الاربعـاء 08 شعبـان 1433 هـ 27 يونيو 2012 العدد 12265
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

متحف الجنائز في فيينا.. عادات وتقاليد وطقوس الدفن النمساوية

القانون النمساوي يلزم المسلمين بدفن أمواتهم داخل توابيت

السيارات التي تنقل الجنائز تطور شكلها وموديلاتها عبر السنين لكنها احتفظت باللون الأسود («الشرق الأوسط»)
فيينا: بثينة عبد الرحمن
ليس كغيره من المتاحف، كما أن فيينا ليست كغيرها من المدن، أو على الأقل هذا ما يقوله أهلها ومحبوها، وأول ما يميزه عن غيره أنك تدفع عند الخروج وليس عند الدخول.. دع عنك معروضاته ومواضيعه.

إنه متحف «الجنائز» أو «متحف الدفن» الذي يؤرخ للكثير من العادات والتقاليد والتطورات التي صاحبت إجراءات مسيرة الجنائز والدفن في النمسا وعلى وجه الخصوص في العاصمة فيينا.

يوجد المتحف في شارع يسمى «شارع الذهب». يجوز أن يكون لاسم كهذا علاقة تاريخية بالذهب، وإن كان حاله بواقع اليوم لا يعدو كونه مجرد شارع عادي بالمنطقة الرابعة لا يميزه غير وجود هذا المتحف، وهو متحف حكومي يتبع لأكبر شركة تتكفل بإجراءات الدفن، أي أنها بلغة علوم الاقتصاد والمال تستثمر في «الموت». متوسط عمر المواطن النمساوي مرتفع بكل المقاييس، وقد قدرته منظمة «امنستي» لهذه السنة بـ80.5، وعدد عموم سكان النمسا بـ8.4 مليون نسمة.

يوثق المتحف إجراءات ومراسم الدفن. النمساوي يدخر مالا من أجل أن تقام له جنازة «معتبرة» تتم وفق برنامج وطقوس دينية واجتماعية، وقف شخصيا على ترتيبها ودراسة تفاصيلها ورسمها خطوة خطوة، ومن ثم صاغها في وصية. النمساويون مغرمون بحضور الجنازات، وعدد من حضر مراسم تشييع الإمبراطورة سيتا آخر أباطرة البهابسبرغ المتوفاة 1989 فاق عدد من شاهدوا نهائيات كأس أوروبا، على الرغم من أن سيتا قد خلعت عندما تحولت النمسا إلى جمهورية منتصف خمسينات القرن الماضي.

على عكس معظم مباني المتاحف النمساوية المشيدة في قصور أو مبان عتيقة أو حديثة ذات أنماط معمارية تجذب النظر، يقع هذا المتحف داخل مبنى متواضع المظهر مع ساحة تسمح بحركة السيارات التي تنقل الجنائز والتي تطور شكلها وموديلاتها عبر السنين، وإن احتفظت باللون الأسود.

ينبع اهتمام النمساويين بمراسم الدفن من اهتمامهم بالموت كمناسبة من المناسبات الرئيسية في حياتهم، مثلها مثل الزواج والميلاد، وتلك التي تجتمع حولها الأسرة، لهذا فإنهم يحرصون على تنشئة صغارهم لقبول حقيقة الموت والتعامل معه بدلا عن خشيته، ولهذا يضم المتحف عددا من اللعب التي تساعد على ذلك، ومنها نماذج مصغرة للسيارات والتوابيت وحتى الأحصنة التي كانت تجر نعوش الأباطرة والأثرياء والوجهاء، ليس ذلك فحسب، بل هناك لعب تماثل الجرار التي يحفظون فيها مخلفات رماد حرق الجثث، وهي عملية تصل نسبتها إلى 25 في المائة من طرق الخلاص من الأموات، وكانت قد وصلت إلى النمسا عام 1922.

تضم أول صالة من المتحف عددا من الشارات والعلامات التي كانت ضرورية لتمييز مرتبة الميت في إمبراطورية ترامت أطرافها وركزت على الطبقية والفصل بين الحكام والعامة، كما أن هناك نماذج للأزياء التي كان العاملون يلبسونها أثناء قيامهم بمراسم نقل الجنائز، كما هناك عدد ممن كانوا يزينون به الخيول، ومنها قطعة تعود لعام 1683.

من المعروضات ما يزال استخدامه سائدا، ومن ذلك مثلا تخصيص اللون الأزرق الفاتح للموتى من الأطفال وللشباب ممن لم يتزوج، أما الأحمر المذهّب فهو لرجال الجيش والأسود للبقية.

في فترينة أخرى توجد معروضات تؤكد أهمية الزهور وباقات الورود التي يستمتع النمساويون بتنسيقها، ولكل زهرة معنى كما لكل لون، بالإضافة لكميات من المشاعل والشموع. وبالطبع لا يخلو المتحف من تمثال لسيدة يوضح مظهرها مدى الاهتمام بزي الحداد، وأهل النمسا كمعظم الأوروبيين يحرصون على اللون الأسود مع أناقة عند اختيار الإكسسوارات المصاحبة وأولها القبعات.

تقول المصادر إن سيدات البلاط ومن حولهن كن لا يتحرجن من تأجير فساتين سوداء للظهور بها في المآتم الفجائية، والأمر لا يختلف تماما عن فكرة استئجار فساتين سهرة للظهور بها في الحفلات الراقصة. وكانت دور نشر كبرى تخصص أعدادا خاصة لموضة الحداد تصدر كل أكتوبر (تشرين الأول)، وظلت مزدهرة حتى بداية ثلاثينات القرن الماضي.

في الأغلب، تنتهي مراسم الدفن بدعوة «وداع» يلتف فيها الأصدقاء والأقارب حول أسرة الفقيد التي تتكفل بالنفقات لتناول وجبة في مطعم فخم، حيث يتبادلون الحديث عن الفقيد وعن صفاته وأفعاله وأعماله، وما زال هذا التقليد قائما حتى ولو قصرته الظروف الاقتصادية أحيانا على دعوة لتناول فنجال قهوة لكل من حضر مراسم التشييع، مما يجدر ذكره أن لبس الأسود لا يقتصر أحيانا على حضور مراسم الدفن فقط؛ إذ إن هناك أسرا تتمسك بلبس الأسود لفترة قد تطول لمدة 6 أشهر.

وفيما يتعلق بالتوابيت نجد أن القانون النمساوي يلزم حتى المسلمين بدفن أمواتهم داخل توابيت. وإن كان استخدام التابوت لعموم المسلمين مجرد تنفيذ للقانون، فإنه للغالبية من النمساويين اختيار محسوب وفقا لحسابات اجتماعية ومقدرة مالية. هناك من يرغب في تابوت بسيط وهناك من يدفع آلاف اليوروات ثمنا لصندوق من خشب خاص مع لوح بحيث يظهر على شاشة مضيئة اسم الميت وتاريخ ميلاده ومماته، ويهتم النمساويون باللقب والدرجة العلمية.

من جانبه، كان الإمبراطور جوزيف الثاني قد أمر عام 1748 أن تصنع توابيت ذات أرضية يمكن فتحها بحيث يتم إسقاط الجثث داخل قبور عميقة تستوعب أكثر من جثة، إلا أن رفضا شعبيا أوشك أن يتحول إلى ثورة، أجبره على التراجع عن فكرته التي وصفها محدثون بأنها أشبه بما يدور حاليا من عمليات تدوير وإعادة استخدام.

من أكثر المعروضات إثارة جهاز صغير على شكل جرس إنذار كانوا يضعونه داخل التابوت في متناول يد المدفون، بحيث يسهل أن يلمسه في حالة أنه لم يمت ويرغب في لفت الانتباه للإسراع بإخراجه.

وفيما يبدو فإن قلة من النمساويين لم تكن تثق في فعالية استخدام ذلك «المنبه»، وحرصا على ألا يدفن الشخص حيا بسبب خطأ ما، فإنها كانت توقع نصا وتدفع مبلغا بموجبه يقوم طبيب مختص بعد الموت بإحداث شق في القلب بواسطة سكين.

بدلا عن تلك القسوة ولمزيد من التأكد أن الميت قد مات ميتة لا شك فيها، ولبث كامل الثقة والاطمئنان في النفوس، أصدرت الحكومة النمساوية قانونا بعدم الدفن إلا بعد مرور 48 ساعة على الوفاة.

وكما أوضح لـ«الشرق الأوسط» مصدر مطلع، فإن نسبة 85 في المائة من النمساويين يموتون بالمستشفى، و5 في المائة يموتون في منازلهم. وحتى هؤلاء تتسلمهم شركة الدفن مالكة هذا المتحف، التي أضحت أكبر مسؤولة عن الدفن بعد أن قلصت المنافسة، بسبب صرامة القوانين، عدد الشركات الأخرى، وتضعهم في ثلاجات ولا يتم دفنهم إلا بعد أن تنقضي الساعات المحددة.

بالنسبة للمسلمين هناك اتفاق وتنسيق مع الجهات الإسلامية المسؤولة لتنظيم إقامة صلاة الجنازة، كما أن الأوضاع أصبحت تبعث على مزيد من الطمأنينة بعد زيادة عدد الجاليات المسلمة بالنمسا، وبعد تشييد مقبرة إسلامية خاصة، هذا بالإضافة للمواقع المخصصة لأصحاب كل ديانة داخل المقابر العامة وهي مقابر «جميلة» ونظيفة يكثر الاهتمام بها، كما يسهل الوصول إليها.

إلى ذلك، يعرض المتحف عددا من قطع «الماس» تم صنعها من رماد جثث وفق عملية كيميائية بحتة، مكوناتها ببساطة شديدة الرماد زائد كربون يتم تعريضهما لحرارة شديدة وضغط أشد، وتحتاج إلى 8 أشهر حتى يتحول الرماد إلى ماس يصل سعر القيراط منه نحو 4700 يورو. هذا الماس يفضل البعض تشكيله كصيغة يتم التزين بها تخليدا لأحبائهم ممن رحلوا، بدلا من الاحتفاظ ببقايا الجثة؛ كرماد داخل إناء، حتى ولو كان على شكل كرة قدم.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2013 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام