متعب بن عبد الله لـ («الشرق الأوسط»): استئصال الإرهاب في سوريا يستدعي إزاحة النظام الذي أوجده

وزير الحرس الوطني قال إن واشنطن تدرك أهمية الدور السعودي في العالمين العربي والإسلامي.. لذلك فإن التشاور بين الطرفين أمر يفرضه الواقع

متعب بن عبد الله لـ («الشرق الأوسط»): استئصال الإرهاب في سوريا يستدعي إزاحة النظام الذي أوجده
TT

متعب بن عبد الله لـ («الشرق الأوسط»): استئصال الإرهاب في سوريا يستدعي إزاحة النظام الذي أوجده

متعب بن عبد الله لـ («الشرق الأوسط»): استئصال الإرهاب في سوريا يستدعي إزاحة النظام الذي أوجده

قال الأمير متعب بن عبد الله بن عبد العزيز وزير الحرس الوطني السعودي، إن تخاذل المجتمع الدولي عن الوقوف بجوار الشعب السوري قد أدى إلى ظهور التنظيمات الإرهابية، مشيرا إلى أن استئصال آفة الإرهاب في سوريا يستدعي إزاحة النظام الذي أوجده.
وأبدى الأمير متعب، في حوار خاص مع «الشرق الأوسط» أجري في واشنطن بمناسبة زيارته لها، ترحيب السعودية بجهود القوى الدولية للتوصل إلى اتفاق مع إيران حول برنامجها النووي، لكنه شدد على أن المملكة تدعم التوصل إلى اتفاق ولكن بشروط محددة وواضحة وملزمة لطهران. كما طالب بوضح حد لتدخل إيران في الشأن الداخلي لدول المنطقة سواء في سوريا أو العراق أو اليمن.
وأشاد وزير الحرس الوطني بالعلاقات القوية التي تربط الرياض وواشنطن، مشيرا إلى أنه لمس خلال محادثاته مع المسؤولين الأميركيين «تماثلا وتطابقا» في وجهات النظر حيال الكثير من القضايا. وشدد الأمير متعب على موقف المملكة الثابت في ما يتعلق بأمن الخليج، مشيرا إلى أن العلاقات السعودية الأميركية القوية والاستراتيجية تحتمل التباين في وجهات النظر، لكن ذلك لا يؤثر على عمق العلاقات. ويعود الأمير متعب إلى الرياض اليوم بعد زيارة رسمية لواشنطن استمرت أسبوعا التقى خلالها الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير الدفاع وعدد من أعضاء الكونغرس والمسؤولين الأميركيين. وناقش عدة قضايا، منها تطورات مكافحة تنظيم داعش، والنتائج التي حققها التحالف الجوي بقيادة الولايات المتحدة ومشاركة السعودية. وتطرقت المحادثات إلى الأزمة السورية، والوضع في اليمن، وتطورات المحادثات الدولية مع إيران حول الملف النووي، وتطورات الوضع في مصر، إضافة إلى تحديث وتسليح الحرس الوطني السعودي بأحدث التقنيات والمعدات العسكرية المتقدمة مثل طائرات الأباتشي وطائرات توما هوك الأميركية التي تصل إلى الرياض أوائل العام المقبل. وإلى نص الحوار:

* امتلأت أجندة اجتماعاتكم مع المسؤولين الأميركيين في هذه الزيارة التاريخية لواشنطن، بدأت من اللقاء مع الرئيس أوباما، ثم لقاءات مع أعضاء الكونغرس الأميركي، إلى المباحثات مع وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل، فما تقييمكم لهذه اللقاءات وما أهم القضايا التي تمت مناقشتها؟
- فعلا تضمنت الزيارة لقاءات متعددة مع المسؤولين في الإدارة الأميركية، وهذه اللقاءات تجسد عمق العلاقات السعودية - الأميركية، وطبيعة الشراكة الاستراتيجية بين الدولتين، التي بدأت منذ منتصف أربعينات القرن العشرين وما زالت مستمرة لأنها تقوم على أسس ومصالح مشتركة وتنسيق متبادل.
كما أن المرحلة الحالية وما تشهده منطقة الشرق الأوسط من تطورات غير مسبوقة تتطلب الكثير من التنسيق، ربما أكثر من أي وقت آخر، فتلك المنطقة تشهد صراعات وقلاقل وعدم استقرار، خصوصا الأوضاع في سوريا والعراق واليمن، وتداعيات التغييرات السياسية التي شهدها الكثير من دول المنطقة، وكذلك أمن الخليج، ومحاربة الإرهاب والتطرف الذي لا يهدد دول المنطقة فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الكثير من مناطق العالم الأخرى.
والمملكة العربية السعودية دولة محورية في المنطقة، كما أنها دولة تتبنى السلام وتدعم الاستقرار الإقليمي والدولي، وفي المقابل الولايات المتحدة هي القوى المؤثرة في سير الأحداث بالمنطقة وعليها مسؤوليات كبيرة تجاه هذه المنطقة واستقرارها، إضافة إلى مصالحها الكثيرة وعلاقاتها بدول هذه المنطقة المهمة من النواحي الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية وغير ذلك. كل ذلك يحتم أن تكون اللقاءات بين المسؤولين السعوديين والأميركيين مهمة ومتعددة المباحثات ويجعل أجندة لقاءات المسؤولين في الدولتين حافلة بالقضايا، خصوصا أن المملكة حريصة على طرح وجهة نظرها وتحديد مواقفها من هذه القضايا في إطار التنسيق مع الجانب الأميركي، ولا سيما حيال القضايا المهمة التي تكون فيها المواقف الأميركية قد تحمل خلافا في وجهات النظر مع المملكة العربية السعودية، وواشنطن تدرك بوضوح أهمية الدور السعودي في العالمين العربي والإسلامي، لذلك فإن التشاور بين الطرفين أمر يفرضه الواقع الإقليمي والدولي الراهن.
وكذلك تسليح الحرس الوطني وتدريب عناصره بالتعاون مع الولايات المتحدة قد أخذ جانبا من المحادثات، خصوصا أن المملكة وبتوجيه من سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - حفظه الله - تمضي في تطوير الحرس الوطني دوما ليكون في كامل استعداداته في حفظ الأمن والدفاع عن الوطن ضمن المنظومة الأمنية إلى جانب وزارتي الدفاع والداخلية. ومن حيث تقييم هذه المباحثات فهي ناجحة ومهمة وأسفرت عن تماثل وحتى تطابق في وجهات النظر حيال الكثير من القضايا ذات الاهتمام المشترك.
* هناك تهديدات أمنية تواجه المملكة العربية السعودية ومنطقة الخليج، بينما الموقف الأميركي تجاه أحداث البحرين لم يكن داعما للموقف السعودي، هل لمستم وجود تغيير في نظرة الولايات المتحدة لأمن الخليج بشكل عام، وأمن المملكة السعودية بشكل خاص؟
- منطقة الخليج العربي منطقة حيوية واستراتيجية، وأمنها يهم دولها في المقام الأول، كما يهم جميع دول العالم، خصوصا القوى الكبرى، والدول المستوردة للطاقة، والدول المنتجة والموردة للسلع الأخرى، لذلك فأمن منطقة الخليج ضروري وحيوي لدول الخليج ولجميع دول العالم.
وبالطبع يكون أمن منطقة الخليج حاضرا في المباحثات السعودية - الأميركية، والمملكة لديها سياسات واضحة وثابتة تجاه أمن منطقة الخليج تقوم على سياسة الاحترام المتبادل وعدم السماح للآخرين بالتدخل في شأن دول مجلس التعاون الخليجي. كما أن دول المجلس لا تتدخل في شؤون الآخرين، وهذه مواقف ثابتة ومعلنة للمملكة العربية السعودية وبقية دول مجلس التعاون الخليجي.
وفي هذا الشأن كبقية جوانب العلاقات السعودية - الأميركية تحتمل التباين في وجهات النظر لكن في إطار العلاقات القوية والاستراتيجية التي لا تؤثر عليها هذه التباينات، ولكن نحن في المملكة نوضح وجهة نظرنا ونتمسك بثوابتنا تجاه المنطقة وبقية دول العالم ومن بينها الولايات المتحدة الأميركية.
إن أمن واستقرار مملكة البحرين مهمة تضطلع بها القيادة في البحرين الشقيقة أولا، ثم مهمة تشارك فيها دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى عند الضرورة بناء على الاتفاقيات الدفاعية والأمنية التي تأسس مجلس التعاون الخليجي على أساسها، ومن حق البحرين حماية أمنها من التدخلات الخارجية، والمملكة العربية السعودية تقف معها أمام هذه التهديدات.
* هناك احتمال توصل إلى اتفاق إيراني - أميركي حول الملف النووي، ما آثار التوصل إلى اتفاق بالنسبة إلى أمن منطقة الخليج، خصوصا أن الطرف الإيراني يتوغل في كل المنطقة العربية من العراق إلى سوريا إلى اليمن؟ هل تطرقت مباحثاتكم مع الإدارة الأميركية حول هذه القضية؟
- الاتفاق الإيراني مع المجتمع الدولي عامة بما فيه الولايات المتحدة هو مطلب مهم والمملكة تدعمه، مع قبول إيران لما تنص عليه قوانين ولوائح وأنظمة منظمة الطاقة الذرية، وأن تخضع المفاعلات النووية الإيرانية لتفتيش المنظمة الدولية بما لا يؤدي إلى عسكرة هذا البرنامج مستقبلا، وأن يكون ذلك في إطار اتفاق علني واضح تلتزم به إيران ويقبله المجتمع الدولي.
أما بشأن التوغل الإيراني في بعض الدول العربية التي تحدثتِ عنها فإن هذه الدول مستقلة وذات سيادة وأعضاء في المنظمات الدولية والإقليمية، ومن غير المقبول، بل من المرفوض، التدخل في شؤونها تحت أي ظرف من الظروف طبقا للمواثيق والأعراف الدولية، وبما يؤدي إلى استمرار سياسية حسن الجوار مع إيران، وكفى ما شهدته وتشهده هذه الدول من أحداث مأساوية، لذلك من الضروري وضع حد لهذه الأحداث والبدء في انتهاج سياسة جديدة تضمن استقرار المنطقة والابتعاد بها عن الفتن الطائفية والمذهبية ومواجهة شبح الإرهاب الذي لا يستثني دولة في العالم.
* أعلن تنظيم داعش أنه يستهدف كلا من المملكة العربية السعودية ومصر واليمن وليبيا والجزائر في الوقت الذي نرى فيه التحالف الدولي ضد داعش يسير بخطى بطيئة، ما تقييمكم لأداء التحالف حتى الآن في الحرب ضد داعش، وتقييمكم للحاجة إلى قوات برية لمكافحة داعش؟ وهل المملكة العربية السعودية مستعدة لتقديم قوات برية إذا استعدت الحاجة سواء في العراق أو في سوريا؟
- أعتقد أنه يجب استئصال أسباب وجود تنظيم داعش وغيره من التنظيمات الإرهابية التي تشكلت على أنقاض تخاذل المجتمع الدولي وفشله في الوقوف إلى جوار الشعب السوري، وإذا أراد المجتمع الدولي استئصال آفة الإرهاب في سوريا فعليه أن يزيح ما أوجد هذا الوضع من الإرهاب والانفلات الأمني وهو النظام الحالي، وكذلك مقاومة تنظيم داعش وكل ما هو إرهاب.
وعلى الدول الكبرى أن تتعاون فعلا لمواجهة الإرهاب والتطرف والتعاون مع المملكة العربية السعودية والمبادرات التي أعلنها سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - يحفظه الله - لمواجهة الإرهاب، وفي حالة التعاون في ذلك سوف تنتهي داعش وغيرها في الدول التي جاء ذكرها، وفي كل دول المنطقة.
* هناك 4 دول مرشحة لتكون دول أكثر اضطرابا مثل العراق وسوريا وليبيا واليمن، ما الجهود التي تبذل تحت قيادة السعودية للحفاظ على استقرار دول مثل الأردن ومصر؟
- السعودية لا تدخر جهدا في الوقوف مع الدول العربية الشقيقة وشعوبها، فالمملكة وقفت مع خيار الشعب المصري الشقيق عندما انتفض ورفض الحكم السابق وتضامنت مع ثورة هذا الشعب عندما اختار حكومته ورئيسه الحالي فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، فالمملكة تقف مع الشعوب والأنظمة الشرعية وليس مع الجماعات التي ترفع شعارات وهمية من أجل الوصول إلى السلطة، كما أن المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي قدمت المبادرة الخليجية لليمن، وستظل المملكة دائما مع استقرار اليمن وكل الدول العربية الشقيقة الأخرى.
* تمكنت السعودية بحكمة وقيادة خادم الحرمين الشريفين من التوصل إلى اتفاق الرياض التكميلي في المصالحة التاريخية الخليجية وإصلاح العلاقة القطرية – المصرية، ما المعايير التي يقاس بها تحسن هذه العلاقات؟
- تبنى سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - حفظه الله - اتفاق الرياض التكميلي مع إخوته زعماء وقادة دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض مؤخرا من أجل المصلحة العامة لدول الخليج وسعيا للحافظ على وحدة الأمة العربية وقيام علاقات أخوية بين الدول العربية جمعاء في هذه المرحلة الخطيرة والمفصلية من تاريخ الوطن العربي، بدافع من عروبته وإخلاصه - أيده الله - ونأمل أن تسير المصالحة بين مصر وقطر بأسرع وتيرة ممكنة، فهما دولتان شقيقتان ولا توجد بينهما خلافات جوهرية، وما بينهما من خلافات قابلة للحل بسهولة بعزيمة القيادة في الدولتين، وهذا ما تسعى إليه المملكة بجدية، وهذا ما نتمنى أن يتحقق قريبا إن شاء الله.



السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

TT

السعودية ترحب بإعلان وقف النار في لبنان

لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)
لقاء مباشر بين ممثلي لبنان وإسرائيل بحضور دبلوماسيين أميركيين في واشنطن الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

رحَّبت السعودية، الخميس، بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن وقف إطلاق النار في لبنان، مُعرِبة عن تثمينها للدور الإيجابي الكبير الذي قام به نظيره اللبناني جوزيف عون، ورئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ورئيس البرلمان نبيه بري.

وجدَّد بيان لوزارة الخارجية التأكيد على وقوف السعودية إلى جانب لبنان في بسط السيادة وحصر السلاح بيد الدولة ومؤسساتها الشرعية، والخطوات الإصلاحية التي اتخذتها، ومساعيها للحفاظ على مقدرات لبنان وسلامة ووحدة أراضيه.


الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.