عصف «الزمن الرقمي» يفرض سطوته على المبدعين

«تويتة» الشعر وأفلام «الموبايل».. حداثة اضطرارية تقفز خارج النص

عصف «الزمن الرقمي» يفرض سطوته على المبدعين
TT

عصف «الزمن الرقمي» يفرض سطوته على المبدعين

عصف «الزمن الرقمي» يفرض سطوته على المبدعين

الورقة والقلم لكتابة الشعر والقصة. الريشة والألوان والقماش المشدود لفن البورتريه. الكاميرا الضوئية لفن التصوير الفوتوغرافي. كاميرات السينما الضخمة لصناعة الأفلام. أشكال تقليدية فرضت قيودها الصارمة على صورة الإبداع. منذ مئات السنين، كانت تلك الأشياء هي القواعد الأولى، وكان على المبدع أن يلتزم بها إذا أراد أن يصل إنتاجه إلى الجمهور. وعلى المستوى الشخصي، ربما كان الكاتب أو الرسام أو المصور يشعر بـ«لذة» منقوصة إذا استبدل بواحدة من تلك الأدوات أخرى حداثية في أي من أعماله.
لكن «عصرنة» الدنيا مع دخول العالم القرن الحادي والعشرين، فرضت آلياتها على كل أشكال الحياة. ودخل التطور الرقمي على كل مناحي اليوم للبشر. فهل كان يمكن أن يتجاوز ذلك الاقتحام اللامحدود مجالا من المجالات؛ ومن بنيها الإبداع؟
ربما كان فن «التدوين» الإلكتروني، هو أول من فتح الباب، في عالم اليوم، أمام رقمنة الثقافة بشكل عام. إذ كانت المدونات على فضاء الإنترنت بديلا مقبولا لعدد من ناشطي الشباب ومثقفيهم، الذين لم يجدوا مجالا أو سبيلا إلى من يحتوي كتاباتهم على الورق، فبحثوا عن بديل متاح للجميع في فراغ الشبكة العنكبوتية لنشر كتاباتهم.
ولم يكن غريبا أن تلقى هذه الموضة الجديدة رواجا فائقا بين أبناء الجيل نفسه، نظرا لكونها ثقافة سريعة ومتاحة مجانا، تتمرد على التقليدية وترسخ لمفاهيم العصر وشبابه، خصوصا في ظل مصاعب أخرى اقتصادية واجتماعية ساهمت في خنق صناعة الثقافة بآلياتها التقليدية، إذ شهدت صناعتا السينما ونشر الكتب في مصر، على سبيل المثال، كبوة هائلة خلال السنوات الـ10 الماضية، وجاءت أحداث الربيع العربي ربما لتطلق «رصاصة الرحمة» على مثل تلك الصناعات.
رواد الإبداع التقليديين هاجموا، في البداية، أشكال الثقافة الجديدة، متهمينها بـ«الدخيلة» «السطحية». لكن شيئا فشيئا، ومع تغول سيطرة الرقمنة على مجريات الحياة، بدا لافتا تراجع الدور السابق لوسطاء النشر ومصاعب نشر الإبداع في ظل الضغوط الاقتصادية. وانحنى كثير من المبدعين أمام العاصفة، واندمجوا معها ليصير بعضهم، خلال السنوات القليلة الماضية، «ديجيتال» بمفهوم شباب هذه الأيام، لنشهد «قصيدة الـ(تويتر)»، و«قصة الـ(فيسبوك)»، و«أفلام المحمول»، و«بورتريه الغرافيتي»؛ وغيرها من الأشكال الحداثية للفنون التقليدية.
«الحداثية» والتأقلم معها، ربما ليست في حد ذاتها، ظاهرة جديدة، وإن كان المصطلح نفسه اشتق حديثا. فقديما أطلق على الفنان المصري محمد عبد الوهاب لقب «موسيقار الأجيال»، نظرا لقدرته الفائقة على التأقلم والانتقال بين فجوات العصور الموسيقية بسلاسة بالغة ليصير دائما من الرواد، ولم تشعر الأجيال القديمة بـ«تغريبة» عميقة في هذه الانتقالات.
على المنوال نفسه، وبعد عدد من دواوينه اللافتة المطبوعة، انخرط الشاعر المصري جمال القصاص في فضاء الـ«فيسبوك» و«تويتر»، يتنقل على سطحه بومضات شعرية خاطفة، تظهر التعليقات عليها حجم التفاعل والترحيب بذلك المسلك.
عن تجربته هذه، يقول القصاص لـ«الشرق الأوسط»، إن «كل فنون الميديا الحديثة، صنعت نقلة في علاقة التواصل بين المبدع والمتلقي، بعد أن ظل ذلك التواصل معضلة أساسية في اتهام الأدب بأنه بعيد عن الجماهير أو يتسم بالغموض. فقد حلت التكنولوجيا الحديثة هذه العلاقة، وأصبح هناك ما يمكن أن نسميه بالمتلقي الفوري، الذي يتابع الإبداع لحظيا وبشكل مباشر».
كما يرى القصاص أن الوسائط الحديثة قلصت المسافات بين المبدعين أنفسهم، وسمحت للمبدع أن يتعامل مع نظرائه في شتى أنحاء العالم، وبأي لغة، باستخدام التكنولوجيا، وهو ما ينعكس إيجابيا على الإبداع، خصوصا أنها أسهمت في تجاوز الحدود الشكلية الخاصة بمواصفات الأدب، لتجعله عابرا للحدود والنوعية. كما انعكست هذه الأدوات على طبيعة النص الأدبي نفسه، الذي أصبح يكتب بلغة أكثر سلاسة وبساطة وخالصة من التعقيدات اللغوية، لكي تصل بسرعة أكبر إلى المتلقي.
أما عن الأبعاد السلبية، فيشير القصاص إلى تأثر دور النشر، حيث أصبح المبدع في غنى عن اللجوء إليها كوسيط، بعد أن أصبح متاحا له أن يضع إنتاجه ليقرأ مباشرة، خصوصا أنه أصبح هناك بعض المواقع التي تقوم بشراء المنتج الثقافي مقابل ربح مادي يعود على المبدع نفسه.
وكذلك يرى القصاص أن تلك الأدوات لا تستطيع أن تخلق «الناقد المتخصص»، لأنها تؤدي - غالبا - إلى التشتت في «البانوراما الكبيرة» التي تخلقها، كما أن المتلقي لا يستطيع المكوث طويلا أمام النص أحيانا، وإذا لم يعجبه يغادره متعجلا، لأنه اعتاد على نوعية سريعة من القراءة. إضافة إلى أن تلك الظاهرة، تحد من مقومات الخصوصية البيئية للإبداع بشكل عام، حيث لا يستطيع المبدع التوغل في بيئته حتى يفهمه أبناء البيئات الأخرى التي أصبح يتواصل معها. ويخلص إلى القول: «بشكل عام، هذه الظواهر لا تساعد على ترسيخ ما يمكن أن نسميه بالشكل الأدبي، لأنها تفرز شكلا عابرا على السطح لا يحفل بالعمق».
الأدب ليس وحده في قائمة «عاصفة الرقمنة»، فالسينما أيضا دخلت على هذا الخط، ودخلت إلى الدنيا ظواهر مثل «أفلام المحمول» التي يتم تصويرها فقط بكاميرات الهواتف المحمولة، ويتم عرضها على شاشاتها. وصار يقام لها عدد من المسابقات، ربما لا تزال محدودة في العالم العربي، ولكنها منتشرة في الغرب بشكل أوسع وأكثر إقبالا.
وعلى الرغم من عدم مشاركة المبدعين التقليديين في إنتاج فعلي في هذه الظاهرة حتى الآن، إلا أن كثيرا من هذه المسابقات والمهرجانات، أصبح يقام تحت رعاية عدد من هؤلاء المبدعين في إطار المشاركة في لجان التحكيم.
ويقول الناقد والخبير السينمائي البارز يوسف شريف رزق الله، إن «رأيي قد يكون تقليديا، باعتباري مشاهدا للأفلام منذ نحو 50 عاما. فمن وجهة نظري أن الفيلم، أيا كان الوسيط الذي تم استخدامه في التصوير، يجب أن يشاهد في قاعة سينما، أي على شاشة كبيرة وفي وسط مشاهدين آخرين، حتى يحدث التفاعل والتأثر والتأثير».
ويرى رزق الله، أن مشاهدة الفيلم يجب أن تحظى بـ«طقوس»، وتتم من دون منغصات أو مؤثرات تفصل التفاعل، منتقدا على سبيل المثال، «فترة الاستراحة» وسط الفيلم في دور العرض المصرية، التي وصفها بـ«المفزعة والمزعجة»، حيث يتم قطع العرض في منتصفه، أو حتى في منتصف مشهد من دون مراعاة لتواصل التفاعل مع الفيلم.
أما فيما يتعلق بالوسائل الحداثية، مثل الموبايل، فيقول رزق الله: «بدأت المسألة تنتشر بشكل ما، ومن الممكن أن تفرز مخرجا واعدا يثبت موهبته، لينتقل بعد ذلك إلى العمل بشكل احترافي. لكن لا أعتقد أنه يمكن أن يكون هناك متعة في مشاهدة فيلم على شاشة صغيرة مهما كبر حجمها. وقد تجد هذه الظاهرة صدى لدى البعض ممن لا يمثل لهم الأمر فارقا في مشاهدة العمل السينمائي بقواعده التقليدية. وهي قد تكون تطورا تكنولوجيا. لكن في رأيي شخصيا، فأنا غير مقتنع أنها من الممكن أن تؤدي إلى وسيلة مشاهدة للعمل الفني».
لكن «قواعد السوق» الحاكمة لعلاقة «المنتج والمستهلك» التقليدية في «صناعات الثقافة»، كثيرا ما دفعت المبدعين والصناع إلى تجاوز التقليدية، وكمثال صارخ على ذلك، فإن المشهد التقليدي لرواد المواصلات العامة في كل شوارع أوروبا، تغير خلال الأعوام الـ5 الماضية بشكل صارخ، حيث كان من النادر أن ترى بينهم من لا يحمل كتابا أو جريدة، والآن من النادر ألا ترى بينهم من لا يحمل جهازا إلكترونيا سواء «محمول» أو «تابلت». وهذا ما دفع الكثير من أساطين النشر في الغرب إلى توجيه كثير من جهودهم إلى المنصات الإلكترونية لجذب ود هذه الشريحة الطاغية من الجمهور.
وحول ما إذا كان من الممكن أن تدفع السينما ورواد هذه الصناعة ومبدعيها إلى الدخول إلى حيز «الرقمنة» إرضاء لرغبات وأذواق المتلقين، وتغير «ذوق الثقافة» بشكل عام، يقول رزق الله: «لا أعتقد أن هذا من الممكن أن يحدث، لأن السينما خلال نحو 100 عام كان مكانها دور العرض. مهما حدث من تقدم تكنولوجي، قد ينتشر أكثر أن تشاهد الأفلام والإبداعات من خلال وسائط أخرى؛ لكن ستظل دور العرض هي المكان المفضل لعرض الأفلام. فحين ظهر التلفزيون مثلا في الخمسينات، كانت هناك تخوفات من انصراف الناس عن السينما والاكتفاء بالمشاهدة المنزلية، لكن هذا لم يحدث، بل أسفر ذلك عن تطورات في السينما ذاتها، مثل السينما سكوب، وصولا إلى الآي ماكس، لكنها ظلت موجودة بشكلها الأول، فقط استفادت من التقدم».
وعلى الرغم مما تتعرض له الثقافة التقليدية من أزمات وكبوات، تتعلق باقتصادات الإنتاج ودعم المبدعين وأمزجة الأجيال الحديثة، لا يرى رزق الله أن المستقبل مغلق تماما أمام عودة تلك الأشكال إلى الحياة، مع الصعود المتوازي للعصر الرقمي. بل على العكس، فإنه يتفاءل «بوجود بشائر كثيرة تبث الأمل في وجود إنتاج جيد في مجال صناعة السينما في عام 2015، وهناك عدد من الأفلام التي تم تصويرها بالفعل، أو هي قيد التصوير، ذات المستوى المرتفع، وهي مؤشرات ونماذج جيدة للمستقبل القريب».
وفي النهاية، تظل العلاقة بين التقليدية والحداثة علاقة «شد وجذب» أشبه بطرفي المقص، لكن نقطة الربط الثابتة بينهما دائما هي المبدع نفسه.



العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه
TT

العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه

كان حضور العرب في كتابات الفلاسفة الألمان متفاوتاً جداً، ويتراوح بين الإعجاب الحضاري، والنظرة الاستشراقية، والاستعمال الرمزي لخدمة فكرة فلسفية عندهم. هيغل أحياناً يجعل العرب أو الإسلام رمزاً لمرحلة تاريخية تمثل «وحدة الروح» أو الانفجار الروحي للتوحيد، أكثر من كونه يدرس المجتمعات العربية نفسها بتفاصيلها الواقعية. والرومانسيون الألمان استخدموا العربي رمزاً للفروسية والصحراء والحرية والشاعرية الشرقية، لا بوصفه إنساناً تاريخياً فعلياً.

لم يكن العرب موضوعاً مركزياً دائماً، بل ظهروا غالباً داخل سياقات أوسع تتعلق بالدين، والتاريخ، والروح، والحضارة، وعلاقة الشرق بالغرب. ومع ذلك، فإن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن دائماً سلبية، بل نجد لدى بعض كبار الألمان قدراً واضحاً من الإعجاب بالحضارة العربية والإسلامية، بل إن بعضهم رأى فيها تفوقاً أخلاقياً أو روحياً على أوروبا نفسها.

هيغل

عند هيغل، يظهر العرب ضمن فلسفة التاريخ بوصفهم لحظة تاريخية كبرى مرتبطة بالإسلام. كان يرى أن الإسلام حمل فكرة التوحيد الكوني بصورة جذرية، وأنه حرّر الروح من الوثنيات المحلية والقَبلية؛ ولذلك نسب للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا. وكان يعدّ ظهور الإسلام انفجاراً تاريخياً هائلاً وحّد قبائل متفرقة داخل رؤية كونية واحدة. حتى بعض الشروح الحديثة لفلسفة هيغل ترى أنه نظر إلى النبي محمد بوصفه الشخصية التي استطاعت توحيد العرب عبر قوة الفكرة والإيمان. ويعرض هيغل ظهور الإسلام بوصفه لحظة تاريخية نجحت في توحيد العرب تحت مبدأ روحي واحد.

لكن موقف هيغل ظل مزدوجاً، فقد أعجب بالقوة الروحية والحضارية للإسلام، ومع ذلك عدّ المرحلة العربية الإسلامية مرحلة انتقالية لم تصل، حسب منطقه الديالكتيكي، إلى الدولة العقلانية الحديثة التي رأى تحققها في أوروبا الجرمانية. ولهذا؛ يُتهم أحياناً بأنه استخدم الإسلام داخل سردية أوروبية تجعل أوروبا نهاية التاريخ.

أما فريدريش نيتشه، فكان أكثر جرأة في مديح العرب والمسلمين. لقد رأى في الحضارة الإسلامية بالأندلس مثالاً على القوة والحيوية والرقي، وهاجم المسيحية الأوروبية؛ لأنها دمّرت تلك الحضارة. وفي كتابه «المسيح الدجال» امتدح المسلمين لأنهم، في رأيه، حافظوا على روح القوة والكرامة والحياة، في حين كانت الكنيسة الأوروبية تميل إلى الزهد وقمع الغرائز. وقد كتب نيتشه بإعجاب واضح عن الأندلس الإسلامية، عادَّاً أن أوروبا خسرت كثيراً بسقوطها.

ومن الطريف أن نيتشه لم يمدح العرب فقط حضارياً، بل أخلاقياً أيضاً؛ إذ رأى أن الإسلام يحرّض على وجود رجال أقوياء وأصحاب إرادة، في حين رأى في المسيحية، كما فهمها، ديناً يميل إلى تمجيد الضعف. ولهذا؛ نجد عنده مقارنة حادة بين «الفروسية» الإسلامية وبين ما عدَّه انحلالاً أوروبياً. حتى إنه استخدم مثال الحمّامات العامة في الأندلس ليقول إن الحضارة الإسلامية كانت أنظف وأكثر تحضراً من أوروبا المسيحية في بعض العصور.

غوته

أما غوته، فهو ربما الشخصية الألمانية الكبرى الأكثر انفتاحاً على العرب والإسلام. لم يكن إعجابه سطحياً، بل وصل إلى حد التفاعل الروحي والأدبي العميق. فقد تأثر بالقرآن وبالشعر العربي والفارسي، وكتب «الديوان الشرقي للشاعر الغربي» متأثراً بحافظ الشيرازي والروح الإسلامية عموماً. وتشير دراسات عدّة إلى أن غوته كان يرى الشرق جزءاً ضرورياً من اكتمال نضج الإنسانية، بل إن بعض الباحثين نقلوا عنه فكرة أن الغرب لا يكتمل دون شرقه.

وتكشف الدراسات الحديثة عن إعجاب غوته بالقرآن نفسه؛ إذ وصف أسلوبه بأنه «مهيب وعظيم وسامٍ». كما كان يرى في الإسلام بعداً روحياً عميقاً افتقدته أوروبا الحديثة. بل إن بعض نصوصه دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأنه كان متعاطفاً بقوة مع الإسلام، حتى إنه كتب عبارة شهيرة مفادها أن الجميع «يعيشون ويموتون في سلطان الإسلام». ولم يقتصر اهتمام غوته على الإسلام بصفته ديناً، بل امتد إلى الأدب العربي نفسه. فبعض الدراسات تؤكد أن اهتمامه بالعرب امتد إلى الأدب العربي القديم والثقافة العربية عامة.

نسب هيغل للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا

أما شوبنهاور فلم يكتب كثيراً عن العرب مباشرة، لكنه تأثر بالحكمة الشرقية عموماً، خصوصاً الهندية والفارسية، وكان يرى في الأديان الشرقية عمقاً ميتافيزيقياً تفتقر إليه الحداثة الأوروبية.

كانط

وعند كانط نجد موقفاً أكثر تحفظاً. فقد كان مهتماً أساساً بالعقل والأخلاق والمعرفة، لا بالحضارات بوصفها موضوعاً مستقلاً. ومع ذلك كتب أحياناً عن العرب ضمن حديثه عن الشعوب والأديان. واعترف بقوة الإسلام التاريخية وقدرته على توحيد الشعوب وتحريكها، لكنه بقي أسير التصنيفات الأوروبية في القرن الثامن عشر، حيث كانت الشعوب تُرتّب ضمن هرم حضاري أوروبي المركز. وتحدث عن الحرملك العثماني في بعض كتاباته الأنثروبولوجية والجغرافية، خصوصاً حين كان يتحدث عن عادات الأتراك والعلاقات بين الجنسين في الشرق. لكنه لم يتحدث عنه بوصفه دراسة تاريخية مستقلة، بل استخدمه غالباً مثالاً على ما كان يسميه الأوروبيون آنذاك «الاستبداد الشرقي» أو على اختلاف البنية الاجتماعية والأخلاقية بين الشرق وأوروبا. وكان يرى أن عزل النساء داخل الحرملك وكثرة الجواري يعكسان، في نظره، غياب العلاقة الأخلاقية المتساوية بين الرجل والمرأة كما تصورها الفكر الأوروبي التنويري.

هذا ما كُتب في التاريخ، أما الفلسفة الألمانية الحديثة فقد بدأت تظهر فيها مراجعات للتمركز الأوروبي، خصوصاً بعد نقد الاستشراق والاستعمار، وأصبح هناك اهتمام أكبر بالدور العربي الإسلامي في تكوين الحضارة الأوروبية نفسها. وهكذا، يمكن القول إن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن صورة واحدة، بل تراوحت بين الإعجاب الروحي والحضاري العميق، والنقد أو الاختزال أو التهميش، لكنها في جميع الأحوال تكشف عن أن العرب كانوا حاضرين في الوعي الألماني بوصفهم قوة تاريخية وثقافية لا يمكن تجاهلها.

* كاتب سعودي


«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة
TT

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر، نفعية منافقة، تخدع نفسها بالمظاهر كما تخدع سواها، رغبةً منها في أن تُخفي حقيقة جوهرها كامرأة أوتيت حب المال بشراهة والرغبة في فعل أي شىء للحصول عليه.

تلك هى الدوقة ديبون ديفور التي تعد من أبرز الشخصيات الرئيسية في مسرحية «المسافر بلا متاع» للكاتب الفرنسي جان آنوى، ترجمة وتقديم الناقد والمترجم المصري البارز الدكتور أنور لوقا (1927 - 2003)، والتي صدرت أخيراً منها طبعة جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة «روائع المسرح العالمي».

تتكشف حقيقة السيدة ديفور حين نعرف أنها لم تصطحب الفتى جاستون، الذي فقد ذاكرته في أثناء الحرب العاليمة الثانية من أسرة إلى أسرة، لمجرد إعادته إلى أحضان أهله رحمةً به ورحمةً بهم، بل للمطالبة بمكافأة تتمناها نظير عنايتها المزعومة به في السنوات الأخيرة.

ولذلك يرافقها مستشار قانوني وكَّلته بمصالح جاستون، ورفضت دون نقاش احتمال أن يكون جاستون ابن بائعة ألبان أو عامل كهربائي بسيط ممن تعرفوا على صورته والتمسوا أن يقابلوه، وأصرت على أن تأتي به إلى «آل رينو» أصحاب هذه الدار الكبيرة المليئة بالأثاث الفاخر والخدم والحشم.

أما جاستون فلا يتعرف من «آل رينو» على أحد ولا تذكِّره أنحاء الدار بأي شيء. عبثاً يتصفح وجوه الحاضرين الذين أسرعوا للقائه بلهفة المشتاقين وهم أمه وأخوه وزوجة أخيه، وعبثاً يطوف في أركان المنزل والحديقة، فالجميع هنا من سادة وخدم يؤكدون أنه جاك رينو بعينه، لا سبيل إلى الشك في شخصيته، وها هم يحاولون دون جدوى أن يقنعوه بأنه واحد منهم.

وحسب أنور لوقا، استوحى جان آنوى فكرة العمل من مسرحية «سيغفريد» للكاتب الفرنسي جان جيردو، وجعل بطله جاستون هو الآخر فاقداً للذاكرة، ولكن سيغفريد وإن كان ضحية نفس المرض نفسه، إلا أنه طراز آخر من الرجال، فهو زعيم ممتاز ولامع، غزير الثقافة، في حين أن جاستون يسقط، كشخصيات آنوى عادةً، في أوحال واقع ملوث بالنفاق والأكاذيب.

وقفز اسم جان آنوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى صدارة المشهد الأول بين كتّاب المسرح الفرنسي المعاصر بسبب براعته في المزج بين الكوميديا والتراجيديا، مع تقديم شخصيات شديدة الحنين إلى عالم النقاء والبراءة والحق والخير، شديدة السخط على أوضاع الواقع آنذاك القائمة على الإثم والرذيلة.

وُلد جان آنوى في مدينة بوردو بفرنسا في 23 يونيو (حزيران) سنة 1910 وهو ينتمي إلى عائلة متواضعة، إذ كان أبوه خياطاً وكانت أمه تشتغل بعزف الكمنجة، ولهذه النشأة يرجع دون شكٍّ ميله إلى تصوير الفقر ووطأته على نفوس الفقراء في عدد من مسرحياته. التحق بعد ذلك بكلية الحقوق إلا أنه اضطر إلى أن يتركها بعد عام ونصف عام ليكسب عيشه بالعمل في إحدى دور الإعلان.

وفي «المسافر بلا متاع» تتجلى براعة الصياغة المسرحية لدى آنوى، كما تؤدي وحدة الموضوع والمكان والزمان إلى تركيزشديد ينتج عنه عمق التأثير، فهو لا يقسم مادته هنا إلى الفصول ولا يعتمد المشاهد التقليدية بل إلى لوحات طويلة أو قصيرة، متأثراً ببعض أساليب السينما، إلا أنه احتفظ بروح المسرح على نحو أخَّاذ.


«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،