البنوك السعودية تشرع في تجميد حسابات العمالة ذات الدخل غير المتناسب مع أجورها

للحد من التستر التجاري وغسل الأموال

تشير الدراسات إلى أن 60% من حجم الحوالات للخارج تجري عن طريق العمالة الآسيوية رغم ضعف رواتبها («الشرق الأوسط»)
تشير الدراسات إلى أن 60% من حجم الحوالات للخارج تجري عن طريق العمالة الآسيوية رغم ضعف رواتبها («الشرق الأوسط»)
TT

البنوك السعودية تشرع في تجميد حسابات العمالة ذات الدخل غير المتناسب مع أجورها

تشير الدراسات إلى أن 60% من حجم الحوالات للخارج تجري عن طريق العمالة الآسيوية رغم ضعف رواتبها («الشرق الأوسط»)
تشير الدراسات إلى أن 60% من حجم الحوالات للخارج تجري عن طريق العمالة الآسيوية رغم ضعف رواتبها («الشرق الأوسط»)

باشرت البنوك العاملة في السعودية تجميد حسابات العمالة الوافدة التي تفوق تعاملاتها المالية قيمة الأجور السائدة للمهن التي تمتهنها في البلاد.
وخاطبت مؤسسة النقد العربي السعودي «ساما» جميع البنوك العاملة في السعودية، سواء المحلية منها أو الأجنبية، بتنفيذ التعليمات الواردة إلى المؤسسة، وهي التعليمات التي تقضي بتجميد حسابات العمالة الوافدة التي لا يتناسب دخلها الفعلي مع دخل المهن التي تعمل فيها.
وتأتي هذه الخطوة من قبل مؤسسة النقد السعودي تنفيذا للتوجيهات الصادرة من مجلس الوزراء السعودي الذي ألزم المؤسسة برصد حركة الحسابات البنكية للعمالة الأجنبية، وإبلاغ وزارة التجارة عن الحسابات التي لا تتوافق حركة التدفق المالي فيها مع الدخل الذي يجنيه أصحاب هذه الحسابات من المهن التي يمتهنونها.
في هذا الخصوص، عد عصام خليفة، عضو جمعية الاقتصاد السعودية، ظاهرة التستر التجاري من الجرائم الاقتصادية، كونها أحد مكونات الاقتصاد الخفي التي تتنامى بالتزامن مع التوسع في النشاط الاقتصادي والتجاري والخدمي واتساع النطاق العمراني.
وبيّن خليفة لـ«الشرق الأوسط» أن من آثار التستر التجاري إلحاق أضرار واسعة بالقطاعين الخاص والعام، وبالشباب الذي يبحث عن فرص عمل هنا وهناك ولم يجدها، وتشويه البيانات والمعلومات، وارتفاع المستوى العام للأسعار، وارتفاع معدلات البطالة بين المواطنين، وكذلك تكدس الأسواق بالسلع والمنتجات المقلدة والرخيصة والرديئة، وارتفاع إيجارات الوحدات السكنية، خاصة القديمة والمهجورة.
وقال إنه «رغم صدور فتوى حرمت التستر بمختلف أشكاله، إضافة إلى العقوبات القوية، فإن هذه التجاوزات ما زالت مستمرة، وتفشت في القطاع التجاري والأعمال الخدمية، وظهرت مساوئها حاليا، وستظهر بدرجة أشد في السنوات المقبلة».
ولفت إلى أن الإحصائيات الرسمية قدرت قيمة تحويل العمالة الأجنبية سنويا من السعودية إلى الخارج، بأكثر من 110 مليارات ريال (29.3 مليار دولار)، متسائلا عن الأموال التي تخرج بطرق غير نظامية والتي تقدر غالبا بمليارات الريالات سنويا.
وبحسب عضو جمعية الاقتصاد السعودية، فقد تجاوز الحجم التقديري للتستر التجاري في السعودية نحو 236.5 مليار ريال (63 مليار دولار)، أي نحو 17 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، كما يجري سنويا ضبط أكثر من ألف حالة تستر تجاري، ومعظم هذه الحالات تكون في مجال البناء والمقاولات بنسبة 40 في المائة، تليها حالات السلع والمواد الاستهلاكية والغذائية بنسبة 35 في المائة، ثم أعمال المهن المختلفة. وتتوزع أكبر نسبة من العمالة المشتبه بها في ممارسة التستر التجاري بين العمالة الآسيوية المتمثلة في الجنسية البنغالية والهندية والباكستانية بنسبة 70 في المائة، ثم تليها العمالة العربية المتمثلة في الجنسيات اليمنية والمصرية والسورية.
وقال إن البلاد تكاد تغرق بالتستر، مشيرا إلى أن فئة من الوافدين امتصت أموال البلاد حتى العظم، حيث تسيطر على أكثر من 90 في المائة من تجارة التجزئة، مثل: المواد الغذائية والملابس والخردوات، والأعمال الخدمية، مثل: ورش الصيانة والمطاعم والحلاقة وغسل الملابس، وهذا ما يفسر حجم التحويلات المخيف من الأموال إلى الخارج.
وتشير الدراسات إلى أن 60 في المائة من حجم الحوالات للخارج تجري عن طريق العمالة الآسيوية رغم ضعف رواتبها، تليها الحوالات إلى الدول العربية والأفريقية التي تمثل 30 في المائة، بينما تقدر الحوالات إلى أوروبا 15 في المائة، وهنا يرى عصام خليفة أنه كلما ازدادت أعداد العمالة الوافدة، خاصة الآسيوية، ازداد حجم التحويلات للخارج، ما يضاعف من الآثار السلبية لاقتصاد الدولة.
وفسر طلب مؤسسة النقد تجميد حسابات العمالة الوافدة التي تفوق تعاملاتها المالية قيمة الأجور السائدة للمهن التي تمتهنها في البلاد؛ بأنه يستهدف الحد من حالات التستر.
وهنا شدد خليفة على أن هذه الخطوة لوحدها لا تكفي للحد من ظاهرة التستر التجاري، بل يجب على وزارة التجارة أن تكمل خطوات مؤسسة النقد وتعترف بالمشكلة وأنها مشكلة حقيقية وخطيرة ووطنية لها أضرارها وسلبياتها على الوطن والمجتمع، واتخاذ قرارات قوية أسوة بمؤسسة النقد ووزارة العمل للحد من التستر التجاري، إضافة إلى الابتعاد عن الأنظمة الروتينية والبيروقراطية التي أسهمت لحد كبير في انتشار هذه الظاهرة، وعدم حصر العقوبات على الجانب المادي فقط، بل التدرج في مراحلها بين الجانب المادي ووقف النشاط، مطالبا بالتدرج في مراحل العقوبة وصولا إلى حد السجن والتشهير وإنهاء النشاط الذي يمارسه المتستر.
من جهة أخرى، رأى فضل البوعينين، الخبير الاقتصادي، أن قضية التستر من القضايا المتشعبة التي تحتاج إلى جهود متضافرة من جهات رسمية مختلفة للقضاء عليها.
وقال «إن التستر يعني قبول الكفيل ممارسة الوافد التجارة بطريقة مخالفة للقانون، مقابل توفير كامل الدعم والمساندة لإنجاح عملية التستر، ومنها العمل وفتح الحساب باسم الكفيل، وإدارة المشروع والتدفقات المالية الداخلة والخارجة باسمه أيضا».
وذهب إلى أن ذلك يعني صعوبة اكتشاف العملية من خلال القطاع المصرفي بصفة مستقلة، بل هو في حاجة ماسة إلى جهود وزارتي الداخلية والتجارة.
وعن التستر البدائي أو ما يطلق عليه مصطلح «الكفالة»، رأى البوعينين أن قرار متابعة الأرصدة سيساعد على الحد منه، لكن لن ينهيه، على أساس أن العمالة تعتمد في إدارة شؤونها المالية على مصادر مستقلة عن المصارف، ومنها الأفراد الذين يقومون بتقديم الخدمات المصرفية من التحويل والإيداع والاستثمار أيضا، وهذه ظاهرة منتشرة في السوق السعودية.
وبيّن لـ«الشرق الأوسط» أن الاستثمار الأجنبي أصبح مرتبطا بالمشاريع النوعية ذات رؤوس الأموال الكبيرة، ومن ثم فهذه الإجراءات قد لا تؤثر سلبا أو إيجابا على الاستثمار الأجنبي النوعي، بقدر تأثيرها على المنشآت الصغيرة التي تسيطر عليها العمالة الوافدة بنظام التستر.
وتوقع أن يكون التأثير الأكبر في ضبط القنوات المصرفية من تمرير الأموال الناتجة عن أنشطة غير نظامية، ومنها التستر، وهذا أمر غاية في الأهمية، شريطة أن تكون المصارف فاعلة في هذا الجانب.
وعد الخبير الاقتصادي أن مراكز الحوالات السريعة هي الأكثر اختراقا من قبل العمالة الوافدة التي تحول مبالغ تفوق بكثير دخلها المعلن، ما يعني حصولها على موارد مالية من مصادر أخرى غير التي استقدمت عليها.
وقال «أعتقد أن العمالة الوافدة باتت على دراية كافية بالأنظمة، وأصبحت لديها خبرات واسعة في الالتفاف عليها، كما أنها تحظى ببعض الدعم مدفوع الأجر من ضعاف النفوس الذين يقومون بالتحويل بأسمائهم نيابة عن المخالفين، وهذا أمر غاية في الخطورة، ويعد من يقوم به مخالفا لأنظمة وقوانين غسل الأموال، وعلى الرغم من التوجهات الرسمية أعتقد أن القطاع المصرفي ما زال ضعيفا في الرقابة على أموال الوافدين وحوالاتهم، وهذا أمر يمكن تداركه بالرقابة الصارمة والمتابعة الدقيقة والبيانات الإحصائية الإلكترونية ذات العلاقة بالدخل والإنفاق المالي والحوالات بشكل عام».



صندوق النقد الدولي يتوقع تباطؤ نمو اقتصاد اليابان جراء الحرب

ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)
ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي يتوقع تباطؤ نمو اقتصاد اليابان جراء الحرب

ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)
ناقلة نفط ترسو في قاعدة شيراشيما الوطنية لتخزين النفط في كيتاكيوشو جنوب غربي اليابان (رويترز)

من المتوقع أن يتباطأ نمو الاقتصاد الياباني إلى 0.8 في المائة في عام 2026، تحت وطأة ضعف الطلب الخارجي، وتداعيات الصراع في الشرق الأوسط، وفقاً لما أعلنه صندوق النقد الدولي الذي أشاد بالمرونة الاقتصادية القوية لليابان في مواجهة الصدمات العالمية، لكنه أوصى بنك اليابان بمواصلة رفع أسعار الفائدة تدريجياً نحو مستوى محايد، لكبح التضخم الأساسي. وتأتي هذه التوقعات في وقت أبقى فيه بنك اليابان الباب مفتوحاً أمام مزيد من التشديد النقدي، مؤكداً أن تطبيع السياسة سيستمر إذا تحققت التوقعات الاقتصادية، والمالية، رغم المخاطر «الجديدة، والكبيرة» التي فرضتها الحرب على آفاق ثالث أكبر اقتصاد في العالم.

وذكر المجلس التنفيذي للصندوق، في ختام مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2026، أنه ينبغي على بنك اليابان «مواصلة تحريك سعر الفائدة نحو مستوى محايد»، لتحقيق مستهدف التضخم البالغ 2 في المائة، مؤكداً اتفاق أعضاء المجلس على أن البنك «يسحب سياسة التيسير النقدي بشكل مناسب».

وفي ظل حالة عدم اليقين الكبيرة بشأن الأوضاع الخارجية، شدد أعضاء المجلس على دعمهم لنهج «مرن، وشفاف، ويعتمد على البيانات»، مع التنبيه إلى ضرورة حماية القوة الشرائية للأسر التي بدأت تتآكل جراء التضخم السنوي، رغم الارتفاع التاريخي في الأجور الاسمية.

وكان المدير التنفيذي لبنك اليابان، كوجي ناكامورا أشار يوم الجمعة إلى أن أثر ارتفاع أسعار الوقود الناتج عن النزاع الإقليمي قد يكون أعمق من المرات السابقة؛ نظراً لاستعداد الشركات المتزايد لتمرير التكاليف إلى المستهلكين. وقد انعكست هذه التوترات الجيوسياسية مباشرة على قطاع الأعمال، حيث سجلت ثقة الشركات اليابانية في مارس (آذار) تدهوراً جماعياً شمل كافة القطاعات العشرة للمرة الأولى منذ عام 2023، متأثرة بقفزة تكاليف الشحن، والمدخلات اللوجيستية، وضعف الين بنسبة 2 في المائة منذ اندلاع الحرب، ما يضع طوكيو أمام اختبار صعب للموازنة بين التطبيع النقدي الذي يزكيه الصندوق، وحماية قطاع الخدمات الذي سجل أدنى نمو له في ثلاثة أشهر.

محافظ بنك اليابان كازو أويدا يحضر مؤتمراً صحافياً عقب اجتماع السياسة النقدية للبنك في طوكيو (رويترز)

إشادة بمرونة الاقتصاد

وفي تقييمهم للمرحلة المقبلة، أشاد المديرون التنفيذيون بالمرونة الاقتصادية القوية لليابان، لكنهم اتفقوا على أن الحرب في الشرق الأوسط تشكل مخاطر جديدة كبيرة على التوقعات، مؤكدين على ضرورة مواصلة إعادة بناء الاحتياطيات المالية، والمضي قدماً في تطبيع السياسة النقدية، ودفع إصلاحات سوق العمل لدعم مكاسب مستدامة في الأجور الحقيقية.

ورحب أعضاء مجلس الإدارة بجهود اليابان في ضبط أوضاعها المالية بعد الجائحة، مشددين على ضرورة اتباع موقف مالي أكثر حيادية على المدى القريب، وإجراء تعديلات مالية داعمة للنمو على المدى المتوسط، مدعومة بإطار مالي موثوق.

وبشأن خطة الحكومة اليابانية لخفض ضريبة الاستهلاك، شدد أعضاء المجلس على ضرورة أن «تستهدف أي إجراءات الأسر، والشركات الأكثر ضعفاً، وأن تكون مؤقتة، ومحايدة من حيث تأثيرها على الموازنة» لتجنب زيادة العجز المالي. كما دعا الصندوق إلى إصلاحات هيكلية تشمل إعادة تأهيل العمالة لمواجهة النزوح الوظيفي المرتبط بالذكاء الاصطناعي، لضمان استمرار نمو الأجور الحقيقية، وصمود الاقتصاد أمام صدمات العرض الخارجية العنيفة.

لوحة مؤشر الأسهم معروضة داخل مبنى بينما تمر حركة المرور عند تقاطع شارع في طوكيو (إ.ب.أ)

الدين العام

فيما يخص ملف الدين العام، حمل بيان صندوق النقد الدولي تحذيراً صريحاً من المسار المستقبلي رغم الأداء المالي الجيد مؤخراً. وأوضح الصندوق أنه رغم أن الأداء المالي الأخير لليابان قد تجاوز التوقعات، فإنه من المنتظر أن يتسع العجز في عام 2026.

وحذر المديرون التنفيذيون من أن استمرار الارتفاع في الإنفاق على الفوائد، وتصاعد تكاليف الرعاية الصحية والخدمات طويلة الأجل الموجهة للسكان الذين يعانون من الشيخوخة، سيؤديان في نهاية المطاف إلى زيادة نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي اعتباراً من عام 2035.

ولمواجهة هذا السيناريو، شدد الصندوق على النقاط التالية:

- الحذر المالي: ضرورة تبني خطة مالية حازمة تضمن وضع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي على مسار نزولي مستدام.

- إطار مالي موثوق: دعا الصندوق إلى إجراء تعديلات مالية داعمة للنمو على المدى المتوسط، مدعومة بإطار عمل يضمن الحفاظ على ثقة الأسواق في ظل ضغوط الإنفاق طويلة الأجل.

- كفاءة الإنفاق: أوصى المديرون بتحسين كفاءة الإنفاق الحكومي، وتعزيز تدابير تعبئة الإيرادات المستدامة لمواجهة «الفاتورة» المتزايدة لفوائد السندات، وتكاليف الرعاية الاجتماعية.


«رياح الشرق» تعصف بالتضخم الأميركي وسط توقعات لقفزة كبرى

شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)
شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)
TT

«رياح الشرق» تعصف بالتضخم الأميركي وسط توقعات لقفزة كبرى

شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)
شخص يتسوّق من متجر في بروكلين (أ.ف.ب)

يدخل الاقتصاد العالمي أسبوعاً حاسماً، حيث تجد الأسواق المالية نفسها محاصرة بين فكي كماشة: من جهة، بيانات التضخم الأميركي المرتقبة التي تعكس أثر صدمة الطاقة، ومن جهة أخرى، مرونة سوق العمل التي أظهرت انتعاشاً قوياً فاق التوقعات، مما يضع البنوك المركزية أمام معضلة تاريخية في تحديد مسار الفائدة.

قبل صدور بيانات التضخم المحورية، تلقى المستثمرون جرعة من التفاؤل الحذر مع صدور أرقام الوظائف لشهر مارس (آذار). فقد أضاف الاقتصاد الأميركي 178 ألف وظيفة، متجاوزاً التوقعات التي كانت تشير إلى 65 ألفاً فقط، وهو ارتداد قوي بعد شهر فبراير (شباط) الذي تضرر بفعل الإضرابات والعواصف الشتوية.

ومع انخفاض البطالة إلى 4.3 في المائة، تبدو الصورة وردية، غير أن التفاصيل تشير إلى تركز التوظيف في قطاعات محدودة مثل الرعاية الصحية والضيافة، بينما تعاني قطاعات أخرى من حالة جمود.

ويرى المحللون أن هذا الانتعاش قد يكون مؤقتاً، حيث يهدد استمرار الصراع في الشرق الأوسط بدفع أصحاب العمل نحو سياسات تقشفية نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود وضغوط الربحية.

وقال كبير استراتيجيي الاستثمار المشارك في شركة «مانوليف جون هانكوك»، ماثيو ميسكين: «سيكون من الصعب صرف انتباه السوق عن الشرق الأوسط وأسعار النفط والمخاطر الناشئة، فالمستثمرون يركزون على التطورات الجيوسياسية وأسعار الطاقة».

ساعة الحقيقة

تتجه الأنظار يوم الجمعة إلى صدور مؤشر أسعار المستهلكين، حيث تشير التوقعات إلى قفزة حادة في التضخم الرئيسي ليصل إلى 3.4 في المائة، وهو ارتفاع كبير مقارنة بنسبة 2.4 في المائة المسجلة في فبراير الماضي. هذا الفارق يعكس بشكل مباشر الأثر الأولي لارتفاع أسعار الوقود والطاقة العالمية منذ اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، مما ينهي فترة الاستقرار النسبي التي شهدتها الشهور السابقة.

عامل بناء يعمل في منزل جديد قيد الإنشاء في مدينة ألهامبرا بولاية كاليفورنيا (أ.ف.ب)

وقال بنك «بي إن بي باريبا» في مذكرة استباقية لتقرير مؤشر أسعار المستهلكين: «نتوقع أن تظهر تأثيرات أسعار النفط على الوقود بدءاً من مارس».

«العدوى» التي تخشاها الأسواق

لا يتوقف القلق عند أسعار الطاقة فحسب، بل يمتد إلى التضخم الأساسي (الذي يستثني الغذاء والطاقة). فبعد أن استقر هذا المؤشر عند 2.5 في المائة في فبراير، تتوقع الأسواق ارتفاعه إلى 2.7 في المائة في مارس. هذا الارتفاع المستمر يشير إلى أن ضغوط التكلفة بدأت تتسرب إلى السلع والخدمات الأخرى، وهو ما يعزز من مخاوف «جمود التضخم» بعيداً عن مستهدفات «الاحتياطي الفيدرالي» (2 في المائة)، ويقلل من احتمالات خفض أسعار الفائدة في وقت قريب.

قبل صدور بيانات التضخم، سيحلل المستثمرون يوم الأربعاء محاضر اجتماع «الاحتياطي الفيدرالي» الأخير لفهم كواليس القرار وتوجهات صانعي السياسة بشأن أسعار الفائدة. وتشير بيانات مجموعة بورصة لندن إلى أن أسواق المال الأميركية تتوقع حالياً ثبات أسعار الفائدة في الأشهر المقبلة، مع احتمال بنسبة 27 في المائة لخفضها بحلول نهاية عام 2026. وقال محللون إن قراءة مؤشر أسعار المستهلكين لشهر مارس «ستظهر التأثير الأولي لارتفاع أسعار الطاقة، حتى وإن كانت الولايات المتحدة بمنأى نسبياً عن هذا التأثير نظراً لكونها مُصدِّراً صافياً للنفط والغاز». ورجحوا أن يُولى اهتمام كبير للرقم الأساسي، الذي يستثني تكاليف الغذاء والطاقة المتقلبة، لفهم ما إذا كان التضخم ينتشر على نطاق أوسع في الاقتصاد.

كما ستصدر بيانات أخرى مهمة تشمل مسح (ISM) للخدمات يوم الاثنين، وطلبات الإعانة الأسبوعية يوم الخميس. وفي سوق السندات، ستختبر وزارة الخزانة الأميركية شهية المستثمرين عبر مزادات لبيع نوتات وسندات لآجال (3 و10 و30 عاماً)، وهي اختبارات حاسمة للعوائد في ظل حالة عدم اليقين.

عامل يملأ خزان سيارة في محطة وقود بشنغهاي (أ.ف.ب)

الصين وآسيا

خارج الولايات المتحدة، تعيش القوى الكبرى حالة استنفار مماثلة. إذ تترقب الأسواق يوم الجمعة أول تقرير كامل للتضخم في الصين منذ اندلاع الحرب. وتشير التوقعات إلى خروج مؤشر أسعار المنتجين من المنطقة السالبة ليصل إلى 0.5 في المائة بعد ثلاث سنوات من الانكماش، وهو ما يعكس انتقال ضغوط التكلفة العالمية.

وفي اليابان، يراقب البنك المركزي نمو الأجور والإنفاق المنزلي، بينما تستعد كوريا الجنوبية ونيوزيلندا والهند لاجتماعات بنوكها المركزية وسط توقعات بتثبيت الفائدة، مع تبني نبرة «حذرة» لمواجهة ضعف العملات المحلية أمام الدولار القوي.

الحي المالي في مدينة لندن (رويترز)

أوروبا وبريطانيا

تبدأ الأسواق الأوروبية أسبوعاً قصيراً بعد عطلة الفصح، مع التركيز على بيانات الإنتاج الصناعي في ألمانيا وإيطاليا. وفي بريطانيا، يبرز مسح «RICS» لأسعار المنازل يوم الخميس؛ حيث يخشى المستثمرون من أن يؤدي ارتفاع معدلات الرهن العقاري - مدفوعاً بتوقعات رفع الفائدة - إلى كبح الطلب في سوق الإسكان الذي بدأ يعاني بالفعل.

وتكتمل الصورة مع صدور بيانات التضخم في الفلبين وتايلاند والنرويج، وهي دول تتأثر بشكل مباشر بتقلبات إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط. وفي تايوان، رغم ضغوط التضخم، تظل صادرات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي هي صمام الأمان، مع توقعات بنمو صادراتها بنسبة قد تصل إلى 35.5 في المائة.


عوائد السندات الأميركية ترتفع مع مفاجأة الوظائف في مارس

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

عوائد السندات الأميركية ترتفع مع مفاجأة الوظائف في مارس

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية يوم الجمعة بعد أن أظهرت البيانات أن أكبر اقتصاد في العالم أضاف وظائف أكثر بكثير من المتوقع في مارس (آذار)، مما عزز التوقعات بأن «الاحتياطي الفيدرالي» سيُبقي أسعار الفائدة ثابتة لفترة أطول ولن يخفضها قريباً.

وارتفع عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 3.3 نقطة أساس بعد صدور بيانات الوظائف، ليصل إلى 4.347 في المائة. ومع ذلك، انخفضت عوائد السندات لأجل 10 سنوات خلال الأسبوع بنحو 9.4 نقطة أساس، متجهةً نحو تسجيل أكبر انخفاض أسبوعي لها منذ 23 فبراير (شباط)، وفق «رويترز».

كما صعد عائد السندات لأجل عامين، الذي يعكس توقعات أسعار الفائدة، بمقدار 5.2 نقطة أساس ليصل إلى 3.85 في المائة. وحتى الآن هذا الأسبوع، انخفضت عوائد السندات الأميركية لأجل عامين بمقدار 6 نقاط أساس، مسجلةً أكبر انخفاض أسبوعي منذ أواخر فبراير.

انتعاش سوق العمل وتراجع البطالة

أظهرت البيانات أن نمو الوظائف في الولايات المتحدة انتعش بأكثر من المتوقع الشهر الماضي، حيث أضيف 178 ألف وظيفة بعد انخفاض معدل التعديل نزولاً إلى 133 ألف وظيفة في فبراير، مدعوماً بانتهاء إضراب العاملين في مجال الرعاية الصحية وارتفاع درجات الحرارة. كما انخفض معدل البطالة بشكل طفيف إلى 4.3 في المائة، مقارنة مع 4.4 في المائة في الشهر السابق.

مع ذلك، قال المحللون إن التقرير لم يكن بالقوة التي بدا عليها.

وأوضح زاكاري غريفيث، رئيس قسم الائتمان ذي الدرجة الاستثمارية في شركة «كريديت سايتس» بمدينة شارلوت في ولاية كارولاينا الشمالية: «كان رد فعل سوق السندات أقل حدةً بعض الشيء. شهدنا مراجعات نزولية إضافية. بلغ مؤشر فبراير -133 ألف وظيفة، ما يشير بوضوح إلى وجود تقلبات كبيرة في هذه البيانات».

توقعات الأسواق المالية والسياسة النقدية

في آجال استحقاق أطول، ارتفعت عوائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بمقدار 2.4 نقطة أساس لتصل إلى 4.914 في المائة. إلا أن هذه العوائد انخفضت هذا الأسبوع بمقدار 7 نقاط أساس، مسجلةً أكبر انخفاض أسبوعي منذ 23 فبراير.

وأشارت تقديرات مجموعة بورصة لندن إلى أن العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأميركية يوم الجمعة توقعت انخفاضاً طفيفاً في أسعار الفائدة بمقدار نقطة أساس واحدة فقط هذا العام، بانخفاض عن 7 نقاط أساس في وقت متأخر من يوم الخميس و55 نقطة أساس قبل اندلاع الصراع في الشرق الأوسط.

وقال غريفيث: «إن عتبة أي تعديلات في السياسة النقدية من قِبَل (الاحتياطي الفيدرالي) مرتفعة للغاية في الوقت الراهن. ربما هم في وضع الترقب والانتظار، لا سيما بعد أن تجاوزت بيانات الوظائف المعلنة التوقعات بأكثر من 170 ألف وظيفة، وهو رقم يفوق بكثير ما كان يتحدث عنه (الاحتياطي الفيدرالي) في ما يتعلق بمستوى التعادل للبطالة».