أثينا: عبد الستار بركات
خيمت الأزمة المالية وتأثير الديون على احتفال اليونان أمس بعيدها الوطني، حيث لم تشارك، كالعادة، العربات المصفحة التي تحمل الصواريخ والدبابات والطائرات في العرض العسكري، وتم الاكتفاء بعروض عسكرية لقوات الجيش المختلفة والشرطة والدفاع المدني.
وحضر العرض العسكري ومراسم الاحتفال في ثيسالونيكي (شمال البلاد) رئيس الجمهورية كارلوس بابولياس وفي أثينا كبار رجال الدولة، وسط إجراءات أمنية مشددة، حيث دفعت وزارة الأمن العام بألفي شرطي لحماية العرض من المواطنين الغاضبين.
وشهدت بقية المدن والبلديات اليونانية المختلفة أيضا، عروضا متنوعة، شارك فيها تلاميذ المدارس وطلاب الجامعات احتفالا بذكرى الاستقلال، الذي يعود إلى ذكرى عيد «أوشي» في الثامن والعشرين من أكتوبر (تشرين الثاني) عام 1940 عندما توجه القنصل الإيطالي في أثينا حينذاك إلى رئيس الوزراء اليوناني يوانيس ميتاكساس، مقدما له طلب رئيس بلاده بنيتو موسوليني بتسليم اليونان للقوات الإيطالية وتجنب الحرب والقتال، ورفض رئيس الوزراء اليوناني الطلب الإيطالي حينذاك، وقال: «أوشي» ومعناها «لا»، أي: لا للاستسلام ولا للاستعمار.
وفي رسالته للأمة عقب العرض العسكري، قال الرئيس اليوناني كارلوس بابولياس إن بلاده تحتفل بمرور مائة عام على تحرير شمال اليونان وذكرى 28 أكتوبر، وهي ذكرى تعتبر قمة التاريخ، وهو الاستقلال الذي حققه الشعب اليوناني بالصبر والأمل والقوة والإصرار على نيل الحرية، مشيرا إلى أن التاريخ يعيد نفسه، فوقتها لم يكن يتوقع أحد في أوروبا أن الشعب اليوناني سوف يحقق ما يصبو إليه.
ووجه الرئيس اليوناني رسالة مزدوجة إلى الشركاء الأوروبيين، وهي أن الكثير منهم نسي ما تدان به أوروبا إلى اليونان الصغيرة، وأنه لا بد من الخروج من الأزمة بأقصى سرعة، لأنه لا يمكن طلب المزيد من المواطنين الذين أعطوا كل شيء لديهم، معربا عن أمله أن الأشهر القبلمة هي أشهر، من شأنها أن تلهم الشعب اليوناني أمل التغلب على الأزمة، وأن هذا سوف يكون إنجازا كبيرا، على حد قوله.
وفي كلمة ألقاها رئيس الوزراء أندونيس سامراس، قال إن الوقت قد حان كي تتطلع اليونان إلى الأمام وأن تسعى لإقامة كافة أوجه التعاون الضروري، من أجل ضمان التخلص من الأوضاع المتأزمة والديون الضخمة التي تثقل كاهلها وتضع المسؤولين في وضع مخز ومذل.
وأكد ساماراس أنه ينبغي أن يؤمن المواطنون اليونانيون بقدراتهم، وأن يظهروا التوحد والوطنية، وأن اليونان ستصبح في وضع أفضل كثيرا في غضون سنوات قلائل طالما بقي مواطنوها جميعا متوحدين وأقوياء، وهو الأمر الذي يتوقف على الشعب بنفسه.
من جهة أخرى، قالت الشرطة اليونانية إنها اعتقلت رئيس تحرير مجلة أسبوعية لنشره قائمة بأسماء أكثر من ألفي ثري يوناني وضعوا أموالهم في حسابات مصرفية سويسرية، وذكر أنها «قائمة لاغارد» التي سلمتها السلطات الفرنسية لليونان في 2010 وبها أسماء سيتم التحقيق معها لاحتمال تهربها من الضرائب.
وألقت الشرطة القبض على الصحافي في منزل أحد أصدقائه فجر الاثنين، وأثار موضوع الاعتقال موجة غضب في الشارع اليوناني الذي يريد معرفة أسماء هؤلاء، وخصوصا أن وسائل الإعلام كانت تثير تكهنات ساخنة حول هذا الموضوع في الأسابيع الأخيرة، وأطلق على القائمة لاغارد نسبة إلى كريستين لاغارد مديرة صندوق النقد الدولي التي كانت وزيرة لمالية فرنسا في ذلك الوقت، إلا أن الأسطوانة الإلكترونية التي تتضمن هذه الأسماء قد تم تجاهلها تماما حينذاك، وجار البحث عنها حاليا، ويتم التحقيق حاليا مع الوزراء المسؤولين.
ونشر الصحافي في مجلته «هوت دوك» قائمة بأسماء 2059 شخصا، من بينهم شخصيات معروفة جدا، وقالت المجلة إنه تم إرسال القائمة إليها من مجهول، ولم تؤكد السلطات ما إذا كانت القائمة صحيحة، وقالت الشرطة إن مدعيا أمر بالقبض على رئيس التحرير كوستاس فاكزيفانيس لانتهاكه القوانين المتعلقة بنشر المعلومات الشخصية، ولأنه نشر قائمة بأسماء دون الحصول على تصريح خاص وخرق القانون المتعلق بالبيانات الشخصية، ويمثل فاكزيفانيس اليوم (الاثنين) أمام القضاء في محكمة طارئة، وفي أول تصريح له قال: المتهم إن من العدل أن يقف مكانه وزيرا الاقتصاد المتهمان بتبديد قائمة الأسماء.
وأثارت هذه القائمة نقاشا ساخنا في اليونان التي أوشكت على الإفلاس، حيث يتزايد غضب الناس على الساسة والصفوة الثرية مع تأثير إجراءات التقشف على القطاعات الأفقر في المجتمع، ولكن لا يوجد حتى الآن دليل على أن الأشخاص أو الشركات التي وردت أسماؤهم في تلك القائمة خرقوا القانون بالتهرب الضريبي أو غسل الأموال.
في غضون ذلك، أعلن خبراء الترويكا الذين يراقبون حسابات أثينا، عن رغبتهم في عملية جدولة جديدة للديون اليونانية، وتقديم مقترح في تقرير سيصدر قريبا حول اليونان بالمطالبة بعملية جدولة جديدة للديون العامة اليونانية، على أن تكون هذه المرة للدائنين من القطاع العام، حيث تمت إعادة جدولة ديون القطاع الخاص طوعيا واستفادت اليونان من جراء هذا البرنامج نحو 105 مليارات يورو.
ووفقا للمصادر، فإن هذه أحد المقترحات التي يتضمنها تقرير «ترويكا» حول ما دار يوم الخميس الماضي في اللقاء التحضيري لاجتماع وزراء مالية منطقة اليورو المقبل، وذكرت المصادر أن عدد من الدول ردوا على هذا الاقتراح وفي مقدمتهم ألمانيا، التي رفضت التنازل عن جزء من الأموال التي أقرضتها لأثينا، كإجراء دعم استثنائي، ولم يوضح التقرير الموقف الدقيق لباقي الدول الأعضاء في منطقة اليورو من المقترح، وبخاصة تلك الدول التي تواجه صعوبات في الوفاء بحدود الدين المقررة من المفوضية الأوروبية.