وزير العدل والحريات المغربي: ملف «السلفية الجهادية» لا يمكن معالجته بالمقاربة الأمنية وحدها

مصطفى الرميد يؤكد في حوار مع («الشرق الأوسط») اختيار الرباط الإبقاء على عقوبة الإعدام مع إيقاف التنفيذ

وزير العدل والحريات المغربي: ملف «السلفية الجهادية» لا يمكن معالجته بالمقاربة الأمنية وحدها
TT

وزير العدل والحريات المغربي: ملف «السلفية الجهادية» لا يمكن معالجته بالمقاربة الأمنية وحدها

وزير العدل والحريات المغربي: ملف «السلفية الجهادية» لا يمكن معالجته بالمقاربة الأمنية وحدها

قال مصطفى الرميد وزير العدل والحريات المغربي إن ملف ما يسمى «السلفية الجهادية» لا يمكن معالجته بالمقاربة الأمنية وحدها، «نعم هي ضرورية لكننا نتمنى أن تدعم بمقاربات أخرى، أهمها ما أطلقنا عليه المقاربة التصالحية والمقاربة الإدماجية، وأملي كبير في أن يجري الالتفات إلى هذا الملف بالطريقة الملائمة».
وأشار الرميد، في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط» بالرباط، إلى أنه ليس صحيحا أن أغلب المغاربة (عناصر السلفية الجهادية) المفرج عنهم سافروا إلى سوريا. وقال: «نعم سافر العديدون لكنهم لا يمثلون أغلب المفرج عنهم».
وردا على سؤال حول قراءته لتقديم الحكومة التي يتزعمها حزب العدالة والتنمية، ذو المرجعية الإسلامية، مشروع قانون يتعلق بتجريم الالتحاق بتنظيم داعش، وإحالته على البرلمان، ، قال الرميد إنه حينما يتعلق الأمر بأمن الوطن والمواطنين فليس هناك فوارق بين حكومة وأخرى إلا في مدى احترام القانون، مشيرا إلى أن الالتحاق بمواقع التوتر أصبح جريمة عبر العالم نظرا لما يمثله ذلك من خطورة واضحة في تشجيع الإرهاب بشكل أو بآخر.
وزاد وزير العدل والحريات المغربي قائلا: «إذا كنا قد تقدمنا بمشروع قانون في الموضوع فإننا توخينا منه أساسا التنبيه القوي لمن يهمه الأمر إلى خطورة السفر لدعم منظمات تعتبر دوليا إرهابية بما يعني حماية المواطنين المغاربة من الالتحاق بمواطن الموت والتقتيل والتي لا ترفع راية ولا تخدم قضية». وأضاف: «لقد جاء هذا المشروع في اتجاه تخفيض عقوبة التحريض على ارتكاب الأفعال الإرهابية مما يتناسب مع الفعل المرتكب، فبدل الإعدام والمؤبد ستتراوح العقوبات ما بين 5 و 15 سنة سجنا». وفيما يلي نص الحوار.

* قدمت الحكومة التي يقودها حزبكم مشروع قانون يتعلق بتجريم الالتحاق بتنظيم داعش، وإحالته على البرلمان. والملاحظ أنه مشروع صارم، وسبق الكثير من الدول، خاصة أنه يصدر من حكومة يقودها حزب ذو مرجعية إسلامية، ما قراءتكم لذلك؟
- حينما يتعلق الأمر بأمن الوطن والمواطنين فليس هناك فوارق بين حكومة وأخرى إلا في مدى احترام القانون. إن الالتحاق بمواقع التوتر أصبح جريمة عبر العالم نظرا لما يمثله ذلك من خطورة واضحة في تشجيع الإرهاب بشكل أو بآخر، وبالنسبة للمغرب فإن الاجتهاد القضائي دأب منذ سنوات على اعتبار ذلك جريمة إرهابية من منطلق أن المعني بالأمر يحمل مشروعا إرهابيا يبدأ بالقتال في مواقع التوتر، ويحمله معه عند رجوعه إلى بلده، هذا مبدئيا هو الموقف المتخذ على مستوى المحاكم التي تنظر في قضايا الجنايات المرتبطة بالإرهاب ابتدائيا واستئنافيا ومحكمة النقض.
وإذا كنا قد تقدمنا بمشروع قانون في الموضوع فإننا توخينا منه أساسا التنبيه القوي لمن يهمه الأمر إلى خطورة السفر لدعم منظمات تعتبر دوليا إرهابية بما يعني حماية المواطنين المغاربة من الالتحاق بمواطن الموت والتقتيل والتي لا ترفع راية ولا تخدم قضية.
لقد جاء هذا المشروع بخلاف ما ورد في سؤالكم في اتجاه تخفيض عقوبة التحريض على ارتكاب الأفعال الإرهابية مما يتناسب مع الفعل المرتكب، فبدل الإعدام والمؤبد ستتراوح العقوبات ما بين 5 و 15 سنة سجنا.
* تابعتم ملف «السلفية الجهادية» كمحام وحقوقي ثم كوزير، ودافعتم عن مبادرات الحوار والمصالحة. أما زلتم تنظرون نفس النظرة لهذا الملف؟
- أؤكد أن ملف ما يسمى السلفية الجهادية لا يمكن معالجته بالمقاربة الأمنية وحدها، نعم هي ضرورية، لكننا نتمنى أن تدعم بمقاربات أخرى أهمها ما أطلقنا عليه المقاربة التصالحية والمقاربة الإدماجية، وأملي كبير في أن يجري الالتفات إلى هذا الملف بالطريقة الملائمة.
* بماذا تفسر حالات العودة، وسفر أغلب المفرج عنهم إلى سوريا؟
- ليس صحيحا أن أغلب المغاربة المفرج عنهم سافروا إلى سوريا، نعم سافر العديدون لكنهم لا يمثلون أغلب المفرج عنهم.أما أهم أسباب العودة تكمن في رأيي في أنه ليس هناك إلى حد الآن سياسة إدماجية تتوخى رعاية المفرج عنهم حتى يتمكنوا من الاندماج النفسي والاجتماعي والاقتصادي داخل المجتمع، وفي المقابل هناك إغراءات معنوية ومادية مثيرة تجذب كافة العناصر التي لا تقف على أرضية علمية واقتصادية متينة فضلا عن أن هناك اعتبارات نفسية قد تكون وراء سفر العديد منهم.
* عندما كنت في المعارضة كنت تنتقد قانون الإرهاب، واليوم تقدم تعديلات في القانون الجنائي لتعزيز هذا القانون. لماذا هذا التحول؟
- نعم كنا ضد مشروع قانون الإرهاب قبل الأحداث الإجرامية التي حدثت في الدار البيضاء بتاريخ 16 مايو 2003، لأننا في حزب العدالة والتنمية والصف الحقوقي كنا نعتقد أنه لا مبرر لقانون لا يستجيب لمتطلبات الواقع، بحكم أن المغرب قبل هذا التاريخ كان الجميع يعتبره استثناء، وكنا باختصار شديد نعتبر أن مشروع قانون الإرهاب يستجيب لمصالح خارجية لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية، وبمجرد وقوع أحداث 16 مايو غيرنا موقفنا، ومعلوم أننا لم نصوت ضد قانون الإرهاب لأنه بعد هذه الأحداث أصبح المغرب في حاجة إلى هذا القانون مهما كانت لدينا عليه من ملاحظات، قصد التمكن من الأداة القانونية اللازمة لردع النزوعات الإرهابية.
واليوم نحن لا نقدم قانونا للإرهاب، وإنما نقدم تعديلا يؤكد الاجتهاد القضائي المعمول به، وتخفيض عقوبة التحريض على الإرهاب كما سبق بيانه، كما أن الهدف منه هو حماية الشباب من أن يتحول إلى ضحية دعاية جارفة ليكون وقود محرقة لا تبقي ولا تذر.
* ما الضمانات حتى لا يستعمل قانون الإرهاب لتضييق الحريات مثلا أو ضد الخصوم السياسيين؟
- الجريمة الإرهابية لها عناصرها التكوينية الخاصة التي لا يمكن مواجهة الخصوم السياسيين بها في المغرب إلا إذا كان هناك خرق سافر وخطير للقانون والحقوق والحريات، وهو ما ليس بمستطاع أحد أن يرتكبه في المغرب، بحكم دور المؤسسات الوطنية ومنظمات المجتمع المدني ووسائل الإعلام وغيرها من المؤسسات التي تعرفها المجتمعات الديمقراطية، والتي توجد في حالة استنفار لمواجهة تجاوزات السلطة حين يصل بها الأمر إلى استعمال قانون مثل قانون الإرهاب في مواجهة المعارضين. أضف إلى ذلك أن الملك، بحكم الدستور، يقع عليه واجب حماية الحقوق والحريات وهو خير مؤسسة تحمي المجتمع من مثل هذا الانحراف في السلطة.
* بعض الأطراف الحقوقية والسياسية في المغرب تتهم الحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية بالتراجع في مجال الحقوق والحريات. ما ردكم على ذلك؟
- بالعكس تماما، ففي عهد هذه الحكومة جرى ضمان الحقوق والحريات بشكل أكثر اتساعا وعمقا، ويكفي أن أقول لكم إنه لم تسجل ولو حالة اختطاف واحدة خلال هذه الولاية الحكومية (نحو 3 سنوات)، كما أنه لا مجال للحديث عن التعذيب الممنهج وأنه يجري التصدي لحالات التعذيب الفردي بشكل صارم.. بالإضافة إلى ذلك، قامت الحكومة ببذل عدة جهود في مجال مناهضة التعذيب، ويظهر ذلك على أكثر من مستوى:
- موافقة الحكومة على مشروع قانون خاص بالموافقة على البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب ويجري حاليا إيداع أدوات التصديق على هذا البروتوكول.
- مصادقة المملكة المغربية على اتفاقية الاختفاء القسري والعمل على إيداع آليات التصديق.
- تعزيز التعاون مع آليات الأمم المتحدة المعنية بمناهضة التعذيب؛ حيث جرى استقبال المقرر الخاص بمناهضة التعذيب سنة 2013 كما استقبلت الوزارة خلال هذه السنة فريق الأمم المتحدة المعني بالاعتقال التعسفي.
- كما أن الحكومة وضعت خطة عمل لمتابعة تنفيذ التوصيات الصادرة عن الاستعراض الدوري الشامل واللجان التعاقدية بما في ذلك لجنة مناهضة التعذيب.
من جهة أخرى، فإن الوزارة تتابع من كثب مختلف الادعاءات الخاصة بالتعذيب أو الاعتقال التعسفي وتتخذ بشأنها التدابير الملائمة وذلك من خلال الأمر بفتح تحقيقات وإجراء الأبحاث في هذه الادعاءات كما قامت بتوجيه منشورات للنيابات العامة في هذا الشأن.
وعلى صعيد آخر، عرفت حرية التعبير خلال عهد الحكومة الحالية هامشا واسعا من الاتساع، والدليل على ذلك أنه لم يجر توقيف أي جريدة كما لم يجر اعتقال أي صحافي من أجل ممارسة حرية التعبير.
* ما حصيلتكم في مجال حقوق الإنسان، خاصة فيما يتعلق بالحد من قضايا التعذيب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان؟
- إن حصيلة حقوق الإنسان بالمغرب هي حصيلة مشرفة وباختصار شديد فلا مجال في مغرب اليوم للانتهاكات الجسيمة كيفما كان نوعها.
* العديد من الهيئات عبرت عن خيبة أملها من حكومة حزب العدالة والتنمية عندما رفعت شعار «عفا الله عما سلف». هل يعني ذلك أن الحكومة أغلقت ملف محاربة الفساد؟ وكيف تعاملتم مع تقارير المجلس الأعلى للحسابات؟
- إنني أتفهم ردود فعل بعض الهيئات واستنكارها لمقولة «عفا الله عما سلف» وهي بذلك تمارس دورها الطبيعي لأنها تواجه ضغوطا بضغوط ليعتدل ميزان أداء الحكومة، وفي هذا الصدد أطمئنكم أن محاربة الفساد ليست مجرد شعار وإنما هي سياسة ممنهجة، يكفي دليلا على ذلك أننا منذ نحو شهر أحلنا على النيابات العامة 21 ملفا تتعلق بالاشتباه بالفساد وذلك من خلال دراستنا لتقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2012 كما قامت الوزارة قبل ذلك بإحالة جميع الملفات التي جرى التوصل بها من طرف المجلس الأعلى للحسابات على الجهات القضائية المختصة. كما قامت أيضا بمعالجة قضايا الفساد التي جرى التوصل بها من طرف الهيئة المركزية للرشوة وإحالتها على القضاء حيث سجلت 52 ملفا سنة 2012، و37 ملفا سنة 2013 و30 ملفا سنة 2014. هذا بالإضافة إلى الشكاوى المتعلقة بالفساد التي تصل الوزارة من طرف المواطنين وبعض الهيئات الأخرى والتي يجري بشأنها فتح أبحاث قضائية، وبالتالي فإن المئات من قضايا الفساد من جميع المستويات معروضة على المحاكم.
* أطلقتم ورش إصلاح العدالة في زخم وحماس عبر الهيئة العليا للحوار الوطني في البداية، لكنه عرف بعض المناوشات والصراعات، وصولا إلى إصدار ميثاق وطني حول إصلاح العدالة. ما مصير هذا الميثاق وتوصيات الحوار الوطني؟ وما أولويات الإصلاح؟
- يعيش قطاع العدالة لحظة إصلاح تاريخي يتميز بعمقه وشموليته وذلك بشكل غير مسبوق، مما جعله يحتل صدارة الورش الإصلاحية الكبرى التي تعرفها المملكة.
لقد سبق للملك محمد السادس أن قام بتنصيب أعضاء الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح منظومة العدالة في الثامن من مايو 2012، وكلفها بتولي مهمة الإشراف على هذا الحوار الوطني ورفع مشاريع توصيات بشأن إصلاح منظومة العدالة له، بغاية بلورة ميثاق وطني لإصلاح هذه المنظومة وقد قامت الهيئة العليا، اعتمادا على مقاربة تشاركية منفتحة على مختلف الفعاليات المعنية، بعقد جلسات للحوار عرفت إقبالا كبيرا من قبل كل الفعاليات المعنية، من قضاة وموظفي هيئة كتابة الضبط ومحامين ومختلف مساعدي القضاء وأساتذة جامعيين وفعاليات المجتمع المدني وخبراء مختصين، طبعا ليس بالإمكان إرضاء الجميع ولا تحصيل إجماع الكافة لأن هناك حسابات ومصالح تدفع إلى بعض ردود الفعل غير المنصفة.
وحظي مشروع ميثاق إصلاح منظومة العدالة بالموافقة السامية للملك، وأعلن عن ذلك في خطاب العرش لسنة 2013.
وقد أرفق مشروع التوصيات بمخطط إجرائي، يتضمن 353 إجراء تطبيقيا، تتوزع بين مبادرات تشريعية، وإجراءات وتدابير تنظيمية، لتنفيذ مختلف مشمولات هذا الميثاق، وذلك بما يستجيب لحاجة المواطنات والمواطنين الملحة في أن يلمسوا عن قرب، وفي الأمد المنظور، الأثر الإيجابي المباشر للإصلاح، بما يصون حقوقهم ويضمن مساواتهم أمام القانون.
ومن أجل تنزيل مضامين ميثاق إصلاح منظومة العدالة قامت وزارة العدل والحريات بتبني مقاربة تشاركية واسعة يعز نظيرها، وذلك على عدة واجهات:
- جرى بذل مجهود استثنائي للرفع من أجور قضاة الدرجة الثالثة والدرجة الثانية والدرجة الأولى وهي الدرجات الدنيا، وقد جرى العمل بذلك على تحسين الوضعية المادية لهذه الشريحة الواسعة من القضاة، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.
- عملت وزارة العدل والحريات، من خلال عدة لجان موسعة، مكونة من قضاة ومحامين وموظفي كتابة الضبط وأساتذة جامعيين ومختصين، على إعداد مسودات مشاريع قوانين تتعلق بالقانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة. وقد كان هذان المشروعان محل نشر واسع على العموم، ومشاورات واسعة.
ومن المنتظر أن تجري إحالة مسودة مشروع قانون المسطرة الجنائية على الأمانة العامة للحكومة قبل نهاية هذا الأسبوع، فيما ستجري إحالة مسودة مشروع قانون المسطرة المدنية عند نهاية شهر نوفمبر المقبل.
- جرى إعداد مشروع القانون المتعلق بالتنظيم القضائي، الذي سيعلن عنه قريبا، وسيكون بدوره محل مشاورات واسعة، فضلا عن أنه سيكون موضوع ندوة وطنية خلال شهر نوفمبر المقبل، وينضاف إلى هذه الورش التشريعية مسودة مشروع القانون الجنائي الذي من المنتظر أن تجري إحالته على الأمانة العامة للحكومة عند نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل.
ومن بين الورش الكبرى التي تنكب عليها الوزارة كذلك، التحديث والرفع من البنية التحتية للمحاكم؛ لما لذلك من أثر بالغ على موضوع النجاعة القضائية، والرفع من أداء المحاكم، وتحسين ظروف العمل والاستقبال، حيث شرعت الوزارة في وضع مقومات مشروع المحكمة الرقمية التي من المؤمل أن تكتمل في سنة 2020، فضلا عن تسريع حوسبة المساطر والإجراءات القضائية، وتكثيف استغلال التكنولوجيا الحديثة في عمل القضاء والمهن القضائية. وسيبقى التحديث خيارا استراتيجيا في مسار إصلاح منظومة العدالة، باعتباره الأداة المحورية للنهوض بالإدارة القضائية وتطوير أساليبها، خدمة للمواطن.
أما بالنسبة للبنية التحتية للمحاكم، فقد وضعت الوزارة برنامجا للنهوض بها، بناء وتوسعة وترميما، وتعمل وفق خارطة طريق بهذا الخصوص، سواء من حيث المشاريع المبرمجة أو تنميط مواصفات بنايات المحاكم. ويهدف كل ذلك إلى توفير الظروف الملائمة لتحقيق النجاعة القضائية وجودة الخدمات.
وعلى مستوى تأهيل الموارد البشرية، نص ميثاق إصلاح منظومة العدالة على جملة من المبادئ والآليات المرتبطة بالتكوين، وفي هذا الإطار شرعت الوزارة في تنزيل مقتضيات الميثاق بشأن كل ما يتعلق بورش التكوين، وفق مقاربة قائمة على التشاركية، والتخطيط، والتعاون مع الجهات المعنية بالتكوين، بما في ذلك برامج التعاون الدولي لا سيما الاتحاد الأوروبي وبرنامج تحدي الألفية الثالثة.
* ثمة انتقادات كثيرة يوجهها المواطنون والحقوقيون لجهاز القضاء. هل هناك إرادة حقيقية لدى الحكومة لإصلاح هذا الجهاز؟
- بالتأكيد للحكومة إرادة حقيقية وقوية لإصلاح جهاز القضاء بشكل خاص ومنظومة العدالة بشكل عام، وأعتقد أن الحوار الوطني الذي قادته وزارة العدل والحريات في ظل الحكومة الحالية هو عمل لم يسبق له نظير، وهو يعبر بكل عمق عن الإرادة الحقيقية للحكومة من أجل إصلاح هذا القطاع.
ويعيش قطاع العدالة لحظة إصلاح تاريخي يتميز بعمقه وشموليته وذلك بشكل غير مسبوق، مما جعله يحتل صدارة الورش الإصلاحية الكبرى التي تعرفها المملكة، والذي سيكون له أحسن الأثر على منظومة العدالة.
* وزارة العدل والحريات أول من طبق قانون الاقتطاع من أجور المضربين، المثير للجدل. هل كان القرار خاصا بالوزارة أم أنه نوقش واتخذ على مستوى الحكومة قبل ذلك؟
- أؤكد أن قرار الاقتطاع من أجور المضربين كان قرارا حكوميا، لكن الوزارة التي فعلت القرار أولا هي وزارة العدل والحريات، لأنها كانت تواجه إضرابات مزمنة.
* ما ردكم على الانتقادات التي ترى في القرار مسا بحرية العمل النقابي وبحق الإضراب الذي كفله الدستور؟
- صحيح أن الحق في الإضراب هو حق دستوري لكنه ليس حقا مطلقا بل يخضع كغيره من الحقوق لقيود تضمن ممارسته بشكل سليم، وذلك في ظل احترام تام للمبادئ الدستورية وفي مقدمتها مبدأ استمرارية المرفق العام وكذا عدم المساس بحقوق المواطنين والمواطنات. وفي هذا السياق، لا بد من الإشارة إلى القرار رقم 588 الصادر عن منظمة العمل الدولية الذي يعتبر أن اقتطاع أيام الإضراب من الأجور لا يشكل خرقا لمبدأ الحريات النقابية، كما أن الاجتهاد القضائي المغربي يعتبر أن الإضراب موجب للاقتطاع شريطة الالتزام بالمسطرة الواجبة.
* متى سيصدر قانون الإضراب إذن، وما الذي يؤخره؟
- الحكومة جهزت مسودة أولية للقانون التنظيمي للإضراب في انتظار التوافق حولها مع مختلف الافرقاء الاجتماعيين. وفي جميع الأحوال سيصدر هذا القانون قبل نهاية الولاية التشريعية الحالية كما نص على ذلك الدستور وكما التزمت بذلك الحكومة في مخططها التشريعي، وإن كانت النقابات لا ترغب، حسب علمي، في إخراج هذا القانون.
* جددت الجمعيات الحقوقية المغربية قبل أيام مطالبها بخصوص عقوبة الإعدام بمناسبة اليوم العالمي ضد هذه العقوبة في 10 أكتوبر (تشرين الأول). كيف تعاملتم مع هذه المطالب؟
- أؤكد لكم أننا منفتحون على النقاش الدائر بخصوص عقوبة الإعدام مع جميع الفاعلين وقد جعلنا منها أحد المواضيع التي جرت برمجتها ضمن حلقات الحوار الوطني حول الإصلاح العميق والشامل لمنظومة العدالة، وتبين من خلال النقاش الذي ساهم فيه مختلف المختصين من قضاة ومحامين وأساتذة جامعيين وحقوقيين أن هناك خلافا واسعا حول الموضوع، لكن أغلب المتدخلين كانوا مع إعادة النظر في لائحة الجرائم المعاقب عليها بالإعدام بغية تقليص استخدامه وليس مع الإلغاء بصفة نهائية من لائحة العقوبات، وهو التوجه الذي اعتمدته الحكومة في مشروع قانون القضاء العسكري المعروض على الغرفة الثانية والذي صادقت عليه الغرفة الأولى، حيث عمل مشروع القانون على الإبقاء على العقوبة مع التقليص من حالات الحكم بالإعدام، من خلال الإبقاء على 5 حالات فقط من أصل 16 حالة وتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، وصوت على هذا المشروع نواب ينادون بإلغاء عقوبة الإعدام، وهو التوجه الذي سيذهب إليه مشروع القانون الجنائي والمسطرة الجنائية.
تجدر الإشارة إلى أن النقاش الدائر حول عقوبة الإعدام هو نقاش عالمي وطريقة المعالجة اختلفت من بلد لآخر، فهناك من الدول من عمل على إلغاء العقوبة وهناك من عمل على إبقائها مع تنفيذها وهناك من عمل على إبقائها مع إيقاف التنفيذ، وهذا هو الخيار الذي ذهب إليه المغرب.
* دعا الملك محمد السادس في خطابه الأخير الموجه للبرلمان إلى إعطاء الأسبقية لإخراج النصوص المتعلقة بإصلاح القضاء وخاصة منها إقامة المجلس الأعلى للسلطة القضائية وإقرار النظام الأساسي للقضاة. متى سترى هذه الإصلاحات النور؟
- تنبغي الإشارة إلى أن مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية قد حظي أخيرا، بمصادقة المجلس الوزاري برئاسة الملك، وينتظر أن يصادق عليه البرلمان خلال هذه الدورة التشريعية (الخريفية). أما فيما يخص مسودة مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة فهي جاهزة ومن المنتظر عرضها على المجلس الوزاري عما قريب.
وهكذا، ينتظر أن يرى المجلس الأعلى للسلطة القضائية النور في بحر السنة المقبلة بحول الله تكريسا لاستقلال السلطة القضائية وفق المعايير الدولية.



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended