الجمعـة 18 شـوال 1432 هـ 16 سبتمبر 2011 العدد 11980
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

حي العطارين في الإسكندرية.. توليفة معجونة بالتاريخ والعمارة الأوروبية

يشتهر بالتحف والأنتيكات وسوق «الكانتو» والعصافير

صورة تاريخية نادرة لحي العطارين العريق («الشرق الأوسط»)
الإسكندرية: داليا عاصم
«سَبَعْ سنين في العطّارين.. وأنا بحبك يا مصطفى»، أغنية فلكلورية شهيرة تغنى بها المغني السكندري بوب عزام، وغناها التركي - الفرنسي داريو مورينو، لكن ربما لا يدري كثيرون أن إيقاعها كان توليفة سحرية قوامها نسيج بشري من «الشوام» والمغاربة والأتراك والأرمن واليونانيين والإيطاليين واليهود والمالطيين والمصريين، عاشوا معا في أحضان حي العطّارين الشعبي بالإسكندرية، ثاني كبرى الحواضر المصرية.

تلك التوليفة البشرية الرائعة ما زالت رائحتها تعبق أزقة وحواري الحي الموجود الذي يتوسط «عروس المتوسط»، ويمكنك أن تتحسس أثرها في لافتات المحال والحوانيت الصغيرة التي كانت ذات يوم تتلألأ؛ إذ كان محل «بولس شوحا» اللبناني الأصل من أشهر محال الأحذية في الإسكندرية، و«ليليكان» للأثاث.. ذلك العالم السحري الذي تفتح بوابته أمامك حين تسوقك الأقدار إلى حي العطارين فتجد نفسك بين ذخائر التحف والأنتيكات الممهورة بأسماء أصحابها من المشاهير، التي يزدان بها الحي العتيق، كأنك في غاليري مفتوح.. يأسرك فيه هوس اقتناء التحف.

ويرجح بعض المهتمين أن الحي الشعبي اكتسب اسمه من جامع العطّارين، الذي ارتبطت به رواية من أهم حكايات الحي، والذي كان في الأصل معبدا صغيرا تحول مع دخول المسيحية إلى مصر إلى كنيسة القديس أثناسيوس.. ثم إلى «جامع العطّارين». يقول الأستاذ محمد سليمان، مفتش الآثار الإسلامية في الإسكندرية لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه إن «المسجد القديم الذي يعود للعصور الوسطى أخضع لعدد من الترميمات. فعام 477هـ (1084م) زار بدر الجمالي، وزير الخليفة الفاطمي المستنصر بالله مدينة الإسكندرية، ولما رأى حالة المسجد المزرية أمر بتجديده، وأشار إلى ذلك في لوحة تاريخية وهي الباقية من المسجد القديم. كذلك أخضع للترميم عام 1319هـ (1901م) بأمر الخديو عباس باشا حلمي الثاني فأصبح بصورته الحالية. غير أن الغموض ما زال يكتنف هوية صاحب القبر الموجود في المسجد، وهل هو لمحمد بن خالد بن الوليد، أم للعلامة محمد بن سليمان بن أحمد الصنهاجي المراكشي». ويتابع: «ولكن الحي سمّي بهذا الاسم لوجود سوق (العطارين) بوسط الإسكندرية عندما كانت مركزا تجاريا مهما، واشتهرت بتجارة التوابل، خاصة في ظل الفتح العربي لمصر، وكانت سوق العطّارين مشهورة بالتوابل والعطور، بل اعتبرت من أشهر أسواق العطارة في العالم».

وبمرور الزمن، اختفت دكاكين العطّارين وظهرت محال بيع الأنتيكات والأثاث القديم والجديد في عقد الخمسينات من القرن الماضي، التي قامت على بيع ممتلكات الأجانب الذين غادروا المدينة، ويعود بعضها إلى العصر النابليوني. هذا، وقد حظيت محال التحف والأنتيكات في العطارين بشهرة عالمية، فيأتي إليها المنقبون من كل البلاد بحثا عن قطعة نادرة أو لوحة فنية أصلية، ومن أشهر زوار هذه المحال الملكة صوفيا، ملكة إسبانيا (اليونانية الأصل والمولد)، التي تربت في الإسكندرية، وكذلك الفنانة العالمية الراحلة داليدا.

وعلى أطراف حي العطّارين من ناحية محطة مصر، يوجد «مقهى علبة» الشهير الذي يجتمع على طاولاته تجار التحف والأنتيكات الملقبون بـ«الفئران»، كما يؤكد كبير جامعي الوثائق مكرم سلامة. وهم يتبادلون فيه أطراف الحديث عن الفيلات المعروضة للبيع ويشيرون إلى المزادات «اللقطة» لوجهاء المجتمع ليهبوا لالتهامها وفرزها وبيعها.

كذلك تعد سوق العطّارين حاليا من أهم الأسواق الشعبية بالإسكندرية وتقع في شارع العطّارين على مقربة من المسرح الروماني. وتعتبر «بياصة الشوام» من أهم المناطق المميزة لحي العطّارين، و«البياصة» باللهجة الإسكندرانية كلمة محرّفة عن كلمة «لا بياتزا» la piazza الإيطالية التي تعني «الميدان» أو «الساحة»، وأشهر المحال فيها مطعم «ملك السمّان» لصاحبه اللبناني الأصل إلياس، وهو المطعم الوحيد بالإسكندرية الذي يشتهر بتقديم السمّان المشوي اللذيذ بخلطة الزعتر، كما يشتهر المطعم ببعض الأصناف الأخرى من الطيور. ويعتبر هذا المطعم محل فخر أهل الحي الذين يقولون دائما إن الفضل كان له في رؤيتهم مشاهير الفن والغناء والسياسة، ومنهم: فريد الأطرش وأسمهان وعبد الحليم حافظ وأحمد زكي ومحمود عبد العزيز ومصطفى قمر، وبعض الوزراء المصريين ورجال الأعمال العرب.

ومن أشهر المخابز بالعطّارين «مخبز أثينا» الذي يعود تاريخه لأكثر من مائة عام، وكان يملكه يوناني يدعى كوستا قبل أن يتركه لأحد العاملين به. أما سوق «الكانتو» فهي أهم وأكبر وأقدم سوق للملابس المستعملة بالإسكندرية، وتأتي بضائعه من مختلف أنحاء العالم، خاصة فرنسا وألمانيا وبريطانيا وتركيا وإيطاليا. وكان قدامى التجار ينقلون مخلفات الجيش البريطاني إلى السوق. وحاليا تأتي بالات عبر ميناء الإسكندرية فيصار إلى بيع محتوياتها للباحثين عن أحدث خطوط الموضة الأوروبية بأسعار بخسة.

وكان أهم ما يميز الحي العتيق محلات الرهنيات التي كان يديرها اليهود، بحسب الحاج سليمان عليوة (80 سنة)، أحد أقدم سكان الحي، الذي يعود بذاكرته عشرات السنين راسما ابتسامة ملؤها الحنين، فيقول: «كانت تقوم مشادات كثيرة بسبب تلك الممارسات التي يقوم بها اليهود، ويتدخل فيها اليونانيون لفضها فتزداد اشتعالا، فهم مثلنا كانوا ولاد بلد». ويضيف: «حزننا لفراقهم كثيرا، فقد كانوا يحبون الحياة ويشعون بالبهجة».

وحقا العطّارين حي تجاري بامتياز، فلا يوجد به شبر واحد لا يشغله محل؛ فهناك محال البقالة لأصحابها اليونانيين، ومحال لبيع الساعات التي عمل بها الأرمن، ومحال بيع الكتب القديمة والنادرة التي كانت قبلة لكبار الكتاب والمفكرين المصريين.. هي المحال التي أصبحت تجارة الكتب بشارع النبي دانيال وريثا لها. وما إن يأتي صباح يوم الجمعة من كل أسبوع حتى تجد حي العطّارين يعاني من زحام وجلبة.. إنها أسواق اليوم الواحد التي تقام بشارع «الخديوي»، التي تعد أشهرها «سوق العصافير» لمحبي اقتناء الطيور النادرة، ثم تبعتها سوق أسماك الزينة وسوق شتلات النباتات.

وعلى الرغم من كل هذا الزخم التجاري في الحي، فإنه لم يفقد طرازه المعماري المميز الذي شكل أغلب مبانيه وحوانيته القديمة المرتسمة على ملامحها فنون العمارة الأوروبية. ومن أبرز معالم العطّارين، «المؤسسة الثقافية اليونانية» بشارع «سيدي المتولي»، التي كانت في الأصل مدرسة «أفيروف» الثانوية للبنات، ويعود تاريخها لأكثر من مائة سنة. كما توجد في الحي الكنيسة الإنجيلية التي يعود تاريخها إلى عام 1854، والمدرسة الألمانية لراهبات القديس شارل بوروميه، وعمارة «ليبون» الخاصة بشركة توزيع الكهرباء الفرنسية بالإسكندرية.. التي أدخلت أول عداد كهرباء عام 1895.

ومن أشهر شوارع الحي، شارع الخديوي المؤدي إلى ميناء الإسكندرية، وشوارع السمعاني والوداد والفولي.. كذلك يشتهر الحي بوجود ورشات لإصلاح مختلف أنواع السيارات في شارع صلاح الدين الذي ستجد به ضالتك إذا كنت تبحث عن قطع غيار لسيارتك سواء كانت قديمة أو حتى موديل العام الحالي.

الجولة بين أزقة الحي وشوارعه المخططة بإبداع شديد، تكشف مدى تبدل أحواله؛ ومنها أنه بعدما كانت تُسمع فيه مختلف اللغات واللهجات، أصبحت غالبية قاطنيه من المهاجرين من صعيد مصر، ومن أشهر العائلات التي تقطن الحي وأعرقها حاليا عائلة «العرابة» الذين ينحدرون من الصعيد، وهم اليوم أكبر تجار للأثاث في العطّارين.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام