السبـت 14 محـرم 1430 هـ 10 يناير 2009 العدد 11001 الصفحة الرئيسية







 
سعد بن طفلة
مقالات سابقة للكاتب    
إبحث في مقالات الكتاب
 
أصرخوا ولا تُصرْوِخوا!

تتسمر كالملايين أمام شاشة التلفزيون لساعات تتابع أخبار المجزرة. تستعرض العبارات، فتفيض العبرات، تغوص في المعنى، فيصبح الوصف بلا معنى، العلاقة بين العبارة والعبرة واضحة، سباق بينهما، يرتجف اللسان، فتسابقه العبرة، تسيل العبرة، فيتوقف اللسان.

غزو غزة! أي سريالية هذه التي جمعت بين الكلمتين، أو قل: غزوة غزة ـ مازالت العلاقة واضحة بينهما.

إطلاق حركة حماس الصواريخ على المناطق الجنوبية لإسرائيل هو الحجة التي ساقتها إسرائيل لهجمتها الدموية. تتمعن في المعنى فتجد أن كلمة صاروخ مشتقة من الصوت: صرخ! كانت صواريخ حماس صرخات مدوية ساقتها إسرائيل حجة لترتكب المجزرة. حماس تواصل «الصراخ بالصواريخ». أربعة آلاف صاروخ أطلقتها حماس منذ العام 2005. هكذا تقول الإحصائيات. الأرقام تتحدث عن أربعة آلاف قتيل وجريح منذ بدء الهجمة الإسرائيلية وحتى وقت كتابة هذه «التعابير». إنسان مقابل كل صرخة صاروخ!

صواريخ حماس لم تقتل كثيرا. يخجل الواحد من ذكر عدد من سقط من الإسرائيليين نتيجة صواريخ حماس! الخجل سببه هلع الفارق الرقمي حين المقارنة بعدد من سقط من أطفال ونساء وعُزل غزة مقارنة مع من مات من الإسرائيليين.

ورد في المنجد أن الصاروخ «سهم له ساق من قصب وفي أحد طرفيه أنبوبة صغيرة من المقوّى تحشى بارودا ولها فتيل من فتحتها السفلى فإذا أشعل الفتيل واحترق ما في مؤخرها من بارود تنطلق منها غازات تدفعها من الجهة المعاكسة». كان هذا تعريف الصاروخ في القديم من التاريخ!

تستعمل كلمة «صاروخ» في لهجة أهل الخليج بمعنى كذبة كبيرة! فيقال: فلان بدأ يرمي صواريخ ـ أي بدأ يكذب. سمعت فتاة تشتق منها فعلا وتقول لمستمعها: رجاء، لا تصَرْوخ ـ أي لا تكذب.

عبارة «مزايدة سياسية» تعتبر حديثة في استخدامها وليس في معناها. لم ترد في التراث إلا في سياق البيع والشراء، فيقال مزادة والجمع مزادٌ ومَزايد. الكتابات والحوارات التي تدور حول المجزرة في إعلامنا تعج بهذه العبارة.

لكن المزايدة السياسية في تاريخنا قديمة قدم معركة مؤتة. عاد جيش المسلمين منسحبا بعدما قتل قادته وبدت الهزيمة ماحقة إن استمرت المواجهة. فقام القائد التاريخي الفذ ـ خالد بن الوليد ـ بانسحاب مشرف حفظ ماء الوجه وحقن دماء البقية الباقية من الجيش. كان جيش الروم أضعافا مضاعفة لجيش المسلمين. عند عودة الجيش إلى المدينة استقبلهم «المزايدون السياسيون» صارخين: يا فُرار! يا فرار! فانتصر لهم الرسول، صلى الله عليه وسلم، قائلا: «إنهم كُرار وليسوا بفرار». تتأمل: إذن المزايدة السياسية قديمة قدم حروبنا وغزواتنا وفتوحاتنا!

«وقف العدوان» شعار سائد هذه الأيام. لا أظن أن الكلمتين ارتبطتا في أية لغة بالتاريخ سوى في لغتنا السياسية والإعلامية هذه الأيام. في الماضي القريب، ساد «دحر العدوان». وقف العدوان يكرره الفرقاء جميعا ـ بمن فيهم المزايدون من كل فريق. لا أدري إن كان استخدام هذه العبارة انعكاسا لواقعية جديدة أم أنه لغة «استسلامية خانعة خائنة»؟

من لا يصرخ في وجه العدوان فهو خائن! خائن لإنسانيته وآدميته وأبجدياته الأخلاقية! لكن ماذا بعد الصراخ؟ الصراخ للبعض مهنة، وهو للبعض الآخر تعبير عن اليأس، ولفريق آخر هو صراخ خوفا من الاتهام بالخيانة ولسان حالهم يقول: ما دام الصراخ صك براءة من الانحياز للغزاة، وشهادة انتماء لقومك ودينك وإنسانيتك، فلنصرخ مع الصارخين!

كمٌ هائلٌ من الكلمات يتراكم في إعلامنا وفي منتدياتنا ومظاهراتنا كغثاء السيل. قليله ذو معنى، وبعضه يقصد به غير المعنى، وكثيره «بلا طعم وبلا معنى».

اصرخوا ولا تُصرْوخوا! فلنصدق ولو في الصراخ، إنها مرحلة «الصواريخ»!

> > >

التعليــقــــات
مبارك الودعاني، «المملكة العربية السعودية»، 10/01/2009
انت رائع يا دكتور وانا من اشد متابعيك .
تقبل تحياتي.
الدكتور نجم البرزنجي، «قطر»، 10/01/2009
أستاذ سعد مقال رائع ... نعم أصبح الصراخ مهنة وهوية للوطنية ... بالأمس لبنان وأكثر من الف شهيد وقبلها العراق أكثر من 2 مليون ... ناهيك عن الموارد العظيمة التي أهدرت والتي تهدر كل يوم والى يوم يبعثون... الصراخ صنعة الان ولك أن تشاهد المتحدثين الرسميين لهذا وذاك ولك ان تحكم ... أصرخ أكثر تحصل أكثر وليس بالضرورة أن تقاتل حقيقة فيكفي بعض الجثث هنا وهناك دليل على أنك تصرخ ولا داعي لأن تقاتل.
الجهني المدينه المنوره، «فرنسا ميتروبولتان»، 10/01/2009
العيب ليس في الصارخ او مطلق الصواريخ العيب بالمجتمعات التي تصدق الصواريخ وتصفق للصارخ كم هي مجتمعات فاشله يديرها من يشاء بالصراخ.
محمد الادريسي، «المملكة المغربية»، 10/01/2009
لو كانت صواريخ حماس مجرد صراخ لما اضطرت اسرائيل ان تشن هدا العدوان البربري ... ولما اضطر الاف الصهاينة ان يهجروا سكناهم ..
دلونا ايها المعتدلون على طريق ينتهي بها الاحتلال غير تلك المفاوضات العبثية.. وسنكون اول من يلعن الصواريخ العبثية!!!!!
سعود بن محمد السهَيان، «المملكة العربية السعودية»، 10/01/2009
يعلم الجميع أنه لو لم يكن لدى مجاهدي حماس صواريخ يرهبون بها أخس الأعداء وهم الصهاينة محتلي الأوطان والمقدسات وقاتلي الأطفال لسَوق لمصلحتهم أية حجة أخرى بديلة فالحجج كثيرة ما دامت هناك وبحمد الله مقاومة فلسطينية شريفة وتتعامل بندية مع هذا المحتل الغاصب والمجرم.. ورغم أن تلك جريمة إنسانية وأخلاقية وقانونية كذلك لكن هذا ليس هو المهم البته.. فالله عز وجل فضح تلفيق الصهاينة المزورين أمام شعوب العالم وعلى شاشات القنوات فضح المستوى المتدني لأخلاقهم الوضيعة واللاإنسانية... فالنصر قادم ونرى بوادره بإذن الله تعالى بأعيننا..وأخيراً لا نقول إلا كما قال شيخ الأمة والمدافع الأول عنها فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي حين قال مستحيل أن ينتصر الباطل على الحق ومستحيل أن ينتصر الظلم على العدل ومستحيل أن ينتصر الطاغوت على الله تعالى. وإن غداً لناظره قريب والله المستعان.
المحامي ياسر نوافله / الأردن، «فرنسا ميتروبولتان»، 10/01/2009
صدقني يا أستاذ سعد اذا قلت لك , وهذا ليس من قبيل المصارخة وانما من باب المصارحة, أن هذا السيناريو الذي نعيشه اليوم من صراخ وتهويل ومبالغة وتشدّق هو نفسه الذي يتكرر في ديار العروبة ومضارب العروبيّن أما الجديد فينا فهو ما أوجدته أمريكا ودوائر صنع القرار الغربية والذي عرف لدينا بالصحوة الاسلامية, لقد نبهونا من رقدتنا بصحوة دينية سلفية خدمت مصالحهم ونفذت أجنداتهم الخاصة وأنت تعرف البقية, واليوم ويا لشدة المفارقة يقف أعداء الأمس في خندق واحد, الأسلاميون مع بقايا البعث مع الشيوعية مع القومية أما سواهم فهو عميل, يتحدثون عن انتصارات كاذبة من عام 48 وحتى اليوم والعدو دائما مهزوم وجبان وأحمق وقادته فاشلون ولا يحسنون التدبير. والحديث يطول يا أخ سعد وشكرا.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2013 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام