الاثنيـن 23 رمضـان 1432 هـ 22 اغسطس 2011 العدد 11955
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

«سوق البلاغجية» في القيروان.. شاهد على تدهور الصناعات التقليدية في تونس

«العم» محمد المستيري: السلطات لم تشجع الحرفيين على تحويل حرفهم إلى رافد للاقتصاد

داخل أحد دكاكين «سوق البلاغجية» في القيروان («الشرق الأوسط»)
تونس: عبد الباقي خليفة
تعتبر سوق «البلاغجية» في مدينة القيروان التونسية العريقة السوق الرئيسية - أو السوق «الرسمية» حسب تعبير أهلها - في المدينة العتيقة.

هنا جميع دكاكين السوق مسقوفة بشكل مقوس، وهو طراز بناء تاريخي يعود إلى العهد الأغلبي، وتتخصص ببيع «البلغة» التقليدية، التي هي أشبه ما تكون بالحذاء غير أنه ليس لها خلفية لموضع القدم كحال الأحذية العصرية. وتنتعل «البلغة» عادة مع اللباس التقليدي التونسي «الجبة» وما يتبعها من ملابس خاصة بها كالسروال والفرملة (الصدرية) وغيرها. كذلك تصنع ويباع في السوق النعال الصيفية، وهي ابتكار رائع يحتاج إلى تسويق على نطاق واسع داخل تونس وخارجها. وهذا إلى جانب الملابس التقليدية العتيقة الأخرى، إذ تحتل بعض الصناعات اليدوية أماكن لها في السوق الذي لم يخل من جزارين وباعة خضر في بعض أركانه وأزقته الصغيرة. وتحت ضغط السلع الرخيصة الوافدة، وتحديدا الصينية منها، اضطر الباعة إلى مداواة الكساد بالتي كانت هي الداء.. أي بيع المنتوجات الصينية الرخيصة من الأحذية.

الحرفي والتاجر سي رضا الفجي، الذي التقته «الشرق الأوسط» في السوق قال: «الشباب أصبح عازفا عن الصناعات التقليدية، كالجبة والبلغة والكنترا (الكنترا اسم آخر للبلغة)، وكذلك الصناعات النحاسية واللباس التقليدي والخزف وغيرها من الأشياء التي تشتهر بها القيروان». وضرب الفجي مثلا بالمغرب الذي توجد فيه صناعات تقليدية كتونس، قائلا إن «البلغة في المغرب لم تفقد زخمها لأن هناك طلبا عليها في السوق المحلية وهي سوق كبيرة، بل شهدت تطورا ناتجا عن الطلب. وهذا فضلا عن سعي المغرب لنشر صناعته في الخارج، واليوم هناك أسواق في أوروبا والولايات المتحدة للصناعات التقليدية المغربية».

وتابع سي الفجي «الصناعات التقليدية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالسياحة، وضرب السياحة يضرب رافدين مهمين للاقتصاد، هما الصناعات التقليدية من جهة والخدمات السياحية نفسها من جهة أخرى، فالسائح لن يشتري هدايا مستوردة بل يشتري أشياء تقليدية للذكرى».

وحمل الفجي على السلطات، وكذلك «الشباب الذي يرغب في لبس أشياء صنعت لمناخ آخر، فالحرارة لا تتحمل سراويل الجينز، والتركيبة الفيزيولوجية للمرأة الشرقية لا تتحملها ولا تتحمل الكثير من الملابس التي صنعت لبيئات أخرى». وأضاف «صناعتنا التقليدية سواء كانت البلغة أو الجبة ليست لموسم دون آخر.. فهناك البلغة الصيفية والبلغة الشتوية، وهناك الجبة الصيفية والجبة الشتوية. أجدادنا كانوا يعيشون الفصول الأربعة وليس فصلا واحدا». ثم قال إن تغير العقليات طال حتى المواسم التي تشهد إقبالا على الأسواق لا سيما عيد الفطر، فـ«الناس تريد أن تلبس كل يوم، وليس شراء الملابس من العيد إلى العيد، كما كان في السابق» وأردف الفجي «في السابق كنا نحضر للمواسم قبل شهر، فمثلا نحضر لعيد الفطر من بداية رمضان، ويقبل الناس على الأسواق مع منتصف رمضان وما إن يأتي العيد حتى تصبح الدكاكين فارغة. أما اليوم فالأمر مختلف، فليلة العيد تجد أكوام السلع متراكمة بعضها على بعض لا يشتريها أحد». أما عن المردود المادي لصنعته وتجارته، فقال «نعمل من أجل لقمة العيش لنا ولأطفالنا ونخشى ألا نتمكن من توفيرها. أمضيت 40 سنة في هذا المجال ولم أصبح مليونيرا، ولدي أربعة أولاد تخرجوا جميعا في الجامعة لكنهم يجلسون الآن في البيت بلا عمل وأنا من يصرف عليهم».

وفي مساحة لا تزيد على متر ونصف المتر مربع كان الشاب الذي بلغ من العمر 35 سنة، ويدعى عبد الستار السبوعي، يقف وراء منضدة صغيرة متواضعة يصلح البلغ والنعال والأحذية. وعندما بادرناه بالسؤال عن السنوات التي أمضاها في مهنته كإسكافي، وكيف رضي بمزاولة هذا العمل، أجاب «أعمل إسكافيا منذ كان عمري 7 سنوات، ولا أجد غضاضة في هذا العمل الذي أعول منه أسرتي». وعن صناعته قال إنه يصنع مختلف أنواع النعال «حتى النعال الصحية الخاصة بمن لديهم مشاكل في الساقين، إذ يأتي الشخص أو أهله بقطعة البلاستيك التي تربط القدم بالساق، فأصنع لهم الحذاء المناسب حسب الأوصاف الطبية طبعا».

ويشتكي «العم» محمد المستيري (77 سنة)، هو الآخر، من تأثير السلع الوافدة، قائلا «اضطررنا إلى شراء النعال والأحذية الصينية والاتجار بها رغم افتقارها إلى الجودة لأن الطاقة الشرائية للمواطن ما عادت قادرة على مواكبة ارتفاع الأسعار». وتابع «البلغة والنعال تصنع في القيروان منذ زمن بعيد، وهناك حرفيون يمتهنون هذه الصناعة ويعيشون منها، ولكن الإنتاج بات محدودا ولا يتعدى حاجة دكان الحرفي فقط. إن الإنتاج محدود ورأس المال محدود والمجهود محدود أيضا، فالحرفي يصنع البلغ والنعال من أجل أن يعيش فقط وليس من أجل جمع ثروة. السلطة لم تشجع الحرفيين على تحويل جهودهم إلى رافد للاقتصاد الوطني».

وتابع «مصانع كثيرة أغلقت بسبب عمليات الاستيراد المشبوهة التي لها علاقة بالسلطة. وفي العقود الماضية، ولا سيما في العقدين الأخيرين، وتحديدا منذ عام 1987، فتحت الحدود على مصراعيها أمام سلع وافدة من الخارج، ولا سيما الصين، لصالح عائلات متنفذة. وبالنتيجة تأثرت الصناعات المحلية سلبيا، فارتفعت نسبة البطالة وأغلقت مصانع كثيرة ووجد أصحاب الصنعة أنفسهم خارج دورة الإنتاج والاقتصاد بعد افتقاد السلع المحلية للحماية التي كان من المفترض أن توفرها لها الدولة».

في الحقيقة، ما عاد التجار في سوق «البلاغجية» يغطون مصاريفهم، ولا يعرفون كيف يدبرون أمورهم في انتظار وعود وانتظارات على مستوى الأمل. ويعتقد «العم» محمد المستيري أن «المستقبل سيكون أفضل إذا ما وصل إلى الحكم في تونس أناس يثمنون الموروث الحضاري ويعتزون بالتراث ويهتمون بالصناعات التقليدية ويحمون الإنتاج المحلي، في إطار استراتيجية للنهوض ظلت مفقودة منذ إعلان الاستقلال سنة 1956». وأضاف «هذه التجارة مرتبطة بالمستقبل السياسي للبلاد».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام