هند المطيري: أنا رائدة شعر الغزل في السعودية

قالت إن النقد حالياً بائس جداً وقديم

د.هند المطيري ..... من إصداراتها
د.هند المطيري ..... من إصداراتها
TT

هند المطيري: أنا رائدة شعر الغزل في السعودية

د.هند المطيري ..... من إصداراتها
د.هند المطيري ..... من إصداراتها

تحولت د. هند المطيري، ومنذ 10 أعوام مضت، تحولت من شاعرة تتغنى بالقومية العربية إلى شاعرة غزل، وهي تعد نفسها رائدة الشعر الأنثوي في السعودية. وكانت المطيري التي بدأت تكتب الشعر منذ عقدين من الزمان، أصدرت ديوانها الأول «هند أنثى بروح المطر»، والديوان الثاني كان بعنوان «الجوزاء»، بالإضافة إلى مجموعة قصصية بعنوان «أنوثة بنكهة الملح الأزرق»، وهي تعكف الآن على كتابة سيرة ذاتية. هنا حوار معها:
* حديثنا عن تجربتك الشاعرية؟
- بدأت أكتب الشعر في مرحلة مبكرة من حياتي، ووقتها كنت على أعتاب أواخر المرحلة المتوسطة، ولكن الملكة الشعرية لم تكن قد تبلورت إلا إبان دراستي الجامعية في قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة الملك سعود، وكان في عام 1995، عندما تخصصت في اللغة. وكانت أول قصائدي التي نظمتها قصائد «قومية» بشكل عام، حول فلسطين ومآسي الشعوب المكلومة، فضلا عن فظائع الحروب التي اندلعت ضد المسلمين والأقليات في البوسنة والهرسك، والشيشان ثم حرب العراق الأخيرة.
* ثم اتجهت لكتابة شعر الغزل لاحقا.. ما السرّ في هذا التحول؟
- نعم هذه حقيقة لا أنكرها، وكان ذلك في مرحلة لاحقة وتقريبا في عام 2000؛ حيث بدأت بشعر الغزل، الذي انتصرت فيه للمرأة السعودية في ظل غياب الحرية الاجتماعية ونظرة المجتمع اتجاه اقتحامها محراب شعر الغزل، ولذلك تجد عددا كبيرا منهن ينظمن الشعر في كل القضايا ما عدا الغزل، كانت فعلا بمثابة نقطة تحوّل بالنسبة لي، كانت كثيرات من الشاعرات ينظمن شعر الغزل على قلته بأسماء مستعارة، وأقله ضمن الشعر النبطي الشعبي، أما الشعر الغزلي الفصيح قليل جدا.
* هل تعتقدين أنك رائدة شعر الغزل في السعودية؟
- أنا حاولت السير في هذا المضمار بالفعل، لتحقيق الريادة في شعر الغزل، وإلى اليوم استمر في نظمه.
* جرأة في البوح أم إعلاء لصوت المرأة؟
- كانت محاولة لإيجاد وسيلة للتعبير عن مشاعر حقيقية لا يمكن أن تكون زائفة بأي حال من الأحوال، وهذه هي النقطة الأولى، والنقطة الثانية أردت أن تظهر المرأة السعودية الشاعرة بثوب مختلف، بمعنى أنني أردت أن أجدد الثوب التقليدي للقصيدة، من خلال تجديد شكلها وفي مضمونها وفي مستوى صراحتها، فالنص النسوي الأدبي السعودي كان بحاجة إلى ذلك، فاتجهت نحو نظم شعر الغزل منذ 10 أعوام.
* هل يمكن القول إنك تنتجين «أدبا أنثويا» إن صح التعبير؟
- ثمة حقيقة لا بد منها وهي أنني، على المستوى الشخصي، ضد الفصل بين الأدب الذكوري والأدب الأنثوي، أو الاعتقاد بأن هناك شعرا أنثويا وآخر ذكوريا، فالأدب إلهام كما يبدع فيه الرجل تبدع فيه أيضا المرأة، والمهم أن تثبت المرأة وجودها إلى جانب الرجل، ذلك أن الرجل منذ بداية التاريخ مبدع ومجهر بإبداعه، لأنه وجد الملهمة وهي المرأة، وبالتالي عندما تجد المرأة الملهم، فهي أيضا ستبرع بالحجم نفسه في نظم الشعر، وأنا أراهن لولا وجود الملهمات ما وجدنا شعرا في الغزل، وهذا يدل على قلة الملهمين لدينا في الوطن العربي؛ إذ إن قلة الشعر الأنثوي في الغزل ناتج عن قلة الملهمين والعكس صحيح. كثرة الشعر الغزلي في الوطن العربي دليل على وجود أنثى ملهمة حاضرة دائما.
* هناك أيضا عناصر أخرى في شعرك كالقلق، والاضطراب، والحزن، والأمل، والصحراء، والنخلة، تبدو واضحة في إنتاجك..
- أعتقد أن قصيدة الشاعر المعاصر عموما، سواء أكان رجلا أم امرأة، لا تخلو من ألم أو حزن أو قلق وبكائيات ذلك أن الظروف المحيطة بالشاعر في هذا العصر سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أو فيما يتعلق بصراع الحضارات والأديان تهيئ مثل هذه الأجواء، وتثير مكوناتها في النص الأدبي، ولا أعتقد أن هناك قصيدة خالية منها.
* لقد توجهت أخيرا نحو كتابة القصة القصيرة.. ما وراء هذا التحول؟
- أعتقد أن الشاعر الحقيقي يملك اللغة بقوة، على مستوى القافية والوزن والعروض، وبالتالي له من القدرة على أن يعبر عن أحاسيسه بأي شكل من أجناس الأدب، والعكس غير وارد، بمعنى أن الروائي البحت قد لا يستطيع أن ينظم قصيدة، ولكن الشاعر بمقدوره أن يقتحم أي مجال أدبي آخر ويحسن التعبير من خلاله، ذلك أن القصيدة تعتمد على استخدام لغة مكثفة، تمكن ناظمها بأن يكتب رواية أو قصة قصيرة وغير ذلك.
* ما أكثر ما يستفزك لنظم قصيدة؟
- إن الرغبة في الوصول إلى المحبوب هي أكثر ما يدفعني لنظم القصيدة أو كتابة النص، ذلك أن الحرمان محفز قوي لإشعال فتيلة الرغبة إلى الوصول، وأعتقد أن ذلك أساس كتابتي الشعرية، وكذلك الرغبة إلى الوصول بالمجتمع إلى أفكار وقناعة معينة، هي التي تحفزني لكتابة القصة القصيرة، لأصل إليه بما أمتلك من قناعات في محاولة لتغييره.
* نلت الدكتوراه في بحثك «البطل الضدّ في شعر الصعاليك».. ما حيثيات هذا العنوان؟
- بالنسبة لبحثي «البطل الضدّ في شعر الصعاليك - دراسة أسلوبية وظيفية» الذي نلت به درجة الدكتوراه في فلسفة اللغة، استخدمت منهج الأسلوب الوظيفي، وهو منهج من المناهج التي تهتم بالوظيفة اللغوية، التي تؤديها العناصر اللغوية في صياغاتها المختلفة، وكيف يمكن لعنصر لغوي أن يكون وظيفيا، بمعنى أن العنصر اللغوي يؤدي وظيفته في موقع ما بشكل مغاير ومختلف عند استخدامه في موقع آخر. لقد اشتغلت على «البطل الضد»، وهو الشخص الآخر داخل الصعاليك الجاهليين واخترت أنموذج تأبّط شرّا، وعروة بن الورد، وثابت بن أوس المعروف بـ«الشنفري»، وتحدثت عن مفهوم الآخر في شعر هؤلاء.
* الحديث عن الآخر في الشعر الجاهلي؟
- بالطبع، إن الحديث عن الآخر في الشعر القديم كان موجودا بكثرة، ولكن الوقوف على الوسائط اللغوية عند الشاعر وكيفية استخدامها وتوظيفها على لسان الآخر هو ما تهتم به البحوث، ولذلك كان بحثي مركزا على وجود الآخر في الشعر القديم، ولكن كان الاهتمام بكيفية تمثيل اللغة تحديدا في الآخر، واستخدام اللغة من قبل الشاعر لتصوير هذا الآخر، سواء أكان على مستوى الحوار أم مستوى رواية الأحداث أم التخييل قليل جدا، وذلك لقلة الاهتمام بالمنهج الأسلوبي، كما كان التنظير للأسلوبية أكبر من التطبيق.
* بين طفرة الإنتاج الشبابي وقلة النقد.. كيف تقيمين المشهد الثقافي اليوم في الساحة الثقافية؟
- أرى أن وزارة الثقافة والإعلام مهتمة بالنتاج الأدبي للشباب اليوم اهتماما واضحا لم يجده الكبار؛ إذ إنه على الرغم من عراقة الكثير من الأسماء الموجودة لدينا في عالم الأدب من جيل الكبار، فإنها لم تجد الفرصة التي وجدها شباب اليوم، الذين أتاحت لهم الوزارة فرص المشاركات الداخلية والخارجية، وأدخلتهم في أجواء جديدة وقيم جديدة كالانتخاب والتصويت في الأندية الأدبية.
* يعتقد البعض أن وسائل التواصل الاجتماعي هي المسؤول الأول عن طوفان دخلاء على الإبداع من الشباب لا يملكون قيمة أدبية.. ما تعليقك؟
- بالنسبة لوسائط التواصل الاجتماعي، أعتقد أن لها آثارها الإيجابية والسلبية في الوقت نفسه؛ إذ إن عددا كبيرا من الأدباء اعتمد عليها اعتمادا كليا في نقل وتداول منتجاتهم الأدبية ونشرها خارج بلادهم. ويمكن اليوم لأي قارئ الاطلاع على أي منتج أدبي، ولو كان في أقصى العالم، وهذا خلق انفتاحا ثقافيا، أرى أن له فوائد كبيرة على مستوى إشاعة الثقافة والأدب، غير أنه في المقابل خلق أزمة إقحام أشخاص في دائرة الأدباء من خلال منتجات لا ترقى لمستوى التصنيف ضمن الأدب، وأصحابه ليسوا بأدباء، ومثل هؤلاء من الصعوبة بمكان إزاحتهم وإقناعهم بأنهم دخلاء على الساحة الأدبية، بخلاف ما يمكن السيطرة عليه في معارض الكتب أو مؤسسات النشر والتوزيع في حالة عدم مطابقة المنتج للمعايير والمواصفات المطلوبة.
* هناك من يرى خلو الساحة الأدبية من النقاد في حين بعض النقاد لا يرون أن هناك أدبا يستحق النظر إليه في ظل الطفرة الإنتاجية التي تفوق القدرة على متابعتهم.. كيف ترين ذلك؟
- النقد في مشهدنا السعودي بائس جدا، لسببين؛ الأول أن الأسماء النقدية نفسها تتكرر منذ عقود على قلتها، وهي التي تقوم النصوص وتحللها، وتغطي جزءا يسيرا من الإنتاج الذي أخذ يتنامى إلى حد الطفرة، وبالمقابل لا توجد أجيال جديدة من النقاد، تساهم في العملية النقدية الجديدة وتتناول شيئا من المنتجات الحالية.
والسبب الثاني أن الناقد السعودي يعتمد كليا في نقدياته على الأدب القديم وقضايا وترجمات قديمة من الخارج، ولا يلتفت إلى الحديث منه إلا بقدر يسير جدا، في ظل التدفق المذهل للمنتج سنويا، سواء كان شعرا أو روايات أو قصصا تملأ الساحة الآن، ولذلك لم يستطع النقاد مواكبة هذه الطفرة الأدبية في الساحة، فتخلف النقد كثيرا عن ملاحقة الإنتاج الأدبي.



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.