الثلاثـاء 05 رجـب 1429 هـ 8 يوليو 2008 العدد 10815
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  







 

«دون جوان» السينما المصرية أرهقه عشق الفن.. وسطوة المال

العثور على أرشيف أنور وجدي.. عند تاجر ورق

الممثلان الراحلان سراج منير وأنور وجدي في أحد أفلامهما («الشرق الأوسط»)
افلام أنور وجدي وليلى مراد كانت من أكثر الأفلام شعبية («الشرق الأوسط»)
الإسكندرية: داليا عاصم
عاشق حتى النخاع، شديدة الغيرة، متقلب المزاج، تسكع وتشرد، وذاق الجوع من أجل الفن، واستطاع أن يصنع لنفسه مكانا مرموقا، وظل الفتى الأول، أو« دون جوان» السينما المصرية لسنوات طويلة. اشتهر أنور وجدي (محمد أنور يحيى وجدي الفتال) باسم «وحيد» وتمتع بمظهر أنيق جذاب، ساعده في ذلك إتقانه الفرنسية، التي تعلمها في مدرسة الفرير، لكن عينه دائما كانت على هوليوود، وظل حلم السفر لأميركا يراوده، حتى أنه طرد من مدرسة العبيدية، لأنه أغرى زميلين له بمحاولة الهروب معه لأميركا ليعملوا في السينما، لكن محاولتهم باءت بالفشل، فبعد أن تسللوا إلى باخرة في بورسعيد، تم ضبطهم.

صعد أنور وجدي سلم الشهرة درجة درجة، مقدما وجبة سينمائية دسمة، جمعت بين الكوميديا والدراما، والفيلم الاستعراضي، حيث قدم مع الطفلة فيروز التي اكتشفها، أفلاما لا تمحى من ذاكرة السينما. يقول مكرم سلامه، أشهر جامع للوثائق السينمائية، والذي حصل على أرشيف أنور وجدي كاملاً: يعد أرشيف أنور وجدي كنزاً دفيناً، فقد عثرت عليه مع أحد تجار الورق، ويضم هذا الأرشيف حوالي 20 بوسترا أصليا لأفلامه وأكثر من 500 صورة فوتوغرافية، ومجموعة من مقدمات الأفلام الأبيض والأسود وجميع محاضر غرفة صناعة السينما المصرية من 11 مايو (أيار) 53 وحتى 15 فبراير (شباط) 1961، بالإضافة إلى «البرس بوك» الخاص بأفلام من إنتاجه. منها «بائعة التفاح» وفيلم «الورشة» مع عزيزة أمير، و«الدكتور» مع سليمان نجيب، و«فتاة متمردة» مع ماري كويني، و«قلب امرأة» مع أمينة رزق. يزين مكرم سلامة جدران منزله بصور أفيشات أفلام أنور وجدي، التي عثر عليها، ويقول: إن أرشيف أنور وجدي تم تدميره بالكامل عقب وفاته، وضاع ما ضاع منه، فليس له ورثة. ويشير سلامه إلى أن أنور وجدي اشتهر بحبه وشغفه بجمع المال، أكثر من أي شيء آخر، ويعزى هذا إلى المعاناة التي مر بها في بداياته. فقد حاول أن يشق طريقة للفن من مسرح رمسيس، وكانت محاولاته للفت الأنظار كلها من دون جدوى، وقد اشترك مع الكومبارس في مسرحية «يوليوس قيصر» في مقابل قرشين صاغ كل ليلة. وكان هذا المبلغ يكفيه للإفطار والغداء والعشاء، وكانت وجبته هي الفول ورغيف خبز، وكان سعيداً بهذا بعدما طرده والده من المنزل، وبعد كفاح طويل ارتفع أجره إلى 15 قرشاً. فقد عانى الكثير من الجوع والفقر، فكان يفطر على حساب محمود المليجي، ويتناول الغداء مع سعيد أبو بكر، والعشاء على حساب استيفان روستي. ومرت عليه أيام لم يذق فيها طعاماً، حتى انه أغمى عليه في شارع عماد الدين وأسرع الناس لإسعافه، وهنا فتح أنور عينيه وقال «يا ناس بدل ما تودوني الإسعاف، أحسن تودوني مطعم الحاتي»، وكان يتخذ من مقهى الفيشاوي مكانا ينام فيه على الكرسي، حتى يطرده الجرسون. في بدايته تعرف أنور على عاملة مانيكير اسمها نيللي، وكانت تحبه كثيراً، وكان يذهب إليها في وقت الغداء ويتناول الغداء، وكانت كثيرة المشاجرة معه بسبب كثرة المعجبات به.

تزوج أنور وجدي ثلاث مرات، كانت زوجته الأولى الفنانة إلهام حسين بطلة فيلم «يوم سعيد» و«رصاصة في القلب»، ولكنه سرعان ما انفصل عنها، لأنه رأى أنها لا تصلح لأن تكون زوجة رجل ثري، وكان لقاؤه عام 1945 بالصوت الملائكي ليلى مراد في فيلم «ليلى بنت الفقراء» الذي قام ببطولته وإخراجه أمامها، والتي كون معها ثنائياً فنياً فيما بعد وقد تزوجها في نفس العام. وجد أنور وجدي ضالته في ليلى، حيث كان يبحث عن المرأة الجميلة الغنية صاحبة الشهرة، ليضيف نجاحها إلى نجاحه، وكان يملك من الحيل للإيقاع بأي امرأة، كما أنها عشقت عناده وعبقريته وجرأته، فقد طلب منها الزواج عقب نزهة بسيارته في شوارع القاهرة، رغم أنه لم يغازلها من قبل ولم يصرح لها بحبه، وقد وجد أنور في ليلى الأم والزوجة الحنون الرقيقة، وبالفعل استغل أنور آخر مشهد في فيلم «ليلى بنت الفقراء» حيث تظهر فيه ليلى بالفستان الأبيض، وهو بالبدلة السوداء ليعلن للصحافيين انه أيضاً آخر مشهد له في حياة العزوبية، حيث انه كان قد تزوج منها صباح نفس اليوم، مما ساهم في شهرة هذا الثنائي الرائع. بعدها كون أنور شركة «الأفلام المتحدة»، لكن طموحه الزائد جعله يفرض على ليلى قيود بألا تعمل مع أحد غيره وادخار مجهودها الفني لشركته فقط، وحاول فرض وصياته الفنية عليها في أفلام ينتجها ويخرجها ويؤلفها ويقوم ببطولتها، حتى انه رفض أن تؤدي دوراً أمام الموسيقار محمد عبد الوهاب، فقد كان أنور يغار من حب ليلى لأستاذها، وعقبها وقع أول طلاق بينهما، لكنه سرعان ما ذهب لمنزل أهلها لتسامحه على أخطائه في حقها. وعادت ليلى، ثم تجددت الخلافات بينهما عندما طالبت بأجورها في الأفلام التي تقوم ببطولتها بعد العائد المادي الهائل الذي حققته، وجاءت الخلافات مرة أخرى تحاصر زواجه بسبب غيرته الشديدة من عمل ليلى مع أي منتج آخر، حيث عرض عليها الطيار المصري أحمد سالم مدير استوديو مصر بطولة أول أفلامه «عودة الأسير»، فرفض أنور في البداية، ولكن بتدخل الأصدقاء وافق على التصوير، ولكنه كان ينتظر الفرصة للانتقام منها، وكان يشعرها بأنه مقصرة في واجباتها الزوجية، وانها تريد أن تحرمه من الإنجاب، أحيانا أخرى كان يتهمها بأنها عاقر، وأثناء خروجها لتصوير الفيلم افتعل معها مشكلة، وألقى عليها يمين الطلاق. وانفصل الاثنان لفترة، حيث سافر أنور إلى باريس للعلاج من مرض الكلى، بعد أن اشتدت عليه الآلام، وقررت ليلى أن تبتعد عن المشاكل والاضرابات وذهبت للإسكندرية لتلقي بمرارتها في بحرها، وكانت تنوي ألا تعود له مرة أخرى، إلا أنه ما أن علم بذلك حتى سارع بإرسال خطاب غرامي لها يستعطفها فيه، ويطلب منها أن تظل بجواره في مرضه ووهنه. وما أن قرأت ليلى الخطاب، حتى توجهت لمطار القاهرة على أول طائرة إلى باريس، لتجده منتظرها في مطار أورلي، وكانت باريس بمثابة محطة لتجديد الحب والغرام بينهما، ولكن للأسف اكتشفت ليلى علاقته بفتاة فرنسية تدعى «لوسييت»، وتأكدت عندما علمت أنه استأجر لها شقة في الزمالك.

تنكرت ليلى في زي خادمة، وحاولت الوصول لهذه الشقة للتأكد من هذه العلاقة، وما أن اقتربت من الباب، حتى سمعت ضحكات زوجها وصديقته، فتمالكت نفسها وانتظرتهما في الخارج وواجهتهما في أناقة، وطلبت منهما ركوب السيارة، وما أن وصلت بيتها في عمارة الإيموبيليا، حتى بدأت في صمت تام في لملمة أغراضها وملابسها، تاركة أنور وجدي في حيرة من أمره قائلة «أشوف وشك بخير» فكان الطلاق الثالث. وكان أنور دائماً يقول «مصيبتي أنني لا استطيع أن أعيش معها، ولا أستطيع أن أعيش بدونها!».

استكملت ليلى مسيرتها الفنية، رغم معاناتها العاطفية، فقد كان الحنين يذكرها به، وبعد فترة حاول أنور التودد لها مرة أخرى، وفكر في الاستعانة بمحلل، ليعود إليها، ولكن ليلى اشترطت أن يدفع لها كل مستحقاتها، وأن تكون العصمة في يدها، وتظاهر أنور بقبول كل الشروط، ولكن ليلى كانت قد فقدت الثقة به، وشعرت أن وراء العودة سراً آخر، وبالفعل كان أنور يروج الشائعات حولها، حتى ترضخ له من دون شروط، ويكشف مكرم سلامة أن الشائعة التي أصابت ليلى مراد في مقتل خلال الخمسينات، هي أنها تبرعت بمبلغ 50 ألف جنيه لإسرائيل، مما تسبب في منع أفلامها وأغانيها في العديد من الدول العربية، وتسبب ذلك في انقطاع دخلها، وتوقف شركات الإنتاج عن سداد باقي أجرها عن أفلامها الأخيرة، وظلت هذه الشائعة تلاحقها 6 سنوات متواصلة، وباءت جهودها في الدفاع عن نفسها وعن وطنيتها بالفشل. لكن رجال الثورة المصرية، حققوا فيما نسب إليها وثبتت براءتها، وتم نشر ذلك في الجرائد المصرية، وهو ما توضحه خطابات شركة «بهنا فيلم» إلى غرفة صناعة السينما المصرية. اكتشفت ليلى أنه يلاحق شابة جميلة هي ليلى فوزي، وساعدها على الطلاق من زوجها عزيز عثمان، وكانت خطبتهما بمثابة صدمة كبيرة لها. وتذكره ليلى فوزي في أحد تصريحاتها الصحافية «تم زواجنا في العاصمة الفرنسية باريس، ودعوت فيه موظفي السفارة المصرية هناك، وحضر زواجنا فريد الأطرش وسليمان نجيب، اللذان جاءا من مصر خصيصاً، وعشت مع أنور أربعة أشهر من أجمل أيام عمري»، وقد أصيب أنور بأزمة صحية، أدت لتدهور صحته بسرعة كبيرة جداً، وسافر لاستوكهولم للعلاج، حيث وافته المنية يوم 15 مايو 1955.

قدم أنور وجدي أعمالا سينمائية رائعة، ومن أهم أفلامه: «العزيمة»، «ليلى بنت الريف»، «ليلى بنت الفقراء»، «عنبر»، «دهب»، «انتصار الشباب»، «غرام وانتقام»، «ريا وسكينة»، «الوحش»، «النمر»، «حبيب الروح»، «غزل البنات»، «قلبي دليلي»، «أمير الانتقام»، «قطر الندى»، «شباك حبيبتي»، «عروسة للإيجار»، «خطف مراتى»، «قلوب الناس»، «طلاق سعاد هانم»، «فاطمة»، «سرابي»، «مدينة الغجر»، «ليلة الجمعة»، «ليا حظ»، «قتلت ولدى»، «قبلة في لبنان»، وكان آخر أفلامه «الأستاذ شرف» عام 1954.

ويروي الكاتب مصطفى أمين، أن السيدة زينب صدقي، كانت نجمة المسرح القومي، واعتادت أن تقيم المآدب وتدعو لها زملاءها وكبار الكتاب والصحافيين، ودعت أنور وجدي الممثل الصغير في الفرقة، وتطرق الحديث إلى الحب والمال والصحة والمجد، أيها أهم للإنسان. وقالت زينب: المهم الصحة أولاً، وهنا قفز أنور من مقعده، وشب واقفاً على قدميه وصاح: صحة ايه يا ست زينب! ثم رفع يديه إلى السماء وقال: يا رب اعطني نصف مليون جنيه وسرطان! وصرخت زينب في وجهه قائلة: اسكت يا مجنون! وانفجر الحاضرون يوبخونه ويلعنونه، وهو يصر على أن الفلوس أهم من الصحة ومن الحب ومن المجد، وأنها هي السبيل للحصول على كل شئ. ولما أصابه المرض الخبيث كان يصرخ ويقول «معقول بعد أن ذقت الفراخ وتمتعت بالديوك الرومية أعود آكل الفول النابت!؟»، كان يضحك مما حدث له، فقد أصبح يدخل المطاعم الفاخرة، ولكن من دون معدة تتحمل الطعام الفاخر. يصفه مصطفى أمين بأنه كان شخصية عجيبة، يثور ثم يغضب يبكي ثم يضحك، يقرر أن يقتل في الصباح ناقداً لأنه هاجم أحد أفلامه، وفي المساء يدعو نفس الناقد لتناول العشاء. كان أنور وجدي خفيف الروح مرحاً يحب الضحك، ثم ينقلب إلى وحش مفترس.. كان قلبه طيباً وكانت الفلوس نقطة ضعفه الوحيدة، وعندما جاءته الفلوس لم يستطع أن يستمتع بها!

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Terms of use
شروط الانتفاع
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2014 © H H Saudi Research and Marketing LTD, All Rights Reserved And subject to Terms of Use Agreement .
© جميع الحقوق محفوظة للشركة السعودية البريطانية للأبحاث والتسويق وتخضع لشروط وإتفاق الإستخدام