مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (3): كنت أميل عاطفيا إلى اليسار الفرنسي

{ديمقراطية} إيران وإسرائيل.. إقصائية > بداية عمل «النهضة» كانت بعيدة عن السياسة

الجبالي وأحد أقربائه عندما كان شابا يجلسان على حائط بالقرب من منزله
الجبالي وأحد أقربائه عندما كان شابا يجلسان على حائط بالقرب من منزله
TT

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (3): كنت أميل عاطفيا إلى اليسار الفرنسي

الجبالي وأحد أقربائه عندما كان شابا يجلسان على حائط بالقرب من منزله
الجبالي وأحد أقربائه عندما كان شابا يجلسان على حائط بالقرب من منزله

بعد جلساتي التوثيقية مع حمادي الجبالي، خطر على بالي، وفي عدة مناسبات، أنه لو لم يكن إسلاميا، أو سياسيا، فماذا يمكن أن يكون.
هو مهندس، مهتم بالقطاعات العلمية وبمجال الطاقة، ولم تخلُ جلسة من جلساتنا من إطلاعي على أحد برامجه التي يطلعني عليها بكل شغف وتطلع لإنجازها، والجملة الحاضرة دائما أن ضيق الوقت هو المانع، مشاريع مصغرة قد تبدأ من ضيعات أو مصانع بسيطة، لكن الطموح هو تطبيقها على مستوى كل البلاد، وحتى خارجها.
آيديولوجيا، وبعد أن حدثني عن شغفه في شبابه بالبحث، وجدت في كلامه ما توقعت، فقد تحدث عن ميله العاطفي إلى اليسار الفرنسي لدى إقامته في فرنسا، وبحثه في أي تجربة ثورية يمكن أن تتطابق مع محيطه الاجتماعي لبعث تنظيم، وكان في الوقت نفسه يبحث عن تنظيم يمكن أن يستوعب أفكاره وحماسه الشبابي، وفي هذه الحلقة، لم أجد أجوبة، بل تساؤلات بقيت مفتوحة، وهي: لو لم ينضم الجبالي إلى النهضة، لو لم يكن إسلاميا، فماذا يمكن أن يكون؟

* الانضمام إلى النهضة

* البداية مع التوجه الإسلامي كانت في باريس، بعدما اتصلت بنا المجموعة في تونس، وكانوا من الطلبة خريجي الجامعات، مثل صالح كركر، راشد الغنوشي، محمد صالح النيفر، ومجموعة من الطلبة الذين بدأوا الحركة الإسلامية، وفي ذلك الوقت كانوا في المرحلة الأولى من تنظيم أنفسهم، وكانت مرحلة التجميع والتنظيم والبحث عن هيكلية مناسبة للعمل.
ولم يكن التوجه هو البحث عن نخبة، لكن الأمور جاءت بطبيعتها، حيث لم يكن البحث عن العمال خاصة بالنسبة للموجودين في فرنسا.
وعملنا في البداية على مستوى النخبة والطلاب الذين نعرفهم، وهذه المجموعة كانت الرابط مع تونس، وهي التي ستسهم في بناء التنظيم، في ذلك الوقت كثفنا لقاءاتنا، وأصبحنا نلتقي تقريبا مرة في الأسبوع، في أوقات الصلاة، ونتقابل أيام الأحد، ولم تكن لدينا رؤية واضحة حول ما نريد.
عند بدأ فكرة التنظيم بدأت في 1974، مجموعة في باريس، وبعد ذلك الطلبة ينضمون إلينا، كانوا كلهم من التونسيين، في عدة مدن فرنسية، مثل رانس وليل، وفي بلدان أخرى فرنكوفونية مثل بلجيكا، وحتى في الشرق، بدأت هذه المجموعات تتزايد، وبدأ نوع من التنظيمات مواز للتنظيم في تونس يتكون.
ورغم أن علاقتنا مع الجماعة بدأت في تونس، لم أنقطع عن العمل في فرنسا، بل توسعت، ولم أقطع علاقتي بالمسلمين الفرنسيين، ولا بـ«الجامع الكبير» في باريس، ولا بجمعية حميد الله الذي كان يعمل على تعزيز الحوار مع الكنيسة أيضا، كان منفتحا جدا على الآخرين، وحدد مهمته في نقل الإسلام للمسيحيين، وحتى لرجال الكنيسة.
كانت كل الحوارات تدور باللغة الفرنسية، وكنت أحضر وأقدم محاضرات في عدة أماكن وحتى في «المسجد الكبير» في الدائرة الخامسة، ولكن كما سبق لي الذكر، المشكلة أنهم لم يقبلوا دمج الجانب السياسي بالدين على الإطلاق، وأثيرت هذه المسألة مع الأستاذ حميد الله، لكنه كان واعيا بأن ما يقدمه هو الإسلام الذي يريده المجتمع الفرنسي، وطريقة عمله ذكرتني بجماعة التبليغ، الذين أرادوا أن يقدموا الإسلام على أنه صلاة وعمامة، كانوا، كما يقول حميد الله، لا يريدون صدم الآخر، وهذا يدخل في فقه الدعوة، وحرصا على عدم تنفير الشبان الغربيين من الإسلام، خاصة بعد أحداث تفجيرات قطار الأنفاق في مدريد، وما أثير بعدها من قضايا، مثل الجهاد في أوروبا.
أنا أرى أن الأحزاب الإسلامية، خاصة العربية التي عملت في فرنسا، لم تقدم الإسلام بالشكل الذي ينتظره الآخرون، بل صدموا الآخرين ونفروهم، كما أن خلافاتنا، مثل قضية التركيز على الآذان، وعلى أن تكون المئذنة طويلة، وغيرها من الأمور الشكلية، هذا مثلا يزعجهم، حتى في مجال الهندسة المعمارية،.والمشكلة كانت فعلا الصدمة التي أصبنا بها المجتمع الغربي، بتقديم نموذج غريب عنه، ومحاولة فرضه عليه.

* ما تعلمته من تجربتي في فرنسا
* لقد استفدت كثيرا من تلك الفترة، وتعلمت فيها العديد من الأشياء، خاصة القضايا الخاصة بالحريات والممارسة والحياة السياسية والأحزاب، و الحياة السياسية الفرنسية، خاصة اليسار وميتيران وجوسبان، وفهمت اليمين وتوجهاته العنصرية، ووجدت في اليسار العدالة الاجتماعية والحريات ومناصرة الشعوب المستضعفة، فكنت أميل عاطفيا إلى اليسار، ليس للشيوعية، لكن اليسار الفرنسي.
كانت تجربتي في فرنسا عبارة عن مرحلة تدريبية، أو تحضيرية، خاصة عبر حضور اجتماعات والمشاركة في الحياة السياسية للأحزاب. وهذا ما أثر على طريقة تفكيري وعملي في ما بعد في حركة النهضة.
رأيت في فرنسا كل شيء منظما، ويبدأ عملهم بتكوين وتأهيل الكوادر، ولديهم ديمقراطية في أخذ القرار، وشبابهم يتمتع بالروح النضالية والحماس، ما ساعدهم في حملاتهم؛ سواء التأسيسية للأحزاب، أو الانتخابية، التي شاهدتها عن قرب، وعبر شاشة التلفزيون، لقد تأثرت جدا بطريقة عملهم، وفي الوقت نفسه، كنت أرى أن هذا ليس بغريب علينا، وأن الإسلام يتضمن هذا المفهوم للحريات،.هذه المرحلة التي كانت بين سبع وثماني سنوات أحدثت نقلة نوعية في حياتي، خاصة في مسألة المنهج في العمل السياسي وقضية القيم وحريات الصحافة، وكانت عندي قناعات بأن الإسلام جاء بالحريات، وقضية الانفتاح وحقوق المرأة.
وهنا قررت قطع عملي مع جماعات التبليغ، التي تعتمد أساليب التنفير من الدين الإسلامي، وتقتصر على كونه كلام طقوس وصورا خارجية تنحصر في العمامة وشكل المئذنة. ونفرت من عنف الخطاب الذي يقدمه المسلمون وقتها في الغرب، واقتنعت بأن الأوروبي سيسعى للبحث في البوذية وأديان أخرى، أو أساليب تمنحه الراحة الروحية، التي يريد، وليس في خطابنا العنيف وأصواتنا المرتفعة وخلافاتنا التي لا تنتهي.كانت قناعاتي بشمولية التصور الإسلامي، لكن ما رأيته في ذلك الوقت أن الإسلام كان يقطع إربا إربا، وبعيدا عن المجالات العلمية وعن الاقتصاد، ويمكنني القول إن أهم ما أخذته من الفكر الإسلامي هو شمولية الإسلام، وهنا يجب التنبه إلى الفارق بين شمولية التصور وشمولية التنزيل (يعني التبليغ)، وهنا أقصد أنه لم يكن من الضروري اتباع المنهج نفسه في التبليغ، بل اتباع المرونة التي تناسب المجتمعات.
ليس بالضرورة أن نقدم كل شيء في الوقت نفسه، فهناك سلم أولويات، وهذا السلم أيضا غير ثابت، بل تتغير الأولويات فيه حسب البيئة والمناخ الذي تعمل فيه، مثلا في فرنسا لا يمكن أن نبدأ بإقناع الفرنسيين وتلقينهم دروسا حول قضايا الحريات والديمقراطية وهم متشبعون بها. هنا يمكن أن يكون من الأنجع العمل معهم على الجانب الروحي، وعلى التوازن النفسي الذي يحققه الإسلام والعلاقة بالأسرة، مثلا يجب النظر إلى ما ينقصهم، والعمل على هذا المجال.
في تونس ،مثلا، الوضع كان مختلفا عنه في باكستان، وكان مختلفا جدا وقتها عن الفكر الإسلامي في مصر.
إذا أخذنا فكرة الانتخابات ببساطة، فستعود كلمة الفصل، إما لرئيس يتسلط، أو لشعب يختار النواب ويتسلط كذلك عبرهم، هنا تتداخل قضية الفكر السياسي وقضية الحريات، وهل الأحزاب التي لا تؤمن بالإسلام لها حرية التعبير أو ستتعرض للإقصاء ونقول عنهم: ملحدون ما يوصف ب»الديموقراطية» في ايران واسرائيل، لا تعطي الحرية لأحزاب تتناقض مع مبادئ المجتمع الإسرائيلي، والدليل ان الأحزاب االعربية في إسرائيل ليست لها الحرية. التعددية اذا يجب أن تكون ضمن المنظومة الفقهية.
رجعت إلى تونس متشبعا بالأفكار التي اكتسبتها من تجربتي في فرنسا، بعد أن أتممت دراستي وعدت وفتحت مكتب دراسات مختصا بمجال الطاقة، وبعد الاستقرار في تونس قمنا بإنجاز مشاريع كبيرة في مجموعة من الفنادق والمستشفيات، وانضممت في الوقت نفسه إلى الحركة الإسلامية في تونس، التي بدأت تتكون وقتها، وكان اسمها الجماعة الإسلامية، التي بدأت ملامحها تتضح منذ عام1971، وحتى قبل ذلك بقليل، وتطورت الأفكار لتتحول إلى اجتماعات كانت تعقد بين راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو ومحمد صالح النيفر، وصلاح الدين الجورشي، وصالح كركر، وصالح بن عبد الله. كان هؤلاء الأوائل المكونين لحركة الجماعة الإسلامية.
لم يهتموا بمسألة التسمية في البداية كثيرا، وعندما تواصلت معهم في البداية، رأيت أن الجانب السياسي لم يكن محور اهتمامهم، بل كانوا مهتمين أكثر بالجانب الدعوي، ولهذا اختاروا اسم «الجماعة»،
وكانت الدروس أساسا في المساجد ونشاطا في الجماعة، وحتى في الجامعة كان التركيز على ما يسمى بناء الفكر العقائدي.

* عمل «النهضة» في البداية

* في البداية كانت طريقة «الجماعة» تعتمد على الدعوة والإقبال من طرف شرائح مختلفة من الناس وليس الطلبة فقط، وبدأ عمل الغنوشي، و مورو، خاصة من على المنابر، بتقديم الدروس والحلقات، والملة القرآنية، خاصة التركيز على التفسير، لأن أفراد «الجماعة» وقتها كانوا يعتقدون أنه لا بد من تحقيق الصحوة الإسلامية التي ماتت، والتي بقيت فقط في مشايخ الزيتونة.
وعاد الشباب بقوة للصلاة وللإقبال على المساجد، لكن الكل كان يجب أن يصلي ويترك، والأئمة كانوا موجودين لكن خطبهم بعيدة كل البعد عن الواقع في المجتمع، والفهم العصري للدعوة الإسلامية.
ولأن أغلب الشباب لم يكن جامعيا، حرصنا على تقديم دروس نسميها بالحلقات الأسبوعية تلم الشباب، ولكن هناك جمهورا بدوا خائفين، أغلبهم كان من التلامذة وبعض الحرفيين.

البداية كانت بعيدة عن السياسة
كانت تونس في بداية عقد السبعينات تعيش كبتا سياسيا كبيرا، وكانت سياسة الحزب الواحد طاغية على المجتمع، وكان الحزب الشيوعي محظورا منذ بداية الستينات، وبالتالي ممارسة السياسة كانت ممنوعة.
الدستور كان يقول إن هناك حرية، لكن فعليا لم تكن موجودة، ورأينا كيف تصرف النظام مع اليسار، وما تعرض له اليساريون من سجن وتشريد ومحاكمات، لهذا توصلنا لقناعة أن العمل يجب ألا يبدأ سياسيا، بل عبر الدعوة التي تبدأ من الجانب الفردي ثم الأسرة ثم الحي الذي تسكن فيه، لكن هذا لم يمنع أنه دارت كثير من النقاشات والجدل داخل «الجماعة» حول كيفية بداية العمل.
فكانت منا مجموعة تدعو إلى تجنب توخي أسلوب التصادم مع الدولة، وتدعو الى تحاشي التعجل وتقول بضرورة تأطير الشباب ودعوتهم، من دون فتح جبهات، لأن هذه المجموعة كانت تريد تجنب قمع الدولة والسجن وغيره وقتها، وكانت غالبية المجموعة من الكهول والكبار نسبيا في السن.
وفي المقابل كان النفس الآخر طلابيا شبابيا تأثر بالبعد الآيديولوجي لـ«الجماعة»، والبعد الاجتماعي، لأن المسألة تخص قضية العدالة الاجتماعية والعمال والنقابات، وبدأت في ذلك الوقت قوى شبابية تتشكل، وانتقلت من الجامعة إلى الحياة العامة.

* محمد صالح النيفر

* محمد صالح النيفر من مؤسسي حركة الاتجاه الإسلامي عام 1981، ولد في المرسى عام 1902، ودرس بالمعاهد الزيتونية، وارتقى إلى جميع مستوياتها، إلى أن تحصل على شهادة التطويع. أدار النيفر الفرع الزيتوني للبنات، وساهم في بعث جمعية الشبان المسلمين، أواخر العشرينات من القرن الماضي، بزعامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
واهتم كذلك بالأطفال اللقطاء المهملين، وأحدث لفائدتهم دار الرضيع، وكان الشيخ النيفر مقصد عدد من الشخصيات الوطنية السياسية والنقابية، على غرار الزعيم النقابي فرحات حشاد، والزعيم الوطني الحبيب بورقيبة، وقدم عليه كثير من أعلام العالم، مثل الحاج أمين الحسيني مفتي القدس، وعبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائرية، وضباط مصر مثل أنور السادات وحسين الشافعي لدعوته للتوسط في الأزمة بين بورقيبة وعبد الناصر، في بداية استقلال تونس.
ولقد عاش الشيخ محمد الصالح النيفر ثلاث مراحل حياتية لم تخل جميعها من التضييقات السياسية، وأولها مرحلة الصراع مع بورقيبة باني دولة الاستقلال، التي انتهت بتضييق الخناق عليه، وهجرته الإجبارية إلى الجزائر، التي تزامنت مع استقلالها. وخلال وجوده في الجزائر، مارس الشيخ محمد صالح النيفر التدريس في جامعة قسنطينة وقدم دروسا في المساجد والإذاعة، وكذلك في جمعية الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي. لكن هذا الأمر أحرج الرئيس الجزائري هواري بومدين، فاختار الشيخ العودة إلى تونس. وتعد هذه المرحلة الثالثة من حياته، وهي التي توّجها بتأسيس حركة الاتجاه الإسلامي سنة 1981، لكنه، بسبب المرض، انسحب من النشاط السياسي، وواصل متابعة الأوضاع السياسية إلى أن وافته المنية في فبراير (شباط) 1993.

* صالح كركر

* يعد صالح كركر من القيادات الأولى لحركة النهضة الإسلامية في تونس، ولد يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1948، بقرية صغيرة في الساحل التونسي.
أسس عام1981 مع راشد الغنوشي حركة الاتجاه الإسلامي، التي أصبحت، منذ سنة 1989، تحمل اسم «حركة النهضة».
نفت سلطات النظام التونسي السابق كركر لمدة 18 سنة في فرنسا، وبقي فيها قيد الإقامة الجبرية، ولكنه تُرك حرا لكونه يحمل صفة «اللاجئ السياسي».
رفعت عنه السلطات الفرنسية قرار النفي والإقامة الجبرية في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، بعد شهرين من الثورة التونسية، وعاد الى تونس يوم 19 يونيو (حزيران) 2012 وشارك في المؤتمر التاسع لحركة النهضة. يحمل كركر درجة ثالثة من الدراسات المعمقة في الاقتصاد، وشهادة الدكتوراه في الإحصاء، وهو مؤلف عدة كتب علمية، من بينها كتاب «نظرية القيمة» و«النظام الاقتصادي في الإسلام».

* «الجماعة».. «الاتجاه الإسلامي» ثم «النهضة»

* قبل أن تبرز الجماعات المتشددة والتنظيمات المسلحة التي تنتسب إلى «الإسلام السياسي» في تونس، كان غالبية الإسلاميين التونسيين منذ مطلع السبعينات في القرن الماضي، ينتسبون مباشرة أو غير مباشرة إلى «الجماعة»، أو «الجماعة الإسلامية»، التي أسسها عشرات من الخطباء والوعاظ في الدين وخريجي جامع الزيتونة والجامعات التونسية العصرية عام 1972. وكان من بين أبرز «المؤسسين» بعض أساتذة الفلسفة والفكر الإسلامي والعلوم الشرعية، مثل راشد الغنوشي واحميدة النيفر وعبد الفتاح مورو وعبد القادر سلامة ومحمد الصالح النيفر.
لكن «الجماعة» ظلت تتأرجح في مرجعياتها الفكرية بين أدبيات علماء ومصلحين تونسيين ومغاربيين، مثل محمد الطاهر بن عاشور ونجله محمد الفاضل بن عاشور ومحمد الشاذلي النيفر ومحمد الحبيب المستاوي ومحمد بالحاج ومحمود الباجي، ورموز «الإسلام السياسي» في المشرق العربي، خاصة في مصر وسوريا ودول الخليج، مثل محمد الغزالي ومحمد قطب.
كما استفاد قادة «الجماعة الإسلامية» من انتشار كتب الإخوان المسلمين في تونس، بسبب خلافات الحبيب بورقيبة وجمال عبد الناصر، في النصف الثاني من الستينات، ومن معارضة بورقيبة لقرار إعدام زعماء الإخوان المسلمين، خاصة سيد قطب، الذي سمح بورقيبة خاصة بترويج كتابه «في ظلال القرآن».
لكن تأثير «الجماعة الإسلامية» بقي محدودا جدا، ومتمركزا حول الأنشطة الثقافية والدينية، إلى نهاية السبعينات، بسبب ثلاثة عوامل:
الأول: سماح بورقيبة بهامش كبير من حرية التعبير، مما سمح ببروز منظمات حقوقية واجتماعية مستقلة وصحف وأحزاب معارضة «ليبرالية» وأخرى «يسارية».. بما أدخل ديناميكية على البلاد ساهمت في دفع قيادات «الجماعة الإسلامية» نحو الشأن العام، ومحاولة المشاركة في الأحداث السياسية والنقابية الوطنية.
الثاني: ظهور تيار شبابي مسيَّس في الجامعة أطلق على نفسه «الاتجاه الإسلامي» نجح بسرعة في استقطاب غالبية عموم الطلبة حول خطاب «أكثر انفتاحا» انتقد «القراءات التقليدية» للإسلام، وبينها مدرسة الإخوان المسلمين.
وانتعش هذا التيار أكثر، أواخر السبعينات، بعد تزايد نفوذ «أقصى اليسار الماركسي الثوري» في الجامعة، ونجاح «الثورة الإسلامية ضد الاحتلال السوفياتي في أفغانستان»، و«الثورة الشعبية في إيران».
الثالث: بروز مراجعات فكرية وسياسية داخل قيادات «الجماعة»، أواخر السبعينات، ومطلع الثمانينات.. وتعالي أصوات في القيادة المركزية (بينها احميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي)، وخارجها تمسكت بخيار «التجديد والإصلاح والتميز عن مدرسة الإخوان المسلمين».
الرابع: الكشف في ديسمبر (كانون الأول) 1980 عن القيادة السرية لتنظيم «الجماعة الإسلامية» التي تأسست عام 1972 بزعامة راشد الغنوشي وعن كل المشاركين في هياكل الجماعة مركزيا وجهويا.. وقد دعم ذلك المستجد أنصار تقنين وضعية الحركة وتطويرها من «جماعة» إلى حزب سياسي قانوني ومدني، على غرار الأحزاب الليبرالية واليسارية، التي أعلنت عن نفسها رسميا.
لكن الإعلان الرسمي عن تأسيس حزب حركة الاتجاه الإسلامي في 6 يونيو (حزيران) 1981 لم يوقف مسار المحاكمات السياسية لقيادات الحركة وأنصارها، بدءا من محاكمة «القيادة التاريخية» في سبتمبر (أيلول)، وأكتوبر (تشرين الأول) 1981، بأحكام بلغت الـ11 عاما سجنا.
وأفرج بورقيبة في أغسطس (آب) 1984 عن تلك القيادة، لكنه عاد إلى تنظيم محاكمات شاملة ضدهم في 1987، بينها أحكام بالإعدام والمؤبد.
شاركت الحركة في انتخابات 1989 ضمن قوائم مستقلة بعد أن غيرت اسمها الى حركة النهضة.
لكن مواجهات جديدة اندلعت بين بن علي وقيادات «النهضة» مطلع التسعينات، كانت حصيلة حملة شاملة لاستئصالهم، وأحكاما بالإعدام والسجن شملت نحو عشرة آلاف من عناصر الحركة.
وبعد ثورة يناير 2011 عادت قيادات النهضة من منافيها إلى تونس، وأعادت مع قيادات الداخل تأسيس حزب قانوني في مارس (آذار) 2011 شارك في انتخابات أكتوبر 2011، التي دخلت بعدها الحركة إلى البرلمان الانتقالي والحكومة بالاشتراك مع اثنين من الأحزاب العلمانية.
لكن الأوضاع الإقتصادية والاجتماعية الصعبة، والأستقطاب السياسي وبروز العنف المسلح أدت الى استقالة الحكومة الأولى برئاسة حمادي الجبالي.

الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (2): لولا نكسة 1967 ربما كنت ثائرا غير إسلامي



«تحفظات مصرية» على سفير سوريا الجديد تعرقل ترتيب البعثة الدبلوماسية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)
TT

«تحفظات مصرية» على سفير سوريا الجديد تعرقل ترتيب البعثة الدبلوماسية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره السوري في القاهرة مطلع مايو الماضي (الخارجية المصرية)

تعرقل «تحفظات مصرية» استقبال القاهرة عدداً من أعضاء البعثة الدبلوماسية السورية، حسب مصدر مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط» عن «اعتراضات على بعض أفراد البعثة»، تشمل امتناع وزارة الخارجية المصرية عن قبول ترشيح سوريا سفيرها الجديد في القاهرة.

وأوضح المصدر القريب من ملف العلاقات بين البلدين، أنه «بعد الاستقرار السياسي النسبي في سوريا منتصف العام الماضي، بدأت الحكومة السورية التفكير في مسألة التمثيل الدبلوماسي لدى الدول المهمة، ومن بينها مصر، وبالفعل أرسلت خطاباً إلى مصر بترشيح محمد طه الأحمد سفيراً لها في القاهرة».

ووفق المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، فإن «الأحمد هو من اقترح على وزير الخارجية السوري تسميته سفيراً لدى مصر، باعتبار أنه درس في جامعة القاهرة». وأضاف: «الحكومة المصرية حتى الآن لم تبلغ نظيرتها السورية بعدم الموافقة صراحة، لكنها أرسلت رسائل غير رسمية بأنها لا تقبل به لأنه شخص غير مناسب بسبب خلفياته السياسية. لكن الحكومة السورية أصرت عليه، وهو ما عطل كثيراً من الأمور المتعلقة بوضع البعثة الدبلوماسية السورية في مصر».

وخلال الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لمصر مطلع مايو (أيار) الماضي، رافق الأحمد الوزير، وكانت مسندة إليه الملفات التي ستناقشها الزيارة، «كأنه أمر واقع وأصبح سفيراً في القاهرة، مما عقّد الأمور أكثر»، حسب المصدر.

أسعد الشيباني خلال زيارته الأولى لمصر وعلى يساره محمد طه الأحمد (الخارجية السورية)

وأشار المصدر إلى أن «تسمية أعضاء البعثة الدبلوماسية والقائمين بالأعمال لا تستوجب موافقة الدولة المضيفة، بخلاف الحال بالنسبة إلى السفراء، لكن مصر أيضاً لم تصدر تأشيرات لمعظم أعضاء الوفد الدبلوماسي السوري حتى الآن، من دون إبداء أسباب».

وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على تعليق من وزارة الخارجية المصرية، وكذلك نظيرتها السورية، لكن لم يتسن ذلك.

ويتولى محمد طه الأحمد حالياً منصب مدير إدارة الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين السورية. وهو حاصل على بكالوريوس الهندسة الزراعية من جامعة حلب عام 2007، ودرجة الماجستير في التقييم المالي والاقتصادي للمشروعات الزراعية من جامعة القاهرة عام 2012، والدكتوراه في التنمية الزراعية من جامعة إدلب عام 2020. وشغل مناصب وزارية عدة في حكومة الإنقاذ، قبل أن يوكل إليه في مايو 2025 منصبه الحالي بوزارة الخارجية، وفي الشهر التالي تولى رئاسة لجنة انتخابات مجلس الشعب.

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة، بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً نحو تعاون اقتصادي.

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع، على هامش «القمة التشاورية العربية الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيسين لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

ويرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في القاهرة، طارق فهمي، أن «مسألة اعتماد السفراء والبعثات الدبلوماسية ترتبط بقرار سيادي للدولة المستضيفة، وبالتالي حينما يتم ترشيح اسم لمصر، فهناك عمليات تدقيق ومراجعة تسبق الاعتماد».

زيارة الشيباني لمصر شملت مباحثات موسَّعة مع نظيره المصري حول تعزيز العلاقات (الخارجية السورية)

وأوضح فهمي لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمور بين القاهرة ودمشق لم تصل إلى حد الأزمة، والعلاقات المصرية - السورية ماضية في طريق التوطيد، لكن البعد الاقتصادي فيها يسبق البعد السياسي والدبلوماسي، وهذا ظاهر جلياً من حركة وسرعة تبادل زيارات الوفود الاقتصادية والتجارية بين البلدين، والاتفاقات البينية».

وأضاف: «ربما يقود هذا المسار إلى حلحلة أي خلاف سياسي، خصوصاً إذا عملت دمشق على تغيير اسم السفير الذي تتحفظ عليه مصر، فضلاً عن أن مصر حريصة على أن تعود العلاقات بين البلدين قوية، وتقدر ما تسعى إليه دمشق من إصلاحات في هذا السياق».

وزار وفد تجاري مصري العاصمة دمشق بداية عام 2026، الأمر الذي دفع مراقبين إلى القول إنه سيشكل نقطة بداية في العلاقات الاقتصادية السورية - المصرية.

وقال رئيس «هيئة اللاجئين السوريين بمصر» تيسير النجار، لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تفاؤل باستعادة العلاقات المصرية - السورية بعد زيارة الشيباني لمصر مع الوفد الاقتصادي الكبير، والتي كان من نتيجتها إعلان مجلس رجال الأعمال السوري - المصري، لكن ما حدث بعد ذلك يوضح عدم رضا الحكومة المصرية عن أمر ما».

وتابع أن «السلطات المصرية تعمل خلال هذه الفترة على المراجعة القانونية لوضع السوريين الموجودين على أراضيها للتأكد من الالتزام بشروط الإقامة».


دماء العيد... العنف يكشف فشل الحوثيين في تطبيع المجتمع

العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)
العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)
TT

دماء العيد... العنف يكشف فشل الحوثيين في تطبيع المجتمع

العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)
العلاقة بين الحوثيين والقبائل شهدت توتراً متصاعداً خلال السنوات الأخيرة (أ.ب)

كشف عدد من حوادث العنف والاغتيالات، خلال فترة عيد الأضحى، في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، عن اتساع مظاهر الانفلات الأمني وفشل أدوات السلطة في تطبيع حضورها في أوساط المجتمع، وعجزها عن محاسبة أصحاب النفوذ، إلى جانب إهمال وسائل حماية السلامة العامة للسكان.

فبينما كان سكان مناطق سيطرة الجماعة يحاولون الاستمتاع بأيام العيد، وقعت سلسلة من الحوادث الأمنية والجنائية والانتهاكات التي عكست تصاعداً ملحوظاً في معدلات العنف والانفلات الأمني، بدءاً من اغتيال شخصيات قبلية بارزة، مروراً بجرائم قتل ارتكبها عناصر ومشرفون تابعون للجماعة، وصولاً إلى حملات اعتقال طالت مدنيين على خلفية مواقف ذات طابع سياسي.

وقُتل الشيخ علي بن حسين الحازمي، أحد أبرز الزعماء القبليين في محافظة الجوف، في كمين مسلح على خط المطار شمال العاصمة المختطفة صنعاء.

ووفق مصادر محلية، فإن العملية نُفذت بطريقة احترافية بعد مراقبة تحركاته واستخدام مركبة تابعة للنظافة العامة للتمويه، ما دفع أهالي الجوف وأقارب الشيخ القتيل إلى اتهام الجماعة الحوثية بالوقوف خلف الحادثة، في حين سادت المخاوف من تصاعد عمليات استهداف الشخصيات القبلية بسبب خلافاتها مع قادة الجماعة ومراكز النفوذ.

أجهزة أمن الحوثيين فشلت في إقناع السكان بدورهم في توفير الحماية لهم (غيتي)

ويرى مراقبون أن اغتيال الحازمي لا يمكن فصله عن سلسلة حوادث مشابهة استهدفت خلال الأشهر الماضية عدداً من مشايخ ووجهاء محافظة الجوف، في ظل توترات متصاعدة بين الجماعة ومكونات قبلية محلية.

عجز أمني

في محافظة الحديدة (غرب اليمن) كشفت حادثة مقتل أحد المشرفين الحوثيين على يد شقيقه عن جانب آخر من الأزمة الأمنية؛ إذ جاءت الواقعة بعد شكاوى متكررة من اعتداءات المشرف على أفراد أسرته، وسط اتهامات للأجهزة الأمنية التابعة للجماعة بالتقاعس عن التدخل بسبب نفوذه.

وبحسب مصادر محلية في الحديدة، فإن والدة المشرف الحوثي القتيل تقدمت بشكاوى متعددة للأجهزة الأمنية التابعة للجماعة، تطالبها بوقف اعتداءاته عليها وعلى شقيقته، إلا أن نفوذه حال دون اتخاذ أي إجراء ضده، ما دفع شقيقه إلى تحذير المسؤولين الأمنيين الحوثيين من مغبة تجاهل تلك الشكاوى.

ممارسات المسلحين الحوثيين خارج إطار أجهزة الأمن أدت إلى وقوع حوادث مميتة (أ.ف.ب)

وذكرت المصادر أن سكان الحي الذي يسكن فيه المشرف لم يأسفوا للمصير الذي لاقاه على يد شقيقه، وخصوصاً أن ممارساته البلطجية، كما يصفونها، كانت تطولهم جميعاً.

وواصلت محافظة إبّ (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) حضورها اللافت في مشهد الانفلات الأمني، حيث جسّد عدد من الحوادث التي شهدتها خلال أيام العيد نموذجاً واضحاً لتصاعد الجريمة والعنف؛ إذ وقعت عدة جرائم واشتباكات بالأسلحة في بعض مديرياتها أسفرت عن سقوط عشرة أشخاص بين قتيل وجريح.

وشملت الحوادث مواجهات بين مسلحين وحملات أمنية حوثية، وجرائم قتل على خلفيات مالية واجتماعية، إضافة إلى حوادث ارتبطت بفرض جبايات على بعض الأنشطة التجارية.

وطبقاً لمصادر محلية في مركز المحافظة، فإن خمسة قتلى وجرحى سقطوا في منطقة المعاين غرب مدينة إبّ، إثر اشتباكات بين مسلح وحملة حوثية حاولت القبض عليه، ما أدى لمقتل قيادي حوثي يعمل في إدارة أمن مديرية الظهار، وإصابة ثلاثة آخرين قبل أن تتمكن الحملة من قتل المسلح.

العنف يطغى على العلاقة بين الحوثيين والمجتمع (أ.ب)

وقُتل شاب وأصيب آخر، في مديرية مذيخرة، برصاص مسلح حوثي حاول أن يفرض جبايات على تجارة نبتة «القات» على الضحيتين. وفي نسخة مكررة من هذه الواقعة في مديرية السبرة، قُتل شاب وأصيب آخر برصاص مسلح حوثي أيضاً، في حين كانت مديرية السياني مسرحاً لجريمة قتل شاب على يد شقيقه.

وفي مديرية ذي السفال، أقدم مسلح حوثي على قتل شاب حديث الزواج، حاول بناء كوخ لإيوائه مع زوجته في أرض ادعى المسلح أنها تابعة له.

خصومة مع رمزية هادي

في اتجاه آخر، نفذت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات وملاحقات في مديرية الظهار بالمحافظة، استهدفت بها سكاناً أقاموا «صلاة الغائب» على الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي الذي أُعلنت وفاته ثاني أيام عيد الأضحى، وشملت الحملة مداهمة منازل وملاحقة مشاركين في الصلاة.

وتقول المصادر إن الجماعة طوقت عدداً من المنازل، وشرعت في ملاحقة المصلين وأئمة المساجد، ما اضطر عدد كبير منهم إلى الهروب والتخفي لدى أقاربهم وأصدقائهم في مناطق وقرى أخرى، في حين استمرت عمليات المداهمة والملاحقة حتى ساعات متأخرة من ليل رابع أيام العيد.

اتهامات للحوثيين بالتسبب في الحوادث المرورية وتهديد السلامة العامة للسكان (فيسبوك)

وفي مؤشر على تراجع الرقابة العامة وحماية السلامة الشخصية للسكان، تم تسجيل 353 حادثاً مرورياً في مناطق سيطرة الحوثيين خلال إجازة العيد، نتج عنها وفاة 49 شخصاً وإصابة 485 آخرين بجروح متفاوتة.

وبحسب مصادر محلية، فإن أسباب الزيادة الكبيرة في حوادث المرور تعود إلى الطرق المتهالكة والمركبات غير المطابقة للسلامة، والتي لا تحصل على صيانة تضمن سلامة التنقل عليها، إلى جانب مخالفات القواعد المرورية، والسرعة الزائدة، والتجاوزات الخطرة، والانشغال بالهواتف أثناء القيادة.

ويتهم السكان الجماعة الحوثية بإهمال صيانة الطرق وتنظيم المرور ورصد المخالفات المرورية، ما أدى إلى المزيد من العشوائية والمخالفات التي تتسبب في زيادة الحوادث الخطيرة، خصوصاً في مناسبات الأعياد التي تتزايد فيها حركة التنقل بين المدن والأرياف.


«عناوين للبحوث»... مركز يمني لفهمٍ أعمق للشأن المحلي والعربي

يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)
يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)
TT

«عناوين للبحوث»... مركز يمني لفهمٍ أعمق للشأن المحلي والعربي

يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)
يمنيّ في صنعاء يزور أقاربه القتلى بمقبرة أنشأها الحوثيون (أ.ف.ب)

أعلن مركز «عناوين للبحوث ودراسة التحولات» ومقره في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، تدشين نشاطه بوصفه مؤسسة بحثية مستقلة متخصصة في دراسة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية في اليمن والمنطقة العربية، في خطوة تستهدف الإسهام في إنتاج المعرفة وتقديم قراءات معمقة للمتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.

وقال المركز في بيان الإشهار، إن تأسيسه يأتي استجابةً للحاجة المتزايدة إلى مؤسسات بحثية قادرة على متابعة التحولات المتشابكة وتحليلها في سياقاتها المحلية والإقليمية والدولية، في ظل مرحلة تتسم بدرجة عالية من التعقيد نتيجة تداخل العوامل السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، وتنامي تأثير الفاعلين الإقليميين والدوليين في مسارات الأحداث.

ووفقاً للرؤية المعلنة، يسعى المركز إلى أن يكون مرجعاً بحثياً متخصصاً في دراسة التحولات وصناعة المعرفة في المنطقة العربية، من خلال إنتاج دراسات وأبحاث نوعية توفر أدوات تحليلية تساعد الباحثين وصناع القرار والإعلاميين والمهتمين بالشأن العام على فهم الاتجاهات المتغيرة واستشراف مساراتها المستقبلية.

مركز يمني وليد يُعنى بالبحوث ودراسة التحولات (إكس)

وأوضح المركز أن نشاطه لن يقتصر على إعداد الدراسات والتقارير، بل سيمتد إلى بناء قواعد بيانات ومؤشرات تحليلية متخصصة تساعد على قراءة الاتجاهات العامة، وتعزيز الحوار البحثي والأكاديمي، وتقديم الاستشارات والدعم المعرفي للجهات والمؤسسات المهتمة بالشأن اليمني والإقليمي.

ويغطي المركز عدداً من المجالات البحثية الرئيسية، تشمل التحولات السياسية ومسارات الدولة والحوكمة، والتحولات الاقتصادية والسياسات التنموية، والمتغيرات الاجتماعية والثقافية، فضلاً عن قضايا الأمن والنزاعات والتفاعلات الإقليمية والدولية.

وبالتزامن مع تدشين نشاطه، أطلق المركز منظومة من المنصات والأدوات الرقمية المساندة الموجهة إلى الباحثين والصحافيين وصناع القرار، تضم منصات للرصد والتحليل والتحقق والأرشفة، وقواعد بيانات متخصصة، ومؤشرات قابلة للتحديث، إضافةً إلى خرائط تحليلية للنزاعات والتحولات وأدوات لمتابعة المخاطر والاتجاهات.

ويقول القائمون على المركز إن هذه المنظومة تستهدف تحويل البيانات المتفرقة إلى معرفة منظمة تساعد على تتبع التطورات وفهم السياقات واستشراف السيناريوهات المحتملة، بما يعزز من جودة التحليل ويزيد من كفاءة الوصول إلى المعلومات.

مؤسسة متكاملة

في هذا السياق، قال صالح البيضاني، رئيس ومؤسس مركز «عناوين»، إن المركز ينطلق من قناعة بأن فهم التحولات يمثل المدخل الأساسي لبناء معرفة رصينة وفاعلة، مؤكداً أن الهدف يتمثل في إنشاء مرجع بحثي جاد يسهم في قراءة التحولات المعقدة التي يشهدها اليمن والمنطقة وتقديم أدوات تحليلية تساعد على فهم الواقع واستشراف المسارات الممكنة.

وأضاف البيضاني الذي يشغل منصب المستشار الإعلامي في السفارة اليمنية بالرياض، أن المركز يضم نخبة من الباحثين اليمنيين الشباب إلى جانب خبرات بحثية وإعلامية متخصصة تعمل وفق منهجية تجمع بين البحث والرصد والتحليل والتحقق، وبناء قواعد البيانات، وتطوير المنصات الرقمية الحديثة.

وأكد البيضاني، وهو أيضاً رئيس دار النشر اليمنية «عناوين بوكس»، أن المركز لا يطمح إلى أن يكون مجرد منصة لنشر المقالات أو التقارير فقط، بل ليكون مؤسسة معرفية متكاملة توظف الأدوات الرقمية الحديثة إلى جانب التحليل الاستراتيجي والخبرة الميدانية، بما يمكِّنها من مواكبة التحولات المتسارعة وتقديم قراءات أعمق للأحداث.

وشدد المركز الوليد على التزامه بالمعايير المهنية والبحثية، وسعيه إلى بناء شراكات معرفية مع الباحثين والخبراء والمؤسسات ذات الصلة، بما يسهم في تعزيز النقاش العام وتوسيع دائرة المعرفة وتقديم مقاربات أكثر عمقاً لقضايا اليمن والمنطقة العربية.

Your Premium trial has ended