الثلاثـاء 19 شـوال 1431 هـ 28 سبتمبر 2010 العدد 11627 الصفحة الرئيسية







 
مشاري الذايدي
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
من فتنة إلى فتنة.. أين المسير؟

أمسى الموضوع الديني ملتهبا في العالم كله، ليس في العالم الإسلامي فقط، وصار الإيقاع الزمني لتفجر الأزمات الدينية أكثر تسارعا من ذي قبل. فهل هو فعلا «قرن الأديان» كما تنبأ رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير ذات مرة؟!

آخر هذه الأزمات، وبعد أن أوشك غبار أزمة القس الأميركي تير جونز أن يخمد، كانت تصريحات منسوبة لأحد قيادات الكنيسة القبطية المصرية، الأنبا بيشوي حول القرآن، وهي التصريحات التي عاد رجل الدين المسيحي هذا فنفى ما فهم أنه إساءة للإسلام والمسلمين، خصوصا بعد أن خرج رأس الكنيسة القبطية وبطريرك الكرازة المرقسية الأنبا شنودة بنفسه على التلفزيون المصري متحدثا بألطف خطاب للمسلمين المصريين والمسلمين عامة، وعبر عن «الأسف» لجرح مشاعر المسلمين بسبب تصريحات الأنبا بيشوي. وقال في مقابلة مع التلفزيون المصري الحكومي: «أنا آسف جدا أن يحصل جرح لشعور إخواننا المسلمين» وأعرب عن استعداده «لترضيتهم بأي طريقة». وأضاف أن: «الحوار الديني يجب أن يكون في النقاط المشتركة في المساحة المشتركة». وأكد البابا شنودة أيضا أن «مناقشة المعتقدات الدينية خط أحمر يجب عدم تجاوزه».

في المقابل كانت تصريحات شيخ الأزهر أحمد الطيب التي رفض فيها التعليقات المنسوبة للأنبا بيشوي، على حزمها وصرامتها من رمز المؤسسة الدينية الإسلامية الأول في مصر، تحمل قدرا من الإحساس بالمسؤولية والبعد عن التأجيج، والتنبيه على أنه لا يجوز في ظل هذا التوتر العام أن يصب الزيت على النار ويحدث شرخ عميق في الوحدة الوطنية باعتبار أننا: «في وقت نحن اشد ما نكون في حاجة لصيانتها». حسب تعبير شيخ الأزهر.

لنتذكر أنه قبل أيام فقط اشتعل الإعلام الخليجي بتصريحات شاب شيعي معمم هاجم فيها العقائد السنية، الأمر الذي أدى إلى إصدار الدولة في الكويت أمرا بحظر التجمعات «الخطابية» المضادة، بالتوازي مع سحب الجنسية الكويتية من هذا المعمم الشيعي المتوتر ياسر الحبيب.

وقبل ذلك ثارت فتنة بسبب ما نسبته إحدى القنوات الفضائية الحريصة على برامج العراك السني الشيعي «تحت اسم الحوار» إلى مرجع الشيعة الأشهر السيد علي السيستاني من تكفير لأهل السنة، الأمر الذي جعل مكتب المرجع الشهير يصدر بيانا صريحا ينفي فيه هذا الكلام ويؤكد على أن أهل السنة من جماعة الإسلام.

وقبل ذلك كانت تصريحات الخطيب والواعظ السعودي محمد العريفي التي هاجم فيه السيستاني دينيا، وهو ما أحدث غليانا سياسيا في العراق وغيره، خصوصا أن هذا الهجوم تزامن مع موسم انتخابي طائفي بامتياز، وانتقد العريفي من انتقده من عقلاء السنة وناصره من ناصره من الخطباء والوعاظ.

الأمر لم يقتصر على التراشق الطائفي داخل الإطار الإسلامي، بل كلنا نتذكر الأزمة الدينية الكبرى التي أحدثها البابا بنديكتوس السادس عشر في محاضرة بإحدى الجامعات الألمانية في سبتمبر (أيلول) 2006 حيث أورد اقتباسا من القرون الوسطى استفز المسلمين بسبب تهجمه على تاريخ المسلمين، الأمر الذي جعل البابا يسارع للتوضيح والتراجع لاحقا بأنه أورد الاقتباس لا على سبيل الاقتناع به.

البابا انتقد من قبل كبار الرموز الدينية والسياسية في العالم الإسلامي حيث وجه له شيخ الأزهر، حينها، الشيخ طنطاوي انتقادات حادة. ونقلت وكالة رويترز أن شيخ الأزهر أوضح خلال لقاء مع ممثل الكنيسة الكاثوليكية في القاهرة أن البابا «سكت دهرا ونطق كفرا». ولم يتخلف مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية علي خامنئي عن نقد بابا الفاتيكان على محاضرته تلك.

وغيرهما كثير من الرموز السياسية والدينية في العالم الإسلامي.

هذه محطات سريعة ضمن السنوات الأخيرة فقط وصولا إلى هذا الأسبوع، تبين لنا مدى الأزمة التي تنتظرنا في ظل انقطاع سبل الحوار بين الثقافات، المشكلة هنا معقدة، فأي معتقد ديني ينظر لنفسه على أنه هو الحق المطلق، وغيره الباطل، وهنا تصبح الأزمة خطيرة وعميقة وبلا نهاية إذا اصطدمت الأديان ببعضها، لذلك كان الحل هو بأن يحتفظ كل دين بما لديه «لكم دينكم ولي دين»، والأمر في النهاية غير قابل لـ«الحسم» في هذه الحياة، ولا يظل إلا البحث عن النقاط المشتركة والمناطق التي يمكن الوقوف عليها سوية - وهذا هو «جوهر» مشروع حوار الأديان والثقافات - عوض صدامها الذي يمكن أن يبدأ على شكل تصريحات ثم حروب، وقديما قال الشاعر:

فإن النار بالعودين تذكى

وإن الحرب مبدؤها كلام!

ومن هنا ننطلق لنسأل: ماذا يعني كلام شيخ الأزهر عن أنه لا يجوز إثارة الفتنة وشرخ الوطنية، أو كلام بابا الأقباط عن أن الكلام في الأديان خط احمر؟

يعني أن الوطن هو الإطار الجامع لكل مكونات الشعب، وعليه فهو الأساس الذي يقف عليه الجميع، والهوية المشتركة، إنه موقف يعيد لنا التذكير بموقف رواد النهضة العربية المدنية: «الدين لله والوطن للجميع»، وهو الشعار الذي ظل كثير من منتجي الخطاب الأصولي يهاجمونه ويقبحونه، وظل كثير من الجمهور العربي يرحب بهذا الهجوم، حتى أفقنا على مشاريع فتن دينية وطائفية تحرق الأخضر واليابس، وتنذر بالمزيد.

ماذا ننتظر أكثر حتى نعرف أن المواطنة هي الأساس الذي يبنى عليه، وهي المعيار الذي يجب أن يكون عروة بين الحاكم والمحكوم، وبين شرائح الشعب كلها، لأنه بغير ذلك نكون أمام دورات، متباعدة أو متقاربة، حسب الظروف، لهزات اجتماعية وفتن أهلية بين أصحاب الملل والنحل. وكلنا نشاهد بأم العين دخان الحروب الطائفية أمامنا.

إن عودة الإثارة الطائفية والدينية بهذا العنفوان دليل واضح على فشل المشاريع الوطنية في العالم العربي، وإخفاق «غالب» المجتمعات والدول العربية والمسلمة في العبور إلى بر الراحة والقطيعة مع فكر الحروب الدينية والطائفية التي عانت منها أوروبا كثيرا وسالت أنهار من الدماء على مذبح الحروب بين الكاثوليك والبروتستانت، يعرف ذلك أدنى مطالع للتاريخ الغربي. حتى عندنا؛ نعرف كيف استنزفت هذه الصراعات طاقات عالمنا الإسلامي والعربي في الغابر والحاضر.

التبشير بالهوية الوطنية والوعي المدني ليس مجرد خطب ومحاضرات، وأخشى أنه ليس مجرد قرارات وخطط ومشاريع من حكام، حتى ولو كانوا صادقين في ذلك، أخشى أن الوصول إلى الوعي بفكرة المواطنة والعلاقة التعاقدية مع الدولة هو «سيرورة» اجتماعية وتاريخية حتمية قد تتعمد بالكثير من الشقاء والعناء، فلا ينال عسل النحل إلا بعد وخز إبرها..

بكل حال، ليست هذه إلا خشية، وليس «حتما» بالضرورة أن نعيد اختراع العجلة، ونعاني كما عانى غيرنا حتى ندرك أنه لا مناص من جعل المواطنة هي أساس العلاقة الأفقية والعمودية، أي بين أفراد المجتمع أنفسهم، وبينهم وبين الدولة.

حتى هذا الحين، يستحسن كثيرا أن يتمتع عقلاء وحكماء الديانات في العالم بكثير من الأناة، وينتبهوا بشكل بالغ إلى ما ينطقون به، فإن الكلمات، خصوصا منهم، تشعل نارا، أو تورق أشجارا..

m.althaidy@asharqalawsat.com

> > >

التعليــقــــات
كاظم مصطفى، «الولايات المتحدة الامريكية»، 28/09/2010
الطائفيه هي الافه والحريق الذي يحرق الاخضر واليابس ولابد للمسلمين بكافة طوائفهم ان يتعلموا الدرس من الحروب
الطائفيه التي حدثت بين الكاثوليك والبرتستانت في غرب اوربا ولا زالت في ادنبره وحتى الحرب الاهليه الاميريكيه قبل
قرنين من الزمن كانت طائقيه بين الكاثوليك في الجنوب والبروتستانت في الشمال ولم تك لتحرير العبيد كما اعلن
البروتستانت. ملالي ايران وما يقومون به من صرف الاموال للتشيع في افريقيا وسوريا ولبنان وباكستان بالاضافه الى
محاولة الهيمنه على الحكومه العراقيه لتأسيس دويله لهم في الجنوب اسوة بدويلتهم في جنوب لبنان هي السبب في الشحن
الطائفي ليس في العراق بل حتى في الكويت والبحرين. خطب التسامح لبعض الشخصيات الدينيه لن تؤثر في الشارع بقدر
تأثير الفضائيات الدينيه التي تؤجج الحرائق وليس من حل الا بأصدار التشريعات القانونيه وتجريم مثيري الفتن من كل
الطوائف والاديان وغير ذلك سنبقى نحرث في البحر. يولد الانسان على دين وطائفة ابويه وهو مغلوب الاراده في هذا
الامر واذا كان الكاثوليك من القوه سابقا واضطرار البروتستانت للهجره لاميريكا فهل هناك اليوم من متسسع لهجره طائفيه
الساحل الشرقى -الدمام، «المملكة العربية السعودية»، 28/09/2010
ياأخى الكاتب لماذا كل هذه الحساسية من موضوع الشاب المعمم الشيعى على قولتك لماذا تظخمون المواضيع وتكبرونها
على اتفهه الاسباب الرجل ترى ما كفر حتى تحملون عليه كل هذه الحملة لابل قال رأيه وقد يكون أصاب أو يكون أخطأ
ونحن بشر معرضون للصواب والخطأ وفى زمن معاوية بن أبى سفيان أجاز سب الامام على عليه السلام أربعين سنه
على المنابر حتى جاء عمرو بن العاص منع سب الامام على عليه السلام ..!!
محمد حسن، «المملكة العربية السعودية»، 28/09/2010
صوت حكيم. يجب ان يكون الوطن هو الجامع بين كل. التدخل في معتقدات الأخر ومحاولة اسقاطها امر لا يمكن بلوغه.
الحوار مع الأخر للمصالح المشتركة امر بالغ الأهمية للسلم الأجتماعي.
فهد العقل، «فرنسا ميتروبولتان»، 28/09/2010
وأكبر مشترك بين الجميع هو أن الكل إنسان. واستكمالاً لكلامك فإن المصيبة تكون أعظم عندما يتبنى التكفير والإقصاء
دولة وليست طائفة، كما نرى في إيران وإسرائيل فهما وجهان لعملة واحدة ولا يَقِلُّ أحدهما في الشر عن الآخر وإغراق
المحيطين به بهذا الشر. وكلا النظامين التكفيرييَن؛ إسرائيل كدولة يهودية، وإيران كدولة جعفرية، كلاهما يرى في كل
العالم صديق، ولكنهما مع المسلمين لا منهج لهم سوى إثارة الفتن في أرض المسلمين واستهداف المخالِف بالقتل لو وصل
الأمر
د.صادق العدوى، «مصر»، 28/09/2010
السيد الأخ مشارى، مقالكم الشامل يمكن أن يكون بداية لحوار بين طوائف المسلمين أساسا فالاختلاف بين الديانات قائم
على دوام منذ بدء الخلق وجاء الاسلام ليُوحِّد الحقيقة الكامنة فى كل الديانات وهى الأفضل والأحسن للبشرية كلها وهى
معانى مُتأصِّلة فى كل دين ولأن الاسلام هو جامع الديانات وأشملها فالأفضل أن نبدأ الجوار بين طوائف المسلمين
المتباعدة خاصة ما نراه فى أيامنا من تباعد وفرقة بين الشيعة والسنة فى حين أنهم معنى واحد وإسلام واحد فنحن كسنيين
نتَّبع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذى قال من كنت مولاه فعلىُّ مولاه وعن آل بيته قال الكثير ولايمكن أن نُفرق
بين صاحب البيت وأهل البيت إذن الاختلاف فى الناس وليس فى الدين فالمحب للامام على يكون أكثر محبة لمن قال عنه
الكثير من الصفات المحمودة والمحب للرسول صلوات الله وسلامه عليه يكون مُحبا لآل بيته، من هنا وجب علينا أن نبدأ
بأنفسنا كمسلمين نتوحَّد على أساس من عقيدتنا الحكيمة لنكون أهلا لمعنى خير أمة أُخرجت للناس نأمر أنفسنا قبل الآخرين
بالمعروف وننهى عن المنكر ونؤمن بالله، أما من يدّعون أنهم على دين ويهاجمون الاسلام بدون سبب فلا يستحقون أى
رد عليهم
جيولوجي / محمد شاكر محمد صالح، «المملكة العربية السعودية»، 28/09/2010
مايحدث من تراشق بين الملل في دولنا العربية هو دليل مادي دامغ علي تخلف هذه البلاد فلماذا مثلا لا نسمع عن تراشق
بين الملل في الدول المتقدمة أو في الصين او دول شرق اسيا أن هذه المسالأة مروثات ثقافية أدت الي تخلفنا كعرب جميعا
عن ركب التقدم والحضارة الأنسانية أين نحن من مخترعي الأدوية للمرضي؟ اين نحن ممن مخترعي أجهزة تكشف
الأمراض للأنسان وأين نحن من ركب تكنولوجيا الأتصالات الأن؟ اين نحن من أفمار التجسس السلطة علي رؤسنا ليلا
ونهارا أين نحن من وجود أكثر من جامعة صهيونية في صف أفضل جامعات العالم؟ اين نحن من الحرية والديموقراطية
التي في العالم أجمع أين نحن من تنفيذ الأختراعات للشباب العربي؟ أين نحن من معالجة البطالة للشباب العربي؟ اين نحن
من جعل 300 مليون عربي منتج مثلما فعلت الصين التي جعلت مايقرب من مليارا من البشر منتجين لسلعة ما؟ اين نحن
من سماحة الأديان التي نتشدق بها ليلا ونهارا ؟ اين نحن من قيم العمل والصدق وعدم الكذب التي هي اساس جميع الأديان
؟ اين نحن من الفساد الطافح علي مستوي جميع الدول العربية؟ أين نحن, اين نحن نحن نسير علي طريق الفتن والجهل
والمرض والفساد والله المستعان
شاكر عياد، «فرنسا ميتروبولتان»، 28/09/2010
الكاتب مشاري لا حظ في عميق كتاباتك انك تغذي الطائفيه وان لو تكن تشعر فلا زلت حول موضوع ياسر الحبيب دون
ادانته ولو بكلمه اما شتم السيستاني فهولت امره عجبا فالسيستاني اجاز مالم يقبله العقل واخجل من ذكره وبامكانك التاكد
اختر مواضيعك وكلماتك فالجماهير ايضا واعيه ولو بنسبه بسيطه
مشعل، «فرنسا ميتروبولتان»، 28/09/2010
الاستاذ مشارى .اسعد الله اوقاتك بكل خير .انا من المتابعين لمقالاتك .الاان هذا المقال لااجد به اى معلومه اضافيه وانما
هو سرد لاحداث ليس الا.اعذرنى فالعتب على قدر الاعجاب. ان جاز التعبير .دمت سالما؟

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2013 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام