الجمعـة 14 ربيـع الثانـى 1427 هـ 12 مايو 2006 العدد 10027 الصفحة الرئيسية







 
أحمد ماهر
مقالات سابقة للكاتب
إبحث في مقالات الكتاب
 
لعبة الأمم: فلسطين ـ العراق ـ إيران

بينما استعد للسفر إلى واشنطن للمشاركة مع عدد من المسؤولين السابقين من الأردن وفلسطين والولايات المتحدة وإسرائيل في ندوة حول الأوضاع الداخلية في فلسطين وإسرائيل والخطوات القادمة فيما كان يسمى عملية السلام ينظمها مركز ويلسون الشهير، تلي لقاء يعقده الرباعي الدولي بحضور وزراء خارجية مصر والسعودية والأردن، فإن الأوضاع في فلسطين تثير الكثير من القلق، ولا يرجع هذا القلق فقط إلى السياسات التي يعتزم رئيس وزراء إسرائيل الجديد أولمرت تنفيذها بشأن تحديد الحدود الدائمة لإسرائيل بمعنى ابتلاع نصف الضفة الغربية المحتلة بحيث يصبح من المستحيل إقامة دولة فلسطينية «متصلة الأرض وقابلة للحياة» وفقا للتعبير الذي طالما تردد في ردهات المجتمع الدولي على لسان مسؤولين غربيين، لا نرى منهم إلا مزيدا من المساندة لاستمرار العدوان الإسرائيلي وسكوتا عن جرائم ترتكب يوميا ضد الفلسطينيين العزل نساء ورجالا وأطفالا وضد مزارعهم وممتلكاتهم وحقوقهم الإنسانية والوطنية، كما لا يرجع أيضا بالإضافة إلى ذلك إلى الإصرار على تجويع الشعب الفلسطيني واستثارته واستثارة منظماته وهيئاته لمنعها من الأمل في إمكانية التوصل إلى استئناف مفاوضات جادة تساعد على تجاوز اليأس والإحباط اللذين يقودان إلى اعتماد العنف ما دام البديل الآخر ـ الذي حاوله أبو عمار ثم أبو مازن ـ لم يؤد إلا إلى طرق سدتها إسرائيل أيا كان انتماء حكومتها.

أما ما يقلقني أكثر فهو الموقف الفلسطيني الفلسطيني الذي هو أحوج ما يكون إلى جمع الصفوف لمواجهة العواصف والأنواء، بدلا من الانخراط في مناورات صغيرة تحاول الالتفاف على الإرادة على شاشات التليفزيون المأساوية التي نراها من هروب المواطنين الفلسطينيين في فزع من رصاصات فلسطينية يسقط فيها شهداء في إرهاصات لحرب أهلية، أمكن في الماضي تجنبها، وقد أفزعني أيضا منظر الحريق في مبنى المجلس التشريعي في رام الله ـ أيا كان سببه ـ كرمز لحريق يمكن أن يشب داخل الصفوف الفلسطينية إذا لم يدرك العقلاء ـ ولم يساعدهم أشقاؤهم العرب ـ ضرورة أن يعملوا العقل ويحكموه بدلا من أن تتحكم جراح الكبرياء أو تجمد الأيديولوجية أو الاستسلام لغوايات شريرة.

وليس من شك في أن التعاون بين رئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية والحكومة الوطنية الفلسطينية (وكلاهما يستمد شرعيته من صندوق الانتخاب)، يجب أن يكون له الأولوية على كل اعتبار آخر، لأن الصراع الفلسطيني الفلسطيني لن يكون فيه إلا خاسر واحد هو مستقبل فلسطين، وإلا منتصر واحد هو إسرائيل ومن يقفون وراءها أو أمامها أو بجوارها باستمرار رغم ادعائهم أنهم يحملون مشاعل حق الشعوب في الحياة والكرامة والحرية والديمقراطية والسعادة، وأشعر أن جهودا عربية يجب أن تبذل في هذا الشأن حثيثة ومستمرة مهما كان الرأي في فتح أو حماس، ومهما كانت رواسب حساسيات يجب أن تهون إزاء قضايا المصير، والمصير الذي أتحدث عنه ليس فقط مصير فلسطين، بل مصير كل العرب الذين ما زالت الأطماع فيهم والرهانات على ضعفهم قوية.

ولعلي أشير في هذا الصدد إلى أن رئيس حزب العمل «المعتدل» الذي أصر على تولي وزارة الدفاع ـ رغم عدم الخبرة ـ أثبت في أيامه الأولى أنه خبير في الاستخدام غير المعتدل للقوات المسلحة ضد الشعب الذي يطالب بحقوقه التي اعترف له العالم بها اعترافا «أفلاطونيا» بشرط ـ فيما يبدو ـ ألا يعمل على تفعيلها.

ولعل ندوة مركز ويلسون فرصة لمناقشة مثل هذه الأمور بوضوح لسبر غور المشاركين الذين يمثلون غالبية الأطراف المعنية ولعلي اسمع خلالها أصواتا تفضل الحكمة الفعالة على الانتصارات الخادعة، والقوة العاقلة على العنتريات الكاذبة، والخطوات التي تؤدي إلى الأمن والاستقرار للجميع على اساس العدل الذي يؤدي إلى التعاون بين الأنداد.

ولعلي أيضا في الأيام القليلة التي اقضيها في واشنطن استطيع أن أتابع تطورات الوضع الإيراني أو بالأحرى ما أراه شدا للحبل بين واشنطن وطهران مرورا بفيينا ونيويورك وغيرها من المدن والعواصم التي يسمع فيها صدى دقات الطبول، وعندما ينشر هذا المقال قد يكون مجلس الأمن قد اتخذ موقفا سواء بإصدار قرار استند إلى الباب السابع أو غيره، أو تعذر ذلك بسبب فيتو روسي أو صيني أو امتناع الدولتين المذكورتين عن تركه يمر، فإني ما زلت عند رأي أبديته مؤخرا في مناسبات كثيرة ومنها حديث لمحطة الإذاعة البريطانية أذيع جزء منه ربما لم يكن كافيا لتوضيح رأيي.

بصراحة أنا لا أعتقد أن الولايات المتحدة مستعدة ـ رغم تحريض إسرائيل المستمر لها ـ للدخول في إيران في مغامرة شبيهة بالمغامرة العراقية التي وضح للجميع مدى غرزتها في رمال أوصلتها إليها رعونتها ورعونة بعض المسؤولين فيها من أسرى أيديولوجية خطيرة بقدر ما هي بلهاء، وقد رأينا كيف أن غزو العراق تسبب في إرهاق القوات المسلحة الأميركية التي وصلت إلى درجة من ضعف القدرة على مزيد من التعبئة، كما أنه قزم التأييد للرئيس بوش إلى درجة دنيا لعلها غير مسبوقة، وأساء إلى سمعة ومكانة الولايات المتحدة في العالم وخاصة في الدول العربية والشرق الأوسط، وأضعفت حلفاءها سياسيا فأسقط بعضهم في الانتخابات ويكاد الباقون يتجهون إلى باب الخروج، هذا كله علاوة على تزايد معاناة الشعب العراقي الذي تتعمق انقساماته يوما بعد يوم، كما يشهد بذلك العجز حتى الآن عن تشكيل الحكومة الجديدة التي قيل أنها ستكون «منارة للديمقراطية» فإذا بها جزء من حرب أهلية سياسية تضاف إلى الحرب الأهلية العسكرية.

وإزاء ذلك كله، فهل يمكن تصور أن تستجيب واشنطن لنداءات طبول الحرب فتبدأ مغامرة جديدة قد تجد نفسها فيها وحيدة ولا تؤدي إلى تبديد المخاوف المبررة في دول الخليج من إيران، بل إلى تزايدها بسبب احتمالات ردود فعل إيرانية في المنطقة قد تتجاوز آثارها القلق حول السلاح النووي أو حتى النشاط النووي السلمي بتكنولوجيا غير مضمونة أو ابتداعياته السياسية.

فإذا اتجهنا إلى طهران، فإني لا أعتقد حتى إذا كانت «تتنزه» على حافة ما يبدو أنه الهاوية، أنها مستعدة للدخول في مواجهة حقيقية مع الولايات المتحدة التي تتربص بها ومع العالم، الذي لا يقبل مهما كانت الظروف، مزيدا من انتشار الأسلحة النووية، بل يتطلع إلى إقامة المناطق منزوعة السلاح النووي وكل أسلحة الدمار الشامل التي نادت بها مصر ولقي نداؤها مساندة واسعة النطاق حتى من إيران ذاتها إلى وقت قريب.

وخلاصة ما وصل إليه فكري ـ وقد أكون مخطئا ـ أن الفريقين يجمع كل منهما أوراقا يتصور أنه يستطيع أن يكسب بها ليس في ساحة حرب بل في مفاوضات موسعة، ولعلنا نذكر أن الولايات المتحدة صرحت في وقت من الأوقات بأنها مستعدة للدخول في مفاوضات مع طهران حول العراق، وإذا كان ذلك لم يتحقق لخلاف حول المكان والمضمون، فقد جاءت الأنباء، بينما أكتب هذا المقال، بأن الرئيس الإيراني بعث برسالة إلى الرئيس بوش ـ في تحرك غير مسبوق ـ يقترح فيما قيل حلولا للمشاكل بين البلدين.

ويعزز هذا بالإضافة إلى مناورات مجلس الأمن ووكالة الطاقة الذرية من تقديري، الذي قد يصدق وقد لا يصدق، فإننا نعيش في زمن تكثر فيه المفاجآت من نوع العقرب الذي لدغ في وسط النهر الكلب الذي كان يساعده في العبور إلى الشط الآخر فغرقا معا، ولكني إذا كنت على حق فإنه على الدول العربية أن تستعد باتصالات بالطرفين ومواقف مدروسة وخطط فيها من العقلانية أكثر مما فيها من عصبية، حتى تؤخذ مصالحها في الاعتبار في مثل تلك المفاوضات، سواء المصالح الوطنية الأمنية وغيرها لدول الخليج بالذات، أو المصالح القومية العامة وخاصة ما يتعلق بمصير السلاح النووي الإسرائيلي.

قد نكون على أبواب «لعبة كبيرة» مثل ما حدث في المنطقة في قرون ماضية، وقد نكون على أبواب مواجهات جديدة تضاف إلى المواجهات الحالية، وعلينا أن نستعد ولعل مشاكل فلسطين والعراق وإيران وما تسببه من سخونة وما تحمله في طياتها من احتمالات، تستدعي تفعيلا للاقتراح المصري بعقد قمم تشاوريه تتم فيها المصارحة والمكاشفة والتداول المتعمق خروجا من المخاطر والمزالق والفخاخ.

> > >

التعليــقــــات
علي الكاش/ اليونان، «اليونان»، 12/05/2006
أثار مقالك الممتع فيَ مزيجا غريبا حول لعبة الأمم وقولك أننا على أبواب لعبة كبيرة وفكرت في خلفية هذه اللعبة وخفايا وأوشاج اللعبة الرياضية ومقارنتها باللعبة السياسية، وخطر في بالي حلبة الصراع الرياضي وحلبة الصراع السياسي، ففي حلبة الرياضة يحاول المتصارعان أن يستعرض كل منهما للآخر عضلاته وقوته تحت تصفيق الجماهير، وربما التفوه ببعض عبارات الزهو والغرور بغية النيل من معنويات المنافس وإلحاق الروح الإنهزامية فيه، وفي الحلبة السياسية أيضاً يستخدم المتصارعان نفس الأسلوب من استعراض القوة والتحدث عن إمكانات الذات والقصور والضعف عند المنافس، وقد يستعين المتصارعان في الحلبة السياسية بالثرثرة لغرض كسب الوقت، أو الحصول على دعم أكبر من الجمهور، من خلال تمرير معلومات خاطئة عن قوة النفس أو ضعف المنافس. وفي الوقت الذي يشترط في حلبة السباق أن تجري المصارعة لإمتاع الجمهور ومعرفة الفائزين في الرهانات، فإن هذا الشرط غير ملزم في الحلبة السياسية، من الممكن أن لا يجري النزال أصلاً، أو يتم تأجيله إلى ظرف أفضل أو قد ينتهي بوفاق وتفاهم بين المتصارعين دون الحاجة للقتال. في الحلبة الرياضية يشترط أن يتم القتال داخل الحلبة، لكن في السياسية يجوز التحرك بحرية والقتال في كافة الأماكن، حتى على الأماكن التي يجلس عليها الجمهور. وفي الوقت الذي يحظر على لاعبي الرياضة الضرب تحت الحزام، والمناطق الحساسة، فإنه لا يوجد مثل هذا الشرط في حلبة السياسية حيث يمكن توجيه الضربات الموجعة إلى كافة الأماكن بغية إيلام الخصم . كما أنه في حلبة الرياضة لا يجوز الإستعانة بأدوات جارحة أو مرافقي المصارع وأصدقائه، فإنه في حلبة السياسة يجوز ذلك حسب الظروف وتقديرات اللاعب
الحكم الدولي كلامه مسموع في الحلبة الرياضية، أما السياسية فيعتمد على أهواء اللاعبين وقوتهم ونفوذهم ،
المهم من ذلك كله أن الجمهور في كلا الحالتين هو الذي يدفع الثمن ! مستمتعاً بالمشاهد الدموية، وهنا تكمن المأساة.
هاشم ابراهيم، «المملكة العربية السعودية»، 12/05/2006
المقال يحلل الأوضاع التي وصلنا إليها في المنطقة، والتي هي من صراع ونزاع مستمر من أجل الكثير من المصالح، أو نقول بمعنى أصح المطامع الغربية التي هي في ازدياد، وتريد الهيمنة على كل ثروات الشرق الأوسط، وأن لا يكون هناك أية قوة يمكن لها بأن تهدد تلك المصالح. إن الصراع في فلسطين على الأرض وإما السلام وإما الاستمرار في المقاومة، وفي العراق من أجل النفط والموقع الاستراتيجي وما يمثله العراق من نبض العروبة في المنطقة. وإيران التي تريد أن تسيطر وتهيمن على المنطقة، والتي لديها القدرة على ذلك، وتريد الاستمرار في هذا النمط، ولكن أميركا والغرب لها بالمرصاد.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام