رودوان النائب الأول للبنك المركزي لـ«الشرق الأوسط»: هذه شروطنا.. وسنعلن قرارنا خلال أشهر
باريس: ميشال أبو نجم
كشف جان بول رودوان النائب الأول لحاكم مصرف فرنسا المركزي، عن أن لجنة مصرفية فرنسية تنظر في طلبات مقدمة لها لافتتاح خدمات مالية إسلامية، موضحا أن هذه اللجنة بصدد فحص عدد من هذه الطلبات، وستتخذ قرارها في غضون أشهر مقبلة.
وعلل رودوان انعدام وجود صناعة مالية إسلامية في فرنسا بعكس ما هو حاصل في دول أوروبية أخرى ومنها: بريطانيا ولوكسمبورغ وهولندا وسويسرا، بانعدام الطلب الكافي على تلك الخدمات المالية الإسلامية في بلاده رغم وجود جالية مسلمة تصل الى 5 ملايين نسمة. وقال رودوان لـ«الشرق الأوسط» على هامش منتدى «الصناعة المالية الفرنسية ومكانة باريس في الخدمات المالية الإسلامية» الذي نظمته غرفة التجارة الفرنسية ـ العربية بالاشتراك مع مؤسسات مالية فرنسية الأسبوع الماضي، أن اللجنة بانتظار جلاء بعض الجوانب القانونية وتوافر «الضمانات» الضرورية في هذا القطاع والتي يفرضها القانون الفرنسي والأوروبي على السواء.
وللمرة الأولى، استضافت فرنسا هذا النوع من المنتديات التي تعكس وعي أهمية الصناعة المصرفية الإسلامية المتنامية التي تمثل في الوقت الحاضر كتلة نقدية واستثمارية تصل الى 600 مليار دولار، وتتمتع بنمو سنوي يزيد على 10 في المائة.
وأكد رودوان الذي يرأس اللجنة المصرفية الفرنسية المولجة فحص الطلبات المقدمة، إن فرنسا تدعم مبدئيا قيام قطاع مصرفي وخدمات إسلامية في الساحة المالية الفرنسية. إلا أنه استدرك وأشار إلى أن الإعلان المبدئي شيء وإعطاء رخصة الممارسة الفعلية شيء آخر. ويعترف رودوان أن باريس «متأخرة عما هو حاصل في لندن لآسباب تاريخية على علاقة بالعلاقة المصرفية القديمة بين ساحة لندن المالية والبلدان المسلمة وساحاتها المالية». لكن ثمة أسباب إضافية على علاقة بطرف العمل المصرفية واساليب إدارة الإدخار والاستثمارات المعمول بها تقليديا في فرنسا، والتي كان يبدو أنها غير متلائمة مع التجديد المتمثل بالإدارة المالية الإسلامية. ويبدي المسؤول الفرنسي المصرفي «انفتاحا» لجهة الاستعداد لدرس الطلبات المقدمة لإيجاد إما بنوك إسلامية أو للسماح للبنوك الفرنسية أو الأجنبية العاملة في فرنسا بفتح فروع للصناعة المصرفية الإسلامية. غير أنه يطالب بـ«ضمانات». ومن غير هذه الضمانات، يبدو من الصعب الانتقال من حال الطلب الى حال السماح الفعلي بهذا النشاط المصرفي. ويرى المسؤول المصرفي الفرنسي، أن الضمانة الأولى تكمن في التأكد من أن «القواعد المطبقة في الصناعة المالية الإسلامية تتلاءم مع القوانين الفرنسية والأوروبية النافذة»، مضيفا أن «كون فرنسا بلدا علمانيا لا يعني من حيث المبدأ منع الصناعة المالية الإسلامية». فضلا عن ذلك، ينفي رودوان أن يكون لـ«العامل السياسي» دور في تأخر قيام نشاط مصرفي إسلامي، بحيث يحصر تناول الموضوع في الجوانب القانونية والفنية، ما يعني أنه عندما تحل هذه العقد فلا شيء يحول دون بروز هذا النشاط. ويشدد رودوان على أهمية بلورة القواعد، التي تحكم عمل بنوك التجزئة التي يجب أن «تتوافر لها القواعد القانونية اللازمة، وأن تكون شبيهة بتلك المطبقة في البنوك الفرنسية مثل مسألة نقل الملكية وضرورة أن يكون المقترض والمصرف القرض على قدم المساواة أمام القانون. كذلك يفترض بالمصارف الإسلامية أن تتوافر لها شروط الرقابة الداخلية على عملياتها وفق المعايير المعترف بها». ويقول المسؤول الفرنسي في الرسالة التي أراد نقلها الى المنتدي هي التالية: «لدينا ارادة حقيقية للنظر في إمكانية فتح الباب أمام العمليات المالية الإسلامية»، ولكن نريد التحقق من شرطين: الأول، توافر الضمانات المطمئنة لعمل المؤسسات الجديدة والثاني احترام العمليات المصرفية الإسلامية كلها للقانون الفرنسي وتمتع العميل بكل الضمانات التي يوفرها القطاع المصرفي الفرنسي. وبكلام آخر، يريد المسؤول الفرنسي أن يوفر «حماية» متساوية للزبون كما للمؤسسة المصرفية الإسلامية. وأبعد من ذلك، يطالب رودوان بضمانات حول «الشفافية» التي يجب أن تحيط العمليات المالية الإسلامية واحترام قواعد «محاربة تبييض الأموال» و«تمويل الإرهاب» ويعتبر أن هذه العناصر مهمة لـ«حماية الساحة المالية الفرنسية».
وتكشف هذه العناصر، رغم تأكيدات رودوان، أن بروز مصارف إسلامية في فرنسا أو السماح للمصارف القائمة فيها بفتح فروع، تتيح العمل المصرفي الإسلامي »لن يتما غدا»، بحسب ما قاله أحد المشاركين في الندوة لـ«الشرق الأوسط». غير أن أمين عام غرفة التجارة الفرنسية ـ العربية الدكتور صالح بكر الطيار اعتبر أن المنتدى كان «مفيدا» و«ضروريا» لسببين: تعريف قطاعات المال الفرنسية على أدوات الاستثمار الإسلامية وتحسيسهم لأهمية توافر هذه الصناعة على الساحة الفرنسية من جهة. ويشير الطيار إلى السبب الثاني وهو أهمية أن تأخذ بعين الاعتبار الحاجات المتنامية لقطاع واسع من المجتمع الفرنسي، الذي يريد أن يتمتع بخدمات قطاع مصرفي إسلامي في حياته اليومية أو في عملياته الاستثمارية ما يعني وجود طلب تتعين تلبيته.
ويبدي الطيار دهشته إزاء قيام المصارف الفرنسية العاملة في الخليج بتوفير وإدارة معروضات مالية إسلامية بينما تمنع من ذلك على الأراضي الفرنسية. من جانبه يقول بيار رزق، رئيس الغرفة، إن المستثمرين والصناعيين والمصرفيين ورجال الأعمال الفرنسيين الناشطين في العالم العربي والإسلامي «وعوا أهمية التحديات المطروحة والمنافسة الشديدة والفرص المتاحة» عن طريق العمل مع الصناعة المصرفية الإسلامية وتوفيرها في فرنسا.
ويضيف رزق أنه بسبب ذلك، فإنهم «يسعون لتحسيس السلطات الفرنسية مع علمهم أنه «يتعين تنظيم العلاقة وتجانس القطاع الجديد مع القطاع المصرفي التقليدي». وبأي حال، فإن المنتدى الذي استضافته باريس، كان غنيا بمداخلاته وتنوعها، ولا شك أنه المدخل الطبيعي لبداية تحريك الوضع واستثارة الحوار والنقاش اللذين من دونهما لن تتغير الأمور في ساحة باريس المالية.