الثلاثـاء 01 شـوال 1432 هـ 30 اغسطس 2011 العدد 11963
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

صناعة المقروض في القيروان: عراقة بلا منافسة وجودة يهددها الدخلاء

كان يصنع في المنازل وتبيت النساء ليلة عيد الفطر يعجنه حتى الصباح

فتحي المستيري منكب على فتح مغلف المقروض («الشرق الأوسط»)
تونس: عبد الباقي خليفة
سوق بروطة، أحد أهم الأسواق المخصصة للصناعات الغذائية التقليدية وتحديدا المقروض. ومن بينها محلات الإخوة البراق، إحدى أشهر العائلات القيروانية التي تخصصت في صناعة تقليدية معروفة، كما نجد عائلات أخرى تخصصت مثلا في صناعة السجاد اليدوي (الزربية القيروانية) كدار العلاني، أو الذهب والنحاس كدار المرابط وغيرها. وتعود صناعة المقروض في القيروان إلى عدة قرون، ولا يوجد تاريخ محدد، فالبعض يعتبرها صناعة عربية خالصة أي لما يزيد على 13 قرنا، لكونها تعتمد على الدقيق والتمر والزيت، وهي المواد التي كانت متوفرة لديهم، إذ توجد أكلات مشابهة للمقروض في العراق والسعودية ودول خليجية أخرى، وإن اختلفت في المذاق وطريقة الإعداد. وهناك من يعتبر المقروض أكلة بربرية وهناك من يظن أنها أندلسية، بيد أن معطيات كثيرة تؤكد على أنها عربية لا سيما ارتباطها الوثيق بعيد الفطر المبارك، وبعائلات هي في الأصل شرقية.

وكان المقروض يصنع في المنازل، وتبيت النساء ليلة عيد الفطر يعجن ويحشين العجين بالتمر ويقلين المقروض حتى الصباح ثم يقدم المقروض على مائدة الإفطار. وهناك تقليد في تونس يعبر عن مقولة أن المقروض أضاحي عيد الفطر، والخرفان مقروض عيد الأضحى.

لكن سوق بروطة لم يمض عليه سوى 125 عاما فقط على حد ما أكده لـ«الشرق الأوسط» أحد أساطين الصنعة سي فتحي المستيري «يصنع في السوق جميع أنواع المقروض، ومنه حجم صغير بالجلجلان، وحجم كبير بالجلجلان، وأذن القاضي، ونسميها أيضا، الدبلة، ولدينا المقروض الأبيض يتم إعداده في الفرن».

ويستهلك المقروض كميات كبيرة من التمر حتى إن «الإخوة البراق» يقومون كل عام بجلب أطنان من التمور من منطقة الجريد التونسي (الجنوب) ويقومون بتفصيصه وعجنه وتطييبه ووضعه في أكياس خاصة «لاستخدامه في صناعة المقروض طوال العام. «نحن نختار التمر بأنفسنا ولا نشتريه معجونا إذ لا نعرف كيف تمت عملية التنقية والعجن وما شابه».

لم تقف صناعة المقروض عند الطريقة التقليدية وهي حشو العجين (يعد بشكل خاص) بالتمر، ومن ثم طرحه وتقطيعه وقليه في الزيت ومن ثم غمسه في العسل، وتقديمه على المائدة، بل تمت إضافات جديدة ومنها حشو العجين بالطحينية، واللوز، والفستق، والجلجلان (الحبة السوداء) والسنوبر (يطلق عليه في تونس الزقوقو، أي كما ينطق أهل الريف التونسي). كما أن عملية القلي لا تقف عند نوع من الزيوت، فهناك المقروض المقلي في زيت الزيتون، والمقروض المقلي في السمن الطبيعي المستخرج من حليب الأبقار، والمقروض المقلي في زيوت شتى. «لدينا أنواع جديدة من المقروض، وهي، المقروض الأبيض المحشو بالشامية (الطحينية)، والمقروض المحشو باللوز، والمقروض المحشو بالفستق، والمقروض المحشو بالجلجلان (الحبة السوداء) والمقروض المحشو بالزقوقو».

ويبدأ العمل في سوق «بروطة» لصناعة وبيع المقروض منذ الصباح الباكر «نقوم في الساعة السابعة صباحا بملء الأطباق الفارغة بالمقروض، وكلما نقصت الكمية من نوع من الأنواع أطلب من زملائي إحضار كميات أخرى فيلبون على الفور، ثم يلتحق بي اثنان من زملائي لتلبية طلبات الزبائن عند اشتداد الطلب وقت الضحى، وفي كل الحالات نستقبل حرفائنا بالبشاشة والكلمة الطيبة والصبر، فالحريف دائما على حق».

وتختلف أسعار المقروض حسب نوعية الزيوت التي يقلى فيها، فكيلو المقروض المقلي في زيت الزيتون يبلغ 2.5 دينار تونسي (الدينار نصف يورو تقريبا) وكذلك المقلي في السمن. ويصل الكيلو الواحد إلى 3 يورو أي 6 دنانير تونسية بالنسبة للصنف الجديد من المقروض والمحشو باللوز والمحشو بالفراولة، والمحشو بالحلوى الطحينية والتي يطلق عليها التونسيون (الشامية) «لدينا المقروض الأبيض المحشو بالشامية والجلجلان، والمقروض الأبيض المحشو بالفستق، والمقروض الأبيض المحشو باللوز وهو أرفع سعرا، كما لدينا المقروض المقلي في زيت الزيتون، والذي نطلق عليه اسم، دياري، ولدينا المقروض المقلي في السمن، ونسميه الزمني، بمعنى أنه يعود إلى عهود غارقة في القدم، وهو معد بزيت الزيتون والسمن، الذي يزداد عليه الطلب ويلقى رواجا في وقتنا الحاضر».

ولا شك فإن دخول سوق بروطة لصناعة وبيع المقروض في القيروان ليس بالسهل، لا من حيث الازدحام، ولا صعوبة الدخول فهو ميسر وإنما لحيرة الزبائن أمام إغراء أكداس المقروض الذي لا يقاوم «الزبائن يتحيرون عند الشراء، حتى التجار الذين يأتون من مدن ومناطق وأقاليم أخرى لشراء المقروض من عندنا بأسعار الجملة يصابون بهذه الحيرة، فنحن لدينا حرفاء من جميع مناطق البلاد التونسية، من بنزرت وصفاقس وسوسة وغيرها. كما لدينا حرفاء من التجار في أوروبا لا سيما في فرنسا وألمانيا نقوم بانتقاء النوعيات الجيدة ونقوم بتعبئتها بشكل جيد ونرسلها إليهم، ويمكنني القول إن مقروضنا وصل إلى بقاع العالم كلها ولا يوجد مكان في العالم لا يعرف أو لم يسمع بمقروض القيروان».

سوق بروطة لصناعة وبيع المقروض، ليس سوقا فحسب، بل يتم وعلى مشهد من الزبائن، عمليات العجن والحشو والقلي «كل مرحلة من الإعداد لديها عمالها، مراحل العجن والحشو والتقطيع والقلي، ودائما هناك من يصنع وهناك من يقلي بجانبه وهذه العملية لا تنقطع طيلة فترة العمل».

ورغم تعدد أصناف المقروض فإن الزبون بإمكانه أن يعود إلى بيته بقطع من كل صنف بمبلغ 3.5 دينار تونسي.

وتقف أمام صناعة المقروض عقبة كأداء تحول دون تحويله إلى حلويات معلبة ومحفوظة، وهو حرص أهل الصنعة على بقائها أكلة طازجة «ربما يعود الأمر لتقاليد التونسي مع المقروض، فهو يريده ساخنا وعلى مرأى من عينيه، وأخيرا هي صناعة تقليدية ولا بد من أن تباع بطريقة تقليدية» لم يكن تبريرا مقنعا لا سيما أن أهل الصنعة يؤكدون أن المقروض يمكنه أن يصبر لمدة شهر دون مواد حافظة ودون وضعه في الثلاجة. كما أن ما هو معروض في أماكن أخرى لا سيما خارج مدينة القيروان يبقى أضعاف المدة التي تمت الإشارة إليها آنفا دون أن يعتريه التلف والفساد.

ويشير أهل الصنعة إلى أن عائدات العمل مجزية لصاحب المحل وللعمال سواء من يصنعون المقروض أو يبيعونه «هذه الخبزة نقسمها على أربع، جزء لصاحب العمل وجزء للعمال وجزء للتاجر وجزء للزبون، كل الناس تأكل من جهود بعضها البعض» وأردف «صاحب المحل يأخذ 40 في المائة و60 في المائة للعمال والحمد لله جميعنا متزوجون ولدينا أسر ونحقق الاكتفاء الذاتي والحمد لله رب العالمين».

هناك أمر آخر يشكو منه جميع أهل الاختصاص في كل حرفة وكل مهنة، ألا وهو أمر الدخلاء على الصنعة «الدخلاء كثيرون، ففي السابق كان هناك 4 حرفيين فقط في القيروان، هم أقدم الأسر الصنائعية في البلاد، وهم بن سكران، وبن حافة، والسقني، والبراق، وقد قام عمالهم بفتح محلات لصالحهم واستدعاء آخرين علموهم الصنعة وهكذا تكاثر صناع المقروض كالفطر، وكان ذلك على حساب الجودة فهناك رغبة في الربح على حساب الجودة».

ولا يعتقد أهل الصنعة أن بضاعتهم في حاجة إلى الإشهار فهي أشهر من نار على علم «إشهاراتنا هي جودة صنعتنا فمن يشتري مرة واحدة تتحقق له القناعة بصحة اختياره فنحن لا نعمل ليوم واحد وإنما للزمن ومن يعمل على المدى الطويل لا يفكر في الغش إلا إذا كان غبيا».

ويشكو أهل الصنعة من الأزمة الليبية حيث توفر السوق التونسية متطلبات السكان المحليين وكذلك حاجات الليبيين بل الكثير من الجزائريين وهو ما مثل عبئا إضافيا «الأزمة الليبية أسهمت في تقليص كمية السكر والزيت ونحن في القيروان نشكو من نقص السكر والزيت ولا سيما صناع المقروض». وقد وجه أصحاب الصنعة نداء للسلطات التونسية عبر «الشرق الأوسط» «لتوفير الزيت والسكر في هذه الفترة الحساسة، لا سيما السكر، ونوجه نداء لبلدية القيروان ودار الآثار للاهتمام بهذا السوق الأثري».

ولا يزال المقروض هو سيد مائدة عيد الفطر في القيروان «المقروض في المقام الأول وبعده الحلويات الأخرى القطايف والغرايبة والبقلاوة».

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام