الاحـد 24 ذو القعـدة 1431 هـ 31 اكتوبر 2010 العدد 11660 الصفحة الرئيسية







 
علي سالم
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
الحياة عندما تتحول إلى أوراق غاشة ومغشوشة

ليلة الافتتاح لعرض مسرحي غنائي راقص، امتلأت القاعة بالمتفرجين، الحجز في الشباك منتعش لأسبوع مقبل، البطلة نجمة العرض ترسل وصيفتها لاستدعاء المنتج الذي جاء على عجل، ملامح وجهها غطتها طبقة من الماكياج والاستياء، بكل ما لديه من رقة وعذوبة قال لها: تحت أمرك يا ست الكل.. اؤمري، تحت أمرك.

قالت باستياء: انت ظلمتني في العقد بتاعي.. ضحكت علي.. مش أنا اللي آخد المبلغ ده.

رد عليها بلطف: أنا تحت أمرك يا ست الكل.. بكرة الصبح إن شاء الله هنتكلم، وربنا يسهل.

قالت بصرامة: ربنا يسهل الليلة دي.. أنا عاوزة ضعف الأجر اللي مكتوب في العقد.

بمقاومة ضعيفة قال لها: هو حضرتك جاية تكلميني في أجرك قبل الافتتاح بدقيقة.. هي العقود عملوها ليه؟ ومع ذلك ولا يهمك.. إن شاء الله خير.. هتكوني مبسوطة.. ولا يهمك.

تحولت إلى نمرة وقالت بشراسة: بتقول لي العقود عملوها ليه؟ عملوها عشان تتلغي لما تكون مش عجباني.. فاهم؟ أي.. أي.. الحقوني.. اطلبوا لي الإسعاف.. ودوني المستشفى.

لقد هاجمتها آلام الزائدة الدودية بضراوة، وانتقلت إلى المستشفى. انتهى العرض المسرحي قبل أن يبدأ، وخرج الناس ليصطفوا أمام شباك التذاكر ليستردوا فلوسهم، وفي الصباح كانت النجمة معها ورقة من المستشفى موقعة ومختومة بأنه قد أجريت لها عملية الزائدة الدودية؛ حيث كانت على وشك الانفجار، مما هدد حياتها. الاختيار الوحيد المتاح أمام المنتج كان هو السكوت وتحمل خسارته في ألم بعد أن انفك طاقم الممثلين وذهب كل منهم إلى حال سبيله نتيجة لرفض باقي النجمات لعب الدور. طبعا النجمة اختفت من السوق بعد أن اكتشف المنتجون أن لها عدة زوائد دودية تلتهب فجأة، مما يتطلب إجراء عملية في مستشفى متخصص في إصدار الشهادات المضروبة أو المغشوشة.

لا أهمية للعقود في الفن والنشر والثقافة، وأحيانا في السياسة. ما يجعل من الورقة عقدا ملزما ليس توقيع الناس عليها، بل درجة اعتبار الذات التي تدفع الإنسان إلى احترام تعهداته والوفاء بها مهما كلفه ذلك من مشاق أو خسارة.

عقد آخر أو ورقة أخرى، تعاقد نجم الكوميديا الصاعد على العمل في مسرحية مقابل 5% من صافي الإيراد اليومي، ونجح العرض، بعد أيام مر على المنتج وقال له وهو يقف على الباب:

مساء الخير.. أنا من بكرة بـ7%.. سلام عليكم.

النجم لم يهدد بشيء، ولكن كان من السهل على المنتج أن يدرك أنه إذا لم يستجب لطلباته فلن يأتي في الغد ويرسل بدلا منه شهادة طبية مختومة تقول إنه مصاب بفيروس غريب في البنكرياس يحتم البقاء في السرير حتى نهاية الموسم المسرحي.

تكرر الموقف نفسه عدة مرات إلى أن ارتفعت نسبته في شهر واحد إلى 25%، وكان لا بد من قرار سريع لحماية المنتج من الإفلاس، جاء النجم في موعده ليجد المسرح مغلقا، لقد انتهى الموسم المسرحي للفرقة وعلى الممثلين الحصول على مستحقاتهم من الحسابات.

لنرجع إلى الوراء عدة سنوات في مجال السينما، كانت الضرائب مرتفعة، وللإفلات منها قرر الممثلون والمنتجون اللجوء إلى اختراع جديد هو (جوة العقد) و(برة العقد) أي يكتب العقد بنصف المبلغ المقرر دفعه والباقي يحصل عليه الممثل بغير التوقيع على أوراق من أي نوع، وأنا أعتقد أن هذا النوع من التعامل أو التحايل مشتق من التصوير السينمائي ــ خارجي وداخلي أعتقد أن نظام (برة العقد وجوة العقد) كان السبب الرئيس في دمار الإنتاج السينمائي في مصر؛ نظرا لأنه من المستحيل النجاح في أي مشروع تجاري بدفاتر خربة وذمم أكثر خرابة.

ننتقل إلى مجال آخر من ميادين الإنتاج الفكري، قال لي مدير النشر في التليفون: عرفنا أنك انتهيت من كتابة الكتاب الفلاني.. ونحن نريد أن ننشره.

رحبت على الفور وحددت معه موعدا للقاء، أعطيته الكتاب وسألته: هنكتب العقد إمتى؟

فقال لي بفخر وكبرياء: نحن لا نتعامل بالعقود، نحن نتعامل بالكلمة.

هو يعمل مديرا للنشر في مؤسسة صحافية كبرى، بالتأكيد هو يمزح معي ربما استنادا إلى أنني أكتب الفكاهة أحيانا، غير أنني عندما تفرست في ملامح وجهه وجدته جادا تماما، وبالفعل اتفقت معه على الحصول على 10% من سعر الغلاف بغير كتابة أي عقد، وبعدها تغير المنهج، جاء آخرون توقفوا عن التعامل بالكلمة ولجأوا إلى العقود، في المرة الأولى بغير عقد استطعت الحصول على مبلغ معقول، بعد ذلك في وجود العقود حصلت على عُشر استحقاقي عن كتبي التي نشرتها عندهم. ومع الأيام حدث ما كان يجب أن يحدث، تحولت إدارة النشر إلى خرابة، وهذا أمر طبيعي، فعندما تنشغل بالرغبة في أكل حقوق الناس وتغطية ذلك بأوراق غاشة ومغشوشة، فمن المؤكد أنك لن تهتم بحماية نشاطك وتنمية عملك. هل هناك أمل في حصولي على حقوقي منهم، أن أقاضيهم مثلا أو أشكوهم للجهاز المركزي للمحاسبات أو أبلغ فيهم النائب العام؟

الإجابة: كلا.. هي معركة خاسرة في كل الأحوال. بالتأكيد سيأتون بشهادات مختومة ومعتمدة تثبت أنني وزعت في وجه بحري خمس نسخ، وثلاث في صعيد مصر، ووزعت نسخة واحدة في الخليج العربي بما فيها السعودية، ونسختين في المغرب العربي، ونسخة في سورية، وأن النسخ التي شحنت إلى العراق انفجرت فيها سيارة مفخخة، وليس ببعيد أن يؤيدوا أقوالهم بشهادة معتمدة من إدارة النشر والتوزيع في الأمم المتحدة.

من أهم أقوال مكيافيللي في كتابه «الأمير»: لست مهتما بفساد الأمير، سيأتي أمير آخر ويصلح الأمور. الأمر الخطر حقا هو أن تفسد الناس، هنا يتطلب الأمر أميرين صالحين متعاقبين يحكمان لثمانين عاما، وهذه صدفة صعبة المنال، عندما يدب الفساد في الأمة، تفقد حريتها ويصبح في مقدور أي أحد الاستيلاء عليها.

عندما تتحول الأوراق المختومة المعتمدة الغاشة والمغشوشة إلى بديل عن الحياة ذاتها، فهذا معناه أننا نسير في سكة الندامة، من المهم للغاية أن نحارب الفساد في أي فعل فاسد، وتصور بعض الكتاب أن الفساد عنوانه السلطة وحدها يمنعنا من رؤيته وهو يعشش في عقول وقلوب معظمنا. لقد استولت العصابات في مصر على عشرات ألوف أو مئات ألوف الفدادين في كل أنحاء مصر بغير استخدام لسلاح الترويع والتخويف كما كان يحدث في العصور الوسطى، بل باستخدام الأوراق والأختام الغاشة المغشوشة، كل من يقوم بتزوير وثيقة من أي نوع، عليه أن يقضي بقية عمره في السجن.

> > >

التعليــقــــات
كاظم مصطفى، «الولايات المتحدة الامريكية»، 31/10/2010
الثقه هي النهر من النبع الصافي للحياة بين البشر فكل العلاقات الثنائيه ابتدأ من العائله والمجتمع والدوله وبين الدول
المختلفه اساسها الثقه وهي الركيزه التي تنظم الحياة بين الامم. فان انعدمت الثقه وحل محلها الريبه والشك كان نتيجتها
الافلاس والخراب والحروب وعدم احترام الوثيقه التعاقديه الورقيه والغاء مضمونها هي اسهل ما تكون في حين يبقى
الضمير الانساني الصادق والواعي مناره مضيئه وعسيره على الظالمين ومحرومي الضمير من اطفائها. وقديما قيل
الرجل كلمه. والمسأله اليوم اين الرجال؟
عواطف على (الكويت )، «الكويت»، 31/10/2010
انتشر الفساد وعم البلاء عندما سميت الأمور بغير أسمائها فالإحتيال ذكاء والسرقة شطارة والرشوة أتعاب والشر فضيلة والخير رذيلة فعندما يسود مثل هذا المنطق المقلوب يشعر المرء بالإحباط و بأنه يستحيل أن ينال حقه في أبسط الأمور دون الإلتفاف والقفز على القوانين والأنظمة كما يفعل الآخرون من أجل تحقيق مكاسب شخصية ضيقة.
يحيي صابر شريف - مصري -، «فرنسا ميتروبولتان»، 31/10/2010
الغش آفة الزمان وكل زمان ويلبس المرء من الصغر عندما يغش في الامتحان بمراعاة من ولي امره وكنا ونحن طلبة في
كلية الحقوق نخشي ان نقع في الغش حيث الغاء الامتحان بل وكان يصل الامر الي استحالة النجاح فيما بعد وكان يؤكد لنا
ذلك اساتذتنا ولأن كلية الحقوق يتخرج منها أرباب الفكر والقانون فكان لابد ان يقفل باب الغش بالضبة والمفتاح لأن من
خريجي الكلية من سيجلس علي منصة القضاء يوما ما 0كان هذا وحتي زماننا ولكن لاندري ماذا يحدث الآن وخير خاتمة
من غشنا ليس منا صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم 0
جيولوجي / محمد شاكر محمد صالح، «المملكة العربية السعودية»، 31/10/2010
زبدة المقال في السطرين الأخرين والتي توضح أستيلاء البعض في مصر علي أراضي من خلال أوراق مزورة وهنا تبرز
أهمية القانون وتطبيقه بشدة علي كل من يخترق أو يسرق شئيا ليسا من حقه والقانون يطبق من خلال الحكومة وسلطاتها
الشرعية والتنفيذية وبالطبع لايستطيع أنسانا عادي ان يزور اوراقا هكذا بسهولة لذلك سوف تجد اغلب هؤلاء اللصوص
للأسف من اصحاب المسؤليات الكبيرة في الدولة فهل الحكومة تسطيع ان تنفذ القانون علي هؤلاء؟ ام اننا نعيش ماوضحه
لنا رسول الله محمد صلي الله عليه وسلم في حديثه الشريف (أنما أهلك الذين قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا
سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)
منتظر القيسى/ العراق، «روسيا»، 31/10/2010
يحكى ان مجموعة من الرجال الصالحين فى البلاط كانوا كلما طغى ملك مملكتهم إجتمعوا سراً يدعون عليه أربعين ليلة
حتى يموت فيخلفه وريثه الذى لايلبث أن يستعيد سيرت سلفه ليلاقى المصير ذاته هكذا الى أن فنت الأسرة المالكة فإحتار
أؤلئك الرجال فى كيفية إختيار ملكٍ جديد ,وبعد أخذٍ ورد إتفقوا على تنصيب أكثر صلاحاً وذكاءً وإطلاعاً بإمور الحكم
ليكون ملكهم العتيد,لكن الرجل ما إن ذاق حلاوة السلطة حتى راودته نفسه بالإنفراد بالحكم وتأسيس سلالة حاكمة بعيداً عن
مثاليات أصحابه الذين يكبحون جماح نزواته بما يعرفه عنهم من كرامة ,ولكى يجردهم من قوتهم ,بعد أن فشلت محاولاته
لإخراجهم عن الطريق القويم دعاهم الى إجتماع وطلب منهم إن يأتى كلُ منهم ببيضة من حر ماله ويضعها فى قدرٍ ليتم
سلقها معاً ,وبعدها إمرهم بأن يأكل كل واحدٍ منهم البيضة التى جاء بها ,وبما أن الواحد منهم لم يعرف بيضته فقد أكلوا ما
ليس لهم ,وهذا هو حال شعوبنا التى تمارس الفساد كلٌ من موقعه حتى بات إصلاح أوضاعنا المزرية ضرباً من المحال.
جلال الدين حبيب، «مصر»، 31/10/2010
الدودة فى اصل الشجرة والشجرة هى ادارة شئون المجتمع يعنى برضك الحكم !! حتى المثل الذى ضربته عن هبر
الاراضى ما كان لشئ منه ان يحدث لولا !! وضع مع لولا هذه المسئولين عن الاختام والتوقيعات والتصديقات وما اليها
التى تتم على اعلى مستوى فى المؤسسات المكرس من اكبر السلطات . واضرب مثلين من عالمين احدهما دينى والاخر
مادى صرف . فى شبه الجزيرة كان المجتمع فى القرن السادس فاسدا فسادا شبه مطلق وقامت دعوة دينية ربت كوادر فى
برهة من الزمن غيرت طبيعة ادارة شئون المجتمع فانطلقت فئة قليلة من البدو ينشئون بنجاح عظيم حضارة زاهرة . وفى
الصين كان الفساد طاميا والشعب كاد كله ان يكون سعيدا بقعوده فى خدر الافيون ودخانه والدنيا كلها تنهش اوصاله حتى
قرب نهاية القرن المنصرم وقامت دعوة مادية خالصة ربت كادرا غيّر طبيعة ادارة شئون المجتمع ولم يهرجل فى شئ او
يهجص وان كانت له من الناحية الانسانية جرائم حسبت عليه . واذ فى برهة من الزمن فى عمر الصين تتغير البلاد
والعباد الى ما نقرا ونسمع ونشاهد اليوم عن القوة العظمى الثانية فى العالم. كل المصلحين فى التاريخ كانت غايتهم ادرة
شئون المجتمع بالعدل لصاح الجميع.
Mailoud Saad، «ليبيا»، 31/10/2010
سيد سالم ؛ نهبت دول فى غفله من الزمن من قبل اشباه العسكر؛ شيوخ القبائل وزعران الطوائف؛ فلاتلومن الناس إن كانوا على دين تلك الزمر التى شرعنت الفساد وغيبت الضمائر إستحاله أن ترقى هده المخلوقات المشبوهه إلى صفة ومكانة الإماره وإن كانت ميكافيليه.
سالم البغدادي، «لوكسمبورج»، 31/10/2010
فعلاً يا أستاذي الكبير علي سالم ، فساد الشعوب أخطر ألف مرة من فساد الحاكم الزائل ، ولكن نرجع ونقول من أفسد من؟

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2013 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام