شهدت، في الأسبوع الماضي، بمبنى الجمعية الجغرافية الملكية بلندن فيلما سينمائيا وثائقيا يثير الشجون بقدر ما يبعث على التفكير والتأمل. الفيلم من إعداد الباحثة الفلسطينية ليلى صنصور التي قضت عدة سنوات في إعداده، وربما عدة سنوات أخرى في الحصول على التمويل اللازم لمثل هذا الفيلم. يعرض الفيلم مأساة هذه المدينة، مولد عيسى ابن مريم عليه السلام .
تعاظمت مشاكلها بعد قيام الإسرائيليين ببناء السور الفاصل بين إسرائيل والمناطق العربية. يعرض الفيلم شيئا من هذه المشاكل التي مزقت حياة السكان؛ صاحب الدكان الذي يقع دكانه على جانب من السور وزبائنه على الجانب الآخر، ونحو ذلك من تمزيق وتشطير الممتلكات الفلسطينية وحياة أهلها.
لا أدري مَن السجناء وراء السور؟ الفلسطينيون أم الإسرائيليون أنفسهم؟ بيد أن اليهود الإسرائيليين معتادون هذه الحياة؛ حياة أحياء الغيتو المحاطة بالأسوار في البلدان الأوروبية حتى عهد قريب. ويظهر أنهم يحنون إليها لاشعوريا ولا يطيب لهم العيش من دون أسوار تحيط بهم وتفصلهم عن بقية بني الإنسان.
لا أدري ما الذي يشعر به أولادهم وهم يرون هذا السور الكونكريتي بارتفاع 8 أمتار يحيط بهم، ويختزل حريتهم في اللعب والسير والتجول ومعرفة الإنسان الآخر.
إذا كان يهود شرق أوروبا الذين انحدر من صلبهم نتنياهو يحلو لهم مثل هذا العيش، فهو أبغض نوع من الحياة التي اعتادها العرب؛ حرية الحركة والأرض المفتوحة. وهذا ما يسعى الفيلم لتصويره، ويحمله عنوانا للفيلم «بيت لحم المفتوحة». في أرض الله المفتوحة التي أصبحت أرض نتنياهو المخنوقة.
وللسعي من الانعتاق من هذا الاختناق، تبنت ليلى صنصور فكرة «باسبورت بيت لحم»، جواز السفر الذي ينبغي أن يعطي سكان المدينة حق التنقل والسفر بحرية. ولكنه بقي حتى الآن وثيقة رمزية تمنحها المدينة لمحبيها.
أهذه نكتة وتقليعة من وحي المخرجة المبدعة والفاضلة؟! فهذا الفيلم الذي جعل كثيرا من المشاهدين يخرجون مناديلهم ليمسحوا دموعهم، تضمن كثيرا من المواقف واللفتات والتقليعات التي أثارت ضحك المشاهدين. وكان منها منح هذا «الباسبورت» لبابا الفاتيكان.
وهذه الميزة؛ ميزة المزج بين الدمعة والابتسامة في العمل الواحد، من مزايا الإبداع والروعة في كل الفنون، وكذا كان هذا الفيلم الذي يسعى المنتج لعرضه على نطاق أوسع في الأسواق العالمية.
ومن أين سيكون له ذلك وأسلحة الإعلام الصهيوني ستقف له بالمرصاد؟
ورغم أن الفيلم يستهدف المشاهدين الغربيين بالدرجة الأولى، بتأكيده على المكانة الدينية المسيحية لمدينة بيت لحم، بحيث ضم مشاهد كثيرة من احتفالات السكان المسيحيين وهم يلبسون ثيابهم التقليدية الدينية، وينشدون ترانيمهم وأناشيدهم الموسمية، فإن المخرجة لم تتجاهل هذا الدور الذي تلعبه فلسطين العربية بوصفها موطنا لتعايش الأديان، تمثل بأجراس الكنيسة، وأذان المسجد، ونداء «الله أكبر»، وصلوات اليهود.
9:17 دقيقه
TT
بيت لحم المفتوحة
المزيد من مقالات الرأي
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
