الخميـس 18 ذو القعـدة 1430 هـ 5 نوفمبر 2009 العدد 11300 الصفحة الرئيسية







 
نجم عابد الجبوري
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
جيش خاص لكل حزب عراقي

جاءت التفجيرات الانتحارية التي شهدتها بغداد، الأحد، وتسببت في مقتل أكثر من 150 شخصا، لتذكرنا بقسوة إلى أي مدى لا يزال الطريق طويلا أمام العراق لتحقيق الأمن. ورغم أن الأوضاع في مجملها تحسنت كثيرا عما كانت عليه منذ بضعة سنوات، تبقى مهمة كبرى أمامنا، وهي اكتساب ثقة الشعب في قوات الأمن العراقية.

بين عامي 2005 و2008 توليت منصب عمدة تل عفار، مدينة تتبع محافظة نينوى، شمال العراق، والتي أصبحت نموذجا لاستراتيجية «طهّر وسيطر وابنِ» التي يعود إليها الفضل في إحداث تحول جوهري في مسار الحرب. في بعض جوانبها تحمل قصة تل عفار دلائل مفيدة على صلة بما نشهده اليوم في العراق على مستوى أوسع.

عام 2004 مُنيت تل عفار بمتمردين وإرهابيين، جراء إهدار فرص واتخاذ قرارات خاطئة من قبل كلتا الحكومتين الأميركية والعراقية، إلا أنه مطلع عام 2005 اتصل بي العقيد إتش آر مكماستر، القائد العسكري الأميركي المبدع (ويحمل حاليا رتبة بريغادير جنرال)، واتفقنا على ضرورة تركيز الجهود الأمنية على كسب ثقة أفراد الشعب، وليس قتل العدو فحسب. وبالفعل شرعنا في العمل على بناء جسور التعاون مع المواطنين.

كانت أولى الخطوات على هذا الصعيد خروج القوات الأميركية والعراقية من قواعدها ونقلها إلى العمل طوال الوقت داخل ضواحي المدينة. وإدراكا مني بأن قوة الشرطة المحلية تهيمن عليها مجموعة عرقية ـ طائفية معينة ويعمد أفرادها إلى أبناء الديانات والأعراق الأخرى، حرصت على فصل أي ضابط شرطة له سجل في العنف أو التورط في أي ممارسات أخرى تتنافى مع المهنة. بعد ذلك عينت ضباطا ينتمون إلى مجموعات عرقية أخرى، ودمجت الوحدات كافة. وبذلك عمل الشيعي إلى جانب السني، والتركماني والكردي مع العربي.

إضافة إلى ذلك، وجّهنا اهتماما جديدا إلى تلبية احتياجات أبناء الشعب، ليس الإبقاء عليهم آمنين فحسب وإنما كذلك محاولة تجنب وقوع أعمال عنف من خلال العمل على تشجيع المجموعات المختلفة داخل المدينة على التواصل بعضها مع بعض. وانطلقت جهودنا من قناعتنا أنه بمجرد فوزنا بثقة واسعة النطاق في حيادنا، يمكننا ضمان مسارعة أي مقيم بالمدينة يلحظ أمرا مريبا إلى إبلاغ السلطات.

من جهتها، يتعين على الحكومة العراقية تطبيق المبادئ ذاتها على قوات الأمن القومي، بالنظر إلى أن المؤسسة العسكرية وجهاز الشرطة لا يزالان يحملان طابعا سياسيا قويا. على سبيل المثال، يخضع مسؤولو الشرطة وحماية الحدود في معظمهم إلى المساءلة من قبل وزارة الداخلية، التي يجري النظر إليها بدورها باعتبارها أداة في أيدي الحركات السياسية الشيعية (اعتقاد صائب في أغلب الأحيان). والملاحظ أن أعضاء قوات الأمن غالبا ما لا يبدون ولاءهم للدولة، وإنما للشخص أو الحزب السياسي الذي وهبهم وظائفهم.

وينطبق الأمر ذاته على الكثير من قطاعات الجيش العراقي، مثلا، تخضع الفرقة الخامسة من الجيش العراقي، المتمركزة في محافظة ديالى إلى الشمال الشرقي من بغداد، لنفوذ «المجلس الإسلامي الأعلى»، وهو حزب شيعي يشكل التكتل الأكبر في البرلمان. بالمثل، تخضع الفرقة الثامنة في الديوانية وكوت، جنوب شرقي العاصمة، في معظمها لسيطرة «الدعوة»، وهو الحزب الشيعي الذي يتبعه رئيس الوزراء نوري المالكي. أما الفرقة الرابعة في محافظة صلاح الدين، شمال العراق، فتحالفت مع واحد من أكبر حزبين كرديين، «الاتحاد الوطني الكردستاني».

أخيرا، اكتسب «مؤتمر الصحوة العراقي»، وهو حزب سياسي قبلي يتركز في محافظة الأنبار (حيث انقلب أبناء القبائل السنية، الذين يطلق عليهم «أبناء العراق»، على حركة التمرد خلال الفترة التي شهدت زيادة أعداد القوات الأميركية بالبلاد)، نفوذا كبيرا على الفرقة السابعة من الجيش العراقي، التي شاركت على نحو مكثف في تجنيد عناصر سنية لجهود الحفاظ على الأمن عام 2006.

وتتحمل هذه الانقسامات السياسية جزءا من المسؤولية عن الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها البلاد مثل تلك التي وقعت الأحد أو الأخرى التي يطلق عليها تفجيرات الأربعاء الدامي في 19 أغسطس (آب)، والتي تجاوز عدد قتلاها 100 شخص. ترمي هذه الهجمات إلى سحب البساط من تحت أقدام المالكي تمهيدا لانتخابات يناير (كانون الثاني). الملاحظ أن المالكي، من ناحيته، عمد إلى استغلال المكاسب الأمنية التي تحققت العامين الماضيين كبطاقة سياسية رابحة لديه، وهي استراتيجية منحت «الدعوة» مكاسب كبرى في الانتخابات المحلية فبراير (شباط) الماضي. إلا أنه حال تفاقم الهجمات ضد الحكومة، سيحرص خصومه على استغلالها لتحطيم الزخم السياسي الذي يتمتع به حزب الدعوة.

بيد أنني لا أرمي من وراء قولي هذا التلميح إلى أن الأحزاب السياسية متورطة على نحو مباشر في تلك الجرائم، وإنما أرى أن النفوذ العرقي والطائفي للأحزاب السياسية على قوات الأمن ييسر بصورة غير مباشرة على أعداء العراق مهمة ارتكاب مثل هذه الهجمات.

* زميل «مركز الشرق الأدنى وجنوب آسيا للدراسات الاستراتيجية» بجامعة الدفاع الوطني في واشنطن، وتولى منصب عمدة تل عفار في العراق

بين عامي 2005 و2008.

*خدمة «نيويورك تايمز»

التعليــقــــات
د.سلمان الربيعي، «كندا»، 05/11/2009
مقال جيد يوضح حقيقة ما يجري في العراق لكنه لم يأت بالشئ الجديد لأن الصغير قبل الكبير يعرف هذه الحقيقة. لكن اين الحلول؟ أين المنقذ؟ الكل يتباكون ويدعون الوطنية وأتخمونا بشعاراتهم الرنانة عند مفاوضاتهم وتشكيلهم كتلهم. وهم في الحقيقة يتفاوضون على الكراسي وتقاسم الغنائم وأخر شيء يمكن ان يفكروا فيه هو العراق والدليل على ذلك حرص الاحزاب الكردية على الدستور ووحدة العراق.
جميلة دافيس، «الولايات المتحدة الامريكية»، 05/11/2009
سيدي الجبوري لم التق بك ولكنني قرأت لك العديد من الخطابات التي أرسلتها إلى مكتبنا- أشكرك كل الشكر على خدمتك للشعب العراقي الذي ابتلى بمأساة بعد مأساة و أتذكر اليوم الذي حدث فيه التفجير الإرهابي في تل عفار والقتل الطائفي الذي تبعه وقد زارك رئيسي بعدها بساعات فأعمالكم يومها منعت هذه المأساة من أن تصبح سامراء أخرى - وهذه هي الصفات التي يجب توفرها في قيادة العراق - صفات من يحرص على كل حياة عراقية مهما كانت طائفته أو مهما كان عرقه فتحياتي لك سيدي.
عامرعمار، «الولايات المتحدة الامريكية»، 05/11/2009
الولاء للأحزاب عند الضباط والقادة وهي أقل عند الأفراد أو الجنود.. المسألة سهلة الحل إذا ما طلب وهي أعادة توزيع القادة والضباط بين الفرق والتشكيلات كما فعلتم في تلعفر...ولكن هل يرضى المتسلطون؟ لا اعتقد ذلك.
سامي البغدادي، «ايطاليا»، 05/11/2009
في الماضي كان ولاء الجيش للوطن ثم اجبر على ان يكون الولاء للحزب (حزب البعث ) ويقوده شخص لم يدرس يوما واحدا في الكلية العسكرية فقاده الى الهلاك والدمار بحروب وغزوات تعيسة وبعد 2003 اصبح الولاء للأحزاب بسبب نظام المحاصصة وانا على يقين تام بعودة ولاء الجيش للوطن فقط وذلك بعد زوال المحاصصة المقيتة وايضا في حالة تعرض البلد لهجمة عسكرية خارجية.
جابر سعد الجابري، «السويد»، 05/11/2009
قبل أن يفكر المالكي وحكومته في كسب كل الطوائف العراقية المتعددة، عليه أن يقنع الجميع بأن ما تعرض له العراق هو، ليس إحتلال أمريكي.حينها سيعم الإستقرار في كل أنحاء العراق، وأما قبل ذلك فلن تستطيع حكومة المالكي القضاء علي العنف.وهل يستطيع المالكي فعلا، إقناع جميع العراقيين سنة وشيعة وكردا ومسيحيين وغيرهم؟
يقول الكاتب جيش لكل حزب سياسي، بل جيش لكل زعيم عراقي، وجيش لكل عشيرة عراقية، ثم جيش وجيش لكل قبيلة عراقية، وجيش آخر لكل محافظة عراقية. وعلم آخر لكل محافظة عراقية، ونشيد لكل محافظة عراقية. يجب أن يكون الولاء للدولة العراقية، لا للأحزاب الفئوية، ويجب أن تكون مصالح الدولة فوق مصالح الأحزاب والشركات النفطية، الذي يتلاعب بها بعض الأفراد من الناس. كما يجب ان نفرق بين البعثيين وفكرهم القومي. كما يجب علينا أن نفرق بين سلوك البعثيين، وفكرهم القومي.
هل يستطيع المالكي أن يفكر بهذا المستوي لكي يكسب محبة المجتمع العراقي، الذي تأذي من سلوك البعثيين،كما تأذي هو وغيره؟

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2009 © Saudi Research & Publishing Company (SRPC)