الاثنيـن 19 ربيـع الاول 1430 هـ 16 مارس 2009 العدد 11066 الصفحة الرئيسية







 
مأمون فندي
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
الطاهر من طهران؟
لا أظن أن كلمة طاهر في المصطلح الشهير «المال الطاهر» لزعيم حزب الله في وصفه للأموال التي سيعيد بها حزبه إعمار الجنوب بعد حرب يوليو 2006، مشتقة من الطهارة أو الطهر، وإنما على الأرجح أن كلمة طاهر هنا كانت مشتقة من طهران. أي أن المال القادم لإعمار جنوب لبنان، أو لتخريب لبنان، أو للعبث بالوضع الداخلي في مصر، كل حسب رؤيته، هو «مال طاهر» قادم مباشرة من طهران. وصيغة (فَعْلان) في اللغة العربية، كما في قَحْطان وكَحْيان وزَهْقان وبَهْتان وزَعْلان وطَفْران، تُمنع في اللغة العربية من الصرف إذا كانت عَلَما كما يقول النحاة، في حين تمنع طهران من الصرف ليس لكونها عَلَما على وزن فَعْلان وإنما لكونها أعجمية. وربما كان من الأفضل لـ«حزب الله» لو أنه انساق مع اللغة في التعامل مع الأموال القادمة من طهران ومنعها من الصرف لأن مصدرها العجم لا العرب. وكي تُمنع من الصرف لا بد للعرب أيضا أن يسخوا بأموال لإعمار الجنوب اللبناني على غرار مؤتمر إعادة إعمار غزة الذي انعقد في مصر مؤخرا. وطهران صفة مشبهة بالفعل، والصفة المشبهة تدل على من قام بالفعل على وجه الثبوت في الحال ولا يعني الثبوتُ بالضرورة الاستمرارَ. أي أن المال الطاهر كان ثابتا في التدفق وإن كان ليس مضمونا استمراره، وسبحان الحنّان المنّان، وحنّان ومنّان هما صيغتا مبالغة تعنيان عظيم المنة وعظيم الحنان.

هذه مقدمة للنحاة وأهل اللغة يتجاذبون أطراف حديثها، ولكن الممنوع من الصرف وما يُصرف من أموال في بلداننا بهدف زعزعة الاستقرار والتخريب على المستويين الداخلي والإقليمي، لا بد من وقفة حقيقية حياله.

في عالمنا العربي لا يمكننا الحديث عن طهران لأن الرد الجاهز دائما هو «لماذا لا نتحدث عن إسرائيل؟». ظني أنه يمكن الحديث عن إسرائيل وعن إيران وعن أميركا وعن تركيا وعن كل الأخطار التي تهدد الأمن القومي العربي مجتمعة، ويجب ألا نغفل عن دور إسرائيل لأننا نتحدث عن إيران ولا أن ننسى الخطر الإيراني لأننا مهمومون بالخطر الإسرائيلي. يخيل إليّ أن العقل العربي قادر على استيعاب أكثر من موضوع في وقت واحد، وليس عقل الموضوع الواحد.

إيران اليوم بتدخلها في زعزعة أمن الخليج بما فيه ادعاؤها بأن مملكة البحرين هي المحافظة الإيرانية الرابعة عشرة واحتلالها للجزر الإماراتية الثلاث واستخدام بعض عناصر الشيعة من العرب والعجم للقيام بمظاهرات هنا وتفجيرات هناك، هو أمر جد خطير بالنسبة لاستقرار منطقة مهمة إقليميا ودوليا. إن اللعب الإيراني في الخليج لا يصب في مصلحة إيران فقط، وإنما يصب في مصلحة قوى عظمى قد تتدخل بشكل أوسع في الخليج بدعوى حمايته من التهديد الإيراني. الخليج اليوم مهدد بأن يكون في موقع المفعول به لا الفاعل، المفعول به من جار قريب بدعوى مقاومة الإمبريالية والاستعمار، ومفعول به من قبل قوى خارجية تسعى لبسط نفوذها بدعوى الحماية من نظام مارق لن يتردد في احتلال الأراضي كما فعل صدام بالكويت. الأمن القومي العربي في شقه الخليجي يحتاج اليوم من العرب أن يكونوا فاعلين بالمعنى الواقعي.

وليس الخليج وحده هو المهدد، فإيران تمثل قلقا أيضا بالنسبة لمصر في حالتين، الحالة الأولى هي دخول إيران عبر حلفائها في غزة، أي في العمق الاستراتيجي المصري من جهة الشرق، وهي فعلة لا يتردد المصريون عن الدخول في حرب من أجلها، فالقضية الفلسطينية بشقها الغزي بالنسبة للمصريين تمثل عمقا أمنيا لا يمكن لهم السماح لأي كائن من كان أن يلعب فيه، الشيء نفسه يقلق السوريين حول عمقهم الاستراتيجي في لبنان. دخول «المال الطاهر» من طهران إلى غزة، وكان آخره تلك الحقيبة التي ضُبطت مع أحد قيادات حركة «حماس» وكان بها أكثر من عشرين مليون دولار وُضعت في بنك العريش، كانت أموالا، حسب مسؤولين أمنيين، أكثرها قادم من طهران مباشرة والجزء الآخر جمعه رجال طهران من أفراد ورجال أعمال في مصر. والحالة الثانية التي تمثل فيها إيران قلقا بالنسبة لمصر هي العبث الإيراني في الداخل المصري. أي أن «المال الطاهر» اليوم لا يعبث في غزة فقط، فهناك تخوفات أمنية مصرية من تمويل إيراني لبعض الجماعات المتطرفة وتمويل الصحف التابعة لطهران في القاهرة، وكذلك ضخ الأموال بقصد تجنيد الشباب. وقد ذكر لي أحد المسؤولين بالملف الأمني في مصر، أن هناك أعدادا متزايدة من الشباب المصري يذهبون إلى إيران لا يعرف حتى الآن حقيقة توجههم، وأن الحادثة الإرهابية الأخيرة التي حدثت في حي الحسين منذ ثلاثة أسابيع كانت على الأغلب صناعة إيرانية مدعومة بـ«المال الطاهر».

إذن وجود حلفاء لإيران على حدود مصر عند غزة تدعمهم الأموال والحركات السياسية هو تهديد مباشر للعمق الاستراتيجي المصري، كما أن وجود بعض الخلايا النائمة التي تعمل لصالح طهران في مصر هو أمر أصبح مقلقا جدا بالنسبة للأمن القومي المصري. ويجب ألا نغفل عن أن وجود لوبي إعلامي طهراني في مصر يدافع عن التغلغل «الثقافي» الإيراني هو الذي يرشح الموقف بين مصر وإيران إلى مزيد من التصعيد.

في مواجهة الخطر الإيراني تتبع مصر استراتيجية ثلاثية الأبعاد، البعد الأول هو بذل أقصى الجهود في المصالحة بين «حماس» و«فتح» لإغلاق الباب في وجه طهران ومنعها من استغلال قضية العرب الأولى للترويج لمصالحها في المنطقة، وخصوصا منع إيران من أن يكون لها أي نفوذ في غزة. البعد الثاني هو الدخول في مصالحة عربية جمعت كلا من المملكة العربية السعودية وسورية من أجل ما يمكن تسميته بمحور التضامن العربي للحفاظ على القضايا العربية مجملا. أما البعد الثالث فهو التأكيد على أن مصر معنية بأمن الخليج واستقراره، فهي تحاول اليوم أن تبذل جهدا كبيرا لرمي ثقلها مع شقيقاتها في الخليج لخلق حالة من توازن القوى مع طهران. وفي الصراع الإيراني ـ الخليجي لن تحسم الأمر إلا دول إقليمية كبرى، فمن تَمِلْ معه تركيا ومصر سيكون هو الأقوى في الصراع الإيراني الخليجي المقبل. وبالتأكيد فإن مصر، بحكم عروبتها ومصلحتها، ستكون في صف الخليج العربي لا الإيراني في أي مواجهة من هذا النوع. أما تركيا فستظل علامة استفهام خصوصا في ظل قيادة يغريها وهج شاشات وشعارات الإسلام السياسي الذي تُعد طهران نجما أساسيا فيه. ورغم انشغال الكثيرين بقصة «حزب الله» وارتباطه بإيران وقصة المواجهة أو الحرب بالوكالة بين طهران وإسرائيل، فإن الموضوع برمته بالنسبة لطهران ليس لبنان أو إسرائيل، وإنما سعي إيران هو لمن ستكون له الكلمة العليا والنفوذ على الخليج، هل هو نفوذ عربي في المقام الأول يشمل مصر؟ أم عربي سني في المقام الثاني ويشمل تركيا؟ إيران معنية بالسيطرة على الخليج لا على لبنان الصغير، وليست معنية أبدا في دخول مواجهة حقيقية مع إسرائيل رغم كل الجعجعة العالية. كل ألاعيب إيران في لبنان أو في غزة ما هي إلا عملية إلهاء للدولتين العربيتين الكبيرتين مصر والسعودية، بهدف تركيز اهتمامهما في لبنان وغزة وترك الخليج بعيدا عن أهدافهما الاستراتيجية. وفي ذلك يُستخدم الكثير الكثير من «المال الطاهر»، والطاهر هنا بلا شك مشتقة من طهران لا من الطهارة.

التعليــقــــات
مصطفي ابو الخير-مصري-نيويورك-امريكا، «الولايات المتحدة الامريكية»، 16/03/2009
مقال في قمة البلاغة اللغوية التي تتمتع بها لغتنا العربية العريقة فجزيل الشكر والتقدير لاستاذنا الكبير الدكتور مأمون فندي .
جيولوجي / محمد شاكر محمد صالح، «المملكة العربية السعودية»، 16/03/2009
نحمد الله كثيرا على الوعي العربي سواء كان من الساسة العرب أو من أغلب الشعوب العربية تجاه تصرفات ملالي وعمائم أيران وهاهم الساسة العرب يسعون لتضيق الخناق على التصرفات الأيرانية في المنطقة من خلال قمة المصالحة ويجب على الحركات الأسلامية في مصر أن يكون لديها انتماء لبلدهم مصر وليس لأجندات أيرانية مشبوهة تسعى الى تقويض الشرعية في مصر والتي لن تحدث إن شاء الله لأن مصر هي الملاذ الأمن للعرب جميعا.
ناصر ابوريدة، «بروناى دار السلام»، 16/03/2009
احييك يا استاذ مأمون على تحليلك المنطقي والرائع ....نريد المزيد من تلك الرؤى السديدة للحالة الفارسية ...التي لا يهمها ولا تهتم ولا تعترف الا بمصالحها واغراضها الغير بريئة دائما فيما يخص العرب .....
Ahmad barbar، «المانيا»، 16/03/2009
ذلك المال الطاهر غير طاهر ابدا لانه قادم من حساب افواه جائعة ومن بركات زواج المتعة.
أحمد شاكر، «الكويت»، 16/03/2009
ايران اكذوبه صنعها الغرب . هناك مثل يقول انفخ في صاحبك حتى يضرب في نفسه .
ان ما يشاع ويقال عن ايران من امتلاكها اسلحة نووية كذبة ابريل او كذبة الضعيف الذي لا يقدر على شيء إلا الكذب على الاخرين من اجل اظهار قوة وهمية أو هلامية لا وجود لها على ارض الواقع .
تستطيع ايران أن تكون المحرك لكل التيارات الدينية والحركات المتمردهة في منطقة الشرق بالاموال التي يحرم منها مواطنها الذي يعاني من نقص في كل شيء اساسي في الحياة .
ان كانت ايران تريد ان تكون قوة كما يشاع ويقال فان القوة تبدأ اولا من القوة البشرية وايران تفتقر اليها نظرا لفقر مواطنيها . ايران مجرد فقاعة هواء ليس إلا.
أحمد فتحي، «الكويت»، 16/03/2009
مقال في غاية الاهمية واصبح لعب ايران مكشوفا وكان واضحا في فتح لمعابر في غزة حيث تسيطر حماس وجماعة حزب الله وينضم اليهم الاخوان ويصبح خطر حقيقي يهدد امن مصر وشكرا للكاتب المتميز.
أسامة حمودة، «المملكة العربية السعودية»، 16/03/2009
لن يفيد الكلام بشيء بل العمل أجدى وأنفع , ماذا فعل العرب علميا وعمليا للتقدم , هل اكتفيتم بالتنظير والجدل , ايران تقدمت فعلا واسرائيل تقدمت قبلها بكثير وتركيا وماليزيا وجنوب افريقيا , الا يوجد بالعرب رجل رشيد يضع قدرات العرب الكبيرة في خدمة شعوبها وينهض بها و الا توجد دولة عربية تفعلها الآن... هذا هو الطرح الجاد ان أردتم نهوض ورد عملي.
مجدي حسين، «المملكة العربية السعودية»، 16/03/2009
أثلجت صدورنا يا استاذنا الكبير مأمون فندي.. نرجو المزيد من المقالات التي تفضح الدور الإيراني المجوسي الخطير في المنطقة وخاصة في الخليج العربي ومحاولة إلهاء مصر بقضايا فرعية مثل غزة أو خطابات فأر حزب اللات المختفي في سرداب الجنوب اللبناني خوفا من صاروخ إسرائيلي ... المهم فعلا المال ليس طاهرا إطلاقا لأنه مال الخمس لأصحاب العمائم .. إنه مال تحليل المتعة والربا والزنا .
شكرا لكم جزيلا.
عمر قاسم، «المملكة العربية السعودية»، 16/03/2009
النظام الإيراني يستخدم الاغتيال والارهاب كحل لتصدير ثورته ومشاكله للعالم العربي وما حادثة تفجير الحسين عنا ببعيد وما سبقها من سلسلة اغتيالات في لبنان طالت الشخصيات الوطنية الرافضة للتدخل الإيراني، والواجب على الجيش المصري التأهب والتحرك لضرب العملاء في الداخل ممن باعوا مصر بالمال الإيراني الطاهر من حركات وأحزاب وصحف وتجار رأي.
محمد بكري، «المملكة العربية السعودية»، 16/03/2009
مقال رائع بكل المقاييس ... إيران وإسرائيل هما أعداء العرب بلا جدال.
أتمنى من الدول العربية التي لها علاقة بإيران أن تعي وتدرك خطورة نظام الملالي الغادر الذي يستخدم كافة الطرق الاحتيالية في سبيل الوصول إلى مآربه الخبيثة من خلال دس السم في العسل والتي تنطلي على الكثير من العرب إلى أن تقع الواقعة ...
ختاما الحذر كل الحذر من إيران وأعوانها في المنطقة العربية.
صالح التوم -المملكة العربية السعودية، «فرنسا ميتروبولتان»، 16/03/2009
بارك الله فيك استاذي ... تحدثت عن الحقيقة واصبتها وفندتها ووضعت حلولاً جذرية لها ... واؤكد على كلامك بانه لا غنى لدول الخليج عن مصر في مواجهتها المقبلة - ربما - مع ايران فمصر هي مصر العروبة والاسلام والاخ الشقيق الصادق الصدوق لدول الخليج ولاهله ...
عمر كركوكلي [سويد] 16/03/2009، «السويد»، 16/03/2009
مقال جميل جدا أشكر الكاتب الأستاذ مأمون فندي على تحليله الرائع للسياسة الخبيثة التي تتبعها ايران من أجل السيطرة على المنطقة العربية والتي تستعمل من أجلها كل الوسائل الدنيئة والخبيثة بما فيها المال الحرام الذي تحصل عليه عن طريق سرقة النفط العراقي يوميا من حقول النفط العراقية عبر عملائها المعممين في العراق والذين لديهم نفوذ قوي في العراق . تحياتي الى الكاتب مأمون فندي.
ندى محمد، «المملكة المتحدة»، 16/03/2009
مقال في غاية الأهمية. دائما ما كنت أستغرب ممن يقولون إن العالم العربي لديه مواجهة وحيدة وعدو واحد هو إسرائيل، متجاهلين الخطر الإيراني على منطقة الخليج تحديدا. أنا ضد فكرة العداء مع إيران أو غيرها، ولكن يجب أن نكون واعين ومدركين للعبة الإقليمية والتوازنات الدولية وألا نقع في الخطر نتيجة لحسن نوايانا. شكرا للدكتور فندي ولجريدة الشرق الأوسط.
على محمد، «الولايات المتحدة الامريكية»، 16/03/2009
أخيرا مقال ممتاز يظهر الحقيقة كما هي- أعوذ بالله من الإيرانيين أبناء بلدهم جياع و هم يصرفون الأموال على القتل و التفجيرات و نشر الفساد في الأرض.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2010 © Saudi Research & Publishing Company (SRPC)