أحد مؤسسي «حركة مقاطعة إسرائيل»: ما بعد مجزرة غزة لا يمكن أن يكون كما كان قبلها

البرغوثي لـ «الشرق الأوسط»: نحشد لتأييد دولي.. والمرحلة المقبلة ستشهد نقلة نوعية

عمر البرغوثي
عمر البرغوثي
TT

أحد مؤسسي «حركة مقاطعة إسرائيل»: ما بعد مجزرة غزة لا يمكن أن يكون كما كان قبلها

عمر البرغوثي
عمر البرغوثي

شهد الشهران الماضيان اهتماما عالميا واسعا بالتطورات الفلسطينية بعد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، مما أعطى دفعة لـ«حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها» المعروفة بـ«BDS» بالإنجليزية. وبعد انتهاء حرب الـ50 يوما، يسعى الناشطون في الحركة، التي تأسست عام 2005، إلى العمل على حشد التأييد الدولي للمقاطعة. وشرح عمر البرغوثي، أحد مؤسسي الحركة بأن المرحلة المقبلة ستشهد «نقلة نوعية» في دعم المقاطعة السياسية والاقتصادية والأكاديمية لإسرائيل. وأوضح الناشط في حقوق الإنسان في حوار عبر الهاتف مع «الشرق الأوسط» كيف تعمل الحركة، وأهدافها.. وفي ما يلي أبرز ما جاء في الحوار:
* بعد وقف إطلاق النار، هناك مخاوف من تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية رغم استمرار الاحتلال..
- العدوان الأخير على قطاع غزة سيؤدي إلى ارتفاع نوعي في وتيرة حركة المقاطعة وفي شتى المجالات، وبدأنا نرى أدلة ملموسة، ونستدل على ذلك من حالتين في الماضي؛ حرب عام 2008 - 2009 على غزة، والعدوان على أسطول الحرية (مافي مرمرة) في مايو (أيار) 2010.
في الحالتين، كان التوقع أن يتبدد الاهتمام، وأن ينتقل الناس إلى قضية أخرى، ولكن بالعكس؛ إذ أسسنا حركة متينة مبنية على حقوق الإنسان برسائل قوية وواضحة ومفهومة غير فئوية. نتوقع أن تأخذ آليات المقاطعة في التجذر والتأصل، فمثلا مجلس الاتحاد الأوروبي قرر استثناء كل منتجات اللحوم والألبان والأسماك الإسرائيلية منذ 1 سبتمبر (أيلول) إذا كان أي جزء منها يأتي من المستعمرات في الأراضي المحتلة منذ عام 1967. وهناك الآن حظر لهذه المواد، هذا أمر غير مسبوق ومؤشر على ما سيأتي لاحقا.
* كيف تغيرت الظروف منذ انطلقت حملة «المقاطعة» قبل 9 أعوام، وما أبرز إنجازاتكم؟
-إسرائيل تشعر اليوم بالتهديد من حركة المقاطعة بوصفها ركيزة رئيسة من ركائز النضال الشعبي والمدني. ففي يونيو (حزيران) 2013، قررت الحكومة الإسرائيلية رسميا أن الحركة العالمية لمقاطعة إسرائيل باتت تشكل «تهديدا استراتيجيا» للنظام الإسرائيلي الذي يجمع بين الاحتلال والاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري. ونقلت مسؤولية محاربة حركة المقاطعة إلى وزارة الشؤون الاستراتيجية، بعد أن كانت وزارة الخارجية تتولى هذا الملف.
نحن نطالب بمقاطعة إسرائيل في شتى المجالات؛ الأكاديمية والثقافية والاقتصادية والعسكرية، حتى تنصاع للقانون الدولي وتلبي 3 شروط تشكل الحد الأدنى المطلوب: إنهاء احتلال جميع الأراضي العربية التي احتلت في 1967، بما في ذلك إزالة المستعمرات والجدار. وإنهاء نظام الفصل العنصري القائم في أراضي عام 1948 ضد جزء من شعبنا يحمل الجنسية الإسرائيلية. وعودة اللاجئين إلى ديارهم الأصلية التي شردوا منها.
* هناك استعدادات الآن لإعادة إعمار غزة، كيف يمكن ضمان وجود صوت لحملة المقاطعة في إعادة الإعمار؟
- موقف اللجنة الوطنية للمقاطعة من موضوع إعادة الإعمار هو أنه يجب ألا تستفيد الدولة التي دمرت غزة والشركات التي تربحت من تدميرها وتواطأت في العدوان، من مشاريع إعادة الإعمار، بل يجب أن تذهب العقود للشركات غير المتورطة في العدوان أو في انتهاك حقوق الإنسان الفلسطيني، ويجب اعتبار كل الأموال والمنح التي تجمع دينا على دولة إسرائيل بصفتها دولة احتلال، كي لا تعفى إسرائيل من مسؤوليتها القانونية والأخلاقية لإعادة الإعمار بعد أن دمرت البنية التحتية المدنية عمدا.
* كيف تغير التجاوب في دول غربية، خاصة الأوروبية، مع جهود المقاطعة؟
- لا توجد دراسات دقيقة لحجم خسائر الاقتصاد الإسرائيلي جراء المقاطعة حتى الآن، رغم تصريح وزير المالية الإسرائيلي، يائير لابيد، بأنه في حال استمرت المقاطعة في النمو وانخفض التصدير لأوروبا بنسبة 20 في المائة، فسوف تخسر إسرائيل أكثر من 10 آلاف وظيفة، وما قيمته 5.7 مليار دولار من العملات الأجنبية. وتُظهر بعض المؤشرات بداية تأثر التجارة مع أوروبا، مما يبرر التخوفات الإسرائيلي؛ فبيانات 2012 تظهر بأن هناك تراجعا في الصادرات إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 7 في المائة عن 2011 (باستثناء الماس). وهذه نسبة لا يستهان بها في البداية، فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار معادلة وزارة المالية الإسرائيلية، فإن هذا الانخفاض يكون قد أفقد الاقتصاد الإسرائيلي ما يعادل 3500 وظيفة.
وهناك نماذج عدة للمقاطعة، فعلى سبيل المثال أعلنت الحكومة النرويجية أن صندوق التقاعد الحكومي سيسحب استثماراته من الشركات الإسرائيلية المرتبطة بالبناء في المستعمرات، كما قرر الاتحاد الأوروبي منتصف 2013 إصدار توجيهات تمنع تمويل مشاريع إسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما فيها القدس الشرقية. تلا ذلك قرار من الحكومة الألمانية هذا العام باستثناء جميع الهيئات الإسرائيلية العاملة في الأرض المحتلة من جميع العقود المستقبلية في مجال التكنولوجيا والبحث العلمي. كما نصحت حكومات 17 دولة أوروبية شركاتها ومواطنيها بعدم التورط في مشاريع إسرائيلية في الأرض المحتلة.
* كيف انخرطتَ في هذه الحملة؟
- كنت من مؤسسي الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل في 2004، التي سبق أن لعبت دورا محوريا في تشكيل «حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها». رغم نشأتي بصفتي لاجئا فلسطينيا في الشتات ودراستي الهندسة الكهربائية بجامعة كولومبيا في نيويورك، فإنني بدأت نشاطي السياسي الحقيقي في حركة مناهضة نظام الأبارتهايد (الفصل العنصري) في جنوب أفريقيا التي كانت نشطة في جامعتي. وقتها بدأت أفهم كيف يسهم تحرر شعب كالشعب الجنوب أفريقي في تحرر بقية الشعوب الواقعة تحت نير الاستعمار، كالشعب الفلسطيني.
* هناك من يرى أن المقاطعة تحتاج إلى وقت طويل للتأثير على إسرائيل، والعالم الغربي، فهل لديكم الوقت الكافي لممارسة هذه الاستراتيجية؟
- من المؤشرات المتوفرة حتى الآن لانتشار الحركة، ومن ردود فعل إسرائيل، نستطيع أن نرى أننا نحقق اختراقات نوعية نعزز فيها من عزلة إسرائيل الدولية ونسبب تراجع شعبيتها بين شعوب العالم. فاستطلاعات الرأي العام العالمي السنوية التي تجريها هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» أظهرت في السنوات القليلة الماضية أن إسرائيل باتت تنافس كوريا الشمالية على موقع ثالث أو رابع أسوأ الدول تأثيرا في العالم.
* كيف تواجهون مهاجمة أطراف إسرائيلية أو مناصرة لإسرائيل لجهودكم، خاصة في الغرب؟
- إسرائيل تعاملت مع حركة المقاطعة تقريبا بالضبط كما يقول (الزعيم الهندي الراحل المهاتما) غاندي في مقولته الشهيرة: «في البدء يتجاهلونك، ثم يسخرون منك، ثم يحاربونك، ثم تنتصر». وصلنا إلى مرحلة «ثم يحاربونك»، ففي 9 فبراير (شباط) الماضي، نوقشت في اجتماع سري للحكومة الإسرائيلية، استراتيجية لمحاربة حركة المقاطعة بسبب نمو تأثيرها في الآونة الأخيرة. وسربت وسائل الإعلام بعض المقترحات التي قدمها الوزراء في هذا الاجتماع، أهمها رصد 100 مليون شيقل (نحو 30 مليون دولار) لشن حملات دعائية ضد حركة المقاطعة وناشطيها، بالإضافة إلى تصعيد العمل الاستخباري الذي تقوم به الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ضد الحركة.
أما بالنسبة لأحد أهم الأسلحة التي تستخدمها إسرائيل ومجموعات الضغط التابعة لها، فهو الادعاء بأن حركة مقاطعة إسرائيل معادية للسامية. وعلى الرغم من فعالية هذا الادعاء في الغرب، فإننا نجحنا لدرجة كبيرة في إبطال مفعوله الترهيبي في تكميم الأفواه. فهذا الادعاء، كما حاججنا، هو بحد ذاته معاد للسامية.. فهو يختزل يهود العالم إلى كتلة واحدة متجانسة، ويعتبر إسرائيل ممثلا وحيدا، بل رديفا لها، وهذا ينمّ عن عنصرية حقيقية ضد اليهود.
* ما الخطوات المقبلة لكم في دفع الحملة إلى الأمام؟
- ما بعد مجزرة غزة لا يمكن أن يكون كما كان قبلها.. لقد عاهدنا أهلنا في غزة أن نُدفِّع إسرائيل ثمنا لن تنساه لجرائمها من خلال عزلها الاقتصادي والأكاديمي والثقافي والعسكري المتصاعد. وسنبني على بعض الإنجازات المهمة التي حققناها خلال العدوان. على سبيل المثال، قررت قبل أيام الحكومة الإسبانية تجميد تصدير السلاح لإسرائيل، وقد كان الحظر العسكري على إسرائيل من أهم ما ناضلت وتناضل «حركة المقاطعة» لتحقيقه في كل دول العالم. كما قررت الحكومة البريطانية إعادة النظر في صادراتها العسكرية لإسرائيل، وصرّح نائب رئيس الوزراء البريطاني، نيك كليغ، بتأييده لوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل.
وفي المجال الثقافي، شهدنا للمرة الأولى في تاريخ الصراع، عددا كبيرا من ألمع نجوم الموسيقى ونجوم هوليوود، ومن ضمنهم بعض الحائزين على جوائز «أوسكار»، يتعاطفون مع الشعب الفلسطيني علانية، ويذهب بعضهم إلى درجة اتهام إسرائيل بارتكاب «إبادة» بحق الفلسطينيين في غزة، كما فعلت الممثلة الإسبانية الشهيرة بينيلوبي كروز ومعها 100 من أهم نجوم الفن في إسبانيا.



كيف يدعم التنسيق السعودي - المصري - التركي التهدئة في المنطقة؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره التركي رجب طيب إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي في العاصمة الإدارية الجديدة - 19 ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره التركي رجب طيب إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي في العاصمة الإدارية الجديدة - 19 ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

كيف يدعم التنسيق السعودي - المصري - التركي التهدئة في المنطقة؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره التركي رجب طيب إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي في العاصمة الإدارية الجديدة - 19 ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يلتقي نظيره التركي رجب طيب إردوغان على هامش قمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي في العاصمة الإدارية الجديدة - 19 ديسمبر 2024 (الرئاسة المصرية)

تطرح الزيارة المرتقبة للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، إلى السعودية ومصر الأسبوع المقبل، تساؤلات حول مدى تأثير التنسيق الثلاثي بين الرياض والقاهرة وأنقرة إيجاباً في تهدئة أزمات المنطقة، مع التعويل على أدوار فاعلة للدول الثلاث في مجابهة أخطار مختلفة تهدد سيادة دول واستقرارها.

وسيتوجه الرئيس التركي إلى السعودية ثم مصر، يومي الثالث والرابع من فبراير (شباط)، في جولة سيبحث خلالها الأوضاع الإقليمية وستركز، بحسب «وكالة الأنباء التركية»، على القضية الفلسطينية والتطورات في سوريا، إلى جانب «تعزيز العلاقات الاقتصادية بين أنقرة وكل من الرياض والقاهرة».

ومن المقرر أن تبدأ الزيارة بالمملكة العربية السعودية، حيث سيُعقد منتدى الأعمال السعودي التركي، يليه منتدى مماثل في مصر.

ووفقاً لمراقبين وخبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن الدول الثلاث لديها تأثير كبير في تسوية عدد من أزمات المنطقة وبخاصة الوضع في قطاع غزة، مشيرين إلى أن السعودية ومصر تتبنيان رؤية لنصرة القضايا العربية ومجابهة سيناريوهات التقسيم التي يواجهها عدد من دول المنطقة، وأن التنسيق مع تركيا يمكن أن يمهد للتهدئة.

وستعكس زيارة إردوغان إلى القاهرة تطور العلاقات المصرية - التركية في الفترة الأخيرة، حيث زار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنقرة في سبتمبر (أيلول) 2024 بدعوة من الرئيس التركي، رداً على زيارة إردوغان للقاهرة في 14 فبراير من العام نفسه.

وعَدَّ الرئيس المصري هذه الزيارة وقتها «تعكس الإرادة المشتركة لبدء مرحلة جديدة من الصداقة والتعاون بين مصر وتركيا، استناداً لدورهما المحوري في محيطيهما الإقليمي والدولي».

ويرى الباحث في العلاقات الدولية بتركيا، طه عودة، أن الثلاثي الإقليمي «السعودية ومصر وتركيا» «له تأثير كبير في تسوية عدد من أزمات المنطقة، وبخاصة الوضع في غزة»؛ مضيفاً أن بدء تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، مع الحديث عن إعادة تشكيل للتحالفات الإقليمية، أمران «يستدعيان التفاوض والتنسيق بين الدول الثلاث للعمل سوياً نحو التهدئة، وتحديداً في توقيت يتراجع فيه الحضور الغربي عن ملفات الشرق الأوسط».

وواصل عودة حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً: «التنسيق السعودي - المصري – التركي، ضروري لإيجاد حلول للملفات الشائكة في المنطقة»، مشيراً إلى أن الزيارة تأتي بعد الحديث عن تحالف دفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، وأن هذه التحركات «تدعم مسارات التهدئة، خصوصاً في جبهات الصراع الإقليمية».

إردوغان شارك في اتفاق شرم الشيخ للسلام في غزة شهر أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

وبحسب «وكالة الأنباء التركية»، ستشمل محادثات إردوغان «مناقشة آليات إعادة إعمار غزة وسوريا والمبادرات الإقليمية المتعلقة بتحقيق الاستقرار، ومن بينها (مجلس السلام العالمي)»، إلى جانب التطورات الخاصة بتشكيل مجموعة دفاعية مشتركة تضم تركيا والسعودية وباكستان.

وتأتي الزيارة في توقيت مهم رغم الترتيبات المسبقة لها، وفق تقدير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير رخا أحمد حسن، الذي قال إن جولة الرئيس التركي «تتزامن مع تطورات إقليمية في عدد من الجبهات تستدعي التنسيق مع 3 ركائز إقليمية، وهي مصر والسعودية وتركيا».

وأضاف حسن لـ«الشرق الأوسط» أن «إردوغان سيبحث مع قيادتي السعودية ومصر آليات التنسيق بشأن القضايا الإقليمية، لا سيما الوضع في غزة، واستحقاقات المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار، إلى جانب سبل وقف الحرب في السودان، ودعم الصومال وحماية سيادته، والتسوية السياسية في ليبيا، والحفاظ على وحدة واستقرار سوريا»، إضافة إلى «تعزيز العلاقات الثنائية، ولا سيما على الصعيد الاقتصادي».

ويقول المحلل السياسي السعودي خالد المجرشي إن السعودية ومصر «تمثلان جناحي الاستقرار في الشرق الأوسط، وتحملتا أعباء كثيرة بسبب أزمات عربية وإسلامية في الفترة الأخيرة»، مشيراً إلى أن هذه المرحلة تستدعي التنسيق والتعاون بين الدول الثلاث «بتشكيل حلف عربي إسلامي يمهد الطريق للتهدئة والتسوية لكل الأزمات الإقليمية».

وواصل المجرشي حديثه لـ«الشرق الأوسط» قائلاً إن الرياض والقاهرة «تتصديان لكثير من الأطماع الأجنبية في المنطقة، وخصوصاً سيناريوهات التقسيم التي يواجهها عدد من الدول العربية، مثل السودان والصومال واليمن»، مشيراً إلى أن الدولتين «تتبنيان رؤية لنصرة القضايا العربية، بداية من الوضع في غزة، إلى جانب دعم وحدة وسيادة دول المنطقة».


دعم سعودي لإعادة تأهيل مطار عدن

تدشين المرحلة الثالثة من إعادة تأهيل «مطار عدن الدولي» بدعم سعودي (إكس)
تدشين المرحلة الثالثة من إعادة تأهيل «مطار عدن الدولي» بدعم سعودي (إكس)
TT

دعم سعودي لإعادة تأهيل مطار عدن

تدشين المرحلة الثالثة من إعادة تأهيل «مطار عدن الدولي» بدعم سعودي (إكس)
تدشين المرحلة الثالثة من إعادة تأهيل «مطار عدن الدولي» بدعم سعودي (إكس)

دشّن «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، الخميس، المرحلة الثالثة من «مشروع إعادة تأهيل مطار عدن الدولي»، في خطوة تمثل تحولاً نوعياً في مسار تطوير البنية التحتية للنقل الجوي باليمن، وبما يعكس استمرار الدعم السعودي لجهود التعافي الاقتصادي والخدمي في المحافظات المحررة.

وجرت مراسم التدشين بحضور وزير الدولة محافظ محافظة عدن، عبد الرحمن شيخ اليافعي، وعدد من المسؤولين في الجهات المعنية، وسط تأكيدات رسمية على الأهمية الاستراتيجية للمشروع في تعزيز سلامة الملاحة الجوية وربط اليمن بمحيطه الإقليمي والدولي.

وتتضمن المرحلة الثالثة إعادة تأهيل وتطوير مدرج الطيران الرئيسي بمطار عدن، الذي يعاني من تدهور كبير في طبقات الرصف؛ مما جعله عرضة لمخاطر فنية قد تؤثر سلباً على سلامة العمليات الجوية.

كما تشمل المرحلة توريد أجهزة ملاحية متطورة وأنظمة اتصالات حديثة، لمعالجة النقص الحاد الذي يعاني منه المطار في هذا الجانب، وضمان توافقه مع الاشتراطات والمعايير الدولية المعتمدة في تشغيل المطارات المدنية.

ويهدف المشروع إلى رفع كفاءة المطار التشغيلية، وتحسين تنظيم الحركة الجوية، وتوفير بيئة أعلى أماناً للطائرات والمسافرين، إضافة إلى تعزيز قدرة المطار على استقبال الرحلات الإقليمية والدولية بشكل منتظم. كما يسعى إلى دعم النشاط الاقتصادي والتجاري والسياحي، وتسهيل حركة المسافرين والبضائع، وتحسين الوصول الإنساني والإغاثي إلى مدينة عدن والمحافظات المجاورة، بما يرسخ دور المطار بوصفه بوابة رئيسية لليمن على العالم.

دعم الطيران

وكان رئيس «الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد» في اليمن، صالح بن نهيد، ناقش في العاصمة السعودية الرياض، مع مساعد المشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» رئيس قطاع المشروعات والبرامج التنموية، حسن العطاس، سير تنفيذ المشروعات المعتمدة في مجال الطيران المدني، التي ينفذها «البرنامج» في عدد من المحافظات المحررة.

الدعم السعودي يشمل تقديم 12 مليون دولار لترميم مدرج «مطار عدن الدولي» وتزويده بأجهزة ملاحية (إكس)

وأشاد بن نهيد بالدور الحيوي الذي يضطلع به «البرنامج» في دعم وتمويل مشروعات تطويرية شملت مرافق ومؤسسات تابعة لـ«هيئة الطيران»، مؤكداً أن هذه المشروعات تمثل ركيزة أساسية لتحسين مستوى الخدمات وتعزيز السلامة الجوية.

وأشار رئيس «هيئة الطيران المدني» في اليمن إلى أن تكلفة إعادة ترميم مدرج «مطار عدن الدولي» وتجهيزه بأجهزة ملاحية متقدمة تتجاوز 12 مليون دولار؛ مما يسهم في رفع كفاءة المطار، وتحسين جاهزيته الفنية، وتعزيز ثقة شركات الطيران باستخدامه محطةً تشغيلية آمنة ومستقرة.

مساندة في كل القطاعات

ولا يقتصر الحراك التنموي في عدن على قطاع الطيران؛ إذ واصل محافظ عدن، عبد الرحمن شيخ، لقاءاته مع قيادات القطاعات الخدمية، حيث ناقش مع «مكتب التربية والتعليم» أوضاع العملية التعليمية والمعلمين.

وتناول الاجتماع قضايا محورية، من بينها ما بُحث مع الجانب السعودي بشأن إعادة تأهيل «المؤسسة العامة لمطابع الكتاب المدرسي» وإعادة تشغيلها، بما يضمن توفير الكتاب المدرسي وتحسين البيئة التعليمية.

محافظ عدن مجتمعاً مع قيادة «مكتب التربية والتعليم» في عدن (سبأ)

وأكد المحافظ أهمية إعطاء المعلمين أولوية في تلقي العلاج بـ«مستشفى الأمير محمد بن سلمان»، والعمل على مراجعة المناهج الدراسية وصياغتها بما يلائم متطلبات المرحلة الراهنة. كما أقرّت السلطة المحلية زيادة حافز المعلم بمبلغ 10 آلاف ريال يمني (الدولار يعادل نحو 1600 ريال)؛ لتعويض الاستقطاعات الضريبية وضمان تسلم الحافز كاملاً، إضافة إلى توجيه بسرعة صرف مرتبات المعلمين المتعاقدين.

وفي جانب آخر، شدد محافظ عدن على تكثيف الحملات الرقابية في الأسواق، موجهاً «مكتب الصناعة والتجارة» باتخاذ إجراءات صارمة ضد الاحتكار والتلاعب بالأسعار. وأكد أن استقرار السوق وتوفير السلع الأساسية أولوية قصوى، في إطار حماية المستهلك وضمان سلامة وجودة المنتجات.

وتعكس هذه التحركات المتزامنة نهجاً متكاملاً في إدارة التنمية المحلية، يجمع بين تطوير البنية التحتية الحيوية، ودعم القطاعات الخدمية والتعليمية، وتعزيز الرقابة على الأسواق، في مسعى لتثبيت الاستقرار وتحسين مستوى المعيشة.

ويأمل سكان عدن أن تسهم هذه المشروعات، وفي مقدمها إعادة تأهيل «مطار عدن الدولي»، في فتح آفاق أوسع للتنمية، وترسيخ دور المدينة مركزاً اقتصادياً وخدمياً محورياً في اليمن.


منحة الوقود السعودية تعيد إنعاش الكهرباء في 7 محافظات يمنية

وصول شحنات الوقود لمحطات الكهرباء بدعم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن (إكس)
وصول شحنات الوقود لمحطات الكهرباء بدعم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن (إكس)
TT

منحة الوقود السعودية تعيد إنعاش الكهرباء في 7 محافظات يمنية

وصول شحنات الوقود لمحطات الكهرباء بدعم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن (إكس)
وصول شحنات الوقود لمحطات الكهرباء بدعم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن (إكس)

شهد قطاع الكهرباء في اليمن خلال الأيام الأخيرة تحولاً لافتاً أعاد هذا الملف الحيوي إلى واجهة النقاش العام، بعد سنوات من التدهور والانهيار شبه الكامل. فقد أسهمت منحة المشتقات النفطية المقدمة من السعودية في إعادة تشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في سبع محافظات، ما انعكس مباشرة على تحسن ساعات التشغيل واستقرار الخدمة، خصوصاً في المدن الرئيسية التي عانت طوال العام الماضي من انقطاعات طويلة ومتواصلة، أنهكت السكان وشلَّت الأنشطة الاقتصادية والخدمية.

ولم يقتصر أثر هذا الدعم على الجانب الخدمي فحسب، بل امتد ليشمل الجوانب المالية والاقتصادية للدولة. إذ خففت المنحة من الضغط الكبير على احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي اليمني، وقلّصت العبء المتراكم على الموازنة العامة، في وقت تواجه فيه الحكومة تحديات حادة في توفير الموارد.

كما أسهم تحسن الكهرباء في تنشيط الحركة التجارية، وتحسين أداء المؤسسات الحكومية والخدمية، ووفّر متنفساً لملايين السكان في محافظات عدن ولحج وأبين وشبوة وحضرموت والمهرة وسقطرى، بعد فترات طويلة من العتمة شبه الكاملة.

تفريغ المشتقات النفطية لتشغيل محطات الكهرباء بإشراف البرنامج السعودي (إكس)

في هذا السياق، وجّه رئيس الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، شائع محسن الزنداني، وزارة الكهرباء والطاقة والجهات المختصة بتطبيق آليات رقابة وحوكمة صارمة، لضمان سلامة تسلم وتوزيع واستخدام الوقود المقدم ضمن المنحة السعودية، التي بلغت قيمتها 81.2 مليون دولار.

وشدد الزنداني على ضرورة التعامل بحزم مع أي مظاهر فساد أو تلاعب، مطالباً بتقارير يومية شفافة تتابع حركة الوقود منذ لحظة تسلمه وحتى تشغيله فعلياً في محطات التوليد.

محاصرة الاختلالات

تأتي هذه التوجيهات من رئيس الحكومة اليمنية في ظل سجل ثقيل من الاختلالات في قطاع الكهرباء، لا سيما المرتبط بعقود الطاقة المشتراة وتشغيل محطات متهالكة، إضافةً إلى تسرب كميات كبيرة من الوقود في فترات سابقة، نتيجة ضعف الرقابة وغياب الشفافية.

ويربط خبراء هذا الخلل بتعطل مصافي عدن، الأمر الذي فتح الباب أمام ازدهار تجارة المشتقات النفطية وخلق شبكات نفوذ اقتصادي واسعة، استفادت من الفوضى على حساب الخدمة العامة.

ويرى عمار محمد، وهو موظف في المؤسسة العامة للكهرباء، أن طبيعة الدعم السعودي المقدم تفرض اعتماد إجراءات تنظيمية دقيقة وآليات شفافة، خصوصاً فيما يتعلق بتشغيل المحطات وإدارة الوقود.

ويؤكد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن المرحلة الحالية يجب أن تترافق مع صيانة شاملة لمحطات التوليد وخطوط النقل، وإنشاء محطات جديدة، ويفضل أن تعتمد على الطاقة البديلة، لاستيعاب الاحتياجات المتزايدة للسكان، لافتاً إلى أن معظم المحطات الحالية لم تخضع للتطوير منذ عقود، وأضعفت الحرب قدراتها التشغيلية بشكل كبير.

دعم واسع واتفاقيات حاكمة

وبدأ البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، خلال الأيام الماضية، تزويد محطات الكهرباء بالمشتقات النفطية من مقر شركة «بترومسيلة»، بكمية إجمالية تبلغ 339 مليون لتر من الديزل والمازوت، وفق آلية حوكمة مشتركة مع الجهات اليمنية المعنية.

يأتي هذا التحرك في إطار اتفاقية وُقعت الأسبوع الماضي في العاصمة السعودية الرياض، بين وزارة الكهرباء اليمنية، وشركة النفط اليمنية (بترومسيلة)، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بهدف تمويل المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في عدد من المحافظات.

إشراف من تحالف دعم الشرعية على تحسين الخدمات في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (إعلام حكومي)

وتهدف الاتفاقية إلى دعم استقرار إمدادات الوقود لمحطات الكهرباء، وتغذية المرافق الحيوية والخدمية، مثل المستشفيات والمواني والمطارات والمؤسسات الحكومية، بتيار كهربائي مستمر، بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية للسكان. كما تسعى إلى تخفيف الضغط على الموارد المالية الحكومية، عبر تقليل فاتورة استيراد الوقود، والحد من استنزاف الاحتياطي من النقد الأجنبي.

وأكدت الرياض أن المنحة تأتي في إطار دعم الاستقرار المعيشي والاجتماعي في اليمن، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية، وتشغيل المنشآت الحيوية، وتحفيز التعافي الاقتصادي، في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد.

أثر مباشر

على الأرض، أعلنت المؤسسة العامة للكهرباء إعادة تشغيل عدد من المحطات المتوقفة بعد وصول دفعة وقود إسعافية سعودية، مما مكّن من رفع ساعات التشغيل إلى نحو 14 ساعة يومياً، للمرة الأولى منذ نحو خمس سنوات. كما اعتمدت المؤسسة جدولاً جديداً لتوزيع التيار على الأحياء، يتضمن ثلاث ساعات إضاءة مقابل ساعتي انقطاع فقط، مع وعود بزيادة ساعات الإضاءة وتقليل الانقطاعات تدريجياً خلال الفترة المقبلة.

ويعكس هذا التحسن أثراً مباشراً على حياة المواطنين. إذ عبّر علي حزام، وهو تاجر في العاصمة المؤقتة عدن، عن سعادته بتحسن التيار الكهربائي، معتبراً أن ذلك يعزز الثقة بالحكومة الشرعية وقدرتها على تحسين الظروف المعيشية. وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن انقطاع الكهرباء كان من أكثر الأزمات التي خنقت السكان، وأجبرتهم على إنفاق مبالغ طائلة على مصادر طاقة بديلة، مما أثقل كاهلهم في ظل تراجع الدخل.

دعم سعودي يرفع ساعات الكهرباء في اليمن ويحسّن الخدمات الأساسية للمواطنين (إكس)

بدورها، تتمنى هبة محمود، وهي ربة بيت وصاحبة مشروع منزلي لأدوات التجميل، أن يستمر تحسن الكهرباء، بعد أن تكبدت خلال السنوات الماضية تكاليف مرتفعة لشراء معدات طاقة شمسية ومولد كهربائي صغير. وتوضح أن اضطرارها لرفع أسعار منتجاتها بسبب تكلفة التشغيل أدى إلى تراجع الطلب، ودفعها إلى التفكير في وقف مشروعها، في ظل غلاء المعيشة وعدم كفاية دخل الأسرة.

وفي أرخبيل سقطرى، شهدت خدمة الكهرباء عودة تدريجية بعد وصول أولى كميات الوقود السعودي، مما رفع ساعات التشغيل إلى أكثر من 15 ساعة يومياً، بعد أن كانت لا تتجاوز خمس ساعات. وتسعى المؤسسة العامة للكهرباء في الأرخبيل إلى إعطاء الأولوية للمستشفيات والمرافق الحيوية، التي عانت طويلاً من أزمات حادة في الإمداد الكهربائي.

وبينما تمثل المنحة الحالية امتداداً لسلسلة منح سعودية سابقة، يعلّق اليمنيون آمالاً كبيرة على أن تشكل هذه الخطوة بداية لتغيير نوعي في ملف الكهرباء، يسهم، إلى جانب التطورات الأمنية والخدمية، في تحقيق قدر من الاستقرار المعيشي.

كما تعزز هذه الآمال المؤشرات السياسية والأمنية الأخيرة التي توحي بجدية أكبر في تطبيق الرقابة ومكافحة الفساد، بما يضمن استدامة التحسن وعدم تحوله إلى مكسب مؤقت سرعان ما يتلاشى.