الثلاثـاء 01 رجـب 1430 هـ 23 يونيو 2009 العدد 11165 الصفحة الرئيسية







 
مشاري الذايدي
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
بمناسبة إيران: هل هزمت الأصوليات السياسية؟

هل ما يجري الآن في إيران هو دليل على انحسار الإسلام السياسي؟

هكذا نسأل بشكل مباشر، بعدما قرأنا بعض المطالعات المنشورة التي تسير باتجاه هذا الاستنتاج. وكان آخرها للكاتب الكويتي المعروف عبد اللطيف الدعيج في صحيفة «القبس» الكويتية (21 يونيو الحالي) بعنوان: «هل بدأت الصحوة المدنية»، مستدلا بما جرى في إيران وغيرها.

في لبنان جرت انتخابات نيابية خسر فيها فريق المعارضة بقيادة الحزب الأصولي الخميني، خسارة واضحة، لصالح فريق «14 آذار» الذي يقدم نفسه (كما يقول) باعتباره أمينا على منطق الدولة وعدوا للراديكالية الأصولية التي يمثلها حزب الله ويجاريه فيها حلفاء مسيحيون.

في الكويت، وبعدما حل المجلس النيابي في مارس 2009 بسبب تصعيد النواب وعلى رأسهم النواب السلفيون والإخوان ضد الحكومة، جرت انتخابات نيابية جلبت أربع نساء لأول مرة على خلاف هوى التيارات الأصولية المحاربة لحقوق النساء السياسية، وخسرت تيارات الإخوان والسلف خسائر فادحة في التمثيل.

في العراق جرت انتخابات المحافظات وخسرت فيها الأحزاب الأصولية لصالح تيارات أخرى، بعضها غير اللافتة فقط مثل قائمة نوري المالكي (غير أن ذلك حديث آخر!). وفي كربلاء ربح مرشح مستقل لا ينتمي للأحزاب الأصولية، واخترق كل اللوائح.

هذه الأمثلة، وغيرها، هل هي كافية لصحة الاستنتاج بانحسار الأحزاب الأصولية أو الشماتة بها كما كتبت كاتبة خليجية؟!

من الطبيعي التذكير بأن لكل حالة ظروفها الخاصة وملابساتها المتعينة، فليس هناك تطابق في الدوافع ولا تشابه تام في الصورة، ما جرى في إيران قصة معقدة لم تكتمل ملامحها لحد الآن، هي صورة كبيرة تقبع وراءها صور أخرى تفتح على الاجتماعي والسياسي والديني والنفسي والاقتصادي أيضا، كما تفتح هذه الصور الخلفية القابعة وراء صورة الأخبار الوحيدة على خصوصية ثقافية وفخر حضاري تنطوي عليه النفسية الإيرانية، وهذه الظروف والملابسات المعقدة مختلفة عن ما جرى في منازلة الفريقين الآذاريين «14» و «8» في لبنان، حيث العصبيات الطائفية الصغيرة والكثيرة، وحيث برودة الحليف السوري الطارئة! وحيث يقظة العصبية السنية المكافئة للعصبية الشيعية، وحيث الجوار الإسرائيلي والدور الأوربي التاريخي في «جبل لبنان» وحيث.. وحيث.

وقل مثل ذلك عن الكويت، حيث المعارك الأخرى بين أهل السور ومن هو خارجه وبين أهل المال والمناصب والمحرومين منه، كما يعتقدون، حقا أو باطلا كان هذا الاعتقاد، وحيث الجموح السلفي في مقابل التطرف الشيعي، وحيث أشياء أخرى خارج البرلمان في المؤسسات الأخرى.

أما العراق، فقصة أكثر تشعبا مع تكور القبضة الأمنية للمالكي وخلافات الرفاق من أهل الائتلاف وإقصاء أصدقاء الأمس وحيث التقاتل على كعكة الحكم بعد أن بدأ صلصال العراق السياسي في طريقه للتصلب، فكل يريد البقاء ضمن نسيج هذا الصلصال حتى يتصلب عليه ولا يخرج من خيمة الحكم والنفوذ، فمن هنا بني الائتلاف ومن هنا سيفكك! ومن هنا بدأت الصحوات العشائرية السنية ومن هنا بدأت تقاتل شقيقها الحزب الإسلامي. وذلك موضوع آخر أيضا..

بالعودة لآثار الحدث الإيراني الكبير، الكل يعرف أن حسين موسوي أو مهدي كروبي أو محسن رضائي هم أبناء شرعيون خرجوا من الرحم الخميني، ولم يتكلم أحد منهم أبدا بما يمس دستور الجمهورية الإسلامية الذي باركه صاحب كتاب «الحكومة الإسلامية» آية الله الخميني.

كيف إذن نقول بأن موسوي يمثل «ثورة» على الثورة؟ ما ملامح هذه الثورة المضادة على المستوى المفاهيمي. هل يمتلك موسوي «خطابا» مؤسسا على أرضية فكرية مغايرة لخطاب نجاد وخامنئي؟ فضلا من أن نتساءل عن «الشيخ» كروبي أو قائد الحرس الثوري محسن رضائي، على العكس، بل إن موسوي يكرر دوما أنه ابن الشرعية الخمينية. ربما يكون هذا المدخل لفهم الأحداث من خلال تناول أشخاص قادة الشارع وعلى رأسهم موسوي، ربما يكون مدخلا مضللا، فالشارع الإيراني بنسائه ورجاله وشبانه وشاباته، مدفوع بأشياء أعمق وأكبر من دوافع موسوي ورفاقه، ولكن موسوي مجرد عنوان ونقطة «تتحوصل» فيها حركة الشارع وتتعنون به.

بشكل عام، في إيران وغيرها، في هذا الوقت وغيره، بعض المطالب السياسية تتبلور مع الوقت، تماما مثل المطرب الذي يلتزم اللحن الموضوع للأغنية ثم في لحظة ما يتسلطن ويخرج عن سياق اللحن ويرتجل ويضع إضافات جديدة وربما يخرج عن اللحن الأساسي كله طبقا لحالة المزاج وطرق استجابة الجمهور!

من الصعب القول بأننا أمام حالة «دورة» جديدة في الفكر والمزاج السياسي للشارع العربي والإسلامي انطلاقا من هذه المعطيات، لكن أسهل من هذه المجازفة الاستنتاجية أن نقول إننا أمام «حالة» جديدة ومفاجآت يخرجها الشارع العربي والإسلامي، فلا أستطيع أن أصدق أن الناخب الكويتي الذي أوصل نوابا غاية في التزمت والأصولية والانغلاق يتحول عنهم، في ظرف أشهر فقط، ويوصل نوابا أكثر اعتدالا معهم أربع نساء لأول مرة، اثنتان منهن غاية في الليبرالية، فهل حصلت «طفرة» في الوعي بغضون مسافة زمنية لا تتجاوز الأشهر؟!

ما زالت التيارات الأصولية وجماعات الإسلام السياسي تملك النصيب الوافر في الشارع العربي والإسلامي، لكن الاحتجاج الذي يصدر من الجماهير عليهم أحيانا هو احتجاج على «سياسات» معينة تتبناها هذه الأحزاب والحركات ـ أو «الأنظمة» في حالة إيران الدولة ـ احتجاج على سياسات وليس على «منطلقات»، منبع هذه الاحتجاجات الشارعية في الغالب هو التعب من كثرة التوتر والمواجهة، إضافة للمطالب المعيشية البحتة، يعني: لو كان التنافس بين إسلامي صاحب سياسة صدامية وبين إسلامي صاحب سياسة توافقية، وكلهم لديهم نفس الفلسفة والمنطلقات الفكرية، وبين شخص غير أصولي من الأساس، فستكون الغلبة، في ظني، للإسلامي التوافقي.

مما يؤيد هذا تشخيص قيوس سيد امامي أستاذ العلوم السياسية بجامعة الصادق بطهران لصحيفة «نيويورك تايمز» لطبيعة الصراع السياسي الحالي في إيران، يقول: «يريد طرف تطورا تدريجيا للمؤسسات الديمقراطية وتفسيرا أكثر ديمقراطية للمؤسسات الإسلامية، بينما الطرف الآخر (يقصد جماعات نجاد وخامنئي) يريد تفسيرا شعبيا وشموليا للإسلام». كما نقلت صحيفة «الشرق الأوسط». الوعي العميق بأهمية فكرة الدولة المدنية وتحييد الشعارات الدينية في الخلاف السياسي، هذا النوع من الوعي يحتاج إلى تراكم تجارب وتثقيف متواصل ومتشعب في كل حواضن التنشئة السياسية في المجتمع، وهو ما لم يحصل البتة في عالمنا الإسلامي والعربي لأسباب معقدة وكثيرة، فكيف يفترض البعض وجود هذا التحرك الواعي والوعي أصلا لم يتكون!

علمتنا المجتمعات وحيوية التاريخ أننا في حركتنا الاجتماعية نمر بحالات خلق متواصل، وقد تتضافر مجموعة أمور ومصالح متشابكة لتفجر شرارة وعي «داروينية» معينة، بشكل يجعل كل من يراقب المشهد يفغر فمه مندهشا من جمال المفاجأة ويتملكه الإعجاب بقدرات الإنسان اللامتناهية على التطور.

لقد أثبت الشارع الإيراني، خصوصا الشاب منه في المدن، درجات من الشجاعة والتصميم تحرج حتى ساسته الذين يقودونه، هذا صحيح ونحن شهود على لحظة مبهرة في تاريخ منطقتنا، ولكن يجب الحذر في الاستنتاجات المسرفة.

في ظني أن كل ما جرى في الفترة الأخيرة، عراقيا وكويتيا ولبنانيا، ثم الحدث الضخم في إيران، يؤشر إلى انحسار«نوع» من السياسات التصادمية التي تتبناها الجماعات والدول الأصولية، ولكن ليس منطلقات وأفكار وشبكة مفاهيم هذه القوى الأصولية، ما زالت القصة في أولها على هذا المستوى من الحركة.

mshari@asharqalawsat.com

> > >

التعليــقــــات
محمد صالح، «فرنسا ميتروبولتان»، 23/06/2009
الفرصه مواتيه لهاشمي رفسنجاني لتسجيل اسمه في تاريخ ايران ، ذالك اذا نجح باحداث تغيير في النظام ينتج عنه الحد من سلطات الولي الفقيه الواسعه والغير منطقيه، التغيير الذي يضع ايران على طريق دولة القانون.
كاظم مصطفى، «الولايات المتحدة الامريكية»، 23/06/2009
انحسار الاسلام السياسي ليس بمفاجأه غريبة عن المجتمعات الاسلاميه والعربيه اليوم . الانحسار كان نتيجة لثورة المعلومات الالكترونيه التي جعلت من العالم قريه صغيره يتعرف فيها الفرد بما يجري لدى جيرانه من حريه وتقدم ورفاهيه وهو يعيش على هامش السقف البشري من جوع وفقر واذلال واستعباد . ولهذا الموجه البشريه التواقه للحريه والعيش بأمان واستقرار هي التي طغت وحسرت من موجة الاسلام السياسي في
لبنان والعراق ومصر والكويت وقديما قالوا لا يصح الا الصحيح .
عبدالله مطر، «فرنسا ميتروبولتان»، 23/06/2009
نجاحها كان بسبب ضعف أنظمة الخدمات في البلدان الشرق أوسطية ولا تعني هزيمتها إهمال الأنظمة الحاكمة لمسؤولياتها الحكومية المهملة أصلا..
وليد الشيشاني/ السويد، «السويد»، 23/06/2009
ما يتداوله الإيرانيون في أوروبا هو أن الخيار في إيران قائم بين السيء والأسوء, وليس بين سيء وجيد, والجانب المحزن في هذا التناحر بين أفراد عائلة الخميني -نجاد وموسوي- أن وقود هذا التناحر هم من فئة الشباب الذين ولدوا في عهد الثورة الإسلامية ولا يعرفون غيرها, فهناك إكتفاء ذاتي من الضحايا. وإن كان من أمل فهو معقود على القلة من ذوي العقول المنفتحة أو مؤيدي الشاه السابق, وبغير ذلك لن تنعم شعوب المنطقة والعالم بالسلام.
Jaafar Tajer، «هولندا»، 23/06/2009
المسألة في الإسلام ليست أن تقتل الكافرَ، بل أن تقتل كفرَه، ولا أن تقتلَ المجرم، بل أن تقتل إجرامَه. ولهذا نقول إنّ المسألة هي قتلُ المحارب لا قتل الكافر؛ والله سبحانه وتعالى يقول: {إنّما جزاءُ الّذين يحاربون اللهَ ورسولَهُ ويسعوْن في الأرضِ فساداً أن يُقَتّلوا أو يُصَلّبوا...} [المائدة:33]. هناك فرقٌ بين الحرابة والكفر، الكفر وحده ليس مبرِّراً لأن تعتدي على الكافر في هذا المقام، لأنّ الكافر إذا كان مسالماً، فلا يجوز لك أن تتعرّضَ له بسوء، لا في نفسه ولا في ماله ولا في عِرْضه، بل إنّنا نلاحظ أنّ النبيّ (ص) عندما دخل المدينة، عقد معاهدةً بينه وبين أهلها، وقد انطلق في هذه المعاهدة لتأكيد فكرة المواطَنة في الإسلام، إذ أَدخلَ اليهودَ في وثيقة العهد التي أجراها بينهم من جهة، وبين الأنصار والمهاجرين من جهة أخرى، فلمّا نقض اليهودُ العهد وتحالفوا مع المشركين في وقعة الخندق أو وقعة الأحزاب، حاربهم النبيُّ نتيجةً لنقضهم العهدَ، ولاستخدامهم الحربَ ضدّ الإسلام بَدَلَ السِّلم الذي منحهم إيّاه.
خلف الحبردي، «المملكة العربية السعودية»، 23/06/2009
الاصح ان العالم يتجه نحو التغير بحثاً عن السلام والاستقرار وقد بدأ ذلك منذ الانتخابات الامريكية التي ازاحت الحزب الجمهوري صاحب الخطاب المتشنج لصالح الحزب الديمقراطي المنفتح للحوار حتى مع الخصوم .
اتمنى ان يزحف الجميع بل يثور الكل من اجل السلام والاستقرار في العالم اجمع بداية من الشرق الاوسط.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2013 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام