوريا من حسم الامور فالجيش السوري مسيس بعكس الجيش المصري كما ان الغرب لا يرغب
بتغيير نظام الاسد هذا النظام الذي وفر الامن والامان لاسرائيل.
مالك حسن، «فرنسا ميتروبولتان»، 15/06/2012
حتى الحل الوارد بنهاية المقال يبدو مستحيلا على الأرض. العلويون يحتلون الآن كل المراكز العليا والمتوسطة وحتى
الدنيا في جميع أجهزة الدولة ومرافقها وصولا للقضاء والسلك الدبلوماسي والتدريس الجامعي، ناهيك عن الجيش وأجهزة
الأمن العديدة النقية طائفيا، وهؤلاء جميعا يتعاملون مع المجتمع منذ عقود بنفسية المالك ضمن منظومة متكاملة من انضباط
أمني صارم يشمل أدق تفاصيل الحياة. والكارثة أن كل ذلك إنما تم بصيغة فريدة تم فيها إلغاء الدولة نهائيا ليستعاض عنها
بنظم أمنية يمسك بها قائد أبدي له كل العبودية والولاء. الخلاصة أن المشكل السوري غير قابل للحل بالطرق المدرسية.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2013 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام