الأردن يستعد لتدريب أبناء العشائر من الأنبار لمواجهة «داعش»

عمان قد تستضيف «غرفة عمليات أمنية واستخباراتية» لمواجهة التنظيم

جندي أردني يشارك في تدريبات عسكرية ضمت 20 دولة منها الولايات المتحدة ودول اقليمية بالعقبة الصيف الماضي (غيتي)
جندي أردني يشارك في تدريبات عسكرية ضمت 20 دولة منها الولايات المتحدة ودول اقليمية بالعقبة الصيف الماضي (غيتي)
TT

الأردن يستعد لتدريب أبناء العشائر من الأنبار لمواجهة «داعش»

جندي أردني يشارك في تدريبات عسكرية ضمت 20 دولة منها الولايات المتحدة ودول اقليمية بالعقبة الصيف الماضي (غيتي)
جندي أردني يشارك في تدريبات عسكرية ضمت 20 دولة منها الولايات المتحدة ودول اقليمية بالعقبة الصيف الماضي (غيتي)

أكد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أن بلاده تدعم الجهود الإقليمية والدولية لمحاربة الإرهاب والتصدي للتطرف، منطلقة من إيمانها الراسخ بأن الحركات والتنظيمات الإرهابية المتطرفة تشكل تهديدا خطيرا ومباشرا يستهدف أمن واستقرار المنطقة والعالم. جاء ذلك خلال استقبال العاهل الأردني لوزير الخارجية الأميركي جون كيري مساء أول من أمس قبل أن يتوجه الأخير إلى جدة من أجل حشد تحالف دولي ضد تنظيم «داعش». ويأتي ذلك في وقت أكدت مصادر أردنية لـ«الشرق الأوسط» أن الأردن مستعد لدعم أبناء العشائر العراقية في مواجهة «داعش» من حيث التدريب وتقديم الدعم اللوجستي أيضا.
وذكر بيان للديوان الملكي الأردني الذي صدر في ساعة متأخرة من مساء أول من أمس أن اللقاء يأتي استكمالا للقاء القمة الذي جمع الملك عبد الله الثاني مع الرئيس الأميركي باراك أوباما في ويلز بالمملكة المتحدة الأسبوع الماضي على هامش مشاركة الزعيمين في قمة حلف «الناتو». وأوضح البيان أن الاجتماع ركز على تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، خصوصا فيما يتصل بسبل إعادة إعمار قطاع غزة، وجهود تحقيق السلام في المنطقة، والتطورات على الساحتين العراقية والسورية.
بدوره، استعرض وزير الخارجية الأميركية رؤية بلاده حول التعامل مع التطورات على الساحتين العراقية والسورية، مشيرا إلى الجهود التي تقودها الولايات المتحدة إقليميا ودوليا لمكافحة الإرهاب والتنظيمات المتطرفة، ومعبرا عن تقديره لمساعي الأردن في العمل على تحقيق السلام وترسيخ الأمن والاستقرار على مستوى المنطقة والعالم.
وعلى صعيد متصل، قالت مصادر أردنية مطلعة أن الاجتماع الذي عقد في عمان ضم مسؤولين عسكريين وأمنيين من كلا الجانبين الأردني والأميركي حيث جرى البحث في التهديدات التي قد يشكلها تنظيم «داعش» على الأردن وإمكانية التصدي لها. وأضافت المصادر أنه جرى كذلك البحث في دور الأردن المستقبلي في دعم التحالف الدولي ضد «داعش» وما سيقدمه من تسهيلات لوجستية لهذا التحالف، مشيرة إلى أن الأردن قد يكون غرفة عمليات لإدارة العمليات الأمنية والاستخباراتية. وأشارت المصادر أن الولايات المتحدة سترسل مجموعة من ضباط وكالة الاستخبارات الأميركية «سي أي إيه» من أجل التنسيق مع أجهزة الأمن الأردنية بخصوص التصدي لتنظيم داعش إضافة إلى تبادل المعلومات حول تحركات التنظيم في العراق وسوريا.
وأوضحت المصادر التي طلبت من «الشرق الأوسط» عدم الكشف عن هويتها أن لدى الأردن قاعدة بيانات حول التركيبة الديموغرافية في مناطق غرب العراق وشمال سوريا التي تقع تحت سيطرة تنظيم داعش مؤكدة أن الأردن له اتصالات واسعة مع رؤساء العشائر السنية في معظم المناطق العراقية وخاصة محافظة الأنبار والتي قد تكون هذه العشائر قاعدة انطلاق لمحاربة داعش إذا ما تم تدريب أبناء هذه العشائر في الأردن، إضافة إلى تدريب قوات من البيشمركة الكردية على عمليات مكافحة الإرهاب والتعامل مع التنظيمات الإرهابية خاصة أنه سبق للأردن أن درب قوات من الجيش والشرطة العراقية بعد الاحتلال الأميركي للعراق. وأكدت المصادر أن الأردن سيقدم خدمات لوجستية من مطارات عسكرية وفتح الأجواء أمام الطائرات الأميركية والبريطانية من أجل القيام بضرب أهداف محددة في غرب العراق أما المناطق الشمالية في العراق وسوريا فإن الأراضي التركية ستكون منطلقا لهذه الطائرات.
وكان وزير الدولة لشؤون الإعلام الناطق باسم الحكومة الأردنية محمد المومني قد قال في تصريح سابق لـ«الشرق الأوسط» بأن الأردن ليس ضمن التحالف الذي أعلن عنه في اجتماع حلف الناتو. وأضاف أن الأردن على اتصال وتنسيق مع الدول الشقيقة والصديقة في عملية مكافحة الإرهاب، مشيرا إلى أن أي قرارات سياسية في هذا الإطار سيتم الإعلان عنها في حينها. وكان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، قد بحث مع المسؤولين الأردنيين ملف داعش، وإمكانية التنسيق المشترك حيال هذا الموضوع، وفقا لمعلومات من مطلعين على الملف فإن أوغلو أراد استطلاع موقف الأردن أولا من «داعش»، وإلى أي حد سيصل الأردن في موقفه من هذا الملف، خصوصا، أن الجوار الجغرافي لتركيا مع سوريا والعراق، يتشابه في دلالاته مع الجوار الجغرافي للأردن مع سوريا والعراق.
ويرى مراقبون سياسيون أن الأتراك ربما يريدون الفصل في معالجة «داعش» بين الملفين السوري والعراقي، بحيث تنحصر المواجهة هنا، مع داعش في العراق، باعتبار أن مواجهة داعش في سوريا قد تصب في خدمة دمشق الرسمية، وهو ما لا تريده أنقرة.
وعلى صعيد آخر، سلمت السفارة الأميركية في عمان أمس 12 جهازا يدويا لكشف المواد الكيماوية السائلة والصلبة وغير المعروفة بسرعة وبدقة.
وقالت السفارة في بيان لها بأن هذا التبرع قدم من قبل برنامج مراقبة الصادرات ودعم أمن الحدود المشترك مع وزارة الخارجية الأميركية والذي يهدف إلى دعم الدول الشركاء من خلال تقديم الخبرات، المعدات، البرامج تدريبية والبرمجيات لمساعدتها على تحسين أنظمتها الرقابية على الصادرات، ومنع عمليات النقل غير المشروعة والتهريب، ومواجهة خطر انتشار أسلحة الدمار الشامل.



عون: إيران تستخدم لبنان كورقة ضغط... ونتنياهو و«حزب الله» يخوضان حرباً عبثية

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.ا)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.ا)
TT

عون: إيران تستخدم لبنان كورقة ضغط... ونتنياهو و«حزب الله» يخوضان حرباً عبثية

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.ا)
الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.ا)

أكد الرئيس اللبناني جوزاف عون أن إيران «تستخدم لبنان كورقة ضغط» في إطار مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، مشيرا الى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب «حزب الله»، يشنان «حرباً عبثية» لن تؤدي أبداً إلى «النتيجة المرجوة».

وقال عون في مقابلة مع شبكة «سي إن إن» الأميركية أن «الطريقة الوحيدة لانهاء الصراع بين لبنان وإسرائيل هي من خلال المفاوضات، وعلى نتنياهو والإسرائيليين و«حزب الله»، ان يفهموا انهم يخوضون حرباً لا جدوى منها، وان الاستراتيجية التي يتبعونها هي قصيرة النظر، وتؤدي الى نتائج عكسية».

وشدد على أنه «لا يمكن التعامل مع «حزب الله» إلا محلياً، وهذا هو واجب الدولة والحكومة، إنما بشرط واحد وهو إزالة جذور أسباب وجود سلاحه أي الانسحاب الإسرائيلي وإنهاء حالة الصراع مع إسرائيل».

وأعلن أنه «يرفض تماماً تصريح «الحرس الثوري» الإيراني الذي يملك تأثيراً كبيراً على «حزب الله»، لجهة عدم موافقتهم على الاتفاق وما حصل، وانهم يستعملون لبنان كورقة تفاوضية في مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة الأميركية».

وأضاف: «سئمنا هذا الوضع منذ العام 1969، نريد ان نعيش في سلام، ويستحق اللبنانيون عدم رؤية منازلهم تدمّر كل 5 أو 10 سنوات، لقد ملّوا وهم يعتمدون عليّ ومن واجبي تجاه شعبي. هم الشعب اللبناني وليسوا شعب (الأمين العام لحزب الله) نعيم قاسم».

وأضاف: «لدينا فرصة جيدة لإنهاء حالة العداء بين لبنان وإسرائيل، لدينا فرصة للشعبين اللبناني والإسرائيلي للعيش في حالة من الامن والأمان. إنها فرصة هائلة وعليهما ان يختارا (نتنياهو وحزب الله): الحرب او المفاوضات او الدبلوماسية، والدبلوماسية هي افضل طريقة. وكرجل عسكري، فإنني افهم وقد عشت فظائع الحرب، وافضل طريقة هي عبر الدبلوماسية، فالحروب بشكل عام، وعبر التاريخ، تنتهي بمنتصر ومهزوم او من خلال المفاوضات، ولن يتمكن الطرفان من تحقيق أهدافهما من خلال الحرب».

وعن إمكان اقتناع «حزب الله» بالمفاوضات واتفاق وقف إطلاق النار، أعرب عون عن أمله في أن يتم إقناعهم في نهاية المطاف، لكنه أضاف: «إنما الثمن سيكون مرتفعاً للأسف. سأحاول، فليس هناك من مستحيل، وسأدفع نحو هذا الأمر».

وأوضح أن «رئيس مجلس النواب نبيه بري يؤيد المفاوضات وإنهاء هذه الحرب، وقد سئم من الحرب بعد ان شاهد تدمير الجنوب، وأعتمد عليه».

أما عن تصريح «الحرس الثوري» الإيراني الذي أعلن فيه عدم موافقته على الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، شدد عون على رفضه لهذا الكلام، وقال: «هذا ليس بلدكم، انه بلدنا، وواجبنا، وعملكم ليس التدخل في بلدنا، وانا ارفض هذا التصريح بشكل تام، لان شعبنا هو الذي يقتل، وبيوتنا هي التي تدمّر، هم يستعملون لبنان كورقة تفاوضية في مفاوضاتهم مع الولايات المتحدة الأميركية. هذا امر غير مقبول».


الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين باغتيال مسؤول تنموي بارز

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
TT

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين باغتيال مسؤول تنموي بارز

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

اتهمت الحكومة اليمنية الجماعةَ الحوثية بالوقوف وراء اغتيال أحد أبرز المسؤولين التنمويين في البلاد، في قضية أثارت اهتماماً واسعاً نظراً لمكانة الضحية ودوره في إدارة واحد من أهم البرامج التنموية التي عملت لعقود على دعم المجتمعات المحلية، والتخفيف من آثار الأزمات الإنسانية.

وجاءت هذه الاتهامات خلال مباحثات أجراها وزير الداخلية اليمني، اللواء الركن إبراهيم حيدان، مع سفير الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه، حيث استعرض الوزير مستجدات التحقيقات المتعلقة باغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية وسام قائد، والإجراءات التي نفَّذتها الأجهزة الأمنية منذ وقوع الحادثة. وفق ما ذكره الإعلام الرسمي.

وأكد الوزير اليمني أنَّ التحقيقات أسفرت عن ضبط عدد من المشتبه بهم، مشيراً إلى وجود أدلة قالت السلطات إنَّها تثبت تورُّط الحوثيين في التخطيط والتنفيذ للجريمة، في تطوُّر يضيف بُعداً جديداً إلى الاتهامات المتبادلة بين الحكومة والجماعة بشأن استهداف الكوادر المدنية والعاملين في المجالات الإنسانية والتنموية.

وبحسب وزارة الداخلية اليمنية، فإنَّ مسار التحقيقات قاد إلى نتائج وصفتها بالحاسمة، دفعتها إلى تحميل الحوثيين المسؤولية عن عملية الاغتيال التي استهدفت المسؤول التنموي البارز الذي كان يقود مؤسسةً لعبت دوراً محورياً في تنفيذ مشروعات تنموية وخدمية في مختلف المحافظات اليمنية.

وزير الداخلية اليمني إبراهيم حيدان (إعلام حكومي)

وأبلغ الوزير السفير الأوروبي أنَّ الأجهزة الأمنية تواصل استكمال إجراءات التحقيق وجمع الأدلة وملاحقة المتورطين، مؤكداً أنَّ الجريمة لا يمكن فصلها عن المناخ الأمني المُعقَّد الذي تعيشه البلاد منذ سنوات.

كما ربط حيدان بين هذه القضية، واستمرار الجماعة الحوثية في احتجاز عدد من موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الدولية، عادّاً أنَّ تلك الممارسات تعكس نهجاً متصاعداً في التضييق على العمل الإنساني والتنموي.

وتنظر الأوساط الحكومية إلى الحادثة بوصفها ضربةً موجعةً للجهود التنموية في اليمن، لا سيما أنَّ الصندوق الاجتماعي للتنمية يُعدُّ من أهم المؤسسات التي حافظت على نشاطها خلال سنوات الحرب، وأسهمت في توفير فرص العمل وتحسين الخدمات الأساسية في المناطق الأكثر احتياجاً.

تعاون أمني مع أوروبا

جاء ملف الاغتيال ضمن مباحثات أوسع تناولت التعاون الأمني بين اليمن والاتحاد الأوروبي، حيث أشاد وزير الداخلية بالدعم الذي يُقدِّمه الاتحاد الأوروبي للحكومة اليمنية، وبرامج بناء قدرات الأجهزة الأمنية.

وأكد حيدان تطلع وزارته إلى توسيع مجالات الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، خصوصاً في ملفات مكافحة الهجرة غير الشرعية والتحديات الأمنية العابرة للحدود، مشدداً على أهمية التنسيق المشترك لحماية المصالح المتبادلة وتعزيز الاستقرار.

من جانبه، جدَّد سفير الاتحاد الأوروبي دعم الاتحاد لمجلس القيادة الرئاسي والحكومة باليمن، مؤكداً استمرار التعاون مع وزارة الداخلية في مختلف المجالات الأمنية بما يسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار. بحسب ما نقله الإعلام الرسمي.

ويأتي هذا الدعم في وقت تسعى فيه الحكومة إلى حشد مزيد من المساندة الدولية لمواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية والإنسانية المتفاقمة، وسط استمرار الصراع وتراجع مستويات التمويل الدولي للبرامج الإغاثية والتنموية.

انتهاكات واسعة بحق الأطفال

بالتزامن مع الاتهامات الحكومية بشأن عملية الاغتيال، أصدرت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات تقريراً جديداً وثَّقت فيه ما قالت إنها «انتهاكات واسعة» ارتكبتها الجماعة الحوثية بحق الأطفال منذ بداية عام 2015 وحتى نهاية مارس (آذار) 2026.

ووفق التقرير، بلغ عدد الانتهاكات الموثقة نحو 29 ألفاً و891 حالة، شملت القتل، والإصابة، والاختطاف، والإخفاء القسري، والتعذيب، والاعتداءات الجنسية، والتجنيد القسري للأطفال.

وأشار التقرير الحقوقي إلى مقتل أكثر من 5 آلاف طفل وإصابة آلاف آخرين، فضلاً عن تهجير عشرات الآلاف وتشريدهم، بينما حُرم ملايين الأطفال من التعليم؛ نتيجة تداعيات الحرب وتحويل عدد من المدارس إلى مواقع عسكرية أو مراكز للتعبئة والتجنيد.

