مسجد وتكية {هالة سلطان} يوحد القبارصة

في قلب لارنكا التي لا تنام

واجهة مسجد {هالة سلطان»  -  شاهد قبر داخل المسجد  -  محراب المسجد
واجهة مسجد {هالة سلطان» - شاهد قبر داخل المسجد - محراب المسجد
TT

مسجد وتكية {هالة سلطان} يوحد القبارصة

واجهة مسجد {هالة سلطان»  -  شاهد قبر داخل المسجد  -  محراب المسجد
واجهة مسجد {هالة سلطان» - شاهد قبر داخل المسجد - محراب المسجد

مسجد لارناكا الكبير ويعرف أيضا بمسجد «أم حرام» أو مسجد التكية (Hala Sultan Tekkesi) بالقرب من مطار لارناكا بجزيرة قبرص، وهو مسجد تاريخي، وبعض الروايات تشير إلى أن «أم حرام» يعود إلى زوجة عبادة بن الصامت الصحابي، التي وقعت من فوق بغلة في هذا المكان إبان الفتح لإسلامي لجزيرة قبرص، ودفنت في البقعة التي بني عليها المسجد. واكتشف قبر الصحابية أم حرام عام 1760 من قبل رجل يُدعى الشيخ حسن. ويعد مسجد هالة سلطان (أم حرام)، الذي يقع على شاطئ البحيرة المالحة بمدينة لارناكا، أحد أهم المواقع الأثرية في جزيرة قبرص، فضلاً عن أنه يعد المزار الديني الأكثر أهمية للمسلمين في الجزيرة، ويتألف هذا المكان من مسجد وضريح ومئذنة، بالإضافة إلى أماكن للمعيشة لكل من الرجال والنساء. وقد بني بصورته الحالية في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، واكتسب مكانة خاصة قبرا وضريحا «لأم حرام». وتعد «هالة سلطان» (تعني بالتركية العثمانية «الخالة الجليلة»)، طبقًا لأحد المعتقدات والروايات، أو «أم حرام» (تعني بالعربية «الأم المُبجلة أو المُوقرة»). وتذكر رواية أخرى أنها كانت من إحدى النساء اللاتي هاجرن مع الرسول، في طريقه من مكة إلى المدينة، وتضيف هذه الرواية، أنه وفي عام 649 ميلادياً - وبعد أن غزا العرب جزيرة قبرص - أصيبت أم حرام بجروح قاتلة، وذلك بعد أن سقطت فجأة من على ظهر بغلها، حيث دُفنت في نفس المكان الذي توفيت فيه.
وجاء في أحد المصادر العربية في القرن التاسع أن أم حرام رافقت رجلاً من بني أُمية وهو معاوية والي الشام (كزوجة لأحد قادته يدعى عبادة بن الصامت أثناء حملته على قبرص عام 649 ميلادياً، إلا أنها لم تشر أو تتطرق إلى تلك الظروف التي أحاطت بموتها». وبنى الأتراك المسجد في القرن الثاني عشر الهجري ويقع على ساحل مسمى ساحل ماكنزي غير بعيد من مطار لارناكا.
وتعد مدينة لارناكا هي البوابة الرئيسة للوصول إلى جزيرة قبرص التي لا تنام في الصيف وتتصف بطقسها المعتدل على مدار العام، أو مطار إرغان في الجانب التركي. وعلى الرغم من مساحتها الصغيرة نسبيا، فهي من أهم الوجهات السياحية في منطقة البحر المتوسط، وهي تجمع بين الماضي والحاضر؛ إذ يكفي لعشاق التاريخ والآثار أن منظمة اليونيسكو وضعتها على قائمة المواقع التي تمثل تراثا للإنسانية جمعاء. وتتوفر لعشاق الشمس والبحر شواطئ لا نهاية لها، بمياه تنافس في زرقتها لون السماء، وهناك عوامل كثيرة للجذب السياحي في قبرص يمكن تلخيصها في كلمة واحدة: «التنوع» بما في ذلك توفر منتجعات صحية في كثير من الفنادق، والشعب القبرصي المضياف سواء التركي أو اليوناني يعتبر هو بذاته ثروة سياحية. فقد حافظ على أصالة تقاليده في الترحيب بالزوار على الرغم من أنه في الوقت ذاته واكب روح العصر وإيقاعه السريع.
وعلى شاطئ لارناكا القريب من مسجد هالة سلطان، تخيل نفسك مسترخيا على مصطبة من الرمال‏ الناعمة..‏ أمام أمواج المتوسط الهادئة، والقمر ينشر أشعته الفضية الخالصة ليخفف من عتمة السواد‏..‏ والنجوم تضوي‏..‏ وهي تقطر حليبها الصافي‏..‏ قطرة..‏ قطرة، وبعيدا عن صخب المدن وتلوثها وتهورها عشت أياما في هذه الحالة منتشيا بسكون الطبيعة..‏ متوحدا معها‏..‏ وفي قبرص التركية، ‏وفي مكان يسمى «آراب كوي» أو قرية العرب على امتداد شواطئ شاتالكا بالقرب من قبر عمر تورباشي أو الإمام عمر. وأينما تذهب في مدن قبرص التركية يقابلك الناس بالابتسامة، ويشعرونك وهم يتحدثون إليك بأنك جزء منهم، إنهم أناس طيبون في أرض طيبة. ومعظم القرى القبرصية مبنية على سلسلة جبال في مواجهة مياه المتوسط ‏ سواء الجانب التركي أو اليوناني، وهناك لا سرقة‏..‏ لا كذب‏..‏ لا أبواب مغلقة بالترابيس‏..‏ بل وجوه مبتسمة‏..‏ لسانها لم ينفلت‏..‏ وأعصابها لم تنكسر‏..‏ وسكونها النفسي لم ينفجر‏..‏ وتطلعاتها المادية المجنونة لم تجبرها على الفساد‏، أكلات متوسطية في كل مكان تبدأ بعشرات الأطباق الصغيرة من «المزة»، ثم أطباق المشاوي و«لحم عجون» والختام بـ«قهوة تركية سادة» أو «أورتا» متوسطة المذاق، أو «شكر لي» وتعني بسكر زيادة. ‏ لقد منحت هضاب قبرص الفرصة كاملة للتوفيق بين المتناقضات. هناك تجد في «آراب كوي» أو القرية العربية فيللات الإنجليز والأثرياء الهاربين من منغصات المدن، جاءوا إلى قبرص للتقاعد، بحثا عن حياة هادئة آمنة من دون تعقيدات».
وثمة خلافات وتباينات تاريخية ممتدة بين الشطرين الشمالي والجنوبي، وتحمل ذاكرة القبارصة الأتراك إرثا تاريخيا ثقيلا. وعلى الرغم من ذلك، لم أستمع من الشخصيات الرسمية في الشمال إلى أي حديث مرتبط بهذه الذاكرة، وكل ما عرفته عن هذا الأمر تكوّن لدي من قراءات خاصة. وقد لمست لدى الشخصيات القبرصية التركية حرصا واضحا على طي صفحة الماضي والتطلع إلى الأمام، حيث يحدوهم الأمل في إعادة توحيد الجزيرة على أساس فيدرالي، وبحيث تغدو قبرص جزءا موحدا من الاتحاد الأوروبي».
وتجدر الإشارة إلى أن نيقوسيا، وتسمى «لافكوشا» لدى القبارصة الأتراك، قد غدت مقسمة على جانبي الخط الأخضر الذي يفصل شطري الجزيرة. وقبرص جزيرة لا تنام في الصيف، وتمتلك مقومات سياحية كثيرة، تجتمع في وجهة واحدة.
ولا يزيد سكان قبرص التركية كثيرا على المائة وخمسين ألف نسمة، ولديها الكثير من الطلبة الذين يتلقون تعليمهم في جامعات أوروبا وأستراليا والولايات المتحدة، فضلا عن جامعات تركيا المختلفة. وقد علمت أثناء وجودي في الشطر القبرصي التركي من كبار المسؤولين عن التعليم أن كتب التاريخ المدرسية في المرحلتين الابتدائية والإعدادية قد تم تغييرها مؤخرا لتتواكب مع التوجه الجديد في هذا الشطر، والقاضي بالتركيز على القواسم المشتركة والنقاط المضيئة في التاريخ القبرصي، والابتعاد عن كل ما من شأنه خلق ذاكرة مريرة لدى الأجيال الصاعدة. وفهمت كذلك أن مناهج التاريخ الجديدة التي دخلت مرحلة التطبيق تبتعد عن أسلوب التلقين والحفظ، وتركز على التحليل والاستنتاج الذاتي. وقيل لي إن إعادة كتابة مناهج التاريخ ستبقى مستمرة حتى المراحل العليا. وللإنصاف، فإن هذه قضية تحسب للقبارصة الأتراك. في المقابل، فإن قبرص التركية لديها ست جامعات بعضها دولية، يحتوي بعض منها على عدد من الطلبة الوافدين من دول مختلفة، من ضمنهم بعض الطلبة العرب. ومن الواضح أن الدراسة هناك لا تكلف كثيرا، كما أن مستوى المعيشة يبقى ضمن المعقول.
وعودة إلى مسجد هالة سلطان، وبعد أحداث عام 1974 وانقسام قبرص إلى شطرين تركي في الشمال ويوناني قبرص في الجنوب، أغلق المسجد إلا أن الرئيس القبرصي مكاريوس الثالث، سمح بفتح المسجد بعد زيارة قام بها العقيد الليبي الراحل معمر القذافي، وطلب فيها رسميا من الرئيس بفتح ثلاثة مساجد. وقد تم ترميم مسجد هالة سلطان عام 2002 بدعم من الأمم المتحدة وبإشراف صالح لمعي مصطفى المدير العام لمركز إحياء تراث العمارة الإسلامية.
وبعد إعادة فتح المسجد بقي شبه مهجور بسبب قلة المسلمين في تلك الديار ولكن في الآونة الأخيرة، وصل المهاجرون العرب والمسلمون إلى لارناكا وأعادوا الشعائر الإسلامية إلى مسجد هالة سلطان.
وقد تعرض المسجد لعدة اعتداءات خلال التاريخ بسبب الصراع التركي اليوناني من قذف للحجارة وهجمات بقنابل مولوتوف مما أدى لأضرار مادية. وكان القبارصة الأتراك واليونانيون انتهوا، تحت إشراف الأمم المتحدة، من ترميم مسجد «تكية هالة سلطان» الأثري بجنوب قبرص الذي يضم ضريح الصحابية أم حرام «رضي الله عنها»، في بادرة قد تنعش الآمال بشأن إمكانية إعادة توحيد الجزيرة المقسمة منذ عام 1974.
ويأتي الانتهاء من أعمال الترميم في ختام أربع سنوات من العمل على هذا المشروع الذي تكلف ثلاثة ملايين دولار، وقام بتمويله برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
وعلى الرغم من أن المسجد يُعَد أكثر الأماكن قدسية في الجزيرة بالنسبة لمجتمع القبارصة الأتراك ذي الأغلبية المسلمة، فإن القدر شاء أن يكون موقعه في الجنوب اليوناني الأرثوذكسي من الجزيرة. وهناك موقع آخر يحظى بقداسة لدى الأتراك وهو عمر طرباشي أو قبر أحد الأولياء الصالحين واسمه عمر بالقرب من ساحل شاتلكا في الجانب التركي، ويطل على مياه المتوسط مباشرة. بالإضافة إلى كثير من المساجد العثمانية في الحي القديم من عاصمة الجزيرة نيقوسيا أو «لافكوشا» بالتركية، وتبدو على تلك المساجد الملامح الخاصة بالعمارة العثمانية والتي تجدها في مساجد إسطنبول والقاهرة القديمة بشارع المعز لدين الله الفاطمي أو حاليا شارع النحاسين.
من جهته قال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي: إن مباني هذا الأثر الإسلامي «مسجد هاله سلطان»، التي تضم مسجدًا وضريحًا ومنارة وبيت ضيافة للنساء وآخر للرجال، كانت قد تعرضت لأضرار بالغة بسبب «البيئة الساحلية الصعبة التي ترافقت مع عامل الزمن وغزو الحشرات وتسرب الماء داخلها». كما ساهم غياب الصيانة اللائقة إلى جانب محاولة لإحراق المسجد في زيادة الأضرار. ويقول الأثري القبرصي التركي تونجر باجيسكان: «إنه في العهد العثماني اعتادت السفن التي تحمل العلم العثماني على خفض هذا العلم إلى نصف ارتفاعه لدى اقترابها من لارناكا، تحية لتكية هالة سلطان بطلقات مدفعية». وترجع أهمية المسجد الواقع على ضفاف بحيرة مالحة جنوب قبرص بالقرب من مطار لارناكا الدولي، إلى أنه يضم ضريح الصحابية أم حرام - رضي الله عنها -.
ويرجع اكتشاف قبر الصحابية أم حرام - رضي الله عنها - إلى عام 1760، عندما عثر عليه رجل يُدعى الشيخ حسن، وأخذ يشيع في كل مكان أن لها قدرات خارقة على شفاء المرضى. وعندها بُني ضريح في المكان لأول مرة. وقد جرى بناء الموقع بصورته الحالية في عهد الحكم العثماني للجزيرة الذي انتهى عام 1816.
وكانت الصحابية أم حرام، قد توفيت خلال الفتوحات الإسلامية الأولى قرابة عام 647 ميلادية نتيجة سقوطها عن ظهر دابتها.
وقال مراقبون: إن ترميم المسجد قد ينعش الآمال في إمكانية إعادة توحيد هذه الجزيرة المقسمة منذ 1974، حيث يفصل بين المجموعتين القبرصية اليونانية والقبرصية التركية خط وقف إطلاق نار تشرف عليه الأمم المتحدة. وبمناسبة الانتهاء رسميًّا من عمليات الترميم، قال إندرو راسل مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي أشرف على أعمال ترميم المسجد: «إن المسجد ليس رمزًا للماضي فحسب، وإنما أيضا رمز للمستقبل عندما سيتمكن القبارصة اليونانيون والأتراك من الاتحاد». وأضاف أن: «الأمر يتعلق بنتائج راسخة تحققت بفعل نيات وعزائم إيجابية عندما أتيحت الفرصة لذلك». وقال: «إن هناك تاريخًا طويلاً من العمل المشترك بين الإدارة الأميركية ومنظمة الأمم المتحدة والقبارصة.. ونحن فخورون بهذا التعاون».
وقام بتمويل هذا المشروع الذي تكلف ثلاثة مليارات دولار الوكالة الأميركية للتنمية الدولية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي يشرف على الأنشطة الرامية إلى تحقيق المصالحة بين المجموعتين القبرصية اليونانية والقبرصية التركية اللتين يفصل بينهما خط وقف إطلاق نار تشرف عليه الأمم المتحدة. من جانبه قال إلياس كاراسيلوس المهندس القبرصي التركي الذي شارك في العمل على ترميم المسجد: «فلنجعل من هالة سلطان رمزًا دائمًا لقدرة المجتمعين الاثنين على بناء مستقبل أكثر إشراقًا».
ويشار إلى أن جزيرة قبرص مقسمة فعليًّا منذ عام 1974 حين غزتها تركيا عقب انقلاب للقبارصة اليونانيين بإيعاز من اليونان. ولا يعترف بدولة القبارصة الأتراك المعلنة منذ عام 1983 سوى تركيا وباكستان.
وانضمت حكومة القبارصة اليونانيين للاتحاد الأوروبي في مايو (أيار) 2004 باسم الجزيرة كلها، بينما ظل القبارصة الأتراك معزولين بالعقوبات الدولية.



«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
TT

«غرب سهيل»... عنوان السياحة الريفية المستدامة

إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)
إطلالة مميزة علة النيل من (فندق كاتو وايدي)

على الضفة الغربية لنهر النيل في أسوان تتخذ «غرب سهيل» موقعاً استثنائياً بين القرى المصرية؛ فهي تتخذ مكانها فوق سفح جبلي، مستمدة خصوصيتها من جمال الطبيعة، ومسجلة حضورها كنموذج حي للسياحة الريفية المستدامة.

لكن لا يقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد أصبحت القرية النوبية في أقصى جنوب مصر أيضاً وجهة عالمية تُروى قصتها في المحافل الدولية بعد اختيارها ضمن أفضل القرى السياحية لعام 2024 في برنامج منظمة الأمم المتحدة للسياحة.

وهو اختيار لم يأت صدفة، بل عبر مسار طويل من التحول، بدأ من جذور ضاربة في التاريخ الفرعوني، مروراً بتهجير أبناء النوبة، وصولاً إلى المشهد الحالي الذي جعل من القرية متحفاً طبيعياً مفتوحاً، يحيا فيه التراث، ويتنفس يومياً مع سكانها وزائريها.

هذه القرية التي يصفها أهلها بـ«بلدي الحبوب»؛ من فرط حبهم واعتزازهم بها، لا تعد مجرد محطة في جولة السائح داخل أسوان، إنما باتت تشكل الوجهة ذاتها، بما تملكه من طاقة بصرية، وبما تحتضنه من ذاكرة إنسانية وثقافية تمتد إلى العصور الفرعونية؛ حين كانت المنطقة مركزاً للتعبد والطقوس اليومية للملوك.

تجربة سياحية مختلفة (غرب سهيل الفيسبوك)

ويرتبط اسمها تاريخياً بجزيرة «سهيل» المجاورة، وهي الجزيرة التي اكتسبت قداسة كبيرة في الدولة القديمة لصلتها بالإله خنوم وزوجته الإلهة ساتت.

ولذلك حين تزورها حتماً ستشعر بقدسية المكان وأهميته الروحية، لا سيما حين تتأمل نقوش الملوك على الجرانيت الصلد، والتي تعد كتاباً مفتوحاً لفصول من التاريخ.

لكن على الرغم من كل هذا الزخم الحضاري والتاريخي، فإن للقرية وجهاً آخر معاصراً يجتذب شرائح أخرى من السياح؛ فبعد تعلية خزان أسوان في بدايات القرن العشرين، حين انتقلت أسر نوبية كثيرة إلى الضفة الغربية بحثاً عن أرض جديدة تستوعبهم، أعاد الأهالي بناء حياتهم، محافظين على ملامح العمارة النوبية القديمة بطراز «القبو»، وبألوان زاهية تتوزع على الجدران كأنها توقيع شخصي لكل بيت.

ويبدأ كل شيء عند الاقتراب من القرية عبر نهر النيل، وتستوقفك المراكب الشراعية التي تتمايل بخفة، قبل أن تكشف عن ضفة ملونة دافئة تحتضنك في حب، وهي عبارة عن بيوت بقباب دائرية وزخارف يدوية، وأطفال ببشرة داكنة يلوحون للقادمين بابتسامة لا تفارقهم.

بيت نوبي داخل القرية (صفحة غرب سهيل الفيسبوك)

من قرية بسيطة إلى وجهة عالمية

لذلك حين تتوجه إليها فلن تجد نفسك في قلب قرية جميلة فقط، إنما ستكتشف إنك تخوض تجربة سياحية متكاملة، ومختلفة فهنا ستجد البيوت تستقبلك بترحاب، وتقدم لك الأكلات النوبية، وتعكس العادات اليومية.

وإذا تجولت في شوارعها ستدرك حينئذ أنك داخل مساحة مفتوحة للتراث النوبي بكل تفاصيله: الألوان، الموسيقى، الحرف، اللغة، والضيافة.

فالسائح هنا اختار مقصداً حياً للسياحة البيئية؛ وربما يرتبط ذلك بمجموعة المبادرات التي أطلقها الأهالي في المكان والتي تحولت بمرور الوقت إلى مشروع جماعي، أو رمز للسياحة البيئية يُعرف بأسلوبه الخاص، حتى أصبحت اليوم واحدة من أكثر المحطات طلباً لدى الشركات السياحية العالمية.

ربما يكون السر وراء ذلك هو أنك تدخل مكاناً لا يشبه أي مكان آخر؛ فالضيافة في غرب سهيل ليست خدمة بقدر ما هي أسلوب حياة؛ فهنا البيوت مفتوحة كأنها جزء من الشارع، والوجبات النوبية تقدم كما لو أن الزائر فرد من العائلة.

سحر النوبة وجمالها في المكان (فندق إندو ماندو )

الصورة التي تبهر الزائر

من أبرز ما يلتقي به الزائر داخل تلك البيوت التي تحولت العديد منها إلى «بيوت ضيافة» أو مكان سياحي للإقامة، هو المشغولات اليدوية التي تحمل روح النوبة، وتتنوع بين السلال، الحُلي، المشربيات، الرسوم الهندسية، والحرف التي ما زالت النساء يمارسنها منذ أجيال تعيش مع الجذور والفلكلور المصري الجنوبي.

ويمكن للسائح أن يستمتع بأنشطة متعددة يعيشها في المكان؛ حيث يمكنه أن يبدأ يومه برحلة نيلية على المراكب الشراعية، يتبعها ركوب الجِمال على الشريط الرملي، قبل الانتقال إلى جلسات داخل البيوت النوبية لتناول الطعام المحلي المكون من أطباق تقليدية مثل الفطير النوبي، الطواجن، السمك، أو العصائر التقليدية مثل «الكركديه» والدوم.

بينما تتحول الجلسات المسائية إلى مشاهد لا تنسى، بين الموسيقى النوبية التي تؤديها الفرق الشعبية الجنوبية، والرقصات الدائرية على صوت الدفوف، وإذا نظرت إلى أعلى ستبهرك سماء مضاءة بنجوم الجنوب التي تبدو أكثر قرباً من أي مكان آخر.

من اللافت في «غرب سهيل» وجود شباب القرية في كل مكان، وتوليهم مهمة تقديم الخدمات للسياح بشكل احترافي؛ حيث تحولت السياحة إلى مصدر رزق مستدام بالنسبة لهم.

غرف بألوان مبهجة و نقوش فالكلورية (صفحة غرب سهيل الفيسبوك)

مكان الإقامة

أنصحك أن تترك حياة الرفاهية في الفنادق الكبرى في جنوب مصر، وتتوجه إلى بيوت الضيافة بغرب سهيل؛ التجربة هنا مختلفة وممتعة؛ فهي مجهزة على الطراز النوبي، بعضها بإطلالات رائعة مباشرة على النيل، وبعضها الآخر في شوارع جانبية لكنها تضم غرفاً رحبة وشرفات واسعة.

كما ستجد منشآت أكبر ذات طابع معماري مستوحى من الطين الملون والقباب، تقدم برامج إقامة كاملة، ومنها رحلات نيلية يومية، زيارات للمناطق الأثرية، جلسات موسيقية فلكلورية، ورش للتعرف على التراث النوبي.

وجهة قريبة من أهم المعالم

إلى جانب ما تقدمه القرية نفسها، تحيط بها مجموعة من أبرز مواقع أسوان التاريخية والطبيعية، وهو ما يعزز من قيمة زيارتها ويجعلها نقطة انطلاق مثالية لاكتشاف المدينة، ومن أبرز هذه الأماكن «معبد فيلة»، وهو واحد من أهم المعابد المصرية المكرسة لعبادة إيزيس، يحتضنه النيل على جزيرة ساحرة.

وبالقرب من القرية أيضاً، هناك «مقابر النبلاء» تلك المقابر الصخرية المحفورة في الجبل، والتي تكشف عن طبقات من التاريخ المصري القديم، ويقبع دير الأنبا سمعان على الجانب الغربي للنيل، وهو أيضاً دير أثري فريد.

ويمكن لمن يزور أسوان الاستمتاع «بجزيرة النباتات» إذا كان من عشاق المحميات الطبيعية؛ فهي تضم نباتات نادرة، يمكن الوصول إليها بالفلوكة، وتستطيع أيضاً الاستمتاع بزيارة «السد العالي»، فهو أحد أبرز إنجازات مصر الهندسية الحديثة، ومتحف النوبة لذي يعرض ذاكرة النوبة وهويتها.

إذا أردت اتباع نصائحي فإن الفلوكة هي الوسيلة الأفضل والأكثر متعة للوصول إلى القرية، ولا تنسى تخصيص يوم كامل للزيارة على الأقل؛ للاستمتاع بالرحلات النيلية، والتجول، وتناول الأطعمة النوبية.

وقم بشراء المنتجات اليدوية من البيوت؛ فهي ذات سعر أقل من المتاجر، كما أنك حين تفعل ذلك ستساهم مباشرة في دعم الأسر المحلية بالمكان.


بيوت لندن التاريخية... أرشيف حي يرتبط بشخصيات أثرت الفكر والفن والسياسة

منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
TT

بيوت لندن التاريخية... أرشيف حي يرتبط بشخصيات أثرت الفكر والفن والسياسة

منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)
منزل تاريخي يعود إلى عام 1878 (الشرق الأوسط)

تشتهر لندن بكونها إحدى أكثر العواصم العالمية ثراءً بالمؤسسات الثقافية والمتاحف؛ فمن المتاحف الوطنية الكبرى إلى المعارض الفنية الحديثة، تبدو المدينة وكأنها مكتبة مفتوحة للذاكرة الإنسانية. غير أن جانباً مميزاً من هذا الإرث الثقافي لا يظهر في القاعات الواسعة أو المباني الضخمة، بل في فضاءات أكثر حميمية وهدوءاً: بيوت المتاحف: هذه البيوت ليست مجرد مبانٍ تاريخية محفوظة، بل أماكن تعيد إحياء حياة أصحابها وتفاصيل يومهم العادي. ففيها تتقاطع العمارة بالتاريخ، والسيرة الشخصية بالتحولات الاجتماعية الكبرى. وعندما يدخل الزائر أحد هذه المنازل، فإنه لا يشاهد التاريخ فقط، بل يعيش داخله للحظات.

إن فكرة تحويل المنازل التاريخية إلى متاحف ليست جديدة، لكنها اكتسبت في لندن طابعاً خاصاً، حيث ترتبط هذه البيوت غالباً بشخصيات أثرت في الفكر أو الفن أو السياسة. ومن بين أبرز هذه الأمثلة متحف Sir John Soane’s Museum، وبيت Benjamin Franklin House، والتجربة الفنية المميزة في Dennis Severs’ House.

هذه البيوت الثلاثة، رغم اختلاف قصصها، تشترك في هدف واحد: تحويل التاريخ من مادة جامدة محفوظة في الكتب إلى تجربة إنسانية ملموسة.

منزل تاريخي يعود إلى عام 1630 (الشرق الأوسط)

عندما يصبح المنزل وثيقة تاريخية

تتميز بيوت المتاحف بأنها تحافظ على البنية الأصلية للمكان، وهو ما يمنح الزائر فرصة نادرة لفهم كيف كانت الحياة اليومية في فترات تاريخية مختلفة.

فبدلاً من عرض الأثاث أو الوثائق في قاعات معزولة، تبقى الأشياء في أماكنها الطبيعية: المكتب في غرفة الدراسة، والكتب على رفوف المكتبة، وأدوات الطعام على مائدة المطبخ.

هذا الترتيب يمنح الزائر إحساساً بأن الزمن توقف داخل تلك الجدران. وهو إحساس يصعب تحقيقه في المتاحف التقليدية التي تعتمد على العرض المنفصل للقطع الأثرية.

كما أن بيوت المتاحف تمثل أيضاً مصادر مهمة لدراسة التاريخ الاجتماعي؛ فهي تكشف تفاصيل الحياة اليومية التي غالباً ما تغيب عن السجلات الرسمية: طريقة ترتيب الغرف، وأنواع الأثاث المستخدمة، وحتى أسلوب الإضاءة والتدفئة. ومن خلال هذه التفاصيل الصغيرة يمكن فهم الكثير عن الثقافة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية في العصور الماضية.

غرفة نوم تعود إلى عام 1956 (الشرق الأوسط)

متحف السير جون سوان: عبقرية معمارية داخل منزل صغير

يعد متحف سير جون سوان واحداً من أكثر بيوت المتاحف إثارة للإعجاب في لندن. وكان هذا المنزل مقر إقامة المعماري البريطاني الشهير السير جون سوان الذي ترك بصمة واضحة في العمارة البريطانية في أواخر القرن الثامن عشر.

وكان سوان شخصية استثنائية تجمع بين المعمار والباحث وجامع التحف. فقد أمضى سنوات طويلة في السفر وجمع القطع الأثرية واللوحات الفنية والمخطوطات من مختلف أنحاء أوروبا.

ومع مرور الوقت، امتلأت غرف منزله بهذه المقتنيات إلى حد جعل المكان أشبه بمتحف خاص. لكن سوان لم يكن مجرد جامع للقطع الفنية، بل كان مهتماً أيضاً بكيفية عرضها.

لذلك صمم المنزل بطريقة مبتكرة تعتمد على اللعب بالضوء والمساحات. فقد استخدم فتحات سقفية ومرايا تعكس الضوء الطبيعي إلى داخل الغرف، مما يمنح المكان إشراقاً غير متوقع.

كما صمم جدراناً متحركة يمكن فتحها لتكشف عن لوحات إضافية، الأمر الذي يجعل الزائر يشعر وكأنه يكتشف المتحف تدريجياً.

ومن بين الكنوز التي يضمها المتحف أعمال للفنان البريطاني الشهير ويليام هوغارث (William Hogarth)، إضافة إلى مجموعة واسعة من الآثار المصرية والرومانية.

اليوم، لا يُنظر إلى هذا المكان على أنه متحف فني فحسب، بل أيضاً كدرس حي في العمارة. فالبيت نفسه يُعد عملاً فنياً يوضح كيف يمكن للمساحة المحدودة أن تتحول إلى فضاء ثقافي غني.

منزل تاريخي تحول إلى متحف (الشرق الأوسط)

بيت بنجامين فرانكلين: التاريخ الأميركي يمر عبر لندن

في شارع هادئ بالقرب من ساحة الطرف الأغر تجد منزل بنجامين فرانكلين الذي عاش في هذا البيت بين عامي 1757 و1774، وهي فترة حاسمة سبقت اندلاع (الثورة الأميركية).

وخلال تلك السنوات، كان يعمل ممثلاً لعدة مستعمرات أميركية لدى الحكومة البريطانية، وكان يسعى إلى تسوية الخلافات المتصاعدة بين المستعمرات وبريطانيا.

لكن جهوده الدبلوماسية لم تنجح في منع الأزمة التي انتهت بقيام الثورة الأميركية. ومع ذلك، لعبت تجربته في لندن دوراً مهماً في تشكيل أفكاره السياسية.

لم يكن فرانكلين سياسياً فقط، بل كان أيضاً عالماً بارزاً في مجال الكهرباء. واشتهر بتجاربه حول البرق التي قادته إلى تطوير فكرة مانعة الصواعق.

كما كان شخصية فكرية بارزة في حركة Age of Enlightenment التي دعت إلى استخدام العقل والعلم في فهم العالم.

اليوم، يقدم المنزل للزوار فرصة لفهم هذه المرحلة المهمة من حياة فرانكلين. فالغرف التي عاش فيها، والمكتب الذي كتب عليه رسائله، تعطي صورة واضحة عن الحياة الفكرية والسياسية في القرن الثامن عشر.

إن زيارة هذا البيت تذكرنا بأن الأفكار التي غيرت العالم قد تنشأ أحياناً في أماكن بسيطة، داخل منزل هادئ في مدينة بعيدة عن موطن صاحبها.

منزل دينيس سيفرز: المتحف بوصفه تجربة فنية

في شرق لندن يقع أحد أكثر بيوت المتاحف غرابة وإبداعاً منزل دينيس سيفرز: (Dennis Severs’ House) إنشاء هذا المكان الفنان سيفرز الذي عاش فيه لعقود قبل وفاته عام 1999.

لم يكن مؤرخاً تقليدياً، بل كان فناناً يسعى إلى خلق تجربة حسية كاملة. لذلك صمم المنزل بحيث يبدو كأنه منزل عائلة حقيقية عاشت فيه عبر قرون.

وكل غرفة تمثل فترة زمنية مختلفة، وتحكي جزءاً من قصة خيالية لعائلة من نسّاجي الحرير الذين استقروا في لندن في القرن الثامن عشر. وما يجعل التجربة فريدة هو أن الزائر لا يجد شروحات مكتوبة تقريباً. بدلاً من ذلك يعتمد المتحف على الإضاءة والروائح والأصوات لإعادة خلق أجواء الماضي.

فقد يرى الزائر شموعاً مضاءة، أو مائدة طعام لم تُرفع بعد، أو أدوات عمل تركها أصحابها للحظة. وهذه التفاصيل الصغيرة تجعل المكان يبدو وكأن سكانه سيعودون في أي لحظة. وهكذا يتحول المتحف إلى تجربة فنية تجمع بين التاريخ والمسرح والخيال.


«قصر ليدز»... «مهر الملكات» الرائع في ريف إنجلترا

قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)
قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)
TT

«قصر ليدز»... «مهر الملكات» الرائع في ريف إنجلترا

قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)
قصر ليدز في مقاطعة كنت بإنجلترا (قصر ليدز)

هل تخطط لزيارة الريف الإنجليزي في عطلة الصيف المقبل؟ إذا كنت ترغب فعلاً في ذلك، ولا تريد أن تبتعد كثيراً عن لندن، فـ«قصر ليدز» قد يكون ضالتك. «قصر الملكات»، كما يُطلق عليه، لا يبعد أكثر من ساعتين عن لندن، وهو يستحق بلا شك يوماً على الأقل يتم قضاؤه في استكشاف تاريخ القصر، وساكنيه، والاستمتاع بمحتوياته الملوكية، وحدائقه الرائعة، والبحيرات والأنهار المحيطة به. وفوق ذلك، لا بد من تجربة «المتاهة» الموجودة في أرجائه، التي «تحتجز» بحقّ من يدخلها وتتحداه أن يعرف طريقة الخروج من شبكة معابرها المعقدة... وكما أي شيء آخر يحصل في بريطانيا، سيكون اليوم أكثر متعة لو كان الطقس مشمساً.

إحدى تلال القصر

يقع «قصر ليدز» في مقاطعة كنت، شرق لندن، وليس كما يوحي الاسم في مدينة ليدز، شمال إنجلترا. القصر موغل في القدم، إذ يرِد ذكره للمرة الأولى في كتاب يوم الدينونة (Domesday Survey) عام 1086، الذي تم فيه إجراء مسح شامل لتسجيل سكان إنجلترا وممتلكاتهم، بأمر من الملك ويليام الفاتح، دوق النورماندي الذي غزا إنجلترا وتوّج ملكاً عليها إثر «معركة هيستينغز» عام 1066. في ذلك المسح، سُجّل القصر المقام على جزيرتين وسط نهر لين (River Len)، باسم أودو، مطران بايو، الأخ غير الشقيق لويليام الفاتح. لكن القصر انتُزع منه ومُنح لعائلة أخرى عقب وصول ملك جديد إلى سدة الحكم.

وعلى مدى سنوات طويلة، تم تطوير القصر وتوسيعه، وتعزيز دفاعاته، خصوصاً بعد تحويله إلى «قصر ملكي» بين القرنين الثالث عشر والخامس عشر. بين عامي 1278 و1290، سكنت القصر الملكة الإسبانية إيلانور القشتالية، زوجة الملك إدوارد الأول. ومن القصص الطريفة التي تُروى عن تلك الحقبة، أن حماماً بني في القصر خصيصاً للملك إدوارد، بعد وفاة زوجته إيلانور. السبب؟ أن الملك استمتع بتجربة الاستحمام خلال مشاركته في الحروب الصليبية في «الأراضي المقدسة»، فبني له حمّام في قصر ليدز لهذه الغاية خصيصاً.

الملكة كاثرين الأرغوانية ابنة إيزابيلا الأولى ملكة قشتالة وفرديناند الثاني ملك أراغون

ولتعزيز علاقته بفرنسا، تزوج إدوارد الأميرة الفرنسية مارغريت (أخت الملك فيليب الرابع المعروف بـ«الملك العادل»). قدّم إدوارد القصر لمارغريت كمهر زواج، وبدأت منذ ذلك الوقت مسيرة اعتبار القصر جزءاً من مهر الملكة، وبقى في ملكيتها بعد وفاة زوجها.

لم تسر تلك المسيرة بلا شوائب. فبعد وفاة والدته، لم يسارع الملك إدوارد الثاني إلى منح القصر لزوجته الملكة، بل أهداه إلى أحد النبلاء، يدعى بادلسمير. ارتكب هذا الأخير خطأ لا يُغتفر. فقد رفض أن يأذن للملكة إيزابيلا بزيارة القصر عندما طلبت إذناً بذلك. فما كان من الملك إدوارد سوى أن حاصر القصر وسيطر عليه... وقطع رأس بادلسمير.

توالى على القصر ملوك وملكات، وتوالت الزيجات وخلافات التوريث. قصص طويلة، مشوقة، وحزينة، لمن يهتم بتاريخ إنجلترا وملوكها. من بين القصص التي تستحق التوقف عنها قصة الملكة جوانا النافارية (شمال إسبانيا) التي عوملت في البداية معاملة حسنة من الملك هنري الخامس، ابن زوجها، لكن العلاقة بينهما ساءت لاحقاً. وفي عام 1419، اتهمها بأنها تستخدم السحر لقتله. صادر عائداتها المالية، وأمر بسجنها، ثم وضعها في إقامة جبرية. قبل وفاته، لان قلب الملك كما يبدو، فأعادها إلى القصر ومنحها حريتها. معاناة جوانا، يوماً بعد يوم، مروية في كتاب ضمن أرشيف القصر.

استمر القصر ملكياً على مدى قرون... إلى أن تم نقله إلى الملكية الخاصة في القرن السابع عشر مع نهاية حقبة أسرة تيودور. في عام 1665، استخدم القصر لإيواء أسرى الحرب مع هولندا، قبل تغيير ملكيته مجدداً إلى أسرة اللورد فيرفاكس، مع استمرار زيارات الأسرة الملكية الإنجليزية للقصر وقضاء وقت فيه.

الليدي بايلي مع ابنتيها

في القرن العشرين (عام 1925)، انتقلت ملكية القصر إلى السيدة أوليف بيجيت، الثرية الإنجليزية – الأميركية، التي كانت تفتش عن مكان ريفي تستريح فيه بمقاطعة كنت. أشرفت أوليف، التي صارت تُعرف بـ«الليدي بايلي» بعد زواجها للمرة الثالثة، على تحسينات واسعة في القصر، الذي تحوّل خلال الحرب العالمية الثانية إلى مركز إيواء تتم فيها معالجة الجنود الذين تم إجلاؤهم من دنكيرك خلال الزحف النازي في غرب أوروبا. بعد وفاة الليدي بايلي عام 1974، انتقلت ملكية القصر إلى «مؤسسة قصر ليدز» التي حوّلته إلى مركز سياحي يزوره أكثر من 600 ألف زائر سنوياً.

بعد هذه الجولة على تاريخ القصر، هذه قائمة بأبرز الأشياء التي يمكن للزائر أن يراها أو يقوم بها خلال زيارته «قصر ليدز».

غرف القصر

يمكن للزائر أن يحصل على دليل مسموع يشرح له قصص القصر وساكنيه غرفة غرفة. هذه مكتبة، وتلك غرفة طعام وإلى جانبها غرفة نوم تحوي سريراً فاخراً. ستتعرف على مشاهير قضوا أوقاتاً في القصر، مثل تشارلي شابلن وإيرول فلين وإيان فليمنيغ وونستون تشرشل. ستطلع أيضاً على رسومات لملكات وملوك إنجلترا السابقين ممن أقاموا في القصر.

الملكة كاثرين خلال حفل زفافها من الملك هنري الخامس

ولعل ما سيلفت انتباه الزوار مدى اختلاف مقياس «الجمال» فنياً بين الماضي والحاضر. فالملكة كاثرين تبدو حقاً وكأنها في مأتم خلال حفل زفافها من الملك هنري الخامس الذي يبدو أيضاً عابساً في اللوحة تماماً كالقسيس الذي يعقد قرانهما وكبقية الحاضرين لحفل الزفاف. في المقابل، تبدو «الليدي بايلي» مع ابنتيها في لوحة مشرقة أمام حديقة القصر. في الواقع، هناك ما لا يقل عن 500 عام بين معايير الجمال في لوحة كاثرين وهنري، وتلك التي تظهر فيها بايلي مع ابنتيها.

المتاهة

منظر من إحدى نوافذ القصر

لا بد لأي زائر أن يجرب «المتاهة» (Maze) في حديقة القصر. في الحقيقة، سيكون الزائر محظوظاً إذا وجد طريقه للخروج من هذه الشبكة المعقدة من المعابر التي يشبه بعضها بعضاً، فيجد من يدخل المتاهة نفسه محتجزاً في سجن يركض فيه من ممر إلى آخر ليعود إلى نفس النقطة التي انطلق منها، فيعاود الكرة مراراً ليجد نفسه مجدداً في المكان ذاته. في أي حال، لا بد أن يجد الزائر طريقة ما للخروج، ربما من خلال تتبع خطوات زوار آخرين نجحوا في الوصول إلى نقطة النهاية. إذا كنت تخشى أن «تضيع» ولا تعرف كيف تخرج من «المتاهة»، فالنصيحة ألا تدخلها... لكنها تبقى تجربة ممتعة بلا شك، سواء أكنت وحدك أم في تحدٍّ مع أفراد أسرتك حول من يعرف طريقة الخروج أولاً.

في أسفل «المتاهة» نفق تحت الأرض يحوي تماثيل لكائنات بحرية مصنوعة يدوياً، مع إنارة مميزة، لمن يرغب في مثل هذه التجربة.

الطيور

الطيور جزء أساسي من أي زيارة للقصر

في الساعة الثانية بعد الظهر، يمكن للزوار أن يحضروا عرضاً للطيور التي تعيش في أرجاء القصر والحدائق الشاسعة المحيطة به. ستتعرف على النسر «موزارت» والصقر «بروك» والبومة «كوكو» والبومة «نوريس» والصقر «سارابي». يتولى مختصون بالطيور تنظيم عرض لهذه الطيور التي تقوم بما يُطلب منها، أحياناً ترفض القيام بما هو متوقع منها، فتسبب حرجاً لمدربها وضحكات من المتفرجين على المأزق الذي يجد نفسه فيها بعدما تباهى بأنها تستمع لأوامره.

على أي حال، إذا استمع الطائر لما يُطلب منه، فستجده يتناول طعامه من خلال القيام بحركات لا يتوقع أن يقوم بها طائر من الطيور الكاسرة للوصول إلى المكان المخفي فيه الطعام. في الحقيقة، ستكتشف أن الطيور الكاسرة، مع تدريب كافٍ، يمكن أن تصير أليفة نوعاً ما. وهي، كما يؤكد المشرفون على العرض، حرة في البقاء في أرجاء القصر أو الرحيل. ليست أسيرة أقفاص. فهي تطير ثم تعود... لا شك أنها تعرف قيمة الإقامة في قصر!