مفاوضات غزة {في ظل الصواريخ} والوفد الفلسطيني يتهم إسرائيل بالتعنت

الحركة تترك الباب مفتوحا لهدنة جديدة

شرطي فلسطيني في مستشفى «الشفاء» في غزة أمس (أ.ب)
شرطي فلسطيني في مستشفى «الشفاء» في غزة أمس (أ.ب)
TT

مفاوضات غزة {في ظل الصواريخ} والوفد الفلسطيني يتهم إسرائيل بالتعنت

شرطي فلسطيني في مستشفى «الشفاء» في غزة أمس (أ.ب)
شرطي فلسطيني في مستشفى «الشفاء» في غزة أمس (أ.ب)

قالت مصادر في الوفد الفلسطيني المفاوض في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، إن المفاوضات لم تصل بعد إلى نقطة اللاعودة، وإن جميع الطلبات الفلسطينية ما زالت على طاولة البحث. وأكد المصدر أن إمكانية تمديد الهدنة لـ72 ساعة أخرى ما زال ممكنا وقائما. وكانت مصر طلبت تمديد وقف إطلاق النار مع انتهاء مهلة 72 ساعة، أمس صباحا، لكن الطرف الفلسطيني رفض ذلك، وهو ما أدى إلى اندلاع القتال مجددا، قبل أن تدعو مصر إلى ضبط النفس، وتطلب مجددا تمديد الهدنة.
وبحسب المصدر، فإنه يُفترض أن يكون قد عقد لقاء متأخرا، أمس، بين الوفد ورئيس المخابرات المصرية، من أجل بحث تمديد الهدنة ومواصلة المفاوضات.
وقال المصدر إن السلطة الفلسطينية موافقة وتريد تمديد وقف النار، لكنها واجهت تشددا من حركة حماس في البداية، بسبب ردود إسرائيل الأولية.
وكشف المصدر أنه، حتى الساعة 17:00 بتوقيت غرينتش، لم يكن هناك أي اختراق في المفاوضات بعد رفض إسرائيل أهم الطلبات الفلسطينية المتعلقة برفع الحصار، والميناء والمطار ومساحة الصيد البحري والشريط العازل.
وردا على سؤال حول قضية معبر رفح، أكد المصدر أن المعبر ظل خارج المفاوضات مع الإسرائيليين بطلب من مصر، وأن حماس وافقت على ذلك. وفي هذا الوقت، أكد سامي أبو زهري الناطق باسم حماس، أن «الاحتلال الإسرائيلي لم يرد بشكل واضح على الشروط الفلسطينية».
وأضاف أبو زهري خلال مؤتمر صحافي: «الورقة التي سلمت للوفد الفلسطيني تتجاوز كثيرا مطالب شعبنا، والتعنت الإسرائيلي هو الذي أدى إلى عدم تمديد الهدنة، وشعبنا جاهز لجميع الاحتمالات». وأوضح أبو زهري في مؤتمر صحافي، أن «الاحتلال يرفض إنشاء المطار والميناء وتوسيع دائرة الصيد».
وأضاف: «الورقة التي تسلمناها لم تتطرق إلى المطالب الأساسية المتعلقة بإطلاق أسرى صفقة الأحرار (صفقة شاليط)، وإنشاء الميناء والمطار وتوسيع مساحة الصيد البحري، كما أنها لم تحتوِ على أي إشارات واضحة لإنهاء الحصار».
وتابع أبو زهري: «بعض مما أشارت إليه الورقة يتعلق بمنح مزيد من التسهيلات على حاجزي بيت حانون وكرم أبو سالم، والسماح بالصيد البحري لمسافة ستة أميال فقط، وتقليص الشريط الزراعي العازل (الأمني) في محيط القطاع وإبقائه كما هو». وأردف أن «الاحتلال الإسرائيلي يماطل ويضلل وجميع الخيارات الآن مفتوحة أمام المقاومة، وأمام الوفد الفلسطيني المفاوض الموجود بالقاهرة منذ أيام».
وجاء حديث أبو زهري بعد قليل من تأكيد عزت الرشق القيادي في حركة حماس أن الوفد الفلسطيني في القاهرة لم يتسلم رد إسرائيل على أي مطلب من مطالب الشعب الفلسطيني.
وقال الرشق في تعليق نشره على «فيس بوك»: «حتى هذه اللحظة لم يتسلم الوفد الفلسطيني رد إسرائيل على أي مطلب من مطالب شعبنا». وأضاف: «إن الوفد الإسرائيلي يراوغ ويضيع الوقت، محملا إياه كامل المسؤولية عن عدم التوصل لاتفاق». وتبادلت حماس وإسرائيل الهجمات أمس، في ظل عدم الوصول إلى اتفاق ينهي الحرب على غزة.
ونشرت وسائل إعلام إسرائيلية أن إسرائيل سحبت وفدها من مصر لأنها رفضت مواصلة المفاوضات تحت النار، لكن مصادر إسرائيلية أوضحت لاحقا أن عودة الوفد إلى إسرائيل جاءت في إطار المشاورات مع القيادة الإسرائيلية.
وأضافت المصادر الإسرائيلية: «المفاوضات كانت صعبة، ولم يكن هناك تقدم».
وقال مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: «إسرائيل كانت قد أبلغت مصر باستعدادها لتمديد وقف إطلاق النار في قطاع غزة بـ72 ساعة قبل انتهاء مفعوله صباح اليوم (أمس)، وأن حركة حماس خرقت وقف إطلاق النار قبل انتهائه (...) إسرائيل ستعمل بجميع الوسائل لحماية مواطنيها، وفي الوقت نفسه ستسعى إلى تجنب المس بسكان غزة».
ولم يتضح بعد ما إذا كان الوفد الإسرائيلي سيعود للقاهرة أو لا، ويبدو أن هذا مرتبط بنتائج اللقاءات المصرية الفلسطينية.
ورفض وزراء إسرائيليون التفاوض تحت النار، ودعوا إلى ردع حماس.
وقال عضو المجلس السياسي الأمني وزير الاقتصاد نفتالي بينت: «لا يمكن أن تُقام محادثات تحت الوصاية. إطلاق النار على مواطنين إسرائيليين كوسيلة ضغط ليس مقبولا». وأضاف وزير الاقتصاد ورئيس «البيت اليهودي»: «على الحكومة والجهاز الأمني الرد بقوة على حماس، هذه لحظة اختبار للردع الإسرائيلي للسنوات المقبلة، يجب أن يكون الرد قاسيا».
وتابع: «أذكر الجمهور الإسرائيلي؛ لم تنتهِ حملة الجرف الصامد، لم تخضع حماس بعد، يجب على مواطني إسرائيل أن يكونوا أقوياء ومستعدين لمواصلة الطريق».
وكتبت وزيرة العدل والعضو في المجلس السياسي الأمني تسيبي ليفني، على «تويتر»: «قوات متطرفة، متشددة وإرهابية (حماس) تحتاج لمعالجة أمرها، ليس نفسيا، لأنه لا يمكن تبرير أي سبب للإرهاب ضد المدنيين».
ويعتقد مراقبون إسرائيليون أن حماس تحاول الضغط نفسيا على إسرائيل من خلال استئناف القتال، ولا تريد التورط في حرب جديدة.
وكتب المحلل العسكري لـ«يديعوت أحرنوت»، رون بن يشاي: «لا خيار أمام حماس من غير أن يأخذوا الموافقة على فتح المعبر، والوعد بميناء بحري، ومطار، إلا أن يجددوا إطلاق النار الآن، ويحاولوا التذاكي بمساعدة الجهاد».
وأضاف: «ستحاول حماس السير على حبل رفيع كي تكسر الأدوات، ولا تجر إسرائيل لحملة برية أخرى، لذا فإن إطلاق النار سيكون منها على المدى القصير لا بكثافة كبيرة. تدير حماس أيضا حربا نفسية. إنها تستغل خوف سكان غزة من الأنفاق، وتعرض ما بقي في يديها. من الأرجح الافتراض أن حماس، حتى وإن بقيت لها أنفاق هجومية، لن تستغلها، لعلمها أن عملا كهذا سيؤدي لدخول إسرائيلي بري مجددا». وتابع: «لا تريد حماس جر إسرائيل لاجتياح بري مجددا، ولا يريد الجهاد الإسلامي أيضا ذلك أنهم يريدون وقف إطلاق النار، لكن مع إنجازات. لا أكثر، ولكن لا أقل أيضا».



إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.