كما تحدَّث التقرير عن استمرار الحوثيين في تجنيد الأطفال وإشراكهم في العمليات القتالية، مؤكداً أنَّ هذه الممارسات تمثل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل، وداعياً المجتمع الدولي إلى اتخاذ خطوات أكثر فاعلية لحماية الأطفال ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات.


السيولة المفقودة تربك الاقتصاد اليمني وتعمّق أزماته

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
TT

السيولة المفقودة تربك الاقتصاد اليمني وتعمّق أزماته

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)
اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)

بينما يُنظر إلى أزمة السيولة التي تواجه الحكومة اليمنية على أنها نقص في الأوراق النقدية، يرى خبراء اقتصاديون أن المستجد الأبرز يتمثل في اتساع الفجوة بين البنوك والسوق، مع استمرار تركز جزء كبير من السيولة خارج القنوات المصرفية الرسمية؛ الأمر الذي حدّ من فاعلية السياسات النقدية وأبقى الأزمة قائمة رغم الإجراءات الأخيرة للبنك المركزي.

وفي حين لم يعلن البنك المركزي اليمني، بشكل مباشر، عن قرارات لمعالجة الأزمة التي تواجه القطاع المصرفي وتلقي بآثار ثقيلة على الاقتصاد والسكان، فإن الإجراءات المتخذة من طرفه خلال الفترة الماضية، غير قادرة على إنهاء معاناة البنوك اليمنية في الحصول على الأوراق النقدية الكافية لإنجاز المعاملات اليومية.

ويرى الخبير الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي أن توصيف الأزمة بأنها نقص في النقد ليس دقيقاً بالكامل، موضحاً أن الأوراق النقدية لا تزال متوافرة في الأسواق ويتم تداولها خارج الجهاز المصرفي، في حين تكمن المشكلة الأساسية في عجز البنوك عن استقطاب هذه الأموال وإعادتها إلى الدورة المالية الرسمية.

ويوضح الآنسي لـ«الشرق الأوسط» أن القيود التنظيمية وآليات العمل التقليدية التي ما زالت تحكم القطاع المصرفي تقلص جاذبية البنوك وتجعلها أقل قدرة على المنافسة مقارنة بشركات الصرافة.

تتصاعد المخاوف اليمنية من تأثيرات أزمات المنطقة على مستويات المعيشة (رويترز)

وتفرض البنوك حدوداً منخفضة على التحويلات وساعات عمل محدودة، في حين توفر شركات الصرافة خدمات أكثر مرونة وسرعة؛ الأمر الذي دفع شريحة واسعة من الأفراد والتجار إلى الابتعاد عن التعامل المصرفي التقليدي، وفقاً للآنسي.

وشهد الناتج المحلي الإجمالي في اليمن انكماشاً حاداً ومستمراً خلال العقد الممتد من 2015 إلى 2025 (عقد الانقلاب الحوثي والحرب)، بانكماش وصل إلى نحو 43 في المائة، ووصل إجمالي الخسائر التراكمية للاقتصاد اليمني إلى أكثر من 126 مليار دولار، كما تنقل بيانات البنك الدولي ووزارة التخطيط والتعاون الدولي اليمنية.

أزمة بنيوية

خلال الأسابيع الماضية، أجرى البنك المركزي اليمني اجتماعات مكثفة مع البنوك المحلية وبرنامج الغذاء العالمي، وسط مخاوف من تأثيرات عميقة للنزاعات في المنطقة على الأمن الغذائي في البلاد، وعدم القدرة على توفير السلع الأساسية للسكان.

ويرى عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن المشكلة تتجاوز الأدوات الفنية للبنك المركزي إلى بنية مؤسسية أكثر تعقيداً؛ إذ تفتقر السلطات النقدية إلى أدوات مالية جاذبة يمكن أن تستقطب السيولة المكتنزة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي ذات العوائد المناسبة، فضلاً عن تأثير الانقسام النقدي والمؤسسي الذي فرضته الحرب وأدى إلى تشظي المنظومة المالية وإضعاف مركزية القرار النقدي.

اقتصاديون يمنيون يقولون إن شركات الصرافة وضعف الهيكل المصرفي تسببا في شح السيولة (أ.ب)

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» استبعد المساجدي وجود تأثير مباشر لممارسات الجماعة الحوثية في هذه الأزمة التي تواجهها مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، إلا أنه نبّه إلى وقوع تأثير بنيوي لإقدام الجماعة على خلق اقتصاد موازٍ يعتمد على التعاملات غير المصرفية ويعيد إنتاج سلوكيات مالية مضطربة، ودفع السياسة النقدية إلى العمل في بيئة غير مكتملة السيطرة.

وتتهم الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، الحوثيين بضرب واستهداف الاقتصاد اليمني وموارد الدولة، والاعتداء على موانئ تصدير النفط والتهديد وإيقاف حركة تصدير الوقود والغاز؛ ما أدى إلى حرمان السكان من أهم مصادر الإيرادات والمرتبات والخدمات الأساسية.

من جانبه، يربط الخبير الاقتصادي اليمني عبد السلام الأثوري أزمة السيولة بحالة تفكك أوسع طالت مؤسسات الدولة وآليات إدارة الموارد العامة. ويشير إلى أن جزءاً من الأموال المتداولة يتسرب خارج الدورة الاقتصادية الرسمية عبر قنوات غير مصرفية، في حين تتجه مبالغ أخرى نحو المضاربة بالعملات الأجنبية أو التحويل إلى الخارج؛ الأمر الذي يفاقم اختلالات السوق النقدية.

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بتدمير الاقتصاد واستهداف المنشآت الاقتصادية منذ بدء الحرب (أ.ب)

وطبقاً لما قاله الأثوري لـ«الشرق الأوسط»، فإن تراجع دور المؤسسات المالية الرسمية أدى إلى توسع الاقتصاد الموازي، حيث أصبحت شركات الصرافة تستحوذ على جزء كبير من السيولة وتوجهها نحو المضاربة والتحويلات الخارجية، كما عمّق الانقسام السياسي والنقدي تشظي المنظومة المالية؛ ما عطل الدورة النقدية وأحدث اختناقاً في السيولة، رغم وجود أموال كبيرة خارج الجهاز المصرفي.

إجراءات غير مجدية

على الرغم من الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي اليمني خلال الأشهر الماضية، بما في ذلك رفع أسعار الفائدة على الودائع، وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، وتنظيم عمليات الاستيراد، فإن المراقبين يرون أن تأثير هذه الإجراءات لا يزال محدوداً ما لم تترافق مع إصلاحات أعمق تعيد الثقة بالقطاع المصرفي وتنشط الدورة النقدية.

ويؤكد الآنسي أن رفع أسعار الفائدة قد لا يحقق النتائج المرجوة؛ لأن البنك المركزي لا يسيطر فعلياً إلا على جزء محدود من الكتلة النقدية، بينما تبقى النسبة الأكبر خارج النظام المصرفي، كما يدعو إلى مراجعة بعض السياسات المتعلقة بتمويل الواردات لتخفيف الضغط على السيولة المحلية.

وطالب بتعديل القرار الملزم للمستوردين بتوريد 100 في المائة من قيمة الاعتمادات بالعملة المحلية لتخفيف الضغط عليها، منوهاً إلى أن البنك المركزي لا يستطيع إلزام البنوك بتجاوز ما يُعرف بمركز العملة؛ لأن البنوك لا تملك حق تغيير أموال المودعين من عملة إلى أخرى إلا بطلبهم.

على الرغم من تحسن سعر الريال اليمني فإنه يعاني ضعف القدرة الشرائية (أ.ب)

ويسعى البنك المركزي إلى إلزام بعض البنوك بتوفير العملات الأجنبية، وضخها في الأسواق لتغطية العجز عن دفع الرواتب.

من جهته، يدعو الأثوري إلى إصلاح الرواتب من خلال تدقيق القوائم الوظيفية وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر، وتشديد الرقابة على شركات الصرافة، ودمج جزء منها بالنظام المصرفي، والتحول للدفع الرقمي من خلال توسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد، ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة.

ومع استمرار اختناق السيولة رغم وجود كتل نقدية كبيرة خارج الجهاز المصرفي، تبدو الأزمة أقرب إلى أزمة توزيع وثقة وإدارة مالية منها إلى نقص فعلي في الأموال؛ وهو ما يجعل معالجتها مرهونة بإصلاحات مؤسسية أوسع تتجاوز الأدوات النقدية التقليدية.