الاحـد 30 رجـب 1431 هـ 11 يوليو 2010 العدد 11548 الصفحة الرئيسية







 
علي سالم
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
الصدق في المسرح.. والكذب في أماكن أخرى

في المسرح، بالتمثيل يبدأ عملنا وينتهي به، وعبقرية أي نص مسرحي ليست في قوة ما يطرحه من أفكار، بل في قدرته على إتاحة الفرصة للممثل لكي يستخرج من أعماقه أفضل ما لديه، إنه خطة التمثيل المسرحي. وعدم الالتزام بها نصا وروحا هو تخريب لفن المسرح. ومؤلف المسرح ليس أديبا، فالأدب أداته اللغة، أما المسرح فأداته الأساسية هي الفعل المسرحي. من هنا جاءت تسميته «playwright» بمعني غازل أو صانع مسرح، وليس كاتبا ((writer. ومن الغريب أن اللغة العربية اختارت كلمة «المخرج» وصفا للشخص المسؤول عن تقديم العرض المسرحي مخالفة بذلك الإنجليزية التي تسميه المدير (Director). وفي الفرنسية، واضع المشاهد (Maitre en scene)، وفي الإيطالية RegIsta))، وهي مشتقة من التسجيل. الصفة إذن في اللغات الثلاث تتكلم عن الإدارة وتجسيد المشاهد ثم تسجيلها، غير أن الجيل الأول من المسرحيين العرب على الرغم من استخدامهم لكل مفردات المسرح الفرنسي والإيطالي حتى بين عمال خشبة المسرح، فإنهم اختاروا كلمة «المخرج» التي نفهم منها أنه الشخص المسؤول عن «إخراج» أفضل ما عند المشتركين في العرض المسرحي، من نص وديكور وتمثيل وإضاءة إلى بقية العناصر، وأنا أعتقد أنه اختيار موفق تماما.

أمر آخر ربما نكون قد اختلفنا فيه عن العالم كله، وهو كلمة «المتفرجين». لا يوجد متفرجون في المسرح الإنجليزي أو الفرنسي، يوجد نظّارة (audience) وهي الكلمة التي ستجدها في الروايات والترجمات القديمة. لا بد أنك قرأت من قبل أن النظارة خرجوا من دار «الخيالة»، ويقصد بها السينما، وبعد ذلك ظهرت كلمة المشاهدين ثم الرواد، ثم ظهرت كلمة المتفرج والمتفرجين التي استقرت في وعينا وقواميس عقولنا. إنها تسمية عبقرية توصل إليها اللاوعي الجمعي عند المسرحيين العرب الأوائل. نعم، نحن ندخل المسرح ليس لنشاهد أو لنتعلم بل لنتفرج. الكلمة مشتقة مباشرة من الفرج والتفريج والإفراج.. افرجها يا رب.. البشر جميعا مسجونون في سجن ما، وكل منهم يتعشم أن يصدر قرار بالإفراج عنه، هو إذن يذهب إلى المسرح بأمل أن يصدر قرار بالإفراج عنه.

الفرجة بما تحدثه في النفس من آليات مريحة منعشة، هي أقرب تفسير لكلمة أرسطو الشهيرة التي احترنا جميعا في فهمها، وهي كلمة «catharsis» التي قيل لنا إنها تعني التطهير، أليس معنى الفرجة هو أن تتطهر من كل التوترات في داخلك بفعل الفن المسرحي، أن تنفتح أبواب الزنزانة وأن تنهار أسوار السجن وأن تخرج إلى الحياة حرا طليقا؟!

هو إذن نافذة مفتوحة على الدنيا وعلى مكونات وأسرار النفس البشرية بما فيها من خير وشر، من حب وكراهية، من خبث وذكاء، من نصر وهزيمة، تعرض أمامك في زمن محدد يتيح لك الإلمام بها، ولكن لا نصائح ولا إرشادات ولا تعليمات، لأنك تكره ذلك كله لكثرة ما عانيته من سلطة الأسرة وكل أنواع السلطات التي حولتك إلى سجين. لست في حاجة إلى أن تعيش ألف عام، ستعيشها في العرض المسرحي وربما تعيشها في مشهد عبقري واحد. وبذلك يكون فن التمثيل هو عبقرية الصدق في إظهار الانفعالات والمشاعر الإنسانية، كل ما على خشبة المسرح لا بد أن يشع صدقا مع الذات والجماعة التي جاءت بحثا عن الفرج.

وهنا أذهب إلى هدفي مباشرة من كتابة هذا المقال، وهو أن فن التمثيل ليس هو فن الكذب، بل هو فن تقديم الصدق الخالص على صينية الإيهام، وبالتالي فإن سقوط المسرح في مجتمع ما ليس هو المسؤول عن تحول كل أفراده أو معظمهم إلى كذابين كتعويض عن الظاهرة المسرحية التي افتقدوها في المسرح. الواقع أن العكس هو الصحيح، وهو أن طاقة الأكاذيب في مجتمع ما هي فقط القادرة على خنق المسرح لعدم قدرتها على تحمل طاقة الصدق المنبعثة منه.

القدرة على الكذب في الحياة الواقعية ليست هي فن التمثيل، فالممثل يمثل «لك»، أما الكاذب فهو يمثل «عليك»، وهذا هو الفرق الجوهري بين التمثيل على المسرح والتمثيل في أي مكان آخر. يستطيع أي رجل سياسة أو اقتصاد أو أعمال أن يخدعك وأن ينصب عليك وأن يشملك بقدر من الأكاذيب التي تمنع عنك الرؤية الصحيحة، غير أن كل ذلك لن يجعل منه في النهاية حسين رياض أو زكي رستم أو أحمد زكي. كما تستطيع سيدة أعمال أن تكذب وأن تخدع عددا كبيرا من المسؤولين في البنوك غير أن ذلك لا يجعل منها فاتن حمامة. حتى الآن لا أحد يعرف على وجه التحديد ما الذي يجعل من سعاد حسني.. سعاد حسني.

غير أن المسرح، على الرغم من قوة تأثيره، فإنه في حاجة إلى أكبر قدر من الرعاية والحماية ربما لا تتطلبها الفنون الأخرى. فعلي مر العصور كان الأعداء التقليديون للمسرح هم كل قوى المجتمع وأفراده الذين بنوا مكانتهم على أساس متين من الأكاذيب. هم يكرهون المسرح لأنه يشعرهم بالخطر على ما حصلوه وحققوه. لذلك يزدهر المسرح فقط في الأوقات التي تتولى فيها السلطة حمايته من أعدائه، ليس بالضرورة بسبب حبها وتقديرها للمسرح كفن يثري حياة البشر. فقد كان من المستحيل أن ينجح موليير بغير حماية من ملك فرنسا الذي كان يقود معركة ضد رجال الكنيسة، هنا تقوم السلطة بحماية المسرح بدافع من وحدة الهدف لأن موليير كان في الوقت نفسه يخوض معركته ضد الدجالين المتسترين تحت رداء الدين. كان من المستحيل أن تظهر مسرحية «تارتيف» بغير حماية الملك، قصر باكنغهام أيضا كان المشجع والمؤيد القوي لمسرح شكسبير. كما أن نجيب الريحاني كان من المستحيل أن ينجح في إقامة مسرح يقدم عروضا دائمة بغير دعم من قوى المجتمع من الأعيان وذوي الأملاك والعمد ثم الطبقة الوسطى الصاعدة في مصر، مع الاعتراف بالطبع بموهبته المسرحية الطاغية هو وزميله بديع خيري، بالإضافة إلى باقة الممثلين العباقرة الذين عملوا معه.

وفي بداية ستينات القرن الماضي في مصر ومع ظهور متغير تكنولوجي جديد هو التلفزيون بما يتطلبه من أعمال درامية بكميات كبيرة، ازدهرت موجة جديدة من المسرح تم فيها اكتشاف عشرات الممثلين النجوم والمؤلفين والمخرجين، وتم ذلك كله بدعم قوي ومباشر من الدولة. وبعد هزيمة 1967 بدأت خشبة المسرح تظلم بعد أن اكتشف المسرحيون دورا جديدا له، وهو البحث عن الأسباب التي أدت إلى الهزيمة. باختصار، يغلق المسرح أبوابه عندما لا تتحمس السلطة لحمايته.

> > >

التعليــقــــات
عبد السلام الفائز، «الامارت العربية المتحدة»، 11/07/2010
بسم الله الرحمن الرحيم .. اشكرك جزيل الشكر اخي الكاتب على التوضيح و المقارنة فيما يخص المعنى والمغزى من المسرحيين والمتفرجين كما اسماهم اللغويين العرب و ان لم يفلحوا في ذلك حسب رايك طبعا, بقي ان اوضح بان المقارنة بين المسرح العربي وغيره (ايطالي,فرنسي,الماني,انكليزي) غير واقعي للفرق الشاسع فيما بينهما و صدقني ان اغلبية الناس حتى يومنا هذا ليس لديهم ادنى فكرة عن ماهية المسرح او ما يقدم او الى ما يهدف, فنحن ما زلنا حتى الان نبني الركائز والاسس بخطوات خجولة و في دول تعد على اصابع اليد الواحدة, فيما الغير وصلوا الى القمة وهذه حقيقة نراها امام اعيننا، و على قولك افرجها يا رب، شكرا لك و لا تحرمنا من مقالاتك المسرحية.
مصطفي ابو الخير-مصري-نيوجرسي-امريكا، «كندا»، 11/07/2010
أستاذ علي سالم جزيل الشكرعلي المقالة وهدفها النبيل الوطني الخالص للمسرح المصري العريق الذي كان غني بكل شئ كان غني رغم مرارة الاستعماروالاقطاع والحكم الملكي ولكن كان هناك ادوار جادة وهادفة كانت تمثل علي دارالمسرح المصري الوطني حتي جاء من ليس له في الفن ولا في المسرح ليسرق المسرح بكاملة ثم يسرح الممثلين العظماء ويجبر المخرجيين والممثلين الوطنيين علي الجلوس في بيوتهم أويسجنهم بتهم لا وجود لها كما قالت بعض التفاصيل التي تسربت. وعين كبيرهم نفسة الرئيس الاوحد ثم اخرج وانتج بمساعدة رافق التسلط علي المسرح المصري لإانتجوا العديد من المسرحيات ولم يسمح لناقد فني يبدي رأية في أي عمل مسرحي من تلك المسرحيات من تأمين القناة التي سدد ثمن أسهمها مليون دولار لبورصة باريس ُم التأمين العام وصولا لحدة سوريا الفاشلة وحرب اليمن الهالكة ليأتوا لنا بالمسرحية التي اسموها نسكة وماتوا بدون محاسبة ولم يسمح بفتح ملف مسرحية النكسة الحقيقي حتي الآن هذا هو سؤال جيل النسكة واجيال عديدة تريد ان تعرف لماذا المسرح المصري العريق فقير اليوم لهذا الحد وسبب فقرة الرئيسي منذ عام 1952 التي قيل عنها انها امل المسرح المصري
د.عوض النقر بابكر محمد، «المملكة العربية السعودية»، 11/07/2010
اتفق مع المقال ضمن حدود فترة زمنية هو ادرى بتفاصيلها ولكن المسرح نفسه قد يصبح اكبر بؤرة للاكاذيب بقوة ذات السلطة التى يريدها ان تدعمه والمفارقة ان قمة الصدق الفنى هى منتهى البراعة فى حياكة اكاذيب هذا العالم المدهش عالم الفن والمسرح والصدق الفنى لا يعنى تطابق العمل الفنى والحقيقة فقد يكون الاكثر بعدا عنها ومع ذلك هو الاكثر صدقا!!
إلهام غسال، «مصر»، 12/07/2010
الأستاذ علي سالم أحييك على إيضاح الفرق بين الممثل والكاذب وأتتمنى أن يقرأ مقالك كافة البشر وخاصة الذين لا
يدركون هذا الفرق وأحب أن أضيف إلى ما كتبته أن الفنان الذي يكذب في حياته العادية هو فنان غير جيد ولا يجيد فن
التمثيل الذي من أهم شروطه أن يتحلى صاحبة بالصدق ، وأنا أقول ذلك من خلال تجربة شخصية واحتكاك فعلي بالفن
والممثلين،واسمح لي أن أختلف معك في وصفك بالكاتب المسرحي بأنه ليس أديبا لأن المسرح يندرج في بريطانيا تحت
الفنون وبالتالي تحت الآداب فهو من الـArts وبما أنه يحتوي على وجهة نظر كاتبه فهو يعد من الآداب مع تقديري لمقالك
القيم

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام