وفيق السامرائي
ضابط متقاعد وخبير استراتيجيّ عراقيّ
TT

استراتيجية تدمير «داعش» وأسوأ القرارات

لم يظهر أن العالم كان مدركا لخطورة تنظيم «داعش» قبل أن يجتاح الأراضي العراقية. وعلى الرغم من التحديات الكثيرة التي فرضت على الجماعات السورية المعارضة بما في ذلك «الجيش الحر»، نتيجة عدم القدرة على التحكم بحركة السلاح هناك، فلم تتخذ أي إجراءات ضد «داعش»، الذي يمثل الوجه الأخطر من وجوه تنظيم «القاعدة»، ربما لأنه كان يقاتل النظام السوري بين فترة وأخرى، بصرف النظر عما قيل عن نشأته وارتباطاته. ولم تتغير الرؤية كثيرا عندما وصلت كتائب منه إلى مشارف بغداد، بقدر ما حدثت متغيرات سريعة بعد استدارته نحو كردستان وانتشاره على جبهة تمتد من مشارف الحدود الإيرانية إلى مقربة من البحر الأبيض المتوسط.
الضربات الجوية الأميركية الأولى لم تحقق الكثير، رغم تمكنها مع مجهود طيران الجيش العراقي والقوات البرية شمال جبهة الخرق وجنوبها، من إرباك «داعش»، وإجباره على وقف الهجمات الرئيسية، وأعقبها تحوله إلى الهجمات المحلية، ومحاولة تصعيد العمليات الإرهابية في المدن شمال خط الوجود وجنوبه. غير أن الوضع بدأ يتغير بسرعة بعد تطور التحالف الدولي من تحالف هش إلى تحالف حاسم في مجال التمهيد لتهيئة عناصر الحسم العسكري، وكان للمشاركة الجوية البريطانية أثر كبير على الجانبين المعنوي والعملياتي.
المشاركة الجوية العربية أعطت دفعة قوية للتحالف عملياتيا ونفسيا لما لها من تأثيرات مهمة على نفسية الشارع العربي والإسلامي، وأثبت الطيارون العرب أنهم قادرون على العمل كفريق واحد مع أحدث القوات الجوية في العالم. ويمكن أن تترك العمليات الجوية أثرا كبيرا على حركة أرتال «داعش»، ومقاره، ومناطق تموينه، ومراكز اتصالاته، وحدت من تعاون مجموعاته القتالية بين مناطق العمليات المتباعدة، وأضعفت معنويات مسلحيه - خصوصا المجندين المحليين - وفي المقابل رفعت معنويات القوات البرية العراقية والقيادة العراقية، وعززت الجانب النفسي في مجال الأمن العربي الإقليمي.
وإن كانت المكتسبات الإيجابية للتحالف مهمة، وإن كان ممكنا تدمير هيكلية «داعش» وبعثرة قواته على مدى شهور، إذا ما تواصلت الضربات الجوية بكثافة، فإن الإسراع في تدمير هذا الخطر الكبير وإنهاء أزمة النازحين العراقيين يتطلبان إدخال عناصر ميدانية فاعلة ترافق المرحلة الثانية من عملية التدمير الجوي، ومنها تعزيز القوات العراقية بمعدات مدرعة وتدريبها بشكل سريع، وإدخال أسراب من طائرات الهليكوبتر الهجومية لقوات التحالف لتوجيه ضربات مباشرة من مسافات قريبة على وجود «الدواعش» على حافات المدن.
رغم حيثيات سقوط 2003، فإن فلسفة بناء القوات المسلحة العراقية بقيت قائمة على أساس العقيدة العسكرية القتالية البريطانية، حيث تأسس الجيش العراقي في بداية تكوينه عام 1921 على يد الخبراء العسكريين البريطانيين، لذلك يفضل العمل وفق السياقات ذاتها، وتجهيزه بمعدات قتالية بريطانية، لأن عملية التحول عن العقيدة البريطانية لم تكن مفيدة في المحافظة على أسس التنظيم ونظريات القتال. وخطوة كهذه ستساعد في تقليص الفترة الزمنية لإعداد القوات للحرب.
ووفقا للتلميحات التركية، فإن الأتراك ينوون ركوب موجة التحالف الدولي بعد فشل نظرياتهم السابقة، وإذا ما أقر البرلمان التركي التخويل بالقيام بعمليات برية داخل الأراضي السورية والعراقية، فسوف يكون أي قرار عراقي بالموافقة على دخول قوات تركية خطأ استراتيجيا لا يغتفر، وسيسجل كأسوأ القرارات على الإطلاق، وحتى إذا افترضنا سوء الظن بهذا الوصف، فإن اضطلاع تركيا بهذا الدور قد يقلب النصر على «داعش» إلى حالة تشجع بعض المناطقيين والانفصاليين إلى التلاقي مع السياسة الإردوغانية في إحياء مشروع ولاية الموصل، التي تمثل خطرا كبيرا على وحدة العراق، وعلى المجتمع الدولي مساعدة القيادة العراقية على رفض الدخول التركي، فبقاء «داعش» لفترة أسابيع أكثر يعد أقل خطرا من توغل تركي عميق.
عمليات تجريد جوي مستمرة، وتجفيف منابع التمويل الخارجي والداخلي، وشن حرب نفسية قوية، وقطع خطوط الإمداد، وتشجيع القوى الشعبية المحلية على الانتفاضة، ستمثل حزمة من إجراءات الحسم المباشر. وإذا ما تطلب الوضع الدفع بقوات برية خارجية فالتعايش مع القوات الأميركية والبريطانية سيكون أكثر اندماجا من القوات الأخرى، بحكم التجارب والعلاقات السابقة، على أن تترك عملية إعادة النظام إلى قوات الشرطة العراقية، التي يفترض البدء بإعادة تشكيلها من الآن، على أن تنتشر قوات الأمن والاستخبارات بسرعة داخل المدن وفق خطط مسبقة.