مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة». في شبكة قنوات «العربية».
TT

داعش الصليبية!

هناك رغبات دفينة لدى كثير من البشر في الاستباحة والنهب وبناء السلطة، بعيدا عن الوضع القائم. هذه النزعات متمكنة في أعماق كثير من الطامحين، الذين قد يلقي بهم طموحهم في حفر الهلاك، أو يرقى بهم إلى معارج الملك والحكم و«الخلافة».
«داعش» حيرّت المتابعين، من كل مجال. قل ما شئت عن شغل المخابرات، وقل ما شئت عن الأمراض النفسية، وقل مثل ذلك عن التفكك الأسري، وأكثر منه عن الحرمان من الديمقراطية، بوصف هذه الأمور سببا لولادة المخلوق الداعشي. «داعش» تغري كل من يريد الاستباحة والسلطة، وتشييد مواضعات وسلاطين جدد، وحرام جديد، وحلال جديد، وسلطة مطلقة جديدة. تأمل في «النشيد» الداعشي الموجه لسكان الجزيرة العربية، ستجد في كلماته هذه المداعبة الخطيرة للرغبة الدفينة في الحرمات كلها وإشاعة الفوضى والضجر من فكرة الدولة الحديثة.
نشيدهم الشهير بعنوان (يا عاصب الرأس وينك) ومن كلماته:
كل الطواغيت برا وما حد علينا يتجرا - يا عاصب الرأس وينك
ثمة كتاب ممتع طالعته مؤخرا عنوانه «موجز تاريخ الحروب الصليبية في المشرق الإسلامي وشرقي حوض المتوسط» للمؤرخ الفرنسي رينيه غروسيه، ترجمة وتعليق د. أحمد إيبيش، إصدار هيئة أبوظبي للثقافة. تحدث مؤلفه عن تحول قادة الحملات الصليبية من «البارونات»، الذين ضجروا من عدم قدرتهم على بناء إماراتهم الخاصة في أوروبا، ووجدوا في نداء الكنيسة فرصتهم لتوسيع النفوذ عبر غطاء ديني.
يقول المؤلف: «وقد آل أمر المحارب الصليبي فيما بعد إلى أن صار مجرد مقاتل غازٍ مثل (جماعة كونكيستادرو الإسبانية) - وتعني الغازي أو الفاتح، وصارت كل السبل أمامه مشروعة لتحقيق أطماعه من بطش وإرهاب وحنث بالمواثيق، وحتى الاغتيال نفسه (كمقتل بودوان الأول في الرها) طالما كان ذلك كفيلا بمضاعفة مغانمه. من أجل هذه الغايات الشخصية، لم يتردد كل من بودوان الأول وبوهيمون بالتخلي عن الحركة الصليبية ما قبل تحرير القدس بفترة غير قصيرة، ومع ذلك سنرى كيف أن هذين الحاكمين الصليبيين الغربيين سيغدوان أكثر المنتفعين من المشروع الصليبي على الإطلاق، بودوان كملك للقدس، وبوهيمون كأمير لأنطاكية، وبذلك ندرك إلى أي حد استغلت آيديولوجية الحركة الصليبية كستار لجملة من الأوضاع الراهنة، المتباينة فيما بينها». ص 35.
يقول أيضا: «كانت مبادرة الحركة الصليبية إنجازا خالصا لهذا الحَبر البابا (أوربان) وقد احتفظ البابا بهذا الأمر في طوية نفسه لفترة طويلة، ولم يفض به إلى الملأ إلا متكاملا بعد رويّة وإمعان، بمنشور رسمي في مجمع كليرمون - فيرّان الكنسي في 27 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1095م وفي ذلك اليوم استصرخ البابا الملة المسيحية لتجريد السلاح لتحرير القبر المقدس، ولتحرير مسيحيي الشرق الرازحين تحت طغيان الإسلام». ص 32. قارن هذا بما يعتمل في وجدان إبراهيم عواد (خليفة «داعش») ومعاونيه من مغامري الأرض، حتى من حدثاء الإسلام، هو نفس الطموح القاتل المدهون بزبدة دينية.
[email protected]