السبـت 23 جمـادى الثانى 1431 هـ 5 يونيو 2010 العدد 11512
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

في قلب القاهرة .. مطعم «دار جدودنا» يستعيد رائحة الطهو على نار الحطب

شعاره «مذاق زمان صار له مكان»

القاهرة: محمد عجم
«ما أجمل مذاق الطعام المطهو على الحطب»، عبارة يرددها من قام بتذوق طعام تم طهوه على الفحم أو الحطب بعيدا عن أفران الغاز أو الكهرباء رغم ما يستغرقه من ساعات طويلة في نضجه، فبين حين وآخر ينتظر الفرد أن تأتيه فرصة لتناول طعام أو شرب كوب من «الشاي» أعد بهذه الطريقة التقليدية التي طالما اعتمدت عليها البيوت الريفية.

في قلب القاهرة متاح لك الآن أن تتذوق طعام الماضي في ذلك المطعم الفلسطيني الجديد الذي يقدم الطعام المطهو على الحطب وذلك لأول مرة في مصر، المطعم يحمل اسم «دار جدودنا» ويقع في حي المهندسين، رافعا شعار «مذاق زمان صار له مكان»، حيث يتخصص في تقديم الطواجن والمشاوي والمعجنات والحلويات الفلسطينية بشكل خاص والشامية بشكل عام، أما ما يضفي تشويقا على الشعار أن تجده متبوعا بكلمة «منذ 1846م».

فصاحب المطعم ومديره الفلسطيني «بسام سلوادي»، يشير إلى أن مطعمه قد أنشئ قديما في تلك السنة في مدينة رام الله الفلسطينية، كان مملوكا لأجداده، وكان في ذلك الوقت عبارة عن فرن صغير (طابون) يقدم الخبز وبعض الطواجن المطهوة على الحطب وتقدم في قدور نحاسية، واستمر على ذلك لتتوارثه الأجيال عقدا بعد عقد، حتى وصل المطعم إلى ملكيته قبل عشرين عاما، ليقوم بتوسعته وتطوير مأكولاته بإدخال ماكينات وأفران حديثة مع الحفاظ على ذات الطريقة التقليدية.

مع استمرار الركود الاقتصادي في الضفة الغربية الفلسطينية، قرر «بسام» نقل نشاط مطعمه إلى مصر، بسبب عدد السكان الكبير وما يشتهرون به من عادات غذائية مُحبة للطعام إلى جانب نوعية الشعب المضياف، ليستعيد المصريون رائحة الطهو على الحطب والتي كانت من سمات المطبخ القروي.

يستطرد «بسام» متحدثا عن طريقته غير المنتشرة عربيا: «استخدامنا للحطب يحمل نفس ملامح الطريقة القديمة مع تطويرها لتكون تجارية وعملية وذات مذاق، ومع أنها تبدو سهلة إلا أنها ليست كذلك، فالفكرة تقوم على أن يأخذ اللحم أو الدجاج جزءا من الدخان (الدخنة) الناتج عن احتراق الحطب لكي يعطي مذاقا خاصا له، لكن بشرط ألا تزيد كمية الدخان أو تنقص، أي تتطلب إحداث توازن بين حرارة النار والدخان المنبعث منها، بحيث يضرب جزء مقّدر من هذا الدخان ما يراد طهوه، والجزء الزائد يتم التخلص منه، فإذا زاد هذا الدخان عن الحد تحدث مرارة بالطعام وإذا قل لا ينضج الطعام بالشكل المطلوب».

ويفرق بسام، وهو شيف المطعم أيضا، بين الطهو باستخدام الحطب والفحم قائلا: «عندما يشتعل الفحم يعطي حرارة ونتيجة لسقوط الدهون عليه يخرج الدخان الذي يضفي مذاقا على ما يطهى، أما في طريقة الحطب فتكون النار مشتعلة بالحطب بجوار الطعام فيتطاير الدخان وأثناء صعوده يتلامس ويتقاطع مع الطعام تقاطعا طوليا، فالدهون لا تنزل على الحطب بل تذهب إلى موضع آخر، وهنا يأخذ الطعام مذاق الحطب الذي له نكهة جيدة وزكية ويكون أكثر صحية».

الطعام المطهو بطريقة الحطب يأخذ نحو ساعة ونصف إلى ساعتين حتى ينضج داخل أفران بنيت خصيصا لذلك، قطرها ثلاثة أمتار ونصف، تدخله كميات من الطعام تتناسب مع الدخان المنبعث فيها، ولهذا يفضل أن يستعمل نوعيات الحطب المستخرجة من شجر الموالح (الحمضيات) خاصة الليمون واليوسفي لأنها ذات اشتعال جيد كما أنها تعطي طعما ومذاقا للأطعمة.

يفتح المطعم أبوابه على مدار الساعة، ويتسع لمائتي فرد، وأسعاره مناسبة، فقائمة الطعام تم تقسيمها إلى أقسام، فهناك قسم للساندوتشات التي تشوى لحومها على الحطب، ثم الأطباق (الطابون) وأبرزها الدجاج المسخن والمقلوبة ورقبة الخروف المحشوة والكفتة بالطحينة وورق العنب والرز بالمكسرات على الحطب وجميعها تستعمل الفخار، بخلاف المقبلات الشامية، وقسم خاص للمشاوي على الفحم، وكذلك الخبز المميز الذي يتم خبزه على حجر الفرن الموجود بأرضيته حيث ترمى عليها العجين بعد تسخينها مع الحطب، إلى جانب الحلويات الشامية وأبرزها الكنافة بالجبنة والتي تصنع خصيصا داخل المطعم.

يشير بسام، الذي يعمل بيده لمدة 16 ساعة يوميا، إلى أن استقبال المصريين لمأكولاته كان ممتازا، وأنه لم يكن يتوقع لبعض الوجبات هذا النجاح الكبير، موضحا أن جزءا كبيرا من عمله يذهب إلى تدريب بعض الطباخين المصريين حتى «يهضموا» طريقته، كما أن اختياره لهم مشروط بأن يكونوا من حديثي التخرج حتى تكون لديهم القابلية لتعلم الطريقة الجديدة عليهم.

وعن شعار المطعم «مذاق زمان صار له مكان» يقول بسام: «الشعار يعبر عن فلسفة كاملة تجسد توجه المطعم، فالحطب هو طريقة جدودنا في التعامل مع الطعام، كما أن جزءا من عاداتنا تقديم وجبات بكمية كبيرة للدلالة على الكرم، والأكل عندنا (بيتي) يستخدم نفس البهارات التي تستخدم في المنزل الفلسطيني، لذا كان هذا الشعار الذي يعبر عن كل ذلك».

يتميز المطعم بديكور شامي، فمنذ أن تطأ قدم الزائر أرض المكان يلحظ ذلك فيما يحيط به من ديكورات، تقول عنها نائب المدير السيدة «ريم»، وهي زوجة بسام: «الديكور جزء مكمل لفلسفتنا، فالثقافة الشامية تعتبر الطعام نوعا من التواصل وليس فقط وسيلة للشبع، وهذا ما حاولنا إيجاده في ديكورات المطعم لكي يصل شعور الدفء لكل زائر لنا، وقد بدأنا المطعم بطريقة عكسية، أي حددنا قسم الحطب ثم بحثنا ماذا يحتاج من مساحة وديكور ملائم وهكذا، كما عملنا على تزيين جنبات المطعم بالجداريات والفخاريات الفلسطينية للدلالة على التراث، ويمتد ذلك إلى اختيار أغنيات بعينها تبث في الخلفية لفيروز ووديع الصافي وأم كلثوم». وتشير ريم إلى وسيلة دعائية جديدة تم اللجوء إليها مع افتتاح المطعم قبل خمسة أسابيع؛ بإقامة مهرجان لتذوق لحوم الشاورما بالمجان للجمهور لمدة شهر كامل في وسيلة لجذب الأنظار، حيث بدأت بتوزيع الساندوتشات المجانية يوم الافتتاح ثم كعرض خاص على خدمة التوصيل للمنازل «الدليفري»، بهدف الوصول بالمأكولات الشامية إلى أكبر عدد من المصريين الذين لا يألف مطبخهم هذا النوع من الطعام.

يأمل بسام وزوجته في افتتاح أكثر من فرع لمطعمهم، ويتوقعا أن تتحول الكثير من المطاعم العربية إلى طريقة استعمال الحطب في الطهو رغم صعوبتها، وأن السنوات القادمة ستشهد العودة لاستخدام الحطب والفحم بقوة، بسبب بحث الناس عن المذاق الأشهى والأطيب دائما والذي فُقد كثيرا في زمن الحداثة، حتى وإن كان ذلك بالارتداد للماضي، لحكمة ومذاق الآباء والأجداد.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام