السبـت 02 رجـب 1434 هـ 11 مايو 2013 العدد 12583
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

المطر يشاكس الشعراء في مهرجان بابل للثقافات

جمع بين الشعر والموسيقى والفن التشكيلي وحفلات توقيع الكتب

حفل افتتاح المهرجان بالمسرح البابلي التاريخي حيث شاكس المطر الشعراء
بابل (العراق): جمال القصاص
عرس ثقافي متنوع ما بين الشعر والموسيقى والعروض المسرحية ومعارض الفن التشكيلي والندوات الفكرية وحفلات توقيع الكتب، يعيشه مهرجان بابل للثقافات والفنون العالمية في دورته الثانية بالعراق، التي تختتم اليوم (السبت) بمشاركة نحو 50 شاعرا عربيا وأجنبيا، من اليابان واليونان وتركيا وإيران وبولندا والأرجنتين وألمانيا.

افتتح المهرجان فعالياته مساء يوم 3 مايو (أيار) الماضي بالمسرح البابلي التاريخي المكشوف بمدينة بابل، وسط حراسة أمنية مكثفة، وفي طقس ربيعي متقلب، شاكس فيه المطر بإيقاعاته المباغتة الشعراء وهم يلقون قصائدهم في حفل الافتتاح، بمصاحبة ترانيم من الموسيقي التراثية العراقية، مما أثار هاجس الدعابة لدى الجمهور الغفير الذي اكتظت به مدرجات المسرح، واضطر إلى مغادرة مقاعده - مؤقتا - ريثما يخف إيقاع المطر.

تأتي هذه الدورة امتدادا لنجاح المهرجان في دورته الأولى في الجمع بين هذه الفنون، لكي تتجاور وتتقاطع تحت فضاء واحد، وفي سياق فني مشترك، تتلاقح فيه هموم الفن بالهموم الإنسانية، بحثا عن حرية الإبداع والإنسان معا. وهو ما أكده الشاعر الدكتور علي الشلاة رئيس المهرجان في كلمته بحفل الافتتاح، مشددا على أهمية إقامة مثل هذا المهرجان «لنقول للعالم إن العراق شعب حي قادر على صنع الحياة ولا توقف عجلته أفعال الظلاميين، وها هي مدينة بابل تفتح ذراعيها وقلبها لتستقبل ضيوفها الذين جاءوا محملين بعشق أنكيدو ومسلة حمورابي».

وقال الشلاة: «ها هي بابل تفتح قلبها ثانية لتتلمسوا عبير التسامح والتجاور بين الحضارات والثقافات والفنون.. بابل المدينة، التاريخ وبابل الحضارة والحاضرة تبارك نصوص وإبداع كل المبدعين القادمين من كل بقاع العالم لينطلقوا من جديد».

وبعد نحو ساعة من عطلة المطر عاد الجمهور واختتم حفل الافتتاح بعرض مسرحي بعنوان «عزف نسائي»، حيث جسدت بطلتا العرض على مدى ساعة ونصف الساعة كل هموم الواقع العراقي الراهن على المستوى السياسي والأمني والاجتماعي، في حوارية مونودرامية شجية بين امرأتين مختلفتين في طرائق النظر والعيش، لكنهما استطاعتا بقوة الحلم والتشبث بالحياة، أن تهزما كل نوازع الخوف والتشتت، وأن تجددا الأمل في غد أفضل.

وفي المقهى الثقافي «المركز الرئيس لفعاليات المهرجان» شارك نهر الحلة (متفرع من نهر الفرات) بمياهه الساجية الشعراء والكتاب وهم يوقعون كتبهم، حيت انتصبت منصة الندوات على شاطئ النهر، في مشهد خلاب امتزج فيه جمال الطبيعة بالشعر والموسيقى. كما حل الخبز العراقي ضيفا على الجمهور، وتحية خاصة لهم من أهل بابل. فعلى بعد خطوات من المنصة انتصب تنور صغير من الطين بشكله العراقي العتيق، تستقبلك أمامه بابتسامة حانية امرأة بابلية، وفي يدها أقراص العجين بينما يقوم فتيان صغار بمساعدتها في الخبيز، وأغرى التنور بناره المتوهجة الكثير من الشعراء الضيوف ليخوضوا تجربة الخبيز بأنفسهم، لكن ما إن تقضم قطعة من رغيف الخبز اللدن الساخن، حتى تهتف مع الشاعر الفلسطيني محمود درويش «على هذه الأرض ما يستحق الحياة».

داخل المبنى أقيم معرض صغير للكتب شاركت فيه دار شمس المصرية للنشر، وبعض دور النشر العراقية. لكن اللافت أنه رغم صغر حجم المعرض إلا انه ضم مجموعة مهمة، بل نادرة من العناوين، في الفن والفكر والفلسفة والعلوم وتاريخ الحضارة، وأيضا المؤلفات الأدبية الحديثة والقديمة من شعر ورواية وقصة قصيرة. بالإضافة لقاعة ضمت عددا من المقتنيات التراثية العراقية. وبجوار المعرض أقيم معرض بالحبر الشيني لفنان ياباني، لعب فيه على وتر حروف اللغة اليابانية، في ارتجالات بصرية بعضها لافت.

ومن أبرز حفلات الكتب التي لفتت انتباه الكثيرين، حفل توقيع كتاب بعنوان «ديوان القصة.. أنطولوجيا القصة البابلية» يقول عنه مؤلفه الباحث الدكتور سعد الحداد إنه يضم سيرة 64 قاصا من القصاصين البابليين من الراحلين والأحياء عبر قرن من الزمان، مشيرا إلى أن الحلة هي مهد الريادة في الفن القصصي العراقي، ممثلة في القاص أنور شاؤول الذي نشر أول مجموعة قصصية سنة 1935. وكذلك حفل توقيع كتاب «الحلة.. محلاتها.. بيوتاتها.. أزقتها». ويقول عنه مؤلفه الكاتب الصحافي محمد هادي، إنه يمثل تناول التراث من منظور إيجابي، لها مرودها الإبداعي سواء في علاقة البشر بالمكان، أو في انعكاس روح المكان نفسه على حركة الإبداع الأدبي، في القصة والرواية والشعر وأيضا الفن».

وعلى هامش المهرجان، نشأت حالة شعرية وفنية أخرى، فقد أقام الشعراء الضيوف من العرب والأجانب في «منتجع بابل السياحي»، وهو كما قيل أحد منتجعات الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، حيث يطل قصر منيف له من فوق ربوة عالية على المنتجع، وهذا القصر لم يزره سوى مرة واحدة، بحسب عراقيين. كما يطل القصر نفسه على مدينة بابل القديمة التاريخية من ناحية أخرى، وسقف المطعم الرئيس بالمنتجع لا يزال مزينا بـ«أسماء صدام الحسنى»؟؟!! تجاورها بعض أبيات من الشعر العمودي مضطربة الوزن واللغة.. لكن هدوء المنتجع وجمال أشجاره ونباتاته حفز الشعراء على العيش في حالة شعرية متصلة، تزداد سخونة حين يرتفع سقف المزاح من شاعر ما، وهو ما توهج ذات مساء على نحو أحدث جلبة وأثار قلق رجال الأمن بالمنتجع، فبعدما ألقى الشاعر الياباني تندو قصائده في المقهى الثقافي، وكان من بينها قصائد تقوم على الارتجال الصوتي فقط، والاعتماد على التنويع في مقامات الإيقاع بعلو الصوت وخفوته، لإحداث نوع من الترديد النغمي لبعض الأحرف والكلمات.. لكن ما إن عاد ثلة الشعراء إلى المنتجع بعد الأمسية الشعرية هذه، حتى تحولت طاولة العشاء في الهواء الطلق بجوار النهر إلى منصة صوتية، وتبارى الشعراء جميعا في تقليد الشاعر الياباني، والذي انخرط وسطهم، وبادلهم الصوت بالصوت، وتحول العشاء إلى كرنفال شعري صاخب وراقص وهو ما أزعج رجال الأمن، لكنهم تفهموا الموقف بمحبة وود.. ولا يزال صدى مزاح الشعراء يتردد في جنبات المنتجع وهم يرددون في صوت جماعي «يا شاعر اليابان.. اقرأ لنا الفنجان.. يا شاعر اليابان.. اطبخ لنا الباذنجان».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام