![]() |
|||||||||||||||||||||||||||||||||
| الجمعـة 23 ذو القعـدة 1426 هـ 23 ديسمبر 2005 العدد 9887 | الصفحة الرئيسية | ||||||||||||||||||||||||||||||||
صعود الإخوان في مصر وتوتر العلاقة بين بيروت ودمشق .. هموم وغموم
بينما يضطرني السفر الى التعجيل بكتابة هذا المقال في حين أن الأمور ما زالت تتحرك، فاني اشعر أنني لن أجانب الحقيقة والواقع في ما بين سفرتي القصيرة وعودتي، فالعواصف ستظل سحبها تتجمع، والقلق سيظل مستبدا بالنفوس والعقول والقلوب، والمشاكل ستبقى معنا تتفاقم، إلا إذا ساد العقل فجأة فتبددت الغيوم وعندئذ قد يصبح ما كتبت كالطعام «البائت».
أولا: لا أشعر بأي تعاطف تجاه الإخوان المسلمين، لأسباب كثيرة، أولها أن لهم تاريخا اقل ما يقال عنه انه «غير مريح»، فقد قام بعض أفراد الجماعة بارتكاب جرائم قتل وعنف ثبتت عليهم قبل وبعد الثورة. وثانيها أني لا ارتاح لمنظمات، أيا كانت أيديولوجيتها، لها صلات تنظيمية دولية تجعلها فروعا لمنظمات أجنبية مما يضعها أحيانا في وضع الاختيار بين المصالح الوطنية ومصالح أخرى ويورطها في نشاطات لا تتفق بالضرورة مع مقتضيات الولاء لمصر. اما السبب الثالث فلاني من المؤمنين بخطورة المزج بين الدين والسياسة. فأنا أرى أن الصلة بينهما تتلخص في أن الدين الصحيح يساهم بما يدعو إليه من أمانة وصدق وأخلاقيات في ايجاد المواطن الصالح، وهذا المواطن الصالح هو الذي من حقه أن يمارس السياسة وفقا لما يراه دون أن يكون خاضعا لمرجعية دينية، وهذا في رأيي هو معنى العلمانية التي يحاول البعض تشويهها بالادعاء بأنها تعني رفض الأديان، مع أنها دعوة الى عدم تعريض الدين بجلاله الى متطلبات الحياة السياسية، وعدم الخلط بين السياسة ونظرياتها التي تحتمل الصواب والخطأ، وبين الدين الذي هو في جوهره الإيماني والأخلاقي الحق الذي لا يأتيه الباطل ولا يحتمل الشك. وعلى ضوء ذلك فلست أيضا ممن يرتاحون الى أن تخوض مجموعة من الناس الانتخابات على أساس فرض مفهومها للدين على الحياة السياسية والاجتماعية. فالدين دعوة الى الحق، وليس فرضا بسن قوانين وإذا كانت قوانين الدولة، مهما كان الرأي فيها، تحظر مثل هذا النشاط السياسي للجماعات الدينية، فان الدولة أولى بتطبيق تلك القوانين، لأن أساس مشاكلنا في تقديري أن القوانين لا تحظى بالاحترام والواجب ولا تنفذ سواء عندما تقيد وتنظم نشاطات الأفراد، أو عندما تضع قيودا على سلطات الدولة أو تنظم حياة الناس ومع ذلك فقد حدث ما حدث، وخاض الإخوان المسلمون الانتخابات تحت شعارهم واستطاعوا أن يحصلوا على 88 مقعدا يجب أن نعتبرها تعبيرا عن إرادة شعب رغم ما شاب الانتخابات من تجاوزات لم يسلم منها طرف والى أن يثبت العكس قضائيا. وهذا العدد الذي يصل الى اقل من ربع مقاعد مجلس الشعب لا يبرر هذا القلق بل الفزع الذي يبديه البعض لأسباب متبانية بعضها صادق وبعضها مفتعل لأغراض تثير الشكوك. فالإخوان المسلمون لم يصلوا الى الحكم حتى يكون الهلع سواء من جانب بعض الأقباط أو بعض المسلمين الذين يرون رأيي، واعتقد انهم وصلوا بهذا العدد الى أقصى ما يمكنهم الوصول إليه في بلد يتميز في مجموعه بالاعتدال ونبذ التطرف رغم كل المحاولات التي جرت على مر السنين لدفعه الى أقصى اليسار أو الى أقصى اليمين. وسوف يكون الإخوان قوة معارضة في مجلس الشعب قد تساعد المجلس على أن يضطلع بكفاءة اكبر بدوره الرقابي، وقد تكون لهم إسهامات في التشريع ـ في إطار ما نص عليه الدستور وقد يكون وجودهم حافزا للأغلبية لكي تلتزم بجدية افتقدتها في ظروف ماضية وقد يمنع ظهورهم على السطح من أن يرضخوا لغواية العمل السري الذي اعتادوا عليه في الماضي. وأضيف انني اعتقد انه من الممكن، في إطار المادة الثانية من الدستور التي تجعل الشريعة المصدر الرئيسي، وليس الوحيد للتشريع أن يشكلوا حزبا لا يدعو الى حكومة دينية بل يكون له برنامج سياسي يستلهم مبادئ الدين التي يمكن تطبيقها في إطار مجتمع متعدد، وفي ضوء جوهر الإسلام الذي يجعله صالحا لكل زمان ومكان لأنه قادر على التطور والتأقلم ولأنه يقبل بأن الضرورات قد تبيح المحظورات وان العلم يطلب حتى أقاصي الأرض ولست ـ إذ أقول ذلك ـ أدعي العلم بالفقه والدين علما جامعا، ولكني أقول أيضا أن الكثيرين ممن يتصدون للفتوى في الصحف والتليفزيونات والمساجد يخرجون أحيانا بفتاويهم عن صحيح الدين وجوهره ويفتون بما من شأنه أن يسيء الى الإسلام والى مصالح المسلمين أو يتعرضون للتافه البعيد عن الجوهر. * بينما استمر الرئيس بوش في إلقاء خطاباته حول الانتصار في العراق فيقع في تناقضات حول معنى النصر أبرزها محللون أمريكيون، فان إجراء الانتخابات العراقية في جو من الهدوء النسبي مع مشاركة كل الأطياف بما فيها السنة، يثير بصيصا من النور. إلا أن هناك بعض الاعتبارات التي أثارها بعض المحللين والمفكرين تستحق بعض الحذر، وأول ما أثار شكوك البعض هو الإعلان مسبقا عن تأخر إعلان النتائج الى بداية العام القادم أي أن فرز الأصوات وعدها سوف يستغرق اكثر من عشرة أيام، وهو أمر يثير الدهشة المشوبة بالشك خاصة ان أحدا لم يطرح سببا فنيا وجيها لتبرير هذا التأخير. وهناك بعض ممن يدعون أن مشاركة السنة في الانتخابات قد تكون افسدت مخططات البعض الذين كانوا يسيرون في اتجاه دعم اتجاهات الأكراد للانفصال، وتطلعات البعض الى استغلال غياب السنة لدعم النفوذ الشيعي المدعوم في بعضه من الخارج. وهناك أيضا من يذكرون بالصعوبة التي سيواجهها البرلمان الجديد في الوفاء بالوعد المبهم الذي حصل عليه السنة حول تعديل الدستور. وإزاء ذلك فإننا نتمنى أن تكون تلك الشكوك والأوهام مجرد ترهات وان يكون الشعب العراقي قد اقتنع بأهمية اتحاده لبناء الوطن الذي أصابه ما أصابه بفعل صدام وبفعل الاحتلال. * الأوضاع في لبنان وفي سوريا والعلاقات بينهما لا يمكن أن تطمئن أي غيور على مصالح الشعبين الشقيقين، فهي تحمل في طياتها لهما وللامة العربية والمنطقة كلها أخطارا جسيمة مما يضع المسؤولية على الجميع للعمل على الخروج من دوامة الشر. وقد أحسن السيد عمرو موسى الأمين العام لجامعة الدول العربية حين بدأ مسعى في العاصمتين حتى تهدأ الأمور ولكن الموضوع اعمق، في تقديري، من محاولات تهدئة قد تؤدي الى نتيجة هي بالضرورة مؤقتة الى أن تعود العاصفة للهبوب، فالأمر يحتاج الى حلول جذرية تبدأ من إقامة العلاقات بين البلدين على أسس سليمة في الجوهر وليس فقط في مظهرها، وهنا فان سوريا تتحمل مسؤولية كبيرة. لا يجادل أحد في أن دخول قواتها الى لبنان في السبعينات كان دخولا مبررا وشرعيا استطاع آن يضع حدا لأوضاع غاية في الاضطراب دفع الشعب اللبناني ثمنا باهظا لها. ولكن لا شك أيضا في أن الوجود السوري استمر الى اكثر مما ينبغي وان يده أصبحت ثقيلة الى درجة أن النظرة إليه تغيرت وانه اصبح محل انقسام بدلا من أن يظل عنصر توازن مؤقت في مرحلة تجاوزتها الأحداث وكان المفروض أن يتأكد هذا بتطبيق اتفاقية الطائف تطبيقا دقيقا. ولا يستطيع من كان مثلي صديقا لسوريا إلا أن يقر بان السياسة السورية ويدها الثقيلة وتدخلها ـ أحيانا بدعوة من بعض الساسة اللبنانيين ـ قد ساهمت في دعم الشكوك والهواجس والحزازات، ثم جاءت سلسلة الاغتيالات بدءا باغتيال الشهيد الحريري لتزيد من تلك الشكوك استنادا الي ظواهر سياسية والى تحقيقات دولية. وقد كان من الضروري حينئذ أن تشعر سوريا ـ سواء كانت بريئة كما تقول أو كانت متورطة الى درجة كبرت أو صغرت، أن تتخذ مواقف غير المواقف التي اتخذتها، وان تسارع الي الحوار البناء مع كل القوي اللبنانية وتتخذ كل ما يلزم لوقف عمليات العنف ومعاقبة كل من تورط في تلك الاعمال التي وصفها الرئيس الأسد بأنها خيانة عظمي لسوريا، ولكن دمشق بدت وكأنها لا تريد أن تتخذ الإجراءات التي يمكن أن تزيل الشكوك حول بعض المسؤولين فيها، وان تخفف بالتالي الضغط عليها، فاصبح الموضوع يتجاوز العلاقات السورية اللبنانية الى الدخول في دوامات ليس من شك في أنها تشكل خطورة بالغة محتملة على الكيان السوري ذاته. ومن ناحية أخرى فان اللبنانيين وقد فجعتهم واستفزتهم الأحداث الدامية واشعلت شعورهم الوطني وفجرت براكين من الغضب المكبوت والكرامة المجروحة وجدوا أنفسهم في مواجهة مع دولة يؤكد جميع اللبنانيين انهم يريدون معها اقوى العلاقات القائمة على الندية والمصالح المشتركة ، ولكنهم يشعرون أن ذلك ليس متاحا إذ أن دمشق لا تبدو متقبلة لحقيقة أن العلاقات مهما كانت خصوصيتها لا يمكن أن تتجاوز حدودا معينة أو أن تخرج عن القواعد المألوفة للعلاقات بين الدول المستقلة كما يرسمها القانون الدولي المستقر، ومن هنا فانه من الضروري ـ حتى تهدأ النفوس ويتوقف نهر الدم (الزكي الذي قد يكون بفعل أعداء سوريا وللبنان كليهما بل هو قطعا ـ أيا كان المذنب المباشر وهويته ـ تحقيق مصالح الأعداء لانه لا يصب في أية مصلحة سورية أو لبنانية حقيقية) من الضروري إذن أن تتدخل الدول العربية كلها ـ وليس فقط الأمين العام لجامعتها ـ وعلى اعلى مستوى لكي يتم الاتفاق على وضع الأسس الراسخة للعلاقات السورية اللبنانية وفق القواعد الدولية، وان يتم الكشف عن مرتكبي الجرائم البشعة أيا كانوا ومعاقبتهم، وان تتحمل الدولتان أمام كل الدول العربية مسؤولية احترام وثيقة العهد التي صدرت عن القمة العربية، فهذا هو الأسلوب الوحيد لتجاوز الأزمة وتجنب المخاطر التي لن تصيب الذين ظلموا وأجرموا خاصة بل قد تشكل «سونامي» قد لا ينجو منه أحد.
|
|
||||||||||||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||