الجمعـة 09 رمضـان 1425 هـ 22 اكتوبر 2004 العدد 9460 الصفحة الرئيسية







 
محمد محمود *
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
السودان: أربعون عاماً على ثورة أكتوبر

ثورة أكتوبر السودانية التي أسقطت نظام إبراهيم عبود في 1964 حدث فريد في تاريخ السودان الحديث، وهو حدث كاد أن يتكرر في مارس 1985 عندما هبت جماهير العاصمة السودانية لإسقاط نظام جعفر نميري إلا أن تدخل الجيش بقيادة عبد الرحمن سوار الدهب، وزير الدفاع آنذاك، احتوى تلك الهبة الشعبية ونزع فتيلها المشتعل. لم تواجه ثورة أكتوبر مثل هذا الاحباط، إذ أن هبتها توفرت لها دواعي النجاح وحالفها التوفيق.

ولعل الرمز الذي هيمن على أفق الثورة يلخص طبيعتها تلخيصا مجازيا. وهذا الرمز هو الطالب الجامعي أحمد القرشي، الذي أردته قوات الأمن قتيلا عقب مواجهاتها مع الطلاب في حرم جامعة الخرطوم. كانت ثورة أكتوبر، و بالدرجة الأولى، ثورة الطلاب والمهنيين (أطباء ومهندسين ومحامين وأساتذة جامعيين وموظفين) والعمال (خاصة عمال السكة حديد)، وكانت، وبالدرجة الأولى، ثورة حضرية لم يكن الريف حاضرا فيها الا حضورا رمزيا وشعاريا. وبتعبير آخر كانت ثورة ذلك القطاع المؤثر الذي أصبح يعرف بـ (القوى الحديثة). ولقد انعكس ذلك الواقع السياسي ـ الاجتماعي على سلاحها الأساسى في مواجهة النظام العسكري ألا وهو سلاح الاضراب السياسي، كما انعكس على صياغة ميثاق الثورة الذي أبرز المطالب الستة التالية: قيام حكومة مدنية انتقالية تتولى الحكم وفق دستور 1956 المعدل; اجراء الانتخابات في فترة لا تتعدى شهر مارس 1965 لجمعية تأسيسية تمارس السلطة التشريعية وتضع الدستور; اطلاق الحريات العامة، والغاء القوانين المقيدة لها; تأمين استقلال القضاء وجامعة الخرطوم; اطلاق سراح المعتقلين السياسيين; وانتهاج سياسة خارجية في فترة الانتقال ضد الاستعمار والاحلاف. لقد كان الصعود السياسي المتسارع للقوى الحديثة أمرا طبيعيا في فترة المد الثوري الأولى، الا أنه صعود ما لبث أن انحسر لأنه لم يعكس موازين القوى السياسية على الأرض.

ولعل الإخفاق الأساسي الذي أعقب انتصار ثورة أكتوبر هو العجز عن الوصول لـ (عقد ديمقراطي) بين القوى السياسية، يؤسس لقاعدة صلبة لحكم القانون والشرعية الدستورية والتداول السلمي للسلطة، وهو اخفاق لا يزال السودان يعاني من عواقبه. والإخفاق الآخر الهام هو عجز القوى الشمالية عن الاعتراف بحق الجنوبيين في حكم فيدرالي أو في الانفصال لو شاءوا. وقاد الإخفاق الأول لحل الحزب الشيوعي في نوفمبر 1965 بدعوى أنه حزب إلحادي، وكان هذا أكبر تنكّر لمبدأ حق التنظيم في ظل الديمقراطية. أما الإخفاق الثاني فقد ثمثل في فشل مؤتمر المائدة المستديرة الذي انعقد في مارس 1965 للوصول لاتفاق بشأن الجنوب، ثم تواصل في تكثيف الحرب الأهلية، حال بدء أول وزارة منتخبة في مزاولة أعمالها، وهي وزارة أعطت الجيش تفويضا تاما مكّنه من مواصلة جرائمه وانتهاكاته البشعة في الجنوب. وفي فترة ما بعد أكتوبر برز عنصر جديد في الواقع السياسي وهو عنصر الإيديولوجية، وارتبطت هذه الظاهرة تحديدا بالصراع بين اليمين ممثلا في حركة الإخوان المسلمين (أو ما عرف بجبهة الميثاق الإسلامي) واليسار ممثلا في الحزب الشيوعي. وكان الخطاب الإيديولوجي السائد، سواء في تجليه الإسلامي أو في تجليه الماركسي ـ اللينيني، خطابا معاديا للديمقراطية الليبرالية. ولم يكن ذلك الواقع انعكاسا لما يجري فقط في السودان، وانما كان يعكس أيضا واقع الاستقطاب العالمي بين المعسكر الغربي والمعسكر الشرقي، وواقع الاستقطاب الإقليمي. وعقب حلّ الحزب الشيوعي انفرد الإسلاميون بالمسرح الإيديولوجي وتصاعد شعارهم الداعي لـ (دستور إسلامي) ليصبح شعارا مهيمنا، وطغت الإيديولوجية عندهم لتصبح إصراراً على إخضاع كل مظاهر الحياة السياسية والاقتصادية والقانونية والاجتماعية والثقافية، إلخ، لبرنامج (أسلمة) شاملة تطال كلّ صغيرة وكبيرة.

والسؤال هنا ماذا تعني أكتوبر إذن بعد أربعين عاماً شهدت عسفاً عسكرياً استمر ستة عشر عاماً تحت ظل نميري، وفترة برلمانية مزعزعة أجهضها انقلاب عسكري آخر ما زال السودان ينوء تحت عسفه؟ إن أكتوبر أصبحت مرادفة في الوعي السياسي للسودانيين للتخلص من استبداد الأنظمة العسكرية وتحقيق الديمقراطية، ورغم خيبة الأمل التي أعقبتها فإن قيمتها كأهم حدث ملهم بعد الاستقلال تبقى حية ودائمة. وعندما نتحدّث عن أكتوبر كحدث ملهم، فإننا نؤكّد بالإضافة لما حققته لما نفترض أنها تنطوي عليه وتشير في اتجاهه، حتى وإن لم يتحقّق. فأكتوبر كهبة شعبية سلمية تؤكد على بعدين هامين: بعد الديمقراطية كممارسة شعبية وبعد اللاعنف وقدرته على قيادة عملية التحول الديمقراطي. وبذا فإن التحدي الأبعد الذي طرحته أكتوبر هو تحدي الثقافة الديمقراطية، بعث هذه الثقافة ونشرها على كل المستويات، إذ أن الديمقراطية كممارسة لا تقتصر على مجال الممارسة السياسية أو المجال العام و إنما تمتد أيضا للمجال الخاص أو مجال العلاقات الأسرية و باقي مجالات المجتمع المدني. إن خطورة الاستبداد لا تكمن فقط في مظهره السياسي، وإنما أيضا في قدرته على التسرب لكل مظاهر الحياة عندما يتحول إلى نمط سلوكي يحكم علاقة الرجل بالمرأة وعلاقة الأب بأبنائه وعلاقة الاستاذ بطلابه وعلاقة الرئيس بمرؤوسيه، إلخ. عندها يصبح الاستبداد تسلطا مؤسسياً وفكرياً ونفسياً يقتل الابداع والقدرة على النمو. ومن الخطأ احاطة ثورة أكتوبر، أو أي ثورة أخرى في واقع الأمر، بأي غِلالة رومانسية، ولكن من الضروري استكشاف ما تحتشد به أكتوبر من إمكان ومحاولة الإمساك به. ولأنّ السودان لم يخرج حتى الآن من وهدة الاستبداد العسكري فإن نموذج أكتوبر ما زال نموذجاً ملائماً، رغم التشكيك في ذلك من قبل الذين يصرّون على ضرورة حسم الصراعات من خلال فوهة البندقية.

إنّ ما كتب عن ثورة أكتوبر حتى الآن من باب التوثيق والتحليل ما زال نزراً يسيراً، والمؤسف أن الكثيرين من الذين شاركوا في صناعة أكتوبر قد ماتوا من غير أن يتركوا أثراً مكتوباً، ومن غير أن يقوم الدارسون بالتوثيق عنهم. إنّ السودانيين مطالبون بأن يعاملوا ثورة أكتوبر كحدث مركزي و(بوصلي) في تاريخهم الحديث، وأن يعاملوها مثلما يعامل الفرنسيون الثورة الفرنسية. وإن كان الاستقلال يمثل لحظة الميلاد الأولى ولحظة الانعتاق من قهر (الآتي من الخارج)، فإن أكتوبر تمثل لحظة الميلاد الثانية ولحظة الانعتاق من قهر(الآتي من الداخل). والقهر الأخير أقرب إلى السودانيين من (حبل الوريد)، وهذا هو ما يجعل أكتوبر نموذجاً مقيماً يحثّ السودانيين ويلهب وجدانهم للسهر على مكتسباتهم الديمقراطية عندما تتحقق والعض عليها بالنواجذ.

* كاتب سوداني وأستاذ مشارك

في قسم الاديان المقارنة بجامعة تفتز (ببريطانيا)

> > >

التعليــقــــات
سي عبيد، «Saudi Arabia»، 22/10/2004
صحيح ان ثورة اكتوبر اسقطت نظام عبود، اول نظام عسكري، الا أنها لم تعد النظام الديمقراطي الى السودان والذي كان قائما قبل عبود. ويبدو لي ان الثورة الشعبية الثانية التي كادت تطيح بنظام نميري امكن خطفها في لحظاتها الاخيرة من قبل العسكر. وكأن الامر كان مهندسا، حتى لا تمتد مثل هذه الثورات الى شعوب عربية أخرى مجاورة، ولعل الظروف الدولية والمناخ السياسي الذي كان سائدا في المنطقة وقتها يعزز مثل هذا القول.
Omar Elhassan، «Virginia USA»، 22/10/2004
Hi Mr. Mahmoud
Your splendid article in "Asharq Alawsat" touched the most sensitive nerve of my heart.
"October" as I know, it was not yet a revolution, it is rather an immature or miscarrage of a revolutiwion. it was untimely pushed out by 2 mall parties:one is a master propogandist, but absolutely naive, the other was -and still- croocked tricky oportunist. After that incident took place the tricky pocket lifted cleverly the fetus.The naive revenged in 1969 but his success was stolen by the crooked tricky guy, and the naive was torn down to the earth. In 1986 the two overaged big parties tried to make their way to pull out the immature baby revulution. After three years their distorted baby was stolen by their croocked tricky ally. Now the infamous magicians and play guys are playing games and trickes on each other, somtimes playing it rough, but kicking back the other players back.still our revolutionis lying there in our country's waiting for us to decide what to do by revolution so as to shape itself according to our wishes and hopes like all the revolutions including the American one. But be careful, the "cuckoo bird " is still there waiting to put its egg in the new nest.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام