تونس: من يتزعم «الطريق الثالث»؟

استقطاب وصراعات عشية الانتخابات

تونس: من يتزعم «الطريق الثالث»؟
TT

تونس: من يتزعم «الطريق الثالث»؟

تونس: من يتزعم «الطريق الثالث»؟

بدأ العد التنازلي لأول انتخابات تعددية عامة في تونس يجري خلالها انتخاب رئيس الجمهورية مباشرة، إلى جانب انتخاب برلمان تمتد صلاحياته 5 سنوات وستكون من أبرز مهماته اختيار الرئيس القادم الجديد وفريقه اللذين أعطاهما الدستور الجديد نحو 90 في المائة من النفوذ.
ولئن كان الأسبوع الأول من الحملة الانتخابية لانتخابات 26 أكتوبر (تشرين الأول) التشريعية «باردا» و«باهتا»، فإن الأسبوع الثاني انطلق ساخنا جدا.. فتحت خلاله نيران من العيار الثقيل بين أبرز الأطراف السياسية المتنافسة، وخاصة بين جبهة الأحزاب التي خرجت من رحم الحزب الحاكم السابق - حزب الرئيس زين العابدين بن علي، والحركات والأحزاب التي لا تزال تعلن ولاءها للثورة وتصف زعاماتها - وبينها الرئيس المؤقت الحالي المنصف المرزوقي - ب-«الثورية».
والسؤال الكبير اليوم بين المراقبين السياسيين: هل تنجح تونس في تجاوز «مزايدات الثورجيين»، و«عنتريات رموز النظام السابق» الذين يشاركون بقوة في الانتخابات.. وأصبح بعضهم يباهي بولائه للنظام السابق ويصف ساسة «ما بعد الثورة» ب-«الأقزام» على غرار ما فعل حامد القروي رئيس الحكومة السابق ونائب رئيس حزب بن علي - «التجمع الدستوري الديمقراطي» - طوال 15 سنة.

الدكتور عدنان منصر، المؤرخ والوزير مدير الحملة الانتخابية الحالية للرئيس الحالي المنصف المرزوقي، لخص الصراعات السياسية والحزبية الحالية بكونها «معركة بين أنصار 7 نوفمبر1987 -تاريخ وصول بن علي إلى الحكم، والأوفياء لثورة 14 يناير 2011»، وعدّ الرئيس المؤقت المرزوقي يتزعم التيار «الثوري».. وتوقع انتصار «الثوريين» في هذه «المعركة السياسية والانتخابية الحاسمة»..

* جبهة «الثورجيين»؟

* وأمام «تضخم» عدد وزراء بن علي وقادة حزبه الذين انخرطوا في السباق الانتخابي الحالي، دعا عدنان منصر «الثوريين» إلى التوحد بقصد عزل رموز «النظام السابق» والدفاع عن «مكاسب الثورة»..
وقد لقي هذا التقييم صدى في صفوف نشطاء سياسيين من تيارات مختلفة ممن يعدون أنفسهم «أوفياء للخط الثوري ولمكاسب الثورة الشبابية التونسية»..
ولم يستبعد قياديون من «اليسار الراديكالي» والإسلاميين «المتشددين» أن تؤدي المواقف «الثورية» الصادرة عن قيادات من حزب المرزوقي وحلفائه إلى تشكيل «جبهة انتخابية موحدة» ضد عودة «رموز النظام السابق»، وخاصة الوزراء والمحافظين والسفراء الذين بقوا في الحكم حتى الساعات الأخيرة من حكم زين العابدين بن علي في يناير 2014.. «رغم استفحال مظاهر الفساد والاستبداد»..
كما أعرب بعض «الثوريي» من داخل المعسكرين الليبرالي واليساري عن رهانهم على سيناريو «تقسيم الإسلاميين» بين «أوفياء» إلى رئيس حركة النهضة الإسلامية راشد الغنوشي الذي يتزعم تيار المصالحة الوطنية مع كل الأطراف، بما في ذلك وزراء بن علي غير المتورطين في الفساد والاستبداد «بحجة تصديقهم على الدستور الجديد وقانون الانتخابات وتبنيهم شعارات الثورة»..
وأصبح هؤلاء يتهمون السيد راشد الغنوشي ب-«التنازل عن ثوابت الثورة» وب-«الذهاب بعيدا في مسار المصالحة مع من كان يصفهم بالجلادين والسراق». وبينما تمسك زعيم حزب النهضة خلال الاجتماعات الشعبية التي أشرف عليها في عدد من كبرى المدن التونسية - مثل سوسة والقيروان والكاف والعاصمة تونس - بخيار «المصالحة الوطنية» واتهم خصومه من «أقصى اليمين وأقصى اليسار» بمحاولة «تقسيم التونسيين في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى وحدة وطنية وإلى تناسي أحقاد الماضي والتفرغ لبناء المستقبل.. أسوة بالرسول محمد عليه الصلاة والسلام الذي أمر المسلمين عند فتح مكة بالصفح عن أعدائه السابقين، بمن فيهم عمه أبو سفيان وزوجته هند ومن تورط معها في قتل المسلمين وتعذيبهم وتشريدهم».. ويمضي الغنوشي قائلا: «لقد خاطب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم أعداء الأمس قائلا: اذهبوا فأنتم الطلقاء.. ولو فعل غير ذلك لتواصل مسلسل الاقتتال داخل مكة والجزيرة ولما توحد المسلمون القدامى والجدد ففتحوا أغلب أصقاع الأرض في وقت قياسي.. ولما وصل الإسلام إلى شمال أفريقيا في وقت قياسي».
* معارك مفتوحة بين السبسي والإسلاميين
ولئن كان التوافق بين رئيس الحكومة الأسبق زعيم المعارضة العلمانية الباجي قائد السبسي من جهة وزعيم حزب النهضة راشد الغنوشي من جهة ثانية من أبرز أسباب «التهدئة» ونجاح «الحوار الوطني» العام الماضي - فإن الحملات الإعلامية التي فجرتها الحملة الانتخابية الحالية بين الزعيمين وأنصارهما توشك أن تعيد إلى «نقطة الصفر» المعارك التي سبقت التصديق على «دستور توافقي تقدمي» وعلى «حكومة تكنوقراط» رحبت بها الغالبية الساحقة من قيادات الأحزاب الإسلامية والعلمانية والليبيرالية مقابل انسحاب حزب النهضة الإسلامي من الحكم..
الباجي قائد السبسي شكك خلال برنامج تلفزي في القناة الحكومية في إيمان بعض خصومه بالإسلام، بما في ذلك الرئيس المنصف المرزوقي وقادة حزبه ورئيس البرلمان الانتقالي مصطفى بن جعفر زعيم حزب «التكتل» الاشتراكي.. كما اتهم قائد السبسي خصومه الإسلاميين ب-«التشدد والتطرف والوهابية».
في المقابل، اتهم عدد من القياديين في حركة النهضة، بينهم المستشار السياسي لرئيس الحركة الوزير سابقا لسيد لطفي زيتون، زعماء حزب «المؤتمر» الذي يقوده المرزوقي، وخاصة مدير حملته الانتخابية ومدير مكتبه في رئاسة الجمهورية عدنان منصر، ب-«محاولة تقسيم التونسيين»، فيما حذر الغنوشي في حوارات تلفزية وتجمعات شعبية عامة الباجي قائد السبسي من «غلط تقسيم التونسيين حسب انتماءاتهم العقائدية والسياسية والحزبية عوض السعي إلى توحيدهم خدمة للمصلحة الوطنية العليا»..

* الـ«فيسبوك».. والإنترنت

* وعلى غرار جل المعارك السياسية والانتخابية منذ سنوات في تونس، أصبحت المواقع الاجتماعية، وخاصة «فيسبوك» ومواقع الويب والصحف الإلكترونية، فضاء «ساخنا» للجدل والصراعات السياسية والحزبية والمعارك الانتخابية..
بل إن بعض الخبراء في علوم الاتصال والعلاقات العامة - مثل الباحث الدكتور محمد العربي عزوز - عدوا أن من «أبرز إضافات التغيير في تونس إقبال ملايين التونسيين والتونسيات على الصراعات السياسية والانتخابية، خاصة عبر مواقع (فيسبوك) والصحافة الإلكترونية».. باعتبار تونس تحتل المرتبة الأولى عربيا من حيث نسبة سكانها الذين لديهم مواقع اجتماعية وأدمنوا «الإبحار» في الويب.
لكن «المثير» في هذه المعارك، سواء كانت في الساحات الانتخابية التقليدية أو الإلكترونية - حسب الدكتور عبد اللطيف الحناشي - تورط بعض النخب مبكرا في توظيف الصراعات الحزبية والانتخابية ومظاهر الاستقطاب السياسي لمحاولة التشكيك منذ الآن في مصداقية العملية الانتخابية والإيحاء بأنها «مزيفة»..
وتساءل عبد اللطيف الحناشي قائلا: «من المستفيد من التشكيك في نزاهة عملية انتخابية تاريخية قبل وقوعها؟».
ولماذا التطاول على رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات د.شفيق صرصار.. وهو شخصية علمية وحقوقية وسياسية عرفت بنزاهتها واستقلاليتها ومصداقيتها سبق لـ«المعارضة» أن أقامت الدنيا وأقعدتها حتى ينتخب رئيسا للهيئة عوض المحامي المستقل الأستاذ كمال بن مسعود؟
وتساءل الجامعي الفاضل بن محمد: «لماذا توزيع الاتهامات المجانية شرقا وغربا بين بعض الأطراف السياسية التي تتورط دوما في الاستقطاب والصراعات الهامشية.. ومحاولة الإبقاء على البلاد في حالة فوضى (خلاقة) لا يستفيد منها إلا المهربون والإرهابيون وأباطرة الفساد والاستبداد؟».

* الغائب الحاضر

* ويتضح من خلال الأدبيات التي تنشرها الأحزاب والقائمات الانتخابية القريبة من حزب الرئيسين السابقين بورقيبة وبن علي أن معركتها الانتخابية تطورت تدريجيا.. وأن مطالبها لم تعد مجرد الدعوة إلى «المصالحة الوطنية ورفض سياسات الإقصاء والعدالة الانتقامية والانتقائية» التي يتهمون بها حكومات الترويكا السابقة، بل تكشف تصريحات حامد القروي، رئيس حزب الحركة الدستورية رئيس الوزراء في عهد بن علي خلال عقد التسعينات، عن أن «الدستوريين» - نسبة إلى الحزب الدستوري - لم يعودوا في موقع الدفاع عن النفس، بل أصبحوا في موقع «الهجوم».. واتهم القروي ورفاقه خصومهم من المعارضين السابقين لحكم زين العابدين بن علي بـ«الارتجال والفشل ونقص الخبرة».. وشبههم بـ«الأقزام».
«الوسطيون».. و«الطريق الثالث»
في الأثناء، تعالت أصوات من يعدهم بعض المراقبين في تونس «وسطيين» وأنصار الخيار الثالث أو «الطريق الثالث»..
أنصار الحلول «الوسطية» برزوا داخل بعض الأحزاب الكبرى نفسها، بدءا من حزب النهضة الذي تميزت كلماته في التجمعات الانتخابية والشعبية التي أشرف عليها أخيرا وفي المحاضرات - التي ألقاها خلال الأسبوعين الماضيين في الصين ثم في أميركا - بدعواته لـ«الوسطية والحلول التوافقية»، مع تأكيد استعداد حزبه للقبول بنتائج الانتخابات مهما كانت وبتشكيل «حكومة وطنية ائتلافية وتوافقية» إذا فاز حزب النهضة بالمرتبة الأولى في الانتخابات البرلمانية..
كما لم يستبعد الغنوشي المشاركة في حكومة توافق مع بعض وزراء بن علي السابقين «إذا كانوا من بين نظيفي اليدين»..
دعوات مماثلة للتهدئة والتعايش صدرت عن شخصيات قيادية مرشحة لأن تلعب دورا من الحجم الكبير في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقبلة مثل السيد كمال مرجان الوزير السابق للدفاع والخارجية القيادي سابقا في حزب بن علي.. ويتميز كمال مرجان عن غيره من رموز النظام السابق بكون حزبه فاز في انتخابات 2011 بـ5 مقاعد وبتصويته على حكومات الائتلاف السابقة بقيادة حمادي الجبالي وعلي العريض، ثم على حكومة التكنوقراط بقيادة المهدي جمعة..
وبعد أن تعاقبت مظاهر التوتر والتصدع داخل حزب «نداء تونس» بزعامة رئيس الحكومة الأسبق الباجي قائد السبسي وداخل بقية الأحزاب التي خرجت من حزبي بورقيبة وبن علي - ترشح أوساط سياسية كثيرة زعيم حزب المبادرة الدستورية - السيد كمال مرجان - لقيادة الدستوريين والتجمعيين السابقين وبقية الفصائل السياسية المعارضة لتيارات «الإسلام السياسي» التي تتميز بإيمانها «بالتعايش بين كل الأحزاب العلمانية والإسلامية» إذا توافرت مجموعة من الشروط، من بينها نبذ العنف والإرهاب والتطرف والتعهد باحترام «مدنية الدولة»..

* «ورقة المستقلين» و«الوسطيين»

* في المقابل، تراهن أوساط حقوقية وسياسية وإعلامية كثيرة على المرشحين المستقلين في الانتخابات البرلمانية والرئاسية وتتوقع أن ينجح هؤلاء في «فك النزاع وبؤر التوتر الحزبية»، خاصة أن من بين المرشحين المستقلين بعض وزراء بن علي السابقين الذين انسحبوا من الحكم منذ نحو 20 سنة؛ أي قبل أن تتطور الأوضاع الداخلية نحو مظاهر من «الاستبداد والفساد»..
ولعل من أبرز هؤلاء المرشحين المستقلين المحافظ السابق للبنك المركزي مصطفى كمال النابلي وزير الشباب والصحة ما بين 1988 و1991، والأمين العام السابق لرابطة حقوق الإنسان الدكتور حمودة بن سلامة، والنقيب السابق للمحامين عبد الرزاق الكيلاني..
ويصطف مع هؤلاء ضمن تيار «الوسطيين» زعيم المعارضة القانونية السابق أحمد نجيب الشابي، وزعيم حزب «التكتل» رئيس البرلمان الانتقالي الحالي الدكتور مصطفى بن جعفر، وعدد من الخبراء الاقتصاديين والقانونيين الذين غامروا بخوض السباق الانتخابي.. وإن أعوزتهم بعض «شروط النجاح» مثل اللوبيات المالية والحزبية والإعلامية المساندة..
لكن نقطة قوة هؤلاء جميعا محاولة بناء «طريق ثالثة» بين الأقطاب السياسية والحزبية الكبرى المتصارعة..

* أزمات جديدة

* في الأثناء، حذر وزير الداخلية التونسي لطفي بن جدو وعدد من نقابات الأمن من «عمليات إرهابية نوعية قد تفسد العرس الانتخابي التونسي»..
كما لا يخفي بعض الساسة الوسطيين انزعاجهم من ظواهر سياسية «مزعجة»، فقد تعاقبت في نظرهم في المدة الأخيرة «عنتريات» بعض رموز النظام السابق داخل تونس وخارجها، وكان من بين مفاجآت الأيام القليلة الماضية بعض التصريحات الغريبة لزعيم حزب نداء تونس الباجي قائد السبسي الذي اتهموه بـ«محاولة تقسيم تونس والتونسيين».
في الوقت نفسه، سجلت سلسلة من عمليات توظيف مواقع حكومية ومؤسسة رئاسة الجمهورية في الحملة الانتخابية السابقة لأوانها للرئيس المؤقت د. المنصف المرزوقي وكانت من أكثرها إثارة توظيف مؤسسة ملف تلفزي في قناة فرنسية – إم 6 - للظهور في مظهر «ثورجي» مع الترويج لمعطيات غير صحيحة عن ملف «استرجاع» مبالغ محدودة من أموال عائلة الرئيس بن علي.. ونسبة «بطولات وهمية» إليه..
وإذ تبدو المبادئ التي استشهد من أجلها مناضلون من كل الأجيال، وبينهم شباب ثورة ديسمبر 2010 - يناير 2011 في خطر بسبب «عنتريات» بعض وزراء الحقبة الأخيرة من عهد بن علي - فإن بعض «الثورجيين» و«اليساريين» أصبحوا يتهمون بكونهم يسبحون ضد التيار «متجاهلين قيمة المستجدات في تونس والمنطقة» بعد فشل الربيع العربي، «وخاصة مكاسب مسار التوافق السياسي الذي أفرزه الحوار الوطني العام الماضي، وأسفر عن دستور تقدمي وعن حكومة تصريف أعمال من المستقلين» كلفت التحضير للعملية الانتخابية الحالية التي يخوضها الشعب التونسي هذه الأيام..



واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».