الثلاثـاء 20 شـوال 1431 هـ 28 سبتمبر 2010 العدد 11627 الصفحة الرئيسية







 
عبد الرحمن الشبيلي
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
(عن آخر روايات القصيبي) وحشٌ يسمى ألزهايمر

«أقصوصة»، كتبها د. غازي القصيبي قبل وفاته بأسابيع، قرأتها مرتين: الأولى شغفا بإسقاطها على ما أعرفه عن هذا المرض الوحش، كما كتبت في جريدة الشرق الأوسط (2010/3/27م)، والثانية لأستطلع ما إذا كانت مع ما فيها من خيال تصوّر حالة مرّت عليه في محيطه الأسري، إذ من عادة بعض رواياته أن تخلط الحقيقة مع الخيال، والواقع بالصور الأدبية، ولعل من النادر أن تجد قصة كهذه مبنية على العلوم الطبيعية والبحتة لا يكون لكاتبها تجربة معها.

فجأة تحول القصيبي في روايته الوداعية الأخيرة هذه، من كاتب رومانسي إلى راوٍ خيالي ممزوج بالنفسي والطبي والتراجيدي، صوّر من خلالها قصة زوج حَالَ فقدُ الذاكرة عنده بسبب ألزهايمر دون أن يتذكر اسم العطر المفضل عند زوجته، فيدرك أنه المرض الخبيث ذاته الذي قد تصاب به ذاكرة من يقارب السبعين (وهنا نتذكر أن القصيبي توفي عن هذا العمر)، فيتوجه للعلاج في أحد المراكز الصحية المتخصصة في هذا الداء في أميركا (جامعة جورج تاون).

وهنا يعرّج القصيبي، في فصول قصيرة، على تاريخ هذا المرض الذي اكتشفه الطبيب الألماني (ألويس ألزهايمر 1906م)، ويصفه بأنه تلفٌ يصيب خلايا الدماغ بالتدريج عند المسنين، فيسمى باسم مكتشفه، بينما كان يعرف في الثقافة الشعبية العربية باسم الخرف أو العته الذي يعود بصاحبه طفلا، أو إلى أرذل العمر، كما ورد وصفه مرات عدة في القرآن الكريم.

اثنا عشر فصلا قصيرا، يقرؤها الجالس في ساعة، والمسافر في رحلة، رسائل يوجهها الزوج من مشفاه إلى زوجته، ينتقل فيها بلسان من اختلطت عليه الأمور بعد أن أزال ألزهايمر نقوش لوحة ذاكرته، فبدأ بالتوهان، ونسيان القديم، ثم الأحدث، وهكذا إلى أن يصل به الأمر إلى عدم تمييز من حوله، وما يحيط به من الأشياء، وصف المرض مرة بأنه وباء أرستقراطي، وأن صفوة الصفوة قد أصيبوا به من علماء وقادة ونجوم سينما وغيرهم مستشهدا بالرئيس الأميركي ريغان الذي وصف المرض متندّرا بأنه مرض جميل تقابل فيه الأشخاص أنفسهم، وتظن أنك ترى وجوها جديدة كل يوم.

وفي بعض هذه الفصول يخلط شخصية الرواية - الأُقصوصة (يعقوب العريان) وبأسلوب مشوق، بين السياسة وتحوّلاتها والمجتمع وتقلباته، ثم يعود لوصف حال المصابين بالمرض ومعاناة من يوالونهم من ذويهم، مصوّرا بإبداع أعراضه التي تميّزه عن غيره من أنواع الخرف، وكأن القصيبي يعايش حالة بعينها من بين أقرب ذويه، مشكّكا في مقدرة الحب وكذا الإيمان في أن يمدّا من هم حول المريض بالعزيمة الدائمة لتحمّل مأساة الرعاية الدءوبة، وهو مع تصويره الدقيق الموجز لشخصية المصاب والتهيّؤات العصبية والنفسية التي تعتريه، والحركات والتصرفات غير المألوفة التي يبديها على مدار يقظته، فهو يستشهد ببعض الكتب الغربية التي صدرت عن مرض ألزهايمر، ومنها كتاب (إلينور كوني 2004م) بعنوان: «الموت بسرعة بطيئة» عن مذكرات ابنة ووالدتها مع الوحش الذي يسمى ألزهايمر، وكتاب آخر لقسيس أميركي (روبرت دانيس 1989م) أصيب بالمرض في مرحلة مبكرة نسبيا من عمره، فحاول أن يلجأ إلى الإيمان، في معركة ضارية بين الإيمان والنسيان.

وتنتهي الرواية القصيرة بورشة عمل يلتقي فيها الأطباء المتخصصون في هذا المرض في مركز جامعة جورج تاون مع المرضى ومن يتولون رعايتهم يشرحون فيها المراحل الثلاث المبكرة والمتوسطة والمتقدمة التي يمر بها المصابون، وخصائص كل مرحلة، مع تقرير أن الطب لم يستطع حتى الآن إنتاج عقار يصدّ تقدمه في المرحلتين الأخيرتين، مما يعني أن حالة من التشخيص المبكر قد تفيد في منع تدهوره، ولا بد لقارئ الرواية التي تلامس واقع مرضى ألزهايمر من أن يخلص إلى أن الإفصاح عن حالة المريض في الأسرة يمثل البداية العملية في إسداء العون له.

وعندما أراد القصيبي أن يطلق رصاصة الرحمة على مريضه الذي تخيله بطلا لروايته، أو لعله أطلق رصاصة شفقة بالقارئ، أعلن في النهاية عن موت الزوج بنوبة قلبية مفاجئة لم تكن لها علاقة بالوباء الذي عانى منه.

بالنسبة لي، لم أكن أمام رواية، ولم أقرأ أُقصوصة أو خيالا، بقدر ما كنت أقرأ حقائق طبية، وُضعت في قالب يحقق التوعية والإعلام عن المرض بأسلوب واقعي وجذاب.

إنه نمط مختلف في الرواية العربية لم يطرق كثيرا، خدم به القصيبي، رحمه الله، أصدقاء مرضى ألزهايمر وجمعياته الخيرية في عالمنا العربي، حتى تصل إلى المستهدفين من القراء وذوي المصابين، وتحث همم المتخصصين والمسؤولين الصحيين، على أن يُولوا هذه الشريحة من المسنين وهذا المرض المجهول - المعروف ما يستحقه من أولوية واهتمام.

* بمناسبة اليوم العالمي لمرض ألزهايمر

** باحث وإعلامي سعودي

> > >

التعليــقــــات
ناصر محمد، «المملكة العربية السعودية»، 28/09/2010
وماذا يمكن أن يقال عن الانسان غازي القصيبي بعد؟ لم يترك رحمه الله أي شئ لخدمة الانسان الا وعمل به فكراً تأليفاً
عملاً سواء رسمياً أو شخصياً إلا وقام به حتى في أيام مرضه لم يتواني عن القيام بما يمليه عليه فكره الانساني تجاه
أخوانه بني الانسان في كل مكان والله أني لو أصابتني الانفلونزا فقط لتوقفت عن كل شيئ في هذه الدنيا ولم يعد لي نفس
لأعمل أي شئ فما بالكم لهذا المرض الذي أصاب هذا الانسان لا يسعني إلا أن أقول رحمك الله رحمة واسعة.
ابراهيم علي عمر، «السويد»، 28/09/2010
قلم القصيبي كان يختلف عن بعض الأقلام،وقلم القصيبي يشبه لحد ما،قيتارة تعزف لنا في كل مرة لحنا جديدا،يختلف عن
الأول.مرة تراه يعزف لأغنية رومانسية يطرب لها العشاق،وأحيانا أخري يعزف لأغنية حزينة تحكي مأساة البؤساء في
الأرض.وثقافة القصيبي كانت تختلف عن ثقافة رجال هذا العصر،ولهذا السبب كان حساسا كان يتألم لألم الناس،مهما كان
هذا الانسان.كان القصيبي يحمل هم الانسان،لم يكن منتميا الي بلد معين،ولم تكن لهذا الرجل هوية،غير هوية الانسان.رحم
الله القصيبي.برحمته الواسعة،وجعله من اهل الجنة.
سعد عبدالله الماضي/الرياض، «المملكة العربية السعودية»، 28/09/2010
لقد فقدنا إسطورة أدبية و إدارية و وطنية....أسأل الله أن يرحمه ويغفر له وأن يعوضنا عنه خيرا.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2013 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام