تعقيدات المشهد اليمني: سقوط صنعاء (2 - 3)

تحالفات داخلية وخارجية لم تكن مستبعدة.. والهدف إبعاد «إخوان اليمن» وهناك اعتقاد بأن الحوثيين هم الأقدر على مواجهة {القاعدة}

عنصر من الحوثيين يتمشى في صنعاء أول من أمس (رويترز)
عنصر من الحوثيين يتمشى في صنعاء أول من أمس (رويترز)
TT

تعقيدات المشهد اليمني: سقوط صنعاء (2 - 3)

عنصر من الحوثيين يتمشى في صنعاء أول من أمس (رويترز)
عنصر من الحوثيين يتمشى في صنعاء أول من أمس (رويترز)

عند سقوط مدينة عمران في أيدي الحوثيين وسيطرتهم عليها في 7 يوليو (تموز) 2014 كانت التوقعات بأن المحطة القادمة ستكون صنعاء، فعمران هي البوابة التاريخية لمآسي وكوارث صنعاء ولتغيير الأوضاع السياسية فيها.
فعندما كانت تستنفر القبائل ضد إمام قائم لصالح إمام يدّعي الحق في الولاية، كانت البوابتان؛ الشمالية والشرقية (عمران والجوف)، هما المدخل للسيطرة على صنعاء، فمنها كان دخول مؤسس زيدية اليمن الإمام يحيى بن الحسين (288هـ - 901م) لقتال اليعفريين في صنعاء، ومنها كانت الثورة على الإمام المجتهد محمد بن إسماعيل الأمير (الصنعاني) بتحريض من فقهاء (حوث وبرط) في زمن الإمام المهدي عباس (1166هـ - 1752م) بحجة خروجه على المذهب الزيدي، كما كانت عودة الإمام أحمد يحيى حميد الدين إلى الحكم في صنعاء ثأرا لوالده بعد ثورة 48 من بوابة عمران أيضا.
لم يكن سقوط صنعاء في أيدي الحركة الحوثية والمتحالفين معها مفاجئا بقدر ما كان مذهلا، ذلك لأن الاحتشاد في الساحات وإقامة المخيمات القبلية المسلحة على مداخل العاصمة في حصار محكم على المدينة منذ 18 أغسطس (آب) 2014 حتى سقوطها، كان مؤشرا واضحا على نية الحوثيين لاقتحامها والدخول في مواجهة وحرب شوارع مع الجيش، وما سمي بـ(لجان الدفاع الشعبية) التي شكلها حزب الإصلاح بدعم وإيعاز من الرئيس هادي نفسه.
لكن المذهل في سقوط صنعاء أن الأحداث فيها كانت متسارعة وبصورة غير متوقعة، ولم تأخذ وقتا طويلا كما حدث في عمران التي استمرت المواجهات فيها أكثر من شهرين، فالحوثيون الذين سيطروا على منطقة شملان - شمال صنعاء - بعد مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط أكثر من 272 قتيلا وأكثر من 680 جريحا، لم يتوقفوا، بل كان ذلك مدخلا لمواصلة هجماتهم باتجاهات مختلفة.
وكان مبنى التلفزيون الرسمي هو الهدف التالي، الذي كان لاستهدافه عند الحوثيين رمزية سياسية خاصة؛ حيث كان إسقاطه والسيطرة عليه يعني سقوط الدولة في أيديهم، وهو ما حدث فعلا، فقد تمكنوا من اقتحامه والسيطرة عليه في 20 سبتمبر (أيلول) 2014 بعد مواجهات دامت 3 أيام مع اللواء الرابع المرابط هناك، الذي اتهم بعض قادته وأفراده وزير الدفاع محمد ناصر أحمد، المقرب من رئيس الجمهورية، «بخيانتهم وخذلانهم، ومنع الإمدادات عنهم، وتوجيههم بالاستسلام للحوثيين ما لم يجر ضربهم بالطيران».
وهذا الموقف الذي اتخذه وزير الدفاع كان لا يمكن أن يحدث إلا بمعرفة وتوجيهات الرئيس، ثم إنه موقف ليس غريبا عليه، فقد سبقت له مواقف مماثله أثناء مواجهات الحوثيين في عمران والجوف، وهو بالتالي ما يؤكد وجود تحالفات بين قوى وقيادات سياسية وعسكرية كانت وراء الانهيار المريع لمعنويات ضباط وأفراد الجيش والأمن في المواقع والمؤسسات العسكرية المرابطة في صنعاء. فبعد السيطرة على مبنى التلفزيون الرسمي، توجه الحوثيون ومناصروهم لاقتحام المنطقة السادسة (مقر الفرقة الأولى مدرع - سابقا) التي وجهت مقاتليها بالانسحاب وعدم المواجهة، فاقتحمت الفرقة وسقطت بالتالي صنعاء نهار 21 سبتمبر 2014م، في لحظات خاطفة، وبطريقة لم يكن يتوقعها أحد.. وكانت مفاجئة للمراقبين وللقوى الإقليمية والدولية كما كانت مفاجئة أيضا للحوثيين أنفسهم.
ولعل ما جنب صنعاء الغرق في المواجهات والاقتتال والدماء هو انسحاب قوات الفرقة من المواجهة، وتوجيهات قيادة الإصلاح (الإخوان) لما سمي بـ«لجان الدفاع الشعبية» وكوادرها الحزبية بعدم المواجهة أيضا؛ حيث ينسب للواء علي محسن الأحمر، مستشار الرئيس لشؤون الدفاع والأمن، ضمن تصريحات إعلامية، في الثالث من سقوط صنعاء، قوله: «إننا قررنا بعد التشاور مع فخامة الأخ الرئيس عبد ربه منصور هادي، أن نتجنب الحرب الأهلية بأي ثمن.. وانسحبنا لكي لا نحرق ما تبقى من الوطن».
وكما شهدت بعض المعسكرات والمؤسسات أعمال نهب وسلب للذخائر والأسلحة والمعدات، شهدت أيضا أحياء وشوارع وبيوت صنعاء (المحمية) - كما كان يصفها الأجداد - هلعا وذعرا لم تشهده من قبل، رغم أن معظمها لم تحدث فيها أي مواجهات، ولم تشعر حتى بإطلاق نار في محيطها.. لكن أخبار العنف والقتل والاقتحامات في أحياء «شملان، والنهضة، والتلفزيون، والفرقة، والإذاعة الجديدة» كانت قد سبقت إلى كل أرجاء صنعاء؛ حيث بعض السكان صاروا بفعلها يهرعون في الشوارع بحثا عن وسيلة للهرب والنزوح إلى مناطق آمنة ومستقرة.
ومن هنا كانت سيطرة الحوثيين على صنعاء بكامل مؤسساتها ومعسكراتها تعني السيطرة على المدن الرئيسة والمحافظات، فقد أصبحت «اللجان الشعبية الحوثية» هي التي تتحكم في حركة السير والمرور، ليس فقط في صنعاء، وإنما في أغلب أجزاء الوطن التي يتواجدون فيها؛ حيث تغيب الدولة وأجهزتها، كما غابت في صنعاء، التي كادت أن تكون خلال اليومين الأولين من سقوطها أشبه في بعض أحيائها وشوارعها بمدينة الأشباح.
ويظل السؤال الكبير هو: كيف سقطت صنعاء؟! ومن وراء سقوطها في يد الحوثيين؟!
لست مع مفهوم نظرية المؤامرة التي لا تستبعد تورط قوى إقليمية عربية في صفقة مع إيران بمشاركة قوى دولية لتسهيل مهمة الحوثيين في إسقاط صنعاء والسيطرة على القرار السياسي فيها، ذلك لأن الدخول في مثل هذا النوع من الصفقات سيكون مستبعدا، لأنه لا يتفق مع طبيعة العلاقات الإقليمية القائمة، ولا يخدم المصالح الاستراتيجية لدول الخليج التي هي في معظمها على تقاطع كبير مع السياسة الإيرانية في المنطقة.
ولذلك فالاحتمال الأكثر ترجيحا هو قيام تحالفات قوى عسكرية وسياسية يمنية داخلية مع الحركة الحوثية، ضمت قيادات موالية للرئيس السابق صالح من جهة، ولقيادة وزارة الدفاع من جهة أخرى، وليس مستبعدا أن تكون قد تلقت دعما إقليميا وموافقة دولية، أسهمت بصورة كبيرة في تمكين الحوثيين من إسقاط صنعاء، ذلك لأن مؤشرات هذه التحالفات كانت واضحة في مخيمات المسلحين التي نصبت على مداخل العاصمة، التي كان ضمنها التعامل الودود لوزارة معها أثناء حصارها لصنعاء على مدى أكثر من شهر.
ثم إن ردود الفعل الإقليمية والدولية على إسقاط الحوثيين لصنعاء في 21 سبتمبر 2014م لم تكن غاضبة، ولم تكن قلقة ولا متشنجة كما كان الحال عند سقوط عمران في يوليو من العام نفسه، رغم أن الفترة الزمنية التي تفصل بين الحدثين ليست طويلة، والأوضاع السياسية في صنعاء لم تتغير كثيرا إلا إذا استثنينا قرار رفع أسعار المشتقات النفطية، الذي يعد هما يمنيا داخليا، ولا يعني الآخرين إقليميا أو دوليا في شيء، بدليل أنهم لم يبادروا إلى تغطية العجز في الاحتياج من المشتقات النفطية قبل إسقاط صنعاء، وقبل أن يشعل الحوثيون صنعاء باحتجاجاتهم وينصبون مخيماتهم المسلحة على مداخلها بذريعة إسقاط «الجرعة».
فالسفير الأميركي في صنعاء، ماثيو تولر، يعرض على الحوثيين في اليوم التالي لسقوط صنعاء في مؤتمر صحافي «استعداد سفارته للتواصل المباشر معهم، كونهم جزءا مهما من مكونات الشعب اليمني»، أما السفيرة البريطانية، جين ماريوت، فكتبت على حسابها في موقع «تويتر» يوم سقوط صنعاء تقول: «الحوثيون وصلوا إلى نقاطهم، ولم يبق عليهم إلا التوقيع على الاتفاق»، وبالفعل جرى في اليوم ذاته التوقيع على وثيقة «السلم والشراكة الوطنية»، التي هندس لها وأعدها الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، جمال بن عمر، وحظيت بمباركة إقليمية ودولية.
فالتحالفات، إذن، لإسقاط صنعاء كانت قائمة ولم تكن مستبعدة، ولعل التعاطي مع الحوثيين في قلب الموازين بالعاصمة صنعاء، كان لهدف إبعاد (إخوان اليمن) عن السيطرة على القرار السياسي في البلاد، ثم إن هناك اعتقادا لدى قوى داخلية وخارجية بأن الحوثيين هم الأقدر على مواجهة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، التي شهدت نموا متصاعدا في اليمن خلال الأعوام الـ3 الماضية.
* رئيس مركز الوحدة للدراسات الاستراتيجية بصنعاء ووزير الثقافة اليمني السابق

تعقيدات المشهد اليمني: الانقلاب على المبادرة الخليجية ( 1 - 3)
تعقيدات المشهد اليمني: الحوثيون.. الواقع الجديد ( 3 - 3)


التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